ترجمة فقيد الشهامة والمروءة السري المشهور المرحوم بسطورس بك خياط

كلمة للمؤرخ

من أفراد الأمة المصرية الذي امتازوا بطهارة الذمة والجد في العمل بإخلاص، وعملوا لدينهم وديناهم وخافوا الآخرة، فكانوا في دنياهم مثال الورع والزهد، واللطف والاستقامة، هذا الفقيد الجليل الذي ترك بعد مماته أثرًا خالدًا وذكرى عاطرة وثروة طائلة، وشهرة واسعة، خصوصًا لما اشتهر عنه من الحسنات الخفية التي كان يقدمها بنفسه لكثير من العائلات الطيبة التي أخنى عليهم الدهر، وتثليج صدورهم بألفاظه العذبة وتواضعه المتناهي مع ما هو فيه من الجاه العريض والثراء المفرط، وقد كان يوم منعاه يومًا عبوسًا حيث عم الحزن والأسف، وتصاعدت الزفرات من أولئك البؤساء الذين كانوا يرتعون في بحبوحة من الهناء في أيامه، فالله نسأل أن يثيبه خيرًا بقدر عدد حسناته، ويجعل مثواه الجنة ويحفظ حضرة نجله الشهم الجليل أمين بك خياط، الذي حذا حذو الفقيد بكل معني الكلمة فأصبح مثالًا للفضل والمروءة.
figure
فقيد الشهامة والمروءة السري المشهور المرحوم بسطورس بك خياط كبير وجهاء بندر أسيوط ووكيل قنصلاتو ألمانيا بها سابقًا.

مولده ونشأته

ولد الفقيد الجليل عام ١٨٥٢م ببندر أسيوط، وهو ابن الخواجه واصف بن الخواجه جرجس خياط وهي العائلة التي حازت شهرة واسعة في كافة الأقطار، فاعتنى والده بتربيته وتثقيف مداركه؛ ليصبح يومًا ما شريكه في حياته العملية، فأدخله بمدرسة الأمريكان بأسيوط وهو في العاشرة من سنه فأقام بها خمسة أعوام، أتم في أثنائها الدراسة الابتدائية، ومن ثم أرسله إلى بيروت ليتمم دراسته بكلية الأمريكان الشهيرة، وقد كان أول مصري فاخرت بذكائه تلك الكلية، ومما يجمل ذكره هنا أنه كان زميلًا في الدراسة لجناب الدكتور فارس نمر أحد أصحاب جريدة المقطم، وكانا في صف واحد ومن رفاقه الأعزاء، وبفضل ذكائه ونشاطه أمكنه أن يدرس اللغة الفرنسية والإنجليزية والعربية، وأن ينال دبلوم هذه الكلية الراقية في مدة أربع سنوات.

وقد عاد إلى موطنه الأول، فرأى أن الأشغال الحرة طريق من سلكه وصل إلى سدة علياء، وحصن منيع يستطيع أن يأمن على وطنه العزيز من وطأة الدهر الشديدة، فاشتغل بالتجارة واستعمل قوة عارضته في منفعة قومه ومواطنيه، واتسع نطاق عمله حتى واصل أعماله التجارية بالقطر السوداني، فأصبح يصدر البضائع إليه وكذا الجهات القبلية، فأدرك ما أمل، وبعد خمس عشرة سنة اعتزل التجارة، واشتغل بالزراعة فكان قدوة للغير في الأعمال الزراعية، ثم رأى أن العلم هو السبب الأقوى لوصوله إلى هذه المنزلة السامية، ورأى أن مدرسة البنات التي أسسها المرحوم والده تشترك العائلة في إدارة شؤونها، فأخذ على عاتقه القيام بما يلزمها والاعتناء بها والإنفاق عليها من ماله الخاص.

وفي سنة ١٨٨٠م تعين وكيل قنصلاتو ألمانيا في أسيوط، وفي سنة ١٩١١م أنعم عليه برتبة المتمايز.

وانتقل إلى دار البقاء في ١٥ سبتمبر سنة ١٩١٥م بعدما خلد له التاريخ أجمل ذكر، وترك في الحياة أثرًا من أعمال خيرية وبر بالفقراء وحزم وإقدام، وكان في طليعة عشاق الأعمال الخيرية في الديار المصرية، مات ولكنه لم يمت حيث أنجب حضرة صاحب العزة أمين بك خياط، فنهج منهج المرحوم والده وسلك سبيل أعماله النافعة.

صفاته وأخلاقه

كان الفقيد رحمه الله على جانب عظيم من الوداعة وكرم الأخلاق، واللطف رقيق الإحساس، طيب السيرة والسريرة ما رأى قط بائسًا طرق بابه إلا وغمره بإحسانه وطيب خاطره وشمله برعايته، أسكنه الله فسيح جناته وجعل الجنة مثواه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤