ترجمة صاحب النيافة الحبر الجليل الورع الأنبا توماس

figure
صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا توماس مطران كرسي المنيا والأشمونين للأقباط الأرثوذكس.

ولد هذا الراعي الصالح بعزبة الدير المحرق التابع لمركز منفلوط من أعمال مديرية أسيوط في سنة ١٥٩٠ للشهداء، الموافقة لسنة ١٨٧٣ ميلادية من أبوين تقيين ربياه على الفضيلة والتقوى والصلاح، وأدخله والده مكتب البلدة فتعلم فيه مبادئ القراءة والكتابة العربية والقبطية، ولما بلغ الثامنة عشر من عمره قصد دير البرموس الكائن ببربة بشهات «أي: ميزان القلوب» بمديرية البحيرة في يوم الخميس ٤ بشنس سنة ١٦٠٧، وكان يدعى عبد الملك نصر الله فسافر بمعية نيافة الحبر الجليل الأنبا يؤنس مطران الإسكندرية، وجناب قنصل روسيا بإسكندرية الذي قصد زيارة الدير في ذاك العام، فكان فيه مثال التقوى والورع.

وفي ١٦ برمودة سنة ١٦٠٩ الموافقة سنة ١٨٩٢ ميلادية كرس راهبًا بالدير المذكور في عهد رئاسة المرحوم القمص باخوم رئيس الدير، وقد واصل الليل بالنهار في حفظ التسبحة والمزامير والألحان الكنائسية، والاشتراك مع الرهبان في أشغال الدير الضرورية، وأخذ فضله يظهر منذ ذاك الحين حتى نال عن جدارة واستحقاق وظيفة القساوسة، بوضع يد الكلي القداسة الجزيل الاحترام غبطة البابا المعظم الأنبا كيراس الخامس بطريرك الإسكندرية في يوم الأحد الموافق ١٣ بابه سنة ١٦١٣–١٨٩٦م، وأطلق عليه باسم القمص عوض تبركًا وإحياءً لذكر المتنيح الراهب البرماوي، الذي عند ذكر اسمه في وضع يد غبطة البطريرك ذرفت عيناه الطاهرة بالدموع حزنًا على ذلك الراهب الراحل الكريم، فكان لهذا المنظر أعظم تأثير عند الحاضرين، مما دل على ما كان عليه ذاك المتوفى من المكانة السامية عند قداسة البابا، ثم تعين صاحب الترجمة وكيلًا لأشغال عزبة الدير بطوخ النصارى «منوفية» في شهر هاتور من ذاك العام في عهد رئاسة الأنبا ساويرس مطران كرسي صنبو الآن، وفي ٣٠ هاتور عام ١٦١٤–١٨٩٧م رسم قمصًا، وفي أول توت سنة ١٦١٦–١٨٩٩م انتظم في سلك طلبة مدرسة الرهبان الأكليريكية بالإسكندرية، فلبث بها أربع سنوات برز فيها في العلوم اللاهوتية وصار من كبار رجال الدين، وقد وضع نيافته كتابًا للمواعظ مرتبًا على فصول الحدود والأعياد بطول السنة، وكلها إرشادات روحية، وتعاليم وقواعد أرثوذكسية ولكن لم يطبع بعد. وفي ٤ برمهات سنة ١٦١٩ الموافقة لسنة ١٩٠٢، أسند إليه نيافة مطران كرسي الإسكندرية وكالة البطريكخانة، فقام بشؤون وظيفته خير قيام وبرهن على ما له من الخبرة والدراية، ونال ثناء نيافة المطران وإعجاب الإسكندريين لفضله وكمال أدبه، وفي يوم الأحد الموافق ٧ برمهات سنة ١٦٢١ الموافقة لسنة ١٩٠٥، أسندت إليه أسقفية كرسي المنيا والأشمونين خلفًا للمرحوم الأنبا ديمتريوس، فأظهر حزمًا واقتدارًا ملك بهما قلوب شعبه، كما أسندت إليه درجة المطرانية في ٨ بابه سنة ١٦٢٥ الموافق ١٨ أكتوبر سنة ١٩٠٨، وفي سنة ١٩١٢ ضم إليه بندر ملوي، وفي سنة ١٩١٤ ضمت إليه أبروشية بردونوها التي تحتوي على إحدى عشرة بلدة ذلك؛ لأنه رجل العمل الحقيقي، ولا شك أن القارئ الكريم عند مطالعته للأعمال الهامة التي قام بها نيافة صاحب الترجمة يتأكد قوة عزيمته، وصدق إرادته وبعد نظره وغيرته على رفع لواء الدين والعلم والأدب بين ربوع أبروشيته، التي أصبحت زاهرة بفضل مجهوده، وتفرغ كل أوقاته لخير ورفاهية شعب أبروشيته، الذي يفاخر به في كل مجلس وناد، ولكن من سوء الحظ قد ألمت به الأمراض، فأشار عليه الأطباء بالسفر للبلاد الأوربية وفعلًا سافر أولًا للقدس الشريف في ١٦ أبريل سنة ١٩٢٤ لتأدية الواجب الديني وزيارة الأراضي المقدسة، وهناك وجد الراهب فيلبس الموكل لعمارة كنيسة أريحا، فتبرع نيافته بمبلغ ستين جنيهًا، وجمع من الذين معه بمعيته خمسة وأربعين جنيهًا، وسلمها للراهب المذكور، وسافر بعد ذلك لأوربا وقابل أشهر الأطباء الذين قرروا فحصه جيدًا، وقرروا بأن المرض ناتج من كثرة الأشغال والمجهودات. وإننا نذكر هنا بعض أعماله الخيرية والعلمية والدينية والمادية، التي خدم بها طائفته وفيها الدليل الكافي على ما لنيافته من الفضل الجزيل.
  • (١)

    إزالته دار المطرانية القديمة وتجديدها على الطراز الحديث، ونقشها نقشًا بديعًا، وجلب لها ثمين الأثاث حتى أصبحت تضارع أعظم المباني في العظمة والأبهة، وبها متسع لإضافة الغرباء والواردين والمترددين، حيث يقابلون بكل ترحاب، وقد أنارها بالكهرباء.

  • (٢)

    وجه عنايته لإصلاح المدرسة فأنشأ مدرسة جديدة بأرض السراية على الطراز الحديث أيضًا، صرف عليها نحو الخمسة عشر ألف جنيه، وأعلا مقامها وجعل فيها قسمًا ثانويًّا هو الآن المنهل العذب لطلاب العلم بمديرية المنيا، وقد زارها كثير من وطنيين وأجانب وجاهروا بأنها أحسن وأجمل وأفخم ما بني من نوعها عند الأقباط في القطر المصري، ونتائجها الثانوية في الشهادتين الابتدائية والكفاءة تدل على اختياره أحسن الأساتذة القائمين بالتدريس بها، ونذكر مع الشكر حضرة الأستاذ الفاضل نخله أفندي خليل المحامي بالمنيا، الذي كان أكبر عضد مالي وأعظم مشجع أدبي لنيافته في إنشاء هذه المدرسة، فضلًا عن أنه أوقف عليها خمسة أفدنة من أطيانه الخصوصية.

  • (٣)

    تقسيم المدرسة القديمة إلى خمسة منازل وأوقفها على الدار المطرانية للانتفاع بإيجارها.

  • (٤)

    أنشأ كنيسة ومدرسة بالروضة.

  • (٥)

    أنشأ كنيسة الفكرية.

  • (٦)

    أنشأ مدرسة بالبياضية.

  • (٧)

    إصلاح وترميم وتوسيع دير القديس أبو يحسن.

  • (٨)

    تجديد كنيسة أتليدم.

  • (٩)

    أنشأ كنيسة ومدرسة بأبو قرقاص وجدد الكنيسة القديمة.

  • (١٠)

    أنشأ كنيسة أبشادة.

  • (١١)

    تجديد كنيسة نزلة أشمنت.

  • (١٢)

    مشترى ١٠ قراريط أملاك بناحية هور، أنشئت عليها كنيسة والباقي لإيجاد مدرسة.

  • (١٣)

    تجديد كنيسة قصر هور.

  • (١٤)

    اكتشاف دير أثري قديم بالجبل الغربي باسم القديس أبو فانا.

  • (١٥)

    أنشأ كنيسة بصفط الخمار.

  • (١٦)

    تكملة كنيسة بني أحمد.

  • (١٧)

    تصليح وترميم وتبليط كنيسة القديس أبا هور سواده.

  • (١٨)

    أنشأ كنيسة ومدرسة بنزلة الفلاحين من مال الست المرحومة حرم مرقص بك حنا.

  • (١٩)

    تجديد كنيسة بني غني.

  • (٢٠)

    أنشأ كنيسة صفط اللبن.

  • (٢١)

    أنشأ كنيسة نزلة فلوصنا.

  • (٢٢)

    أنشأ كنيسة نزلة النصارى تبع الديرية.

  • (٢٣)

    أنشأ كنيسة ومدرسة بسمالوط.

  • (٢٤)

    أنشأ كنيسة ومدرسة بقلوصنا.

  • (٢٥)

    أنشأ كنيسة بنزلة المناهرة.

  • (٢٦)

    مشتري ٤ قراريط أملاك من الحكومة لإنشاء مدرسة عليها بناحية الطيبة.

  • (٢٧)

    حصوله على جزء ملك لإنشاء كنيسة بنزلة مسعد حنس.

  • (٢٨)

    حصوله على جزء ملك لإنشاء كنيسة بالمطاهرة.

  • (٢٩)

    إنشاء كنيسة ومدرسة بجزء من مال المرحومين داود أفندي سيدهم وأخيه سيف بك.

  • (٣٠)

    مشتري ملك ببندر المنيا بمبلغ ١٣٦١ جنيه أنشأ عليه كنيسة باسم العذراء، وتم تدشينها يوم الأحد ٤ كيهك لسنة ١٦٣١ الموافق ١٣ ديسمبر سنة ١٩١٤ بتشريف حضرات أصحاب النيافة مطارنة إسكندرية والقدس وقنا وبني سويف والفيوم، بناء على أمر قداسة الأب البطريرك إجابة لدعوة نيافة صاحب الترجمة، الذي شاد على باقي الملك أيضًا خمسة دكاكين ومنزلين أوقفهم على كنيسة المذكورة لانتفاعها بإيجارها.

  • (٣١)

    مشتري ثلاثين فدانًا لوقف دير العذر بجبل الطير، وسيشتري نيافته ثلاثين فدانًا أخرى من ريع هذه الأطيان لهذا الوقف.

  • (٣٢)

    تجديد دير مار مينا العجائبي بنمهيري وتصليح كنيسة، وأنشأ عمارتين هائلتين وبهما اثنين وأربعين أودة لراحة الزائرين لهذا الدير من عموم القطر المصري، وضم عليه ١٦ قيراط من الأطيان المكلفة باسمه خاصة بناحية قهري لاتساع هذا الدير وجنينة تساوي مبلغ ١٥٠ جنيهًا، وغرس بها حديقة غناء تحيط بالكنيسة وهاتيك المباني من كل الجهات، واستحضر لها ماكنة تدار بالغاز لري الجنينة، ولشرب الزرايب وصرف على ذلك من ماله الخاص نحو الأربعة آلاف جنيه مصري؛ لأن هذا الدير ليس له أوقاف مطلقًا.

  • (٣٣)

    إنشاء كنيسة كوم المحرص.

  • (٣٤)

    مشتري ملك من الحكومة ببندر ملوي سنة ١٩٢٤ بمبلغ ٢٦٠٠ جنيه؛ لإنشاء كنيسة ومدرستين إحداهما للبنين والأخرى للبنات؛ لأن المدرسة والكنيسة الحاليتين ضاقتا بالمصلين والطلبة.

  • (٣٥)

    مشتري ثلاثة أفدنة أوقفها على كنيسة القديس يوحنا المعمداني بالشيخ تمي.

  • (٣٦)

    مشتري ماية فدان في ١٣ ديسمبر سنة ١٩٢٤، وأوقفها شرعًا على المطرانية والمعاهد الدينية والعلمية بالمنيا.

  • (٣٧)

    أنشأ كنيسة بنزلة عبيد على حساب حضرة صاحب العزة صارو وليم بك مينا عبيد.

  • (٣٨)

    أنشأ كنيسة ببندر المنيا على حساب صاحب السعادة المرحوم سعيد باشا عبد المسيح، الذي سبق فأنشأ أيضًا مدرسة للبنات في عهد نيافته، وقد أصبح في أبروشية كرسي المنيا والأشمونين عدد ٥٠ كنيسة منها عدد ٢٩ كنيسة ما زالت على عهدها، ومنها عدد ٨ كنايس تجددت، وعدد ٢٣ كنيسة أنشئت حديثًا، وعدد ٢١ مدرسة، وهذه الكنائس والمدارس والكتاتيب بعضها انتهى، وبعضها على وشك الانتهاء وبعضها مشروع فيه، والكهنة الذين يؤدون الشعائر الدينية في هاته الكنائس عدد ٧٦ كاهنًا منهم عدد ٢ رهبان وعدد ٣٢ رسموا في عهد الأساقفة السابقين، وعدد ٤٢ رسموا في عهد صاحب الترجمة، ومعظمهم من خريجي المدرسة الأكليريكية الذين يعتلون المنابر للوعظ والإرشاد بتلك الكنائس، حتى كاد أن يكون الوعظ عامًّا في عموم الكنائس الأبروشية، ناهيك عن قيامه ومساعدته في طبع كتب الكنيسة سواء قبطية أو عربية واهتمامه بالفقراء والأرامل، وتعضيده المدرسة الأكليريكية والجمعيات الخيرية، وخصوصًا جمعية المنيا والمشروعات العامة، وكفى برهانًا ما أحدثه بأبروشية المنيا في مدة العشرين سنة، مما يستوجب عليه معنى الشكر والثناء والإعجاب بهذه الهمة العالية، التي قل أن نراها في كثيرين غيره أثابه الله عليها في الآخرة وكافأه عنها خيرًا.

صفاته وأخلاقه

من الصفات المحمودة التي امتاز بها نيافته دماثة الأخلاق وحلاوة الحديث والذكاء المفرط، وغزارة العلم مع التواضع المتناهي والتقوى، فتجده مخلصًا لشعبه غيورًا على دينه محافظًا على الفروض الدينية.

أدام الله حياته ومتعه بدوام الصحة والعافية، وأكثر بين رجال الأكليروس الأرثوذكسي العاملين المجاهدين في سبيل الخير العام من أمثاله، وإننا نختم تاريخ هذا المجاهد العظيم في سبيل الإصلاح العام بكلمة شكر نزفها إلى نيافته بنوع خاص، وهي كلمة إعجاب بما له من همة عالية، وكفاءة نادرة اتخذهما له شعارًا ولحياته الطيبة نبراسًا وضاءً، فأنعم به من راع جليل وحبر نبيل، وليتنعم شعبه المبارك الذي يتغذى بلبان فضله وليعش منعمًا في ظل حياته المباركة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤