بعد براح الشام

قد صحَّ عزمك والزمان مريضُ
حتَّامَ تذهبُ في المنى وتئيضُ؟!١
ما بال همك في الفؤاد كأنه
عَظم يقلقل في حشاك مَهيض؟!
كم بتَّ مُعْتلجَ الهموم بليلة
ما للظلام بفجرها تقويض!
طنَّت بمسمعِك الهواجس في الدجى
فنَفت كَراكَ كما يَطِنُّ بَعوض
تنبو جُنوبك عن فراشٍ ناعمٍ
فكأن مضجعك الدميثَ قضيض
وكأن جنبك بالجوى متقرِّح
وكأن قلبك بالهموم رضيض
كَبُرَت لنفسك في الحياة لُبانة
ضاقت سموات بها وأروض
ما زلتَ تقتحم المهالكَ دونها
فالهول يركب والصعابَ تروض
لله أنت فأيَّ هولٍ تمتطي
أم أي معترك الخطوب تخوض؟!

•••

ولربَّ قافيةٍ كمؤتِلق السنا
يجلو الشكوكَ يقينها الممحوض٢
صرَّحتُ في إنشادها بحقيقة
فات الأنامَ بمثلها التعريض
ولقد أَجَرَّنيَ القريضُ عِنانَهُ
ونحا بيَ المِضمار وهو مَروض٣
وأتى المدى يوم السباق مجلِّيًا
يجري سَبوحٌ خلفه ورَكوض
قد كنتُ أنبط للقريضِ قريحةً
بمفاخر العرب الكرامِ تَفيض
ولكم وقفت من السياسة موقفًا
مَحيايَ فيه على التوَى معروض٤
مستنهضًا بالشعر قومي للعلا
إذ كان فيهم فترة وربوض
أيامَ لم ينطق بذلك شاعر
قبلي ولم ينشد هناك قريض
حتى إذا دار الزمان مداره
خاب القريضُ وعاد وهو جريض٥
وغدا ينازعني الحرورةَ شاعرٌ
ما كان حرًّا شعرُه المقروض٦
ويبزُّني ثوبَ الأمانة خائنٌ
كأبي براقشَ طبعه المرفوض٧
كم مدَّعٍ دعوايَ في وطنيَّةٍ
أنا كنت أبنيها وكان يَقوضُ!
من كل عبد في السياسة باعَهُ
وشَرَاه هذا الدرهم المقبوض
تَعِسَ المخاصِم إنَّ لي لقصائدًا
طَرْفُ المعاند دونهنَّ غضيض٨
فإذا ادَّعيتُ فهن في دَعوايَ لي
حُجج دوامغُ ما لهنَّ دُحوض
وسَلِ اليراع يُجِبْكَ عنِّي ناطقًا
بمقال صِدق ليس فيه غموض

•••

لمَّا تكرَّهني الأراذلُ سَرَّني
أني إليهم يا أُميمَ بَغيض
ولقد برِئت إلى الوفاء من امرئٍ
عهد الصداقة عنده منقوض
وجزيتُ كلَّ صنيعة بمثالها
إن الصنائع في الرجال قروض
لا تطلبنَّ من الزمان حقيقة
ما للحقيقة في الزمان وَميض
وإذا مخَضتَ من الليالي صرفها
أبدى العجائب صرفها الممخوض٩
وحوادث الأيام مثل نسائها
في الحكم تطهر تارة وتحيضُ
ولربَّما أنتجنَ كلَّ كريهة
سوداء تقنأ في وَغاها البيض١٠
قد ساء منقلَب البلاد بأهلها
فانحطَّ أوْجٌ واشمخرَّ حضيض
ذهَبَ الحياء فكم رأينا صاغرًا
قد جاء وهو لمذْرويه نَفوض١١
وقح تعامى عن مَدانس عرضه
فزهاه عُجْبًا ثوبه المرحوض١٢
غلب الشقاء على الأنام فخيرهم
دثٌّ وقَطر شرورهم إغريض١٣
كيف السعادة في الحياة وللورى
في قوس كل ضغينة تَنْبيض؟!١٤
أم كيف تبتدع المعالي أمَّةٌ
في العلم قلَّ نصيبها المفروض؟!
لن تعدم الدنيا الشقاء بأهلها
ما دام ملك في البلاد عضوض
ويحَ الذكاء فقد تأخَّر أهله
حتى تقدَّم مَن قفاه عريض
أخزى البِلاد مفاسدًا بلدٌ به
مُقِت الأديبُ وأكرم العرِّيض
وإذا الفتى قعدَتْ به أفعاله
أعياه بالنسب الرفيع نهوضُ
والمرء إن عدمت سجيته العُلا
لم يبتعْثه إلى العلا تحريض
١  آض يئيض أيضًا: رجع.
٢  الممحوض: من المحض، وهو الخالص.
٣  أجرني الفرس عنانه: أسلس لي قياده. والمضمار: الميدان الذي يضمر فيه خيل السباق. والمروض: المدرب على الجري في السباق.
٤  توى يتوي توًى من باب فرح: هلك، يريد: وقفت في السياسة مواقف كثيرة تعرَّضت فيها حياتي للحِمام.
٥  الجريض: غصص الموت.
٦  الحرورة: بفتح الحاء، كالحرية والحرورية، والحرارة والحرار، وهي العتق والنفاسة.
٧  يبزني: يسلبني. وأبو براقش: حيوان لا يزال جلده يتلون ألوانًا في ضوء الشمس.
٨  غضيض: مغضوض؛ أي مكسور.
٩  وضع اللبن في السقاء وتحريكه لاستخراج الزبد منه.
١٠  تقنأ: تحمر. والوغى: الحرب. والبيض: السيوف، جمع أبيض.
١١  المذروان: مثنى مذرى، وهو طرف الألية. ونقوض: محرك؛ أي كم حقير ذليل جاء يستطيل على غيره ويهدده.
١٢  زهاه: ملأه. والمرحوض: المغسول.
١٣  الدث: أضعف المطر وأخفه، جمع دثاث. والإغريض: قطر كبار.
١٤  التنبيض يقال: نبض قوسه نبضًا؛ إذا جذب وترها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤