في ليلة نابغيَّة١

خاضَ الدجى وظلام الليل مختلطُ
صوت به الوجدُ مثلُ السيف مخترَطُ٢
يَبُثُّ في الليل حزنًا لو أحس به
لبان في لمَّتيهِ الشيبُ والشمَط٣
أبديه منقبضًا منه على شَجَن
فيملأ الليلَ إرنانًا وينبسِط
أرسلت منه أنينًا فات أوَّله
سمعي وآخره بالقلب مرتبط
والليل أرسل وحْفًا من غدائره
كأنه بثُريَّا الأفقِ يمتشط٤
والنجم في القبة الزرقاء تحسبه
فرائدًا وهي من فيروزَج سَفَط٥
كم قلت والليل جَثْلُ الشعر فاحمه
شعرًا به كاد فرع الليل ينمعط٦
ينجاب ليلُ العمى عن قلب سامعه
كالفجر إن لاح فالظلماء تنكشط
لهْفي على حِكمٍ ما زلت أنْثرُها
درًّا ثمينًا وما في القوم ملتقِط!
ضاع الدواء الذي قد كنت أوجِره
مَن ليس يشرب أو من ليس يَسْتعِطُ٧
تقول لي — إن غبطتُ القومَ — تجربتي:
لا تغبِطَنَّ فما في القوم مغتبط

•••

قُل لِلْأُلَى نطقوا بالضاد مُدَّغمًا:
لم يدغِمِ الضاد آباءٌ لكم فرطوا٨
أيحسُن اللحنُ إذ آباؤكم فصَحوا
أم يحسن العجز إذ آباءكم نشِطوا؟!
فيكم غلوٌّ وتقصير وبينهما
ضاع المراد أأنتم أمة وَسَط؟!
إني ابتُليت بقوم يبَعرون على
أعقابهم، وإذا عنَّفتهم ثلَطوا٩
شطُّوا بأقوالهم حتى لقد غضبوا
إذ قلت: يا قومُ في أقوالكم شطط
فبدِّلوا القول إن صحَّت عزائمكم
فعلًا وإلا فإني يائس قنِط
قد حِرت في الأمر؛ إني حين أسخِطهم
يرضوْن عني وإن أرضيتهم سخطوا
فاز الذي كان في أحواله وَسَطًا
فالمرُّ يُعْقى وإن الحلوَ يُسترط
قل للأعاريب: قد هانت مكارمكم
حتى ادَّعاها أناس كلهم نَبط١٠
برأتُ للعُرب العرباء من فئةٍ
ينمونَ للعُرْب إلا أنهم سَقط
أين المكارم إن هم أصبحوا عَرَبًا
فإنها في طباع العُرب تشترط؟
إن يغمِطوني لأني جئت أنهضهم
فأي مستنهض ذي نجدة غمطوا
هم كالضفادع فاسمعهمْ إذا رطنوا
فما هنالك إلا اللغو واللغط
يستنثرون صغارًا من معاطسهم
ولا يبالون أن قالوا وأن ضرطوا
العارُ يرحل مَعْهم أينما رحلوا
والخِزي يهبطُ معهم أينما هبطوا
من كل أشوهَ لاحت من مغامزه
في وجْه كل حياة حوله نقط
قد رَثَّ عرضًا وإن جدَّت مآزرهُ
من كلِّ مخزية في وجهه شَرَط١١
تراه يشخر عند الأكل من جشع
كأنما هو عند الأكل يمتخط
الخَلق كالخَطِّ لا تقرأ لئامَهمُ
واشطب عليهم بنعل إنهم غلط
إن رُمت تشبع من مجد فكُلْ هممًا
كأكلك السمن ملبوكًا به الأقِط
نفسي تجيش لأمر لو صدعت به
لزُلزلت دونه البلدان والخطط
١  لما نشر الرصافي قصيدته «ما هكذا» ضج له ضجيج القوم، وأخذت صحفهم تشنع عليه الأمر، وترميه بما هو براء منه وخلاء، فبلغه الخبر وهو إذ ذاك في الآستانة فبات له قَلِق الحشا، فكتب هذه القصيدة وكأنه كان في ليلة نابغية.
٢  مخترط بصيغة المفعول: أي مسلول.
٣  الشمط: بياض الشعر، فعطفه على المشيب من قبيل عطف التفسير.
٤  الوحف، بفتح فسكون: الشعر الأسود الحسن.
٥  السفط بفتحتين: وعاء مقعر مستدير كالقفَّة، أكثر ما تستعمله النساء لوضع حليها.
٦  الجثل من الشعر: الكثير اللين. والفرع: الشعر التام. وينمعط: يتساقط ويتمرط، والمراد بفرع الليل: ظلامه، وبانمعاطه: انجلاؤه وإضاءته.
٧  قوله: «أوجره» نقول: أوجرت المريض الدواء؛ إذا صببته في فيه، ويستعط: يُدخل السعوط في أنفه.
٨  فرطوا: أي سبقوا وتقدموا.
٩  يبعرون: أي يرمون رجيعهم بعرًا، وهو رجيع ذات الخفِّ. وقوله: «ثلطوا» أي: سلحوا سلحًا رقيقًا، يقال للإنسان إذا رق نجوه: هو يثلط ثلطًا. ومعنى البيت: إني إذا لمتهم على خطئهم الصغير، فبدل أن يكفوا عنه يأتون بخطأ أكبر.
١٠  النبط بالتحريك: جيل من العجم، ويستعمل أيضًا في أخلاط الناس وعوامِّهم.
١١  الشرط، بالتحريك: العلامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤