الفصل الخامس

الإدارة العقلانية

نُشِر العمل الرائع الثاني لتوكفيل تحت عنوان «النظام القديم والثورة» في عام ١٨٥٦. في هذا العمل، تناول توكفيل النظامَ الملكي القديم في فرنسا، لكنه لم يصل لمرحلة الثورة الفرنسية، وبقي الكتاب غير مكتمل عندما توفي توكفيل في عام ١٨٥٩. درس توكفيل النظام القديم تطلُّعًا للثورة الفرنسية لأنه هو الذي أدَّى إلى قيامها. لقد تسبب هذا النظام القديم في إسقاط نفسه عبر عشرين جيلًا بتأسيسه لنظام الإدارة العقلانية، الذي ربما نطلق عليه الحكم بالجدارة. الإدارة العقلانية من وجهة نظر توكفيل هي المقابل للديمقراطية، وقد رأيناها في شكل إدارة مركزية في كتابه «الديمقراطية في أمريكا».

في عمله اللاحق الذي بعنوان «النظام القديم والثورة»، أسهب توكفيل في عرض معنى وأساليب الحكومة الكبيرة البيروقراطية، وأشار إلى أنها ليست فقط صورة مخيفة للمستقبل، رسمها أعداء الديمقراطية، لكنها أيضًا حقيقة تاريخية فعلية في فرنسا؛ فالنظام الملكي الفرنسي لم يكن ينوي إقامةَ نظام ديمقراطي، لكنه مع ذلك قام بما تفعله الديمقراطية؛ فمن خلال القضاء التدريجي على النظام الإقطاعي الذي حكم فيه النبلاءُ المناطقَ التي كانت تحت سيطرتهم، ساوى الملوك الفرنسيون ورؤساء وزرائهم — من أمثال الكاردينالين مازاران وريشليو — أولًا بين كل المواطنين، ثم أعادوا تنظيمهم في تسلسل هرمي جديد غير إقطاعي خاص بالدولة المركزية الحديثة، التي يعيش في ظلها اليومَ الفرنسيون، وبدرجات متفاوتة كلُّ الشعوب الديمقراطية.

كانت الثورة الديمقراطية التي حدثت في فرنسا في عام ١٧٨٩ نتاجًا مهمًّا غير مقصود للسياسة التي اتبعها الملوك الفرنسيون وتراخي طبقة النبلاء الفرنسية، وهما الأمران اللذان ساهمَا معًا في تحديث فرنسا دون قصد. كانت الديمقراطية في فرنسا ممثلة في نظام ملكي سقط نتيجة ثورة مفاجئة وعنيفة، بسبب منطق استراتيجيته الأساسية القائمة على التحالُف مع الشعب ضد النبلاء. اندمجت الاستراتيجية السياسية لهذا النظام مع خطط المفكِّرين الخاصة بالإصلاح في نظام الإدارة العقلانية. لم يكن لدى هؤلاء المصلحين التجريديين اهتمامٌ بالسياسة بالأساس، لكنهم فضَّلوا النظام الملكي باعتباره أداةً للإصلاح، واستبعدوا الديمقراطيةَ لأنها فجة وجاهِلة ومعارِضة للإصلاح؛ ومن ثَمَّ فإن الديمقراطية كانت نتاجًا لقوتين متحالفتين — النظام الملكي والمصلحين — كانتا معارضتين للديمقراطية وتوحَّدَتَا فقط بسبب عداوتهما المشتركة للطبقة الأرستقراطية. حدث التحرك الكبير للعقل الإنساني ضد النظام الإقطاعي القائم على الامتيازات والتحيزات — الذي فسَّره الفيلسوف هيجل بأنه التأكيد الحاسم لسيادة فكر الإنسان — بالصدفة أو باعتباره نتيجةً، لم تتوقَّعها كل الأطراف. تلك هي الفكرة الرائعة والمدهشة التي يقوم عليها كتاب توكفيل «النظام القديم والثورة».

كشف توكفيل لأول مرة عن فكرة كتابه في أواخر عام ١٨٥٠ في خطاب إلى صديقه لوي دي كيرجورلي، وذكر أنها تتمثَّل في دراسة «الدراما الطويلة للثورة الفرنسية». وبعد ذلك بعامَيْن، أشار إلى خطبته التي ألقاها في عام ١٨٤٢ في الأكاديمية الفرنسية التي هاجَمَ فيها حكمَ نابليون، معتبرًا إياه «نموذجًا مثاليًّا للاستبداد» في تاريخ العالم وشجب الأفكار المجردة التي قامت عليها الثورة. كانت هاتان النقطتان معًا تشيران إلى ما نتج عن تلك الثورة وأصلها، وكان يعتزم البدء في بحثهما. وحتى قبل ذلك — في عام ١٨٣٦ — وبينما كان يتمتع بالنجاح الذي حقَّقه الجزء الأول من كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، كتب مقالة عن فرنسا قبل عام ١٧٨٩ وبعده، وكان قد كلَّفه بكتابتها جون ستيوارت ميل، ونُشِرت في دورية «لندن آند وستمنستر ريفيو» التي كان ميل رئيسَ تحريرها. وانطلاقًا من تصوره للكتاب الذي وضعه في عام ١٨٥٠، تحوَّلَ تركيزه زمنيًّا على نحو عكسي من نابليون إلى أول حكومةٍ تكوَّنت بعد قيام الثورة إلى النظام القديم، مستقرًّا على تناوُل النظام القديم في أغسطس من عام ١٨٥٣.

بدأ توكفيل العمل في كتابه في يناير من عام ١٨٥٢، وأخذ يقرأ السجلات التاريخية ويدوِّن ملاحظاتٍ عنها، وفي يونيو من عام ١٨٥٣، وجد أن هناك حاجة للرجوع إلى السجلات الخاصة بالنظام القديم، وقضى عامًا كاملًا في مدينة تور منكبًّا على السجلات الخاصة بكبار المسئولين في إدارتها. وقد أخفت العبارات الجذابة والبارعة والمنمقة الواردة في الكتاب وراءَها عمليةَ قراءة كتب وكتيبات وبحث في أرشيفات يعلوها التراب. كشف روبرت جانيت في كتابه الرائع «كشف النقاب عن توكفيل» عن الأدلة التي اعتمد عليها الكتاب، وأشار إلى «الأسلوب المتكتم» لمؤلفه. لقد كان غرض توكفيل من ملاحظاته واقتباساته المتعددة هو على نحو أساسي التوضيح، كما أنه لم يكن يذكر في الغالب المصادرَ التي اقتبسها منها. في نفس الوقت، كثيرًا ما ذَكَّرَ قرَّاءه بالجهد الذي قام به، ويمكن أن نقول إنه كان يفتخر به، كما لو أنه كان يتحدَّاهم أن يقوموا بالبحث عن حقيقة الأمور بأنفسهم دون توجيه من أحد.

بدأ توكفيل بوصف عمله بأنه «دراسة»، لكن ما نوع تلك الدراسة؟ إنها تاريخية على نحو مباشر أكثر من كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، الذي انطلق من «حقيقة إلهية»، متمثِّلة في الاتجاه المتعاظم نحو مزيدٍ من الديمقراطية، ثم من افتراضٍ يقضي بأن صورة الديمقراطية موجودة في أمريكا. وفي نهاية هذا الكتاب، أشار لشبح الاستبداد الهادئ، لكنه عرضه من منظور الشعب، مفسِّرًا سببَ ترحيب الشعب بالسلطة الخانقة للحكومة الكبيرة، ووصف الحلول التي طبَّقها الأمريكيون لمواجهة هذا الاستبداد. ثم أعلن أنه يقبل الديمقراطية على نحو مسئول، بالرغم من الأخطاء الموجودة بها، مدَّعِيًا أنه لا بديلَ لها في أي عصر ديمقراطي، وأنها إلى جانب ذلك أكثر عدالةً من النظام الأرستقراطي. تناول كتاب «النظام القديم والثورة» نفسَ هذا الاستبداد الذي سمَّاه هنا «استبداد الديمقراطية»، لكن من منظور الملك والنبلاء؛ فقد أنتجا ديمقراطية لم يكن أيٌّ منهما يسعى إليها، وجلبَتْ عليهما ثورةً صاحَبَها عنفٌ شديدٌ لم يكن أحد يتوقعها. يتحسر هذا الكتاب بشدة على ضياع النظام الأرستقراطي الذي نتج عنه «أمة» مكوَّنة من حشد غير متماسك من المواطنين الخائفين أو الغاضبين. وهو يفصِّل الطمع الاستراتيجي للملوك ولامبالاة النبلاء، بينما يثني فقط على جوانب المجتمع الفرنسي التي تجاهَلَ هذان الطرفان الاقترابَ منها بتدخلهما الفاسد وغطرستهما.

كان كلا العملين سياسيين على اعتبار أنهما كانا يقدِّمان النصحَ لفرنسا ولكل الأمم الأخرى، لكن توكفيل في كتابه «النظام القديم والثورة» عبَّرَ عن سخطه بوضوح ولم يُبْدِ سوى القليل من الحياد الهادئ الذي كان يميِّز كتابه «الديمقراطية في أمريكا». لم يكن مستاءً من الثورة بقدرِ ما كان مستاءً من النظام الملكي القديم الذي حلَّت محله، ولم يكن غاضبًا من هذا النظام بقدرِ ما كان غاضبًا مما نتج عنه وعن الثورة من استبداد على يد نابليون. وحتى تتضح تلك النقطة، يجب أن نلاحظ أن السبب في استبدادِ حُكْم نابليون كان الضحالةَ البرجوازية لإمبراطورية ابن عمه لويس نابليون.

لقد تم تصنيف كتاب «النظام القديم والثورة» على نحو صحيح باعتباره أحد كتب «التاريخ السياسي»؛ لأنه جمَعَ بين الحكم السياسي والتاريخ، مع تجنُّب استخدام أسلوب الجدل وعدم التزام الموضوعية العلمية. غير أن الاختلافات بين هذا الكتاب وكتاب توكفيل السابق تتعلَّق بالشكل لا بالمضمون؛ فهذا الكتاب يجب النظر إليه باعتباره عرضًا لنفس القلق الأصيل بشأن توافر المتطلبات الخاصة بالحرية السياسية التي يمكن ملاحظتها في الكتاب الآخَر ولكن فيما يتعلق بفرنسا؛ ففي حين أن كتاب «الديمقراطية في أمريكا» انطلق من اتجاه إلهي نحو الديمقراطية، ربما يكون أو لا يكون مؤيدًا للحرية، لكن في تصدير الكتاب الثاني أعرَبَ توكفيل أنه انطلق في تأليفه من شغفه بالدفاع عن الحرية ودعم الرغبات الأسمى المفعمة بالنشاط التي تطلقها الحرية أثناء الدفاع عنها. في باقي الكتاب، كان شغفه بالحرية مبررًا باكتشافه أن فقدان الحرية في فرنسا نتج على نحو حتمي عن فقدان الحرية السياسية في ظل النظام الملكي؛ حيث إن السياسة والحرية لا يمكن الفصل بينهما. هناك نقطتان متعلقتان بعلم السياسة لم يتم التعرُّض إليهما بشكل وافٍ في كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، وقد تم تناولهما في كتاب «النظام القديم والثورة»؛ وهما: الجذور الأرستقراطية للحرية السياسية، والخطر على تلك الحرية الناشئ من الإدارة العقلانية. لكن من الأفضل بدء تناوُل الكتاب باستعراضِ طرْحِه التاريخي الأساسي.

استمرارية الثورة

ظنَّ الثوار الفرنسيون أنهم انفصلوا تمامًا عن الماضي وأنه ذهب بغير رجعة، وسَعَوا لتقسيم تاريخ بلدهم إلى قسمَيْن مختلفين تمامًا، الأول قبل عام ١٧٨٩ والثاني بعده، واعتقدوا أنهم نجحوا في ذلك. وحتى معارِضو الثورة اعتقدوا ذلك أيضًا؛ فقد أعلن إدموند بيرك، السياسي والفيلسوف البريطاني الشهير، الذي اختاره توكفيل ليكون غريمه ونقيضه طوال كتاب «النظام القديم والثورة»، أن الثورة الفرنسية كانت «أول ثورة مكتملة الأركان» في التاريخ؛ فقد كانت ثورة في المشاعر والسلوك والآراء الأخلاقية التي وصلت «حتى لبنية العقل البشري». عارض توكفيل نقطة الاتفاق هذه من قبل الجانبين، ورأى أن الثورة كانت ناتجة عن المجتمع الذي قامت بتدميره، وأن السبب فيها كان النظام الملكي القديم في فرنسا الذي انخرط في مهمة تدمير نفسه عن عمد، ولكن دون أن يعي ما كان يفعل تمامًا. لم تبدأ الثورة فقط في عام ١٧٨٩ مع سقوط سجن الباستيل؛ فقد بدأت في عام ١٤٣٩ (أو ١٤٤٤) من اليوم الذي استطاع فيه الملك شارل السابع فرْضَ ضريبة جديدة دون موافقة النبلاء.

غير أن توكفيل لم ينكر حدوث تغيير كبير؛ فقد أنكر فقط أنه حدث بسبب الإرادة البشرية، سواء من جانب الثوار أم ضد رغبة معارضيهم؛ فقد كان المؤرخون الديمقراطيون الذين هاجَمَهم توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا» لإنكارهم دور الإرادة البشرية في التاريخ، على حق في توقُّعهم قدوم الديمقراطية. يشير عنوان كتاب توكفيل «النظام القديم والثورة» إلى حجم هذا التغيير، غير أنه لم يصف تلك الثورة ﺑ «الفرنسية» (كان توكفيل قَلِقًا بشأن عنوان كتابه، ويبدو أنه قبل نشره مباشَرةً قد حذف صفة الثورة أو وافق على حذفها). وافق توكفيل على أن الثورة كانت مكتملةَ الأركان، كما قال بيرك، وأنها كانت بمنزلة نموذجٍ لكل الأمم الأخرى وللإنسانية جمعاء، التي حذت حذوها الثورة الأمريكية. إنها لن تتكرر أو تُمحَى من جانب ثورات مستقبلية، وفي واقع الأمر كان مقدَّرًا لها أن تُكمِل كل الثورات السابقة التي لم تكن مكتملةً، وكانت من ثَمَّ بحاجة إلى ثورات أخرى لاستعادة الماضي. ما أصر عليه هو أن هذا التغيير الكبير كان قد بدأ قبل ذلك بقرون عديدة، فهو لم يكن حديثًا؛ كان يجب ألَّا يُنظَر إليه باعتباره أمرًا مفاجئًا. أشار توكفيل في كتابه إلى الإجراءات التي أدَّتْ إلى إحداث هذا التغيير، والتي في ذات الوقت لم يُلحَظ معناها الكلي وهي تحدث. بعد عام ١٧٨٩، اتضح معناها من خلال افتخار الثوار بما فعلوه وهجوم أعدائهم عليهم.

fig8
شكل ٥-١: إدموند بيرك، السياسي والفيلسوف البريطاني. في كتاب «النظام القديم والثورة»، كان توكفيل يقارن دائمًا بين تحليل بيرك للثورة الفرنسية وتحليله لها.

بوجه عام، اعتقد مراقبو الثورة الفرنسية الذين استطاعوا الاستفاقة من صدمتهم، أنه كان من المفترض أن تدمِّر الدينَ، وأن تؤدي إلى الفوضى واللاسلطوية، أو على الأقل تُضعِف السلطةَ السياسية. وجَّهَ بيرك، الذي كان من أهم مَن تبنَّوا وجهةَ النظر هذه، سهامَ غضبه إلى إلحاد مدبِّريها، الذين قال عنهم إنهم كانوا يبدلون وجه البشرية بقضائهم على الاعتقاد بأنه توجد سلطة فوق البشر؛ مما يضعف السلطة الحاكمة بإنكار الرضا الإلهي عنها. بالنسبة إلى توكفيل، هذا خطأ في تقدير الأمور؛ فقد اعتُبِر خلطًا بين ما هو عارض وما هو جوهري. ربما كانت الكنيسة أهم جزء في النظام القديم؛ فقد كانت تقاوم الإصلاح، وكان يجب الهجوم عليها، فيما يتعلق بتنظيمها واعتقادها، حتى يمكن إنتاج نظام جديد يحل محل النظام القديم. لقد كان هذا النظام الجديد — وليس تدمير الكنيسة — هو الشيء الأساسي الذي سيكون أقوى من النظام القديم وليس أضعف منه. لم تكن لدى فرنسا النية لتمزيق نفسها، وفي واقع الأمر أنشأت لاحقًا جيشًا أقوى من أي جيش كان لديها من قبلُ، وابتدعَتْ دينًا ثوريًّا جديدًا يقوم على مفهوم «الكائن الأعلى» الذي تمنَّتْ أن يكون أكثر سلطويةً من المسيحية؛ فقد كانت الثورة الفرنسية، بحسب قول توكفيل لاحقًا في كتابه، تشبه حركةَ الإصلاح البروتستانتية أكثر من أي حدث آخر سابق عليها، وتوقعت أن تحصل من ذلك الدين الجديد على الدعم الذي حصل عليه النظام القديم من المسيحية وبحماس أكبر أيضًا. وكما هو الحال أيضًا في كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، أراد توكفيل التأكيد على أنه لا يوجد عداء حتمي بين الدين والحرية، ولا حتى بين الدين المبتدَع والحرية الزائفة للثورة الفرنسية.

لم يذكر توكفيل على نحو مباشِر السببَ وراء كون الثورة الفرنسية أول ثورة تقوم بهذا الهجوم على الدين وتبتدع دينًا جديدًا وتتبعه. يبدو أن الأفكار التي اعتمدت عليها أصبحَتْ أكثر قبولًا لعدد أكبر من الناس، بحيث بَدَتِ النظرية في مرحلةٍ معينة قابلة للتطبيق؛ فالثورة الفرنسية، باعتبارها ثورةً كاملةً تتجاوز كل الثورات السابقة، لم تكن معتمدة على فكرة أكثر صحةً من أي فكرة كانت موجودةً من قبلُ، وإنما بَدَتْ تلك الفكرة فجأةً صالحةً للتطبيق بخلاف النظام القديم. كان النظام القديم يعتمد على النظام الإقطاعي الذي بعد تطوُّر معيَّن سيصفه توكفيل بأنه لم يَعُدْ نظامًا مستقرًّا ومتماسكًا قادرًا على البقاء. عند هذه المرحلة، وكما قد يقول الأمريكيون اليومَ، لم يَعُدْ هذا النظام عمليًّا على ما يبدو. وفي كتاب توكفيل الذي يُعَدُّ دراسة تاريخية سياسية، رفض محاولةَ المفكرين الثوريين اعتبارَ أن النظرية سبقت التطبيق؛ فلم يحاول الحكم على الأفكار المتعارضة التي تدعم وتهاجم النظام الإقطاعي، لكنه بدلًا من ذلك درس ما إذا كان هذا النظام مثَّل كيانًا كاملًا يمكن أن يكون موضوع فكرة معينة أو نظرية معقولة. مرة أخرى، وكما في كتابه الأول عندما درس ممارسات الأمريكيين لاكتشاف صورة الديمقراطية، درس في هذا الكتاب ممارسات النظام القديم ليحدِّد إن كانت متماسكة ومترابطة أم لا.

في البداية، بدأ النظام الإقطاعي بمجموعة من القبائل الهمجية التي كانت تعيش منعزلة بعضها عن بعض، ومن هذا ظهر تشريع جيرماني، كان تشريعًا أصيلًا غير مستند إلى القانون الروماني، وقد شكَّل «جسدًا مكوَّنًا من أجزاء» مترابطة جدًّا مثل القوانين الحديثة، مُنتِجًا قوانين حكيمة لمجتمع نصف همجي. لم يذكر توكفيل كيف نشأ النظام الإقطاعي ذو التسلسل الهرمي المعقد القائم على الامتيازات والواجبات؛ فقد قال فقط إن كلًّا من الجانب التشريعي والتسلسل الهرمي لم يختلف عمَّا كان موجودًا تقريبًا في كل أنحاء أوروبا، ولم يكن لهما سبب يمكن تحديده، كما لو كانَا يمثِّلان تطوُّرًا طبيعيًّا وتلقائيًّا. كان هذا النظام هو ما يمثِّل النظام القديم الحقيقي، وليس النظام الحاكم في فرنسا في القرن الثامن عشر، وهو ما أسقطته الثورة الحقيقية في واقع الأمر؛ فالثورة الحقيقية كانت هي مركزية الإدارة للنظام الملكي الفرنسي، الكيان الأساسي للنظام القديم والثورة الفرنسية.

ما المقصود بمركزية الإدارة؟ إذا ألقينا نظرةً على الخطوة الأولى التي قام بها الملك شارل السابع، والتي ذكرناها من قبلُ، فسندرك أن الملك قد اكتسب سلطةَ فرْضِ الضرائب دون موافقة النبلاء، في مقابل إعفائهم من تلك الضرائب. باع النبلاء — بحسب قول توكفيل — سلطتهم السياسية واشتراها الملك بسبب طمعه، لكن بالإضافة إلى ذلك، كانت لدى الملك «الغريزة التي تجعل كل نظام حكم يرغب في إدارة كل شئونه بمفرده، وهي غريزة لا تختلف أبدًا على الرغم من اختلاف مَن يمتلكونها.» تجاوز هذا الدافع عامل الطمع والجشع؛ لأنه يُغرِي أيَّ نظامِ حكمٍ على سحب السلطة من أي جهة ليست تابعةً له. وبمرور الوقت، استمر النبلاء في فقدان سلطاتهم المتعلقة بأن تتم استشارتهم وأن يديروا شئونَ المناطق التابعة لهم، لصالح الملك الذي تعلَّمَ أن يحكم من خلال المحافظين، وهم المسئولون الإداريون الذين كانوا مندوبين للملك في مختلف المناطق، والذين كان يتم توجيههم من الإدارة المركزية بواسطة وزرائه.

أصبح المحافظون هم المسئولين الأساسيين في النظام القديم، وكان يتم اختيارهم بناءً على جدارتهم، وتطوَّرت لديهم مهارةُ «ابتكار عدد كبير من الوسائل للسيطرة.» لقد كان هؤلاء ينتمون للطبقة الوسطى؛ لأن النبلاء كانوا يكرهون وضْعَ أنفسهم في وضع خاضع وتابع كهذا، مفضِّلين التنافُسَ بعضهم مع بعض في البلاط على كسب تأييد الملك. كان المحافظون يحتفظون بسجلات دقيقة بكل ما كانوا يفعلونه وما كانوا يحاولون فعله، وقد درسها توكفيل بعناية في إدارات المحفوظات في باريس. لقد مثَّل هؤلاء المحافظون «الطبقةَ الأرستقراطية للمجتمع الجديد»، ولقد سمَّاهم توكفيل «المسئولين المدنيين». وكما هو الحال بالنسبة إلى البيروقراطيين المعاصرين (وقد كتب تعليقًا في ملاحظاته يشجب استخدامَ «رطانة المصطلحات الحديثة» هذه)، كان لديهم ميل لعمل الإحصائيات وإدارة الحسابات. ولإظهار الجانب الإنساني لديهم، تحوَّل اهتمامهم من متابعة أرقامهم، إلى الشكوى من سوء أخلاق الفلاحين الكسالى الذين كانوا عادةً لا يستمعون لنصحهم أو يقبلون توجيهاتهم. في القرن الثامن عشر، أبدوا بعضًا من «التعاطف الزائف» الخاص بروسو وديدرو، في محاولةٍ للتخفيف من حدة المعالجة الجافة للحسابات، وهي محاولات تشبه الوسائل العلاجية في علم نفس الإدارة اليومَ. حكى توكفيل قصةَ مراقِب عام مسئول عن برنامج حكومي خيري يقدِّم إعانات للأبرشيات، وكان يجب على سكان تلك الأبرشيات أن يدفعوا تبرعاتٍ مقابِلة لجزء من تلك الإعانات. عندما يكون المبلغ المجمع كافيًا، كان المراقب يكتب في الهامش: «جيد ومُرضٍ»؛ وعندما يكون كبيرًا على نحو غير معتاد، كان يكتب: «جيد، ومُرضٍ للغاية.»

يتضح من القصة السابقة أن مركزية الإدارة في النظام القديم لم تكن قاسيةً أو استبداديةً، وكلما توسَّعت أكثر وزاد تأثيرها عمقًا، أصبحت أكثر تجاوبًا وإحاطةً واعتدالًا، وأصبحت بحسب قول توكفيل «تَظلِم أقل وتَقود أكثر.» هذا هو الاستبداد الهادئ الذي حذَّرَ منه توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»؛ إنه استبداد غير خطير ونافع، وتتصف سلطته بالوصائية لا بالخبث، وهي تتظاهر بأنها تعلم الفلاحين «فنَّ الثراء»، وتوزِّع بعضَ الكتيبات الخاصة بفن الزراعة. لقد وجد توكفيل في هذا أصلَ ما سمَّاه لاحقًا في فرنسا «الإدارة الوصائية»، مشيرًا إلى أنها تشبه رعايةَ الوصي أو توجيهَ المعلم. عندما يقرأ الأمريكيون كتابَ توكفيل اليومَ، فسيَرِدُ على خاطرهم وزارة الزراعة الأمريكية. كانت (وقد لا تزال) المشكلةُ تتمثَّل في أن الحكومة تَعِدُ بتحسُّنٍ في الأوضاع أكثر مما يمكن أن تقدِّمَه، فيصبح الناس متشكِّكين فيما تقوله، وتبدو العقلانيةُ المفترضة للطرق الجديدة التي تستخدمها مثيرةً للسخرية، ويبقى كلُّ الفرنسيين تحتَ الوصاية، محرومين من مزايا الحكم الذاتي. في هذا الوضع، عادةً ما تكون الحكومةُ متردِّدةً وخائفةً من اتخاذ القرار؛ ولذلك كان النظام القديم يعتمد على قوانين حازمة مع تفعيل ضعيف لها يزداد ترهلًا بسبب الامتيازات والإعفاءات.

كانت باريس مركز الدولة الإداري ورمز المركزية نظرًا لهيمنتها على باقي فرنسا، وقد زاد حجم تلك المدينة بمرور السنين بالرغم من محاولات الملوكِ الحدَّ من ذلك. ومع اختفاء النشاط السياسي والحريات المحلية في الأقاليم، أصبحت باريس المركزَ الوحيد للسلطة وكذلك للحكم على الذوق، وقد أصبحت مركزًا متزايدًا للصناعة أيضًا؛ حيث إن الرقابة هناك كانت أقل منها في الأقاليم. وعندما قامت الثورة، حدثت في باريس، المدينة العاصمة التي كانت تقرِّر كلَّ شيء لفرنسا؛ إلى حد أن هيمنةَ تلك المدينة كانت ضمن الأسباب الرئيسية للانهيار المفاجئ والعنيف للنظام الملكي القديم.

كانت تلك هي السمات الأساسية لمركزية الإدارة. والناتج النهائي — الذي أصبح بمرور الوقت هدفَ الحكومة، وذلك بحسب اعتقاد توكفيل — كان في واقع الأمر الابتعادَ عن السياسة والاستعاضة عنها بالإدارة. بَدَا أسلوبُ إدارة النظام الملكي الفرنسي — الذي بدأ باعتباره ناتجًا عن طمع الملوك والنبلاء، ثم تطوَّرَ بفعل غريزة موجودة لدى كل نُظُم الحكم، وأخيرًا باعتباره تغييرًا كبيرًا — ثورةً في التاريخ السياسي، حتى إن لم يكن مخططًا له. حلَّ هذا النوع الجديد من نُظُم الحكم محلَّ العناية الإلهية؛ حيث إنه أسس علاقة مع كل شخص باعتباره فردًا لم يَعُدْ عضوًا في طبقة، كما كان الحال في النظام الإقطاعي. يشبه هذا نظام الحكم الذي ظهر في العصر الحديث الذي يطبق نظام الرعاية الاجتماعية الذي يقدم إعانات على نحو مباشر للأفراد، متجاوزًا كل الجماعات الوسيطة. هذا يعني أن الفرد يعتمد فقط على الحكومة في تلبية احتياجاته، كما لو أنها هي الرب، وليس أسرته أو وضعه في التسلسل الهرمي الإقطاعي؛ فلا توجد «سلطات فرعية» بين الحكومة والفرد يمكن أن تقف أمام السلطة المركزية للدفاع عن الحقوق والامتيازات الخاصة بالفرد باعتباره عضوًا في جماعة، مثل النبيل أو التابع الذي يتبع أحد النبلاء. فلا توجد «جمعيات» مثل تلك التي صادفها توكفيل في أمريكا، تقوم بوظيفة النبلاء في أي نظام أرستقراطي، عن طريق مراقبة عمل السلطة التي تشبه على نحو غريب تلك الخاصة بالنظام الإقطاعي في العصور الوسطى، والتي بمقتضاها تمَّ تقييد سلطات الملوك ومنع استبدادهم.

مع تطور النظام الملكي، تَراجَع النبلاء الفرنسيون، وكانوا جشعين مثل الملوك، ولكنهم كانوا أقلَّ تبصُّرًا. في البداية، استغنى النبلاء عن حقهم في الموافقة على فرض ضريبةٍ ما في مقابل إعفائهم من تلك الضريبة بمجرد فرضها؛ لاحقًا، تم فرض بعض الضرائب على الجميع، لكن مع بعض التساهل في الدفع بالنسبة إلى النبلاء. أدَّى هذا إلى وضعٍ لم يكن الأغنياء يدفعون فيه أيَّ ضرائب، وفقدوا إحساسهم بالمسئولية عمَّن توقَّفوا عن مساعدتهم، وقد فقدوا قدرًا كبيرًا من ثروتهم أيضًا لأن الملك بدأ في بيع المناصب في البلاط لهم؛ فقد فضَّلوا على نحوٍ أحمق امتيازاتِ الانتماء للبلاط الملكي على امتيازات وواجبات حُكْم مَن يتبعون الأقاليم التي تحت سيطرتهم. ومع احتياجهم إلى مزيد من المال، أخذوا بعد ذلك يبيعون أرضهم للفلاحين التابعين لهم، الذين أصبحوا ملَّاكًا للأراضي؛ ومن ثَمَّ أصبحوا خاضعين للضرائب التي كان النبلاءُ مُعفَينَ من دفعها. وحيث إن النظام الملكي جعل نفسه مسئولًا عن كل شيء، فقد كان دائمًا يعاني عجزًا ماليًّا، وأخذ يجرب الوسائل المالية، الواحدة تلو الأخرى. لم يكن هدفه إضعاف النبلاء عن قصدٍ بفرض ضرائب عليهم، وقال توكفيل إن السياسة المتبعة لم تكن خاصة بملك معين ولكن بمؤسسة الحكم؛ لكن كان من غير المنطقي أن يتم إضعاف النبلاء لدرجة أن تصبح امتيازاتهم لا مبرر لها؛ لأن الثورة عندما قامت، لم يستطع النبلاء الدفاعَ عن أنفسهم فحسب، وإنما أيضًا عن النظام الملكي. إن سياسة النظام الملكي لم تكن بحقٍّ استراتيجيةً جيدةَ الإعداد، لكن الطموح والجشع خرجَا عن السيطرة وأصبحَا معتادَين في مركزية عنيدة جعلت الحكومة تبدو أكثر عقلانيةً، ولكنها جعلتها في واقع الأمر أقلَّ عقلانيةً. لم يدرك النظام الملكي أن سياسته المعادِية للطبقة الأرستقراطية ستحوِّل النبلاءَ إلى طبقةٍ لها امتيازات وليس إلى طبقة أرستقراطية عاملة؛ وهو تمييز كان توكفيل مُصِرًّا عليه؛ فذلك النظام لم يدرك أن سياسته كانت في واقع الأمر ديمقراطيةً، وقد تؤدي فعليًّا إلى نظام ديمقراطي.

وعلى الرغم من أن تناول توكفيل كان مركَّزًا على طبقة النبلاء، فقد دعم وصفه للنظام القديم بتعليقات عن الطبقة الوسطى التي كانت تحاكي طبقة النبلاء، وعن الفلاحين الذين كانوا يكرهون النبلاء، وعن رجال الدين الذين لم يكونوا على وفاق مع النبلاء. وأقرَّ توكفيل أن النبلاء الفرنسيين، بالرغم من كل فسادهم، كانوا يحافظون على كبريائهم، وبسبب «الفضائل الرجولية» التي كانوا يتمتعون بها لم يكونوا خاضعين ولا ميَّالين للشغف الشديد للرفاهية المادية، الذي كان سائدًا في عصره. لقد استطاع النبلاء، بالرغم من ولائهم القديم للملك، أن يصفوا أرواحهم بأنها حرة؛ وهي حقيقة قال إنها غير مفهومة تمامًا للعقل الحديث؛ فقد كان لديهم نوع معين من العظمة، لكن لم تكن لديهم حرية سياسية. لم يكن الملوك الذين يتبعونهم قساةً، ولكنهم كانوا يفعلون ما في وسعهم من أجل مصلحة فرنسا، وكانت تجاوزاتهم تحدث دون قصد منهم، وبعدائهم للحرية السياسية حرموا أنفسهم من الوسيلة التي يعرفون من خلالها ما كانوا يفعلونه.

أراد توكفيل من خلال هذا التحوُّل في تناوله للموضوع أن يترك نموذج النبلاء، حتى بعد انتقادهم، باعتباره شيئًا إيجابيًّا لعصره، بإمكانه إلهام أو إلقاء اللوم على الناخبين الذين وضعوا لويس نابليون في السلطة، لكنه هاجم بيرك لافتراضه أن النبلاء الفرنسيين ما زالوا قابلين للاستمرار، إذا تم إصلاحهم، في وقت الثورة. يمكن القول إن بيرك في دفاعه عن النبلاء كان لديه نفس دافع توكفيل للثناء عليهم، ولكن بدرجة أكبر؛ افترض بيرك أن النبلاء الإنجليز ما زالوا قابلين للاستمرار في عصره، ولم يُرِدِ الطعنَ في قابلية النبلاء للاستمرار في حد ذاتها؛ فقد ألَّفَ كتابه «تأمُّلات حول الثورة في فرنسا» لِوَأْدِ أيِّ تعاطُف مع الثورة الفرنسية في بريطانيا، ولإحباط رغبة الراديكاليين البريطانيين في نقلها عبر القنال الإنجليزي إلى بريطانيا. إن بيرك بالتأكيد لم يكن يريد الموافقةَ على وجهة نظر توكفيل القائلة بأن عالم الديمقراطية الجديد لا يمكن مقاومته، ولم يفعل ذلك، غير أنه أيضًا كان يرى، في عبارة شهيرة له، أن «عصر الفروسية قد انتهى»، وهو العصر الذي كان النبلاء فيه يهبُّون للدفاع عن ماري أنطوانيت. ربما أفضلُ خيار له، في كتابه عن التاريخ السياسي المقابل لكتاب توكفيل، أن يبالغ في الحديث عن مدى استقامة النبلاء وقابليتهم للاستمرار، تمامًا كما كان على توكفيل المبالغة في الحديث عن فسادهم، وأنهم في طريقهم للزوال، وإنكار أنه كان بالإمكان إصلاحُهم. إن وجود إعجاب محدود بالنبلاء دون وجود حنين لوجودهم على الساحة السياسية يمكن أن يلخص وجهة نظر توكفيل.

ختم توكفيل تناوله للنظام القديم بأن قرَّر أنه لم يكن كيانًا كليًّا، وأنه لم يكن يمثل «أمة». كان النظام الإقطاعي في أوج ازدهاره بمنزلة أمة لأنه كان يمثل كيانًا كليًّا؛ فقد كانت له وحدة عبر أجزائه، لكن النظام القديم كانت له وحدة من نوع مختلف، دون أجزاء متنوعة ولكنه كان مكونًا من أفراد متشابهين. مرة أخرى، ربما لم يكن هذا هو قصد النظام الملكي وإنما كان النتيجة؛ فسياسته جعلت فرنسا تتحول إلى «جسد متجمد»، «حشد منظم» من «المتشابهين»، كل مجموعة منهم منفصلة ومنعزلة عن المجموعات الأخرى. أطلق على هذا الوضع «الفردية»، وهو المفهوم الذي استخدمه بهذا المعنى في كتابه عن الديمقراطية، وأضاف قائلًا إن النظام القديم كان «شكلًا من أشكال الفردية الجماعية، التي جهزت الأنفس للفردية الحقيقية التي نعرفها.»

إن الفردية الحقيقية ديمقراطية، بينما الشكل الجماعي منها يُعِدُّها بتوجيه الأفراد في المجموعات الصغيرة العديدة في النظام القديم للتفكير في أنفسهم فقط. ربما نفترض أن كلا النوعين من الفردية يقعان تحت نطاق «حكم الفرد المطلق»، سواء أكان ملكًا أم المفهوم المجرد للدولة المتمثل في الحكومة الكبيرة. يذكرنا هذا المفهوم بمفاهيم مماثلة لمونتسكيو ومكيافيلي، تشير للحاكم المستبد أو الأمير الذي يفرض النظام بالقوة في بلده. بالنسبة إلى توكفيل، الاستبداد أمر خاطئ، نظام مفروض بالقوة على نحو غير مترابط. لكي تكون أي أمة كيانًا كليًّا على النحو الصحيح، يجب أن يكون لدى شعبها الحرية السياسية للتعبير عن أجزائها المختلفة وتشكيلها. إن الحرية السياسية ليست عدوة للوحدة والنظام؛ بل هي على العكس بمنزلة شرطها الضروري؛ فهي تقاوم الحكم لكنها في نفس الوقت تدَّعِي أنها تحكم. إن الوحدةَ الزائفة المفروضة من قِبَل كيان موجود في قمة السلطة، وهي السمة الأساسية للحكومة الكبيرة الديمقراطية وكذلك للنظام الملكي المطلق، معرَّضةً لاندلاع ثورات تطيح بها، وهي تستحق ذلك بالفعل. بالنسبة إلى توكفيل، الثورة الفرنسية كانت علامة على التعافي وبلوغ المرض ذروته؛ بحيث تَمثَّلَ التعافي في محاولة إنشاء كيان كلي وتَمثَّل المرض في الفشل المحتم لتلك المحاولة. لقد كانت بالتأكيد تتعلَّق بإنشاء سلطة أكثر من إسقاطها، لكن السلطة التي تم إنشاؤها من قبل الثورة لم تكن شرعيةً؛ لأنها لم تنجح في إنشاء كيان كلي.

المفكرون

يتحدث الجزء الثالث والأخير من كتاب توكفيل «النظام القديم والثورة» عن الحقائق الأكثر خصوصيةً وحداثةً، التي حدَّدت مكان وميلاد وطابع «الثورة العظيمة»، كما أصبح يطلق عليها توكفيل آنئذٍ. يمكن أن تكون تلك الحقائق السبب المباشر وليس السبب الأساسي، الذي كان يتمثَّل في السياسة الإدارية للنظام الملكي الفرنسي. إن تلك الحقائق اتضح أنها حقيقة واحدة، وهي المفكرون الذين هيمنوا على السياسة الفرنسية من منتصف القرن الثامن عشر، إلى جانب تأثيرهم على النبلاء ورجال الدين والملك. إن دورهم المهم يثير ثانيةً مسألةَ دور الأفكار في السياسة بالنسبة إلى توكفيل، وهي المسألة التي بَدَتْ أساسية في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، لكنها تُرِكت دون أن تُحسَم في الكتاب. إن مسألة «الفعل أم الكتابة» هي أهم مسائل الحياة الشخصية لتوكفيل، والسبيل لحسمها يتمثَّل في إقرارِ ما إذا كانت الكتابة شكلًا من أشكال الفعل، وما إذا كانت الأفكار المكتوبة من قِبل كاتب يمكن أن يكون لها تأثير سياسي أم لا. وقد تناول تلك النقطة في عمله «النظام القديم والثورة».

كانت فرنسا على الدوام أكثر الأمم في أوروبا إنتاجًا للمفكرين والأدباء، لكن قبل الثورة كان مفكروها لديهم اهتمام من نوع جديد بالسياسة. صحيح أنهم لم ينخرطوا في السياسة، كما فعل نظراؤهم في إنجلترا؛ فهم لم تكن لديهم سلطة أو وظيفة عامة، لكنهم شغلوا أنفسهم باستمرار بالأمور السياسية؛ فقد كانوا دائمًا يفكرون على نحو مجرد ويناقشون مسائل مثل: أصل المجتمعات، والحقوق الأصلية للمواطنين في مقابل السلطة، والعلاقات الطبيعية في مقابل العلاقات المصطنعة بين البشر، ومشروعية العادات، ومبادئ القوانين. لقد اعتقد جميعهم أنه سيكون من المناسب استبدالُ قواعد بسيطة وأساسية مأخوذة من العقل والقانون الطبيعي بالعادات التقليدية المعقدة السائدة في المجتمع في عصرهم. ولا توضح تلك الموضوعات المجردة والنتيجة المبسطة للغاية نقص الخبرة السياسية وحسب، وإنما أيضًا ازدراء لها؛ وهو الأمر الذي كان يبغضه توكفيل.

لم يسعَ توكفيل لتفسير هذا السبب الحديث بالنظر إلى تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة؛ حيث يمكن — كما كان يعرف جيدًا — أن يجد أن البحث عن البساطة في السياسة كان قد بدأه هوبز ولوك، إلى جانب ديكارت الذي ذكره في كتابه «الديمقراطية في أمريكا». بدلًا من ذلك، سأل عن السبب في ظهور تلك الفكرة، التي قال إنها لم تكن جديدة، وإنها ظهرت منذ ثلاثة آلاف عام، على وجه الخصوص في عصره. للإجابة عن هذا، ذكر رأي المفكرين في المجتمع الذي به امتيازات غير عادلة «أدت بطبيعة الحال» إلى الرغبة في إعادة بناء المجتمع، بناءً على خطة جديدة بالكامل يتبعها كل فرد فيه مستخدمًا عقله. اعتقد توكفيل أنه كانت تنقصهم تجربة السياسة الحرة التي قد تكون حذرتهم من قدرة الحقائق الحالية على إعاقة أكثر النظم المرغوبة؛ حيث إن الغياب الكامل لكل أشكال الحرية السياسية كان خافيًا عنهم، ولم يكن بإمكانهم معرفة ما كانوا يجهلونه. وبَدَا توكفيل مهتمًّا بجعل السلطة السياسية مسئولة عن الصعود الفكري لمثل هذه الحماقة، بدلًا من إلقاء اللوم على المفكرين لأنهم أصبحوا حمقى بهذا الشكل.

مَن المفكِّرون الذين كان توكفيل يتحدث عنهم؟ ذكر توكفيل بالطبع فولتير، مشيرًا إلى أنه كان يقدِّر إنجلترا على حرية التعبير التي كانت سائدة فيها، وليس لتمتُّع مواطنيها بالحرية السياسية. ولم يذكر روسو هنا، بالرغم من أن روسو كان مشهورًا مثل فولتير، وكانت تُقتبَس كلماته أكثر من فولتير من قِبَل الثوار أنفسهم، كما أنه كان من الكُتَّاب المفضَّلين لدى توكفيل. لقد ركَّزَ على الدور الأساسي الذي لعبه «الاقتصاديون» أو الفيزوقراطيون، الذين قدموا على نحو غير مسئول علاجات سياسية ساذجة، مبدين شغفًا بالمساواة ورغبةً غير متحمسة للحرية. كان أبرزهم تيرجو، الذي لم يقدِّم مثل تلك العلاجات، لكنه كان رجلًا لديه «روح عظيمة» و«سمات عبقرية نادرة» ميَّزَتْه عن كل الآخرين، غير أنه كان هو الذي بحماقةٍ نصَحَ لويس السادس عشر في عام ١٧٧٥، بأنه يمكن بأمان أن يعطي الأمةَ لمحةً من الحرية في شكل مجلس منتخب دون أن يعطي لهذا المجلسِ أيَّ سلطات. لقد روَّج الاقتصاديون لحدوث «استبداد ديمقراطي» وألهموا الاشتراكية التي عرفها توكفيل في عصره، وبجعل الحرية وسيلةً لتحقيق غرض آخَر مثل المساواة أو الثروة، ساعدوا الفرنسيين على فقدان رغبتهم فيها. قال توكفيل في الفصل المخصص للاقتصاديين إن «تلك الرغبة السامية» هي الميزة التي تتميز بها «القلوب العظيمة» بخلاف «الأرواح العادية» التي لم تحسَّ بها قطُّ.

لقد سبق هؤلاء الاقتصاديين اقتصاديون آخرون في القرن السابع عشر، وهوبز هو أبرزهم على الإطلاق، لكن توكفيل تعامَلَ معهم على أنهم اقتصاديون جدد؛ ربما تكون أفكارُهم غيرَ جديدة، ولكنها أصبحت مناسِبةً لعصره. ذكر توكفيل أن المفكرين أصبحوا مؤثرين جدًّا، لدرجة أنهم شكَّلوا نظرةَ الفرنسيين للحياة، معطين إياهم «تعليمًا فريدًا». لقد أصبحت الأمة الفرنسية مغتربةً جدًّا عن شئونها، ومحرومةً بشدة من التجربة السياسية بحيث استسلمت بسهولة لتأثير هؤلاء. وحتى النبلاء أفسحوا المجال للكُتَّاب الذين أصبحوا القوة السياسية الأساسية، آخذين المكان الذي عادةً ما يشغله رؤساء الأحزاب في الدول الحرة. وعندما ظهر الثوار على الساحة، ردَّدوا صدى نفس النظريات المجردة التي علَّقَ عليها توكفيل قائلًا إن «ما يُعَدُّ فضيلةً في الكاتب يكون عادةً رذيلةً في رجل السياسة.»

تنطبق تلك الملحوظة على نحو خاص على الهجوم الذي شنَّه هؤلاء المفكِّرون على الكنيسة، وهو أبرز سمة للتعليم الذي كانوا يقدِّمونه. لقد كانت الكنيسة تمثِّل التقليد والسلطة والتسلسل الهرمي؛ كل شيء كان يعارضه المفكرون في السياسة. فهُم لم يروا الكنيسة على أنها حليف محتمل للحرية، كما فعل توكفيل، وإنما باعتبارها العقبةَ الأساسية أمام الثورة والإصلاح السياسيَّيْن، لكن الكنيسة كانت بحلول القرن الثامن عشر قد فقدت كثيرًا من قوتها؛ فلم تكن تقمع الكُتَّاب وإنما كانت تضيِّق عليهم فقط من خلال الرقابة التي لم تكن فعَّالة، ومن خلال الاضطهادات البسيطة التي كانت تخيفهم فقط ولا تُسكِتهم. في واقع الأمر، في ذلك الوقت كان المؤمنون، بحسب قول توكفيل، هم مَن يتم إسكاتهم؛ فالمفكرون كانوا يريدون صحافةً حرةً من أجلهم هم فقط، حتى يعرضوا من خلالها أفكارهم الإصلاحية المبسطة للغاية، وليس من أجل توفير الحرية للجميع؛ الحرية السياسية التي قد تعيق أو تؤدي إلى معارضة خططهم. لقد كان هؤلاء ثوريين فقط في فكرهم ولم يؤمن أحدهم بالعنف، ولم يكن لديهم مؤشر على أنه قد يحدث في المستقبل، ولم يكن يجول بخاطرهم أنهم قد يكونون مسئولين عنه. لكن توكفيل اعتبرهم مسئولين عن الطابع الذي تميَّزت به الثورة التي حدثت، ليس باعتبارهم أشخاصًا أصحابَ فكرٍ، ولكن باعتبارهم سياسيين غير بارعين وجدوا أنفسهم في فراغ سياسي وكان سمتهم الاندفاع غير عابئين، في الوقت الذي كان يتعيَّن عليهم القلق وتوخي الحذر.

عند الحديث عن المفكرين ونظرياتهم المجردة، اتفق توكفيل مع إدموند بيرك في الهجوم عليهم، لكن موقفه تجاه الفلسفة كان مختلفًا على نحو كبير، وغامضًا في نفس الوقت، مقارَنةً بموقف بيرك تجاهها؛ ففي حين أن بيرك هاجَمَ الفلسفة في حد ذاتها في ذلك الوقت حتى يعارض هؤلاء الذين كانوا يسمون أنفسهم مفكرين، ويستبدل بها بعد ذلك إيمانًا مجددًا بالحكمة العملية، لزم توكفيل الصمت تجاه الفلسفة والأفكار الفلسفية في حد ذاتها، وكان من آنٍ لآخر يهاجمها نظرًا لعدم جدواها العملية، مع تقديم إضافة جيدة للحكمة العملية. كانت هذه الإضافة تتمثل في «العلم العظيم الخاص بالحكم»، الذي يعلِّمنا كيف نفهم الحركات العامة التي تحدث في المجتمع، ونحكم على عقل الحشود ونتنبَّأ بما قد يحدث. وقد قال إن أي أمريكي يمكن أن يقابله في الشارع سيعرف أن الدين مهم لأي مجتمع حر؛ لأن هؤلاء الأقل معرفةً ﺑ «علم الحكم» يعرفون هذا جيدًا، غير أنه لم يشرح مطلقًا تلك الإشارات المدهشة لعلم السياسة، تمامًا كما فعل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، عندما لم يسهب في الحديث عن «علم سياسة جديد … لعالم مختلف تمامًا»، بدا أنه سيبشر به في البداية. إن الإسهاب في عرض علم السياسة الجديد سيقلل من قدر ممارسة السياسة أو يسرق المشهد منها، وقد يتعدى على حرية القارئ في التفكير بنفسه في الأمر. إن «الممارسة الخاصة بالمؤسسات الحرة» هي التي تعلِّم بحقٍّ السياسيين فنَّ السياسة. إن علم السياسية الخاص بتوكفيل أبَى بتواضعٍ أن يكشف عن نفسه أو يبرزها بأي حال من الأحوال باعتبارها معلمًا للسياسة.

في الجزء الثالث من كتاب «النظام القديم والثورة»، أعطى توكفيل لمحةً عن علم السياسة الخاص به، حينما عرض فرضيته الشهيرة التي تقول إن «أخطر لحظة بالنسبة إلى أي حكومة سيئة، تأتي عادةً عندما تبدأ في إصلاح نفسها.» فأي شعب سيتحمل الظلم دون اعتراض عندما يبدو أنه لا مهربَ منه، لكن عندما يرى فرصةً للتحرُّر، سيصبح عديم الصبر ويتحوَّل للعنف. فقط في عام ١٧٨٠، عندما كان هناك إصلاح يلوح في الأفق، ظهرت للنور «نظرية قابلية الإنسان المستمرة وغير المحدودة لبلوغ الكمال.» جعلت تلك النظرية الشعب غير مبالٍ بالمتع الحالية، ودفعته باتجاه «أشياء جديدة». تَبرز هنا نفس النظرية اللاعقلانية الخاصة بالتقدم التي تم تناولها في كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، والتي اعتبرت الآن سببًا للثورة في فرنسا. أثنى توكفيل على الثوار لإيمانهم «المدهش» بقوة الإنسان وقابليته لبلوغ الكمال؛ فهُم لديهم شغفٌ بعظمة الإنسانية وإيمانٌ بفضيلتها. لكن على الرغم من أن قلوبهم كانت مخلصة، فإن عقولهم كانت مرتبكة بسبب إسقاط القوانين الإلهية والانقلاب على القوانين المدنية. إن التقدم باتجاه القابلية لبلوغ الكمال يمكن أن يكون مُلهِمًا، لكنه لا ينتهي أبدًا؛ فالبشر بحاجة إلى علم سياسة ينظر للمجتمع باعتباره كيانًا كليًّا يكون للإنسان فيه مكان إذا أرادوا أن يستمتعوا بالحرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤