ليلة في ملهى

لما كان الرصافي في الآستانة سنة ١٨٩٨ أخذه جماعة من فضلاء فلسطين، معهم الأستاذ خليل السكاكيني، إلى مرقص من مراقص الآستانة في إحدى الليالي، واقترحوا عليه أن يصفه، فقال هذه القصيدة:

طرب الشعر أن يكون نسيبا
مذ أجالت لنا القوامَ الرَّطيبا
وتجلَّت في مسرح الرَّقص حتى
أرقصت بالغرام منا القلوبا
أقبلت تنثني بقدٍّ رَشيقٍ
ألبسته البردَ القصير قشيبا
قصَّرتْ منه كمَّه عن يديها
وأطالت إلى النهود الجيوبا١
حبسَ الخصرَ حيث ضاق ولكن
أطلق النحرَ باديًا والتريبا
هو زيٌّ يزيد في الحسن حسنًا
من تزيَّا به، وفي الطيب طيبا
خطرت والجمال يخطر منها
في حشا القوم جيئة وذُهوبا
وعلى أرؤسِ الأصابع قامت
تتخطَّى تبخترًا ووثوبا
يعبس الأنسُ أن تروح ذهابًا
ويعيد ابتسامة أن تئُوبا
فَهْي إن أقبلت رأيت ابتسامًا
وهي إن أدبرت رأيت قطوبا
نحن منها في الحالتين ترانا
نرقب الشمس مطلعًا ومغيبا
تضحك الجوَّ في الصباح طلوعًا
ثم تبكيه في المساء غروبا
أظهرت في المجال من كل عضوٍ
لعبًا كان بالقلوب لعُوبا
حَيَّرتنا لما أرتنا عجيبًا
فعجيبًا من رقصها فعجيبا
شابَهت عطفةَ الغصون انثناءً
وحكت خطرةَ النسيم هبوبا
تلفِتُ الجيد للرجوع انصياعًا
كفطيم رأى على البعد ذيبا
تثب الوثبة الخفيفة كالبر
ق صُعودًا في رقصِها وصبوبا٢
حركات خلالها سكنات
يقف العقل بينهنَّ سليبا
وخطًا تفضح العُقود اتِّساقًا
نظمتها تسرُّعًا ودبيبا
بَسمت كوكبًا ومرَّت نسيمًا
وشدَتْ بلبلًا وفاهت خطيبا
لو غدا الحسن شاعرًا ينظم الحبَّ
قريضًا أبدى بها التشبيبا
هي كالشمس في البِعاد وإن كا
ن إلينا منها الشعاع قريبا
عمتِ الناسَ بالغرام فكلٌّ
قد غدا عاشقًا لها ورقيبا
زَهرةٌ تبهج النواظر حسنًا
ورُواءً وتُنعش الرُّوح طيبا
هي دائي إذا شكوت من الدا
ءِ وطِبِّي إذا أردت طبيبا
وأتت بعدها من الغيد أخرى
يقتفي إثرَها الجمال جنيبا
فأرتنا من الجبين صباحًا
ومن الخدِّ كوكبًا مشبوبا
حملت بندُقيةً صوَّبتها
نحو مُستهدِفٍ لها تصويبا
واستمرَّت رميًا بها عن بنانٍ
لطفه ضامن له أن يصيبا
تحسن الرمي تارة مستقيمًا
وإلى الخلف تارة مقلوبا
وانكبابًا إلى الأمام وإقعَا
سًا كثيرًا إلى الوراءِ عجيبا
وهْيَ في كل ذا تصيب الرمايا
مثلما طرفها يُصيب القلوبا
لو أرادت رمي الغيوب وأغضت
لأصابت خفيَّها المحجوبا

•••

مشهد فيه للحياة حياة
تترك الوالهَ الحزين طَروبا
قد شهدناه ليلةً جعلتْنا
نحمدُ الدهر غافرين الذنوبا
بين رهطٍ شُمِّ العرانين ينفى الـ
ـهَّم عنِّي حديثُهم والكروبا٣
كرمُوا أنفسًا وطابوا فِعالًا
وسمَوا محتدًا وعفُّوا جُيوبا
كل ذي نجدةٍ تراه لدى الفعل
كريمًا وفي المقال أديبا
تلك والله ليلةٌ لست أدري
في بلادي قضيتها أم غريبا
كدتُ أنسى بها العراق وإن
أبقى ندوبا بمهجتي فندوبا
يا سواد العراق بَيَّضَك الدهـ
ـر فأشبهتَ مقلَتي يعقوبا
شَمَلَت ريحك العقيمُ وقد كا
نت لقوحًا تهُب فيك جنوبا
أين أنهارُك التي تملأ الأر
ض غِلالًا بسيحها وحبوبا؟٤
إذ حَكت أرضك السماء نجومًا
ماحِياتٍ أنوارهنَّ الجُدوبا
لهف نفسي على نضارة بغدا
دَ استحالت كدُورةً وشحوبا
أين بغدادُ وهْي تزهو علومًا
وزروعًا وأربعًا ودرُوبا؟!
أقفرَت أرضها وحاق بها الجهـ
ـل فجاشت دواهيًا وخطوبا
١  المراد بالجيب هنا فتحة الطوق، من عند الرقبة إلى ما بين الثديين.
٢  صبوبًا: انحدارًا.
٣  أشم العرنين: مرتفع قصبة الأنف؛ كناية عن الإباء والشمم وعلو النفس.
٤  السيح: النهر يسيح ماؤه على وجه الأرض؛ أي يسيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤