شوقي شاعريَّتُهُ ومميِّزَاتُها١

منذُ خمسِ سنواتٍ وبعضِ السنة اجتَمعنا في هذا المكانِ نفسِهِ لتكريمِ «شوقي»، واشتركتْ معنا وُفودُ الشرقِ العربيِّ في ضَفْر إِكليل الغارِ على مَفرقِ أمير الشعراء، كما هي تشترك معنا اليومَ في نَثْر أزاهيرِ الذكرى على قبرهِ، وكأنِّي بالفقيدِ الكريم ماثلًا كالأمس في مقصورته هذه، وكأني بفقيدِنا العظيم الآخر — حافظ إبراهيم — باسطًا يدَهُ إليه، وأَجواءُ هذه القاعةِ تردِّد، بين التصفيق والهتاف، صدى صوتِه الفخم:

أميرَ القوافِي قد أتيتُ مُبايعًا
وهذي وُفودُ الشرقِ قد بايَعَتْ معي

أما الفرقُ بين حفلتِنا هذه وحفلتِنا تلك، فالفرق بين نشوةِ الحياةِ وهمدةِ الموتِ، وبين بهجةِ الأعيادِ وخشوعِ المآتم، ولَئِن قصَّرَ خطيبُ اليومِ عن خطيبِ الأمس.

فمعذِرَةُ اليراعَةِ والقوافِي
جلالُ الرزءِ عن وَصفٍ يَدِقُّ٢

حديثي معكم أيها السادة، عن شاعرية شوقي، أو عن «شوقي الشاعر»، وهل كان شوقي في حياته إلَّا شاعرًا؟ وهل يبقَى منهُ بعدَ مماتِه غيرُ الشعر؟ بضعةُ أسابيعَ مرَّتْ على وفاتِه، وها قد نُسِيَ كبيرُ موظفي المعيَّة وحاملُ الألقابِ الضخمةِ من الدولةِ العلية؛ واضمحلَّ صاحبُ الثروةِ والجاهِ والنفوذ، وعَفَا أَثَرُ العضوِ في مجلسِ الشيوخ، فأصبحنا ولا نروِي عنه إلَّا ذلك الشعرَ الذي أرقص وأطرب، ولا نذكرُ منهُ إلَّا ذلك الشاعرَ الذي نظم فأعجب.

ولقد أدرك ذلك هو نفسُهُ إذ أنشدَ يومَ كان صاحبَ الصول والطول:

شاعرُ العزيزِ وما
بالقليل ذا اللقبُ

ويوم قال بعد منفاه:

ما ماتَ من حازَ الثرى آثارَهُ
واستولَتِ الدنيا على آدابِه

بل إنَّ قيمةَ الشاعرِ في نظرهِ لم تكنْ لتضارعها قيمةٌ.

والله ما تدرِي لعلَّ كفيفَهم
يومًا يكونُ أبا العلاءِ المبصرا
لو تشْتريهِ بنصفِ مُلكِك لم تجدْ
غبنًا، وجلَّ المشترِي والمشترَى

بل غالى حتى رأى الشعرَ مبعثَ كلَّ نهضةٍ قومية:

لم تَثُرْ أُمَّةٌ إلى الحقِّ إِلَّا
بهُدَى الشعرِ أو خَطا شَيطانِهْ

بل زاد في الغلوِّ فقال:

أنتمُ الناسُ أيها الشعراءُ …!

حَملَ قيثارةَ الشعر، وهو غلامٌ يافع، ولم تقعْ من يدهِ إلَّا صبيحةَ وقعَ صريعَ الردى، ولقد ظلَّ بين العهدَين، ما يَقرب من نصفِ القرن، يُخرج منها أعذبَ الأنغامِ وأشجاها، حيثما كان وكيفما كان: في مواقف الروع ومواقع الحروب:

أمولاي غنَّتكَ السيوفُ فأطربتْ
فهلْ ليراعِي أنْ يُغنِّي فيُطربُ
وعندِي كما عندَ الظُّبا لك نَغمةٌ
ومُختلَفُ الأَنغامِ للأُنسِ أجلبُ٣

أو في مواطِن الطمأنينة والابتهاج:

أَشهَى من العودِ المرنَّمِ مَنطقًا
وأَلذُّ من أوتارهِ تغريدا٤

لم يَشُدَّ إلى قيثارةِ الشعر وترًا جديدًا، ولكنَّه عرف أن يُنطق الأوتارَ القديمةَ بنغماتٍ جديدة مُستعذَبة، فأوتار العود معدودة، وهي هي، عدًّا ونوعًا، تحتَ أنامل العازف، ولكنَّ كلَّ عازفٍ يفتنُّ في النقرِ عليها ما شاءَ لهُ الافتنانُ، فيُسمِعُنا منها الجديدَ من الألحان، وألوانُ الشبح الشمسيِّ واحدةٌ، ولكنَّ كلَّ مصوِّرٍ يبتدع من مزيجها شتَّى الألوان.

وهكذا كانت أوتارُ القيثارةِ القديمة في يدِه تُخرِجُ أَلحانًا مستجدَّةً في كلِّ موضوعٍ فكان:

يكادُ إِذا هو غنَّى الورى
بقافيةٍ يُنطِقُ القافيَهْ
وتَحكمُ في النفسِ أوتارُهُ
على العودِ ناطقةً حاكيَهْ٥

وما هي أوتارُهُ الناطقةُ الحاكية …؟

أيها السَّادة، الدينُ والوطنُ عاطفتانِ غريزيَّتانِ في قلوبِ الناس، فهُما وَترانِ أساسيَّان في قيثارة الشاعر، ما داناهما بلمسٍ إلَّا أخرجا نغمًا بعيدَ القرار، وما نقر عليهما إلَّا استثار في صدور الجماهير الغيرة والنخوة والحماسة.

وتَر الدين

نقر «شوقي» على وتر الدين فتغنَّى بالإسلام غناءً جزلًا فخمًا، بلا تصنُّعٍ ولا تكلُّف، بل عن عقيدةٍ وإيمان، فكستْ عقيدته نظمَه حلَّةً قدسية، وعقد إيمانه حول هذا النوع من شعره هالةً نورانية.

اسمعوه يعتزُّ بالإسلام:

آياتُهُ كلَّما طال المدى جُددٌ
يَزينُهنَّ جلالُ العتقِ والقدمِ
يكادُ في لفظةٍ منه مُشرَّفَةٍ
يُوصيكَ بالحقِّ والتقوَى وبالرَّحِمِ
يا أفصحَ الناطقينَ الضادَ قاطبةً
حديثُك الشهدُ عندَ الذائقِ الفَهِمِ
حَلَيْتَ من عَطَلٍ جيدَ البيانِ بهِ
في كل منتثرٍ في حسن منتظمِ
يا «أحمدَ» الخيرِ لي جاهٌ بتسميتي
وكيفَ لا يَتسامَى بالرسولِ سميِّ

واصغوا إليه يَفخَرُ بدول الإسلام:

دَعْ عنك «روما» و«آثينا» ومَا حَوَتا
كلُّ اليواقيتِ في «بغداد» والتُّوَم٦
وخلِّ كسرى وإيوانًا يُدِلُّ بهِ
هوى على أثَر النيران والأيمِ٧
دارُ الشرائِع روما، كلما ذُكِرت
دارُ السلامِ لها ألقت يدَ السلمِ٨
ما ضارعتها بيانًا عند مُلتأَمٍ
ولا حكتها قضاءً عند مُختَصَمِ

وبملوك الإسلام:

ولا احتوت٩ في طرازٍ من قياصرها
على رشيدٍ ومأمونٍ ومُعتصِمِ
من الذين إذا سَارت كتائبُهم
تصرَّفوا بحدودِ الأرضِ والتُّخُمِ
ويجلسون إلى علمٍ ومعرفةٍ
فلا يُدَانَونَ في عقلٍ ولا فَهَمِ

وإذا انتصرت دولةٌ من دول الإسلام ترنَّح طربًا ورنَّح الشرقَ معه:

وأرَّجَ الفتحُ أرجاءَ الحجاز وكم
قضى اللياليَ لم يَنعَمْ ولم يَطِبِ
وازَّينت أُمهاتُ الشرقِ واستبقَتْ
مَهارِجُ الفتح في الموشيةِ القشُبِ
هزَّت دمشقُ بني أيُّوبَ فانتبهوا
يُهنِّئونَ بني حَمدانَ في حَلَبِ
ومسلمو الهندِ والهندوسُ في جَذَلٍ
ومسلمو مصرَ والأقباطُ في طربِ
ممالكٌ ضمَّها الإسلامُ في رحِمٍ
وشيجةٍ١٠ وحواها الشرقُ في نسب

يُقدِّسُ الإسلام ويجلُّ تقاليدَه العريقة، وينبري للذود عن الخلافة بجميع جوارحه:

مَنْ قائلٌ للمسلمين مقالةً
لم يُوحِها غيرُ النصيحةِ واحِ
عهدُ الخلافةِ فيَّ أولُ ذائدٍ
عن حوضها بيراعِهِ نضَّاح١١
حُبٌّ لذاتِ اللهِ كان ولم يَزَلْ
وهوًى لذاتِ الحق والإِصلاح

وهو لا يُنزِّه المسلمين عن الأخطاءِ والهفوات، ولكنَّ الذنبَ إنما هو ذنبهم لا ذنبُ الإسلام.

من عادةِ الإِسلام يرفعُ عاملًا
ويُسوِّدُ المقدامَ والفعَّالا
ظلَمتْهُ أَلْسِنةٌ تُؤَاخِذُهُ بِكُمْ
وظلمتموهُ مُفرِّطين كسَالى
هذا هلالُكمُ تكفَّل بالهدى
هل تعلمون مع الهلال ضلالا؟

ومن هذا الشيءُ الكثيرُ ممَّا لا مجالَ لإِيراده بجملتهِ، وتجدونَه في شتَّى قصائدِه، ولا سيما في الهمزية النبوية، وعرفات، والخلافة وذكر المولد، والأزهر، والهلال، ونهج البردة، ورثاء مقدونيا إلخ.

ومثلُ هذه النبضات لا تَصدُرُ إلَّا عن قلبٍ عامرٍ بالإيمانِ:

شعرٌ من النَّسقِ الأعلى يؤيِّدُهُ
من جانبِ الله إلهامٌ وإيحاءُ
روى كاتبهُ الأديب في كتاب أصدرَهُ منذ أسبوع١٢ أنَّه كان يقرأ لهُ في «المختصر من مكاشفة القلوب» للغزالي قال: «وبقيت حتى منتصَفِ الساعة الواحدة، ولم يبقَ إلَّا موضوعٌ واحد، وهو وفاة رسولِ الله ، ولكني لفتُّهُ إلى أن هذا الوقتَ موعدُ رياضتهِ، فقال: حتى تُتِمَّ، فقرأتُ له موضوع الوفاة، فأخذ يبكي.» ا.ﻫ.
figure
شوقي وأولاده (في سنة ١٩٠٧).

وكان تمسكه هذا بالدين بعد أن خَبَر الدنيا وذاق حلوَها ومرَّها:

جنيتُ بروضِها وردًا وشوكًا
وذُقتُ بكأسها شُهْدًا وصابا
فلم أرَ حُكم اللهِ حُكمًا
ولم أرَ دونَ باب اللهِ بابا

على أن هذا الشاعرَ الراسخَ العقيدة، الصادق الإيمان، لم يُسئْ إلى أحدٍ في عقيدته؛ لأن مبدأه كان: «المسلم مَن سلم الناسُ من يدهِ ولسانه.» وهكذا تَرَون أُدباء المسيحيين والإسرائيليين يتغنون بشعره الإسلامي، ويطربون له طرب المسلمين أنفسهم، وقد يتناول أدقَّ الموضوعات من هذا القبيل، ولكنَّه يتناولها بلمس الحرير فلا يؤلم ولا يجرح، كوصفه كنيسة آيا صوفيا التي صارت مسجدًا:

كنيسةٌ صارت إلى مسجد
هديةُ السيِّدِ للسيِّدِ

ووصفهِ مدينةَ القسطنطينية وقد خرجت من يدِ الروم إلى يد بني عثمان:

أدارَ محمدٍ وتُراثَ عيسى
لقد رضياكِ بينهما مُشاعا
فهل نَبَذَ التعصُّبَ فيكِ قومٌ
يَمُدُّ الجهلُ بينهما نِزاعا

وهكذا يحترم الأديانَ ويُجلُّ كُتبها:

أرسلتَ بالتوراةِ موسَى مرشدًا
وابنَ البتولِ فعلَّم الإنجيلا
وفَجَرتَ يَنبوعَ البيانِ محمدًا
فسَقى الحديثَ وناوَلَ التنزيلا

وإذا وقع العيدانِ — عيد المسلمين وعيد المسيحيين — في يومٍ واحدٍ حيَّاهما معًا أجملَ تحيَّة:

العامُ أقبل قم نُحيِّ هلالا
كالتاجِ في هامِ الوجودِ جلالا
عيدُ المسيحِ وعيدُ أحمدَ أقبلا
يتباريان وضاءَةً وجمالا
ميلادُ إحسَانٍ وهِجرةُ سؤدُدٍ
قد غَيَّرا وجهَ البسيطةِ حالا

وإذا رأى اعتداءً من دولةٍ من دول الصليب، فإنه لا يُثير الأحقادَ الدينية القديمة، بل يُبرِّئُ الدينَ، ويُنجِي باللائمةِ على الذين لا يتَّبعون وصاياه:

تبرَّأ عيسَى منهمُ وصِحابُهُ
أَأَتباعُ عيسَى ذي الحنانِ جفاةُ؟

أو يعاتِبُ ألطفَ عتاب ويمهِّد له أجمل تمهيد:

عيسَى سبيلُكَ رَحمةٌ ومحبَّةٌ
في العالمين وعِصمةٌ وسَلامُ
ما كُنتَ سفَّاكَ الدماءِ ولَا امرءًا
هانَ الضعافُ عليه والأيتامُ
يا حاملَ الآلامِ عن هذا الورى
كَثُرَت عليه باسمك الآلامُ
أنتَ الذي جعلَ العبادَ جميعَهم
رَحِمًا وباسمِكَ تُقطَعُ الأرحامُ
البغيُ في دينِ الجميعِ دَنيَّةٌ
والسلمُ عهدٌ والقتالُ ذِمامُ

أمَّا الحروبُ الدينيَّة التي مزَّقت الإنسانية في حقبات مُختلفة فمرجِعها إلى الضلال، والدين ينفضُ يده منها.

لولا ضلالٌ سَابقٌ لم يَقُمْ
من أجلكَ الخَلقُ ولم يَقعُدِ
فكلُّ شرٍّ بينهم أو أذًى
أنت براءٌ منهُ طُهرُ اليدِ

ومن كانت هذه آراؤه في الأديان ومُوحيها فلا عجَبَ أن يكونَ في طليعة الداعين إلى اتحاد العنصرين المكوِّنين للأمة المصرية:

أعهدتنا والقبط إلَّا أُمَّةً
للأرضِ واحدةً تروم مراما
نُعلِي تعاليمَ المسيح لأجلِهم
ويوقِّرون لأجلنا الإسلاما
الدين للدَّيان جَلَّ جلالُه
لو شاءَ ربك وحَّد الأقواما
هذي قبورُكم وتلك قبورُنا
متجاورينَ جماجمًا وعِظاما
فبحُرمةِ الموتى وواجبِ حقِّهم
عيشوا كما يقضِي الجوارُ كراما

وهو يُدلِّل على وجوبِ هذا الاتحاد باسم الوطن:

ألم تكُ مصرُ مهدَنا ثم لحدَنا
وبينهما كانت لكلٍّ مغانيا
ألم نكُ من قبلِ المسيحِ بن مريم
وموسَى وطَهَ نعبُدُ النيلَ جاريا
فهلَّا تساقينا على حُبِّهِ الهوَى
وهلَّا فديناه ضفافًا وواديا

بل باسم الدين نفسهِ:

إنما نحنُ مسلمين وقبطًا
أمَّةٌ وُحِّدت على الأجيال
وإلى اللهِ من مشى بصليبٍ
في يديهِ ومن مشى بهلالِ

ومِن نِعم الله على مصر أن هذا الاتحادَ قد توثق فيها على وجهٍ لم يتوثَّق على مثاله في قُطر آخر، فثارت البلاد تطالب باستقلالها تحت رايةٍ رُسِم عليها الهلالُ معتنقًا الصليب، وفي ذلك يقول فقيدُنا:

مزَّقتُم الوهمَ وألفتمُ
أهِلَّةَ اللهِ على صُلْبهِ
حتى بَنيتم هَرَمًا رابعًا
من فئةِ الحقِّ ومن حزبِه

وهو القائل كذلك في الصليب والهلال:

جبريلُ أنت هُدَى السما
ءِ وأنتَ برهانُ العنايَهْ
ابسُطْ جناحَيكَ اللذَيـ
ـنِ هُما الطهارةُ والهدايهْ
وزدِ الهلالَ من الكرا
مةِ والصليبَ مِنَ الرعايهْ
فَهُما لربِّكَ رايةٌ
والحربُ للشيطانِ رايهْ

وله في كلِّ ذلك حكمةٌ بالغة وهي:

الدينُ للهِ من شاءَ الإِلهُ هَدَى
لكلِّ نفسٍ هوًى في الدين يعنيها
ما كان مختلفُ الأديانِ داعيةً
إلى اختلافِ البرايا أو تَعادِيها
الكتْبُ والرسْلُ والأديانُ قاطبةً
خزائنُ الحكمةِ الكبرى لوَاعيها
محبَّةُ اللهِ أصلٌ في مَراشدِها
وخَشيةُ اللهِ أُسٌّ في مبَانيها
وكلُّ خيرٍ يُلقَّى في أوامرِها
وكلُّ شرٍّ يُوقَّى في نَواهيها
تَسَامُحُ النفسِ معنًى من مروءتِها
بل المروءةُ في أسمى مَعانيها

هذا مثالٌ من الأنغام الفخمة التي استخرجها «شوقي» من وتر الدين، وهي نغماتٌ ذات أجنحةٍ مصفَّقة تحملها على تموُّجات العواطف إلى الملايين من الناس، فيتراجع صداها في الصدور حيث تستقرُّ بردًا وسَلامًا، وهل تعرفون شعراءَ كثيرين وُفِّقوا لما وفِّق له شوقي؛ إيمانًا صادقًا، ورأيًا صائبًا، وحكمةً رائعة، وذوقًا سليمًا، مع جزالةٍ في اللفظ وفخامة في الأسلوب؟

وتَر الوطن

أمَّا وترُ الوطن فلم يكن بأقلَّ براعة وحذقًا في النقرِ عليه، فوطنياتُ شوقي خليقةٌ بأن تُجمع وتدرَّس في المدارس لتنشئة الطلبة على حب الأوطان، فهو يقدس الوطن تقديسًا، ويتكلم عن العاطفة الوطنيَّة كعقيدة دينية، أليس حبُّ الوطن من الإيمان، وهو الرجلُ المؤمن كما رأينا؟

أيا وطني لَقِيتُك بعد يأسٍ
كأنِّي قد لَقِيتُ بك الشبابا
ولو أنِّي دُعيتُ لكنتَ دِيني
عليهِ أُقابلُ الحتمَ المُجابا١٣
أُديرُ إليك قبلَ البيتِ وجهي
إذا فُهتُ الشَّهادةَ والمَتابا

أنزَلَ الوطنَ منزلة الدين في هذه الأبياتِ، وفي غيرها:

وسَلا مصرَ هل سلَا القلبُ عنها
أو أسَا جرحَهُ الزمانُ المؤَسِّي
كلَّما مرَّتِ الليالي عليهِ
رقَّ، والعهدُ في الليالي تُقَسِّي
وطني لو شُغِلتُ بالخُلد عنهُ
نازَعتْنِي إليهِ في الخُلدِ نفسي

وهل يُستغرَب ممَّن ينبضُ قلبه بهذه العاطفة الوطنية أن يجعل مصر كعبة أشعاره؟

وإِنِّي لَغِرِّيدُ هذي البطاحِ
تَغذَّى جَناها وسَلسَالَها
ترَى مصرَ كعبة أشعارهِ
وكلِّ مُعلَّقةٍ قالها

ويكادُ يتغزلُ بوطنه في كل موضوعٍ يعالجه، حتى في خمريَّاته، فبينما ينشد في العيد طربًا؛ رمضانُ ولَّى، هاتها يا ساقي، إذ به يتجهَّم لذكرى وطنه:

وطني أسِفتُ عليكَ في عيدِ المَلا
وبكيتُ مِنْ وجدٍ ومن إشفاقِ
لا عيدَ لي حتى أراكَ بأُمَّةٍ
شمَّاءَ راويةٍ من الأخلاقِ

نعم، إنَّ حبَّ الوطن سجيَّةُ كلِّ حرٍّ:

وللأوطانِ في دم كلِّ حُرٍّ
يَدٌ سلفت ودَينٌ مستحق

يقول ذلك ويُعيدُه:

ولقد صدقتم، هذهِ الأرضُ الهوى
والحرُّ يَصدُقُ في هوى أوطانِهِ

ولكنَّ مصرَ أحرى من سواها من الأوطان بهوى أبنائها:

إِن الذي قسمَ البلادَ حباكمُ
بلدًا كأوطانِ النجومِ مجيدا
قد كان والدنيا لحودٌ كلُّها
للعبقريَّةِ والفنونِ مُهودا

واسمعوه بعد ذلك يُعدِّد محاسن هذا الوطن في مختلف قصائده مهما تنوعت موضوعاتها، ويُبدِع في وصف آثار مصر ما شاء الإبداع، سواءٌ تكلَّم عن الهياكل وما فيها من مدهشات الفن:

شابَ من حولها الزمان وشابت
وشبابُ الفنونِ ما زال غَضَّا
ومحاريب كالبروج بَنَتْها
عَزَمَاتٌ من عزمة الجنِّ أَمضى …

أم تكلَّم عن أهرامِ مصر:

لك كالمعابد روعةٌ قُدسيةٌ
وعليكِ روحانيَّةُ العبَّادِ
أسِّستِ من أحلامِهم بقواعد
ورُفعتِ من أخلاقِهم بِعمادِ
قُمْ قَبِّلِ الأَحجارَ والأَيدي التي
أخذتْ لها عَهدًا من الآبادِ
وخُذِ النبوغَ عن الكنانةِ إِنها
مهدُ الشموسِ ومسقط الآرادِ١٤

أو عن أبي الهول:

كأنَّ الرمالَ على جانبيـ
ـك وبين يديكَ ذنوبُ البَشرْ
كأنَّك فيها لِواءُ القضا
ءِ على الأرضِ أو ديدبانُ القَدرْ

أو عن النيل:

من أيِّ عهدٍ في القرى تتدفَّقُ
وبأي كفٍّ في المدائن تُغدِقُ
ومن السماءِ نزلتَ أَم فُجِّرتَ من
عُليا الجِنان جداولًا تترقرقُ
وبأي نَولٍ أنت ناسجُ بردةٍ
للضَّفتين جديدُها لا يخلُق …
لي فيك مَدْحٌ ليس فيه تكلُّفٌ
أملاهُ حُبٌّ ليس فيه تملُّقُ

ولكن ما له وللتفصيل، فكلُّ ما قام في مصرَ عجيبٌ بخلوده:

أمَّةٌ للخُلدِ ما تبنِي إذا
ما بنى الناسُ جميعًا للعفاءِ
تَعصِمُ الأَجسامَ من عادي البِلى
وتقي الآثارَ من عادِي الفناءِ

ومجال الفخر بتاريخ مصر، وما تعاقبَ فيها من جُسام الحوادث، لا يقلُّ اتساعًا عن مجال الفخر بآثارها الخالدة:

واخفِضْ جناحَك في الأرضِ التي حملتْ
موسَى رضيعًا وعيسى الطهرِ منفطما
وأخرجتْ حكمةَ الأجيال خالدةً
وبيَّنتْ للعبادِ السيفَ والقلما …
هذا فضاءٌ تُلِمُّ الريحُ خاشعةً
بهِ، ويمشِي عليهِ الدهرُ محتشما

وعلماؤها الأعلامُ هم الذين نشروا نورَ التمدين في العالم:

فكانوا الشُّهبَ حينَ الأرضُ ليلٌ
وحين الناسُ جد مضلَّلينا
مشتْ بمنارهم في الأرضِ روما
ومن أنوارِهم قبسَتْ أثينا

وأين تاجُ الملوكِ وعرشهم من تاج ملك مصر وعرشه:

باهِ الملوك بهذا التاجِ إنَّ لهُ
في جوهرِ الشمسِ لا في الماس مُنْتَسَبا
وتِهْ عليهم بعرشٍ غير ذي لِدَةٍ
من عهد «خوفو» على الماءِ استوى عَجَبا
لو استطعنا لَزِدْنا فيهِ قائمةً
ولاتخذنا له أمَّ السُّها عتَبَا

وهو على هذا النحو يبسطُ تاريخَ مصر استفزازًا للهمم:

وأنا المحتفِي بتاريخ مصر
من يَصُنْ مجدَ قومِه صانَ عِرْضا
لم تَمُتْ أُمَّةٌ ولا باد شعبٌ
أقرضوا الذكرَ والأحاديثَ قَرضا

أحبَّ هذا الوطن في ماضيه حبًّا جمًّا، وقد أحبَّه في حاضره حبًّا أشدَّ، لذلك ما فتئ يدعو إلى الجدِّ والنشاط في مختلف ميادين العمل لاستعادة ذلك المجد الباهر:

فاض الزمانُ من النبوغ فهلْ فتًى
غَمَرَ الزمانَ بعلمهِ وبيانهِ
أين التجارةُ وهي مِضمار الغِنَى؟
أينَ الصناعةُ وهي وجهُ عَنانهِ؟١٥
أين الجوادُ على العلوم بمالِه؟
أين المشارِكُ مصرَ في فدَّانهِ؟
أين الزراعةُ في جنانٍ تحتكم
كخمائِل الفردوس أو كجنانهِ؟

مرَّت على مصر حِقبة من الزمن كانت مقاليدُ أمورها في غير يد أبنائها فصارت إلى غير ما يريده أبناؤها البررة المخلصون:

أرى وطنًا تحيَّر ناشئوهُ
فما يَجِدون من عملٍ قِواما١٦
فلا أُسُسُ التجارةِ فيه قرَّتْ
ولا رُكنُ الصناعةِ فيه قاما
مدارسُ لم تُهيِّئْهم لكسبٍ
ولم تبنِ الحياةَ ولا النظاما

ولذلك صارت حالة أبناءِ الذين علَّموا الدنيا الفنَّ والصناعةَ إلى ما يؤلم النفسَ:

تَجِدُ الذين بنى المسلَّةَ جَدُّهم
لا يُحسِنونَ لإِبرةٍ تشكيلا

والآن فلننظر كيف يُريد هذا الوطن.

يريده قبل كلَّ شيءٍ متحدًا:

إلامَ الخلفُ بينكمُ إلاما
وهذي الضجَّةُ الكبرى علاما؟
وفيمَ يكيدُ بعضُكمُ لبعضٍ
وتُبدون العداوةَ والخصاما؟
وأين الفوزُ؟ لا مصرُ استقرَّت
على حالٍ ولا السودانُ داما

فلا قوَّة إلَّا بالاتحاد:

صوتُ الشعوبِ من الزئيرِ مُجمَّعًا
فإِذا تفرَّق كان بعضَ نباحِ

يُريدُ هذا الوطنَ حرًّا، طليقًا من القيودِ التي قعدت به عن السيرِ إلى الأمام:

يا قومِ، هذا زَمَنٌ قد رمى
بالقيدِ واستكبرَ عن سَحْبِه
لو أَنَّ قيدًا جاءَهُ من علٍ
خَشِيتُ أن يأبَى على ربِّهِ

يأبى هذا القيدَ ولو كان من الجُمان:

شُهَدُ١٧ الحياةِ، مشوبةً
بالرقِّ، مثلُ الحنظلِ
والقيدُ لو كان الجُما
نَ مُنظَّمًا لم يُحمَلِ

وإذا هنَّأ المعتقَلين السياسِيين بفكِّ اعتقالهم عاد إلى حريَّة الوطن فقال:

وَجَدَ السجينُ يدًا تُحطِّمُ قيدَهُ
من ذا يُحطِّمُ للبلادِ قيودا؟

وكيف الوصولُ إلى تحقيق هذه الأُمنية؟

هناك فكرتان أساسيتان تعودان في شعره، بل قاعدتان أُولَيان يريد أن يبني عليهما إنهاضَ الوطن وإسعادَه: الأولى العلُم والقوَّة، والثانية الدستور والشُّورى، وله في كلا المعنيين ما لا نعرف مثله لشاعرٍ قبله:

إنْ سرَّك الملكُ تَبنيهِ على أُسُسٍ
فاستنهِض البانِيَين: العلم والأدبا
وارفعْ لها من حبالِ الحقِّ قاعدةً
ومُدَّ من سببِ الشُّورى له طُنُبَا

وترى هاتين الفكرتين مفصَّلتين في شتى منظوماتِه.

أما العلمُ والقوَّة فحيث يقول:

المُلْكُ والدُّولاتُ ما يبني القنا
والعلمُ، لا ما ترفعُ الأحلامُ

فالسَيف والقلم سياجُ الوطن ومظهرُ شَرَفه وعزِّه:

ومن شَرَفِ الأوطانِ أن لا يفوتَها
حُسامٌ مُعِزٌّ، أو يراعٌ مُهذِّبُ

فالحسامُ المُعِزُّ هو الذي يصون الحقوق:

فَقُلْ لبانٍ بقولٍ رُكنَ مملكةٍ
على الكتائبِ يُبنَى الملكُ لا الكتُبِ
لا تلتمسْ غَلبًا للحقِّ في أُممٍ
الحقُّ عندهمُ معنًى من الغَلَب
لا خيرَ في منبرٍ حتى يكونَ لهُ
عُودٌ من السُّمْرِ أو عُودٌ من القُضُبِ
وما السلاحُ لقومٍ كلُّ عُدَّتِهم
حتى يكونوا منَ الأخلاقِ في أُهُب

واليراعُ المهذِّبُ هو دواءُ النفوس:

تَرْكُ النفوسِ بلا علمٍ ولا أدَبٍ
تَرْكُ المريضِ بلا طبٍّ ولا آسِ

والجهلُ مضيعةُ الحقوق:

بالعلمِ تمتلكُ الدنيا ونَضرتَها
ولا نصيبَ من الدنيا لجهَّالِ

لذلك تراه يُقدِّس مُهمَّة المعلِّم، وإذا كان بسمرك قد قال بعد حرب السبعين: «غلبنا جارتنا بمعلِّم المدرسة.» فإن شاعرَنا يقول:

أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يَبنِي ويُنشِئُ أنفسًا وعقولا؟

ثمَّ يجمعُ بين القوة والعلم فيقول:

وما الحكم أن تنقضِي دولةٌ
وتُقبِلَ أُخرى وأعوانُها
ولكن على الجيشِ تقوَى البلا
دُ وبالعلم تشتدُّ أركانُها
فأين النبوغُ وأين العلو
مُ وأين الفنونُ وإتقانُها

أمَّا الشُّورى وأمَّا الدستور فيكاد لا يقصدُ قصيدةً إلَّا جعل لهما منها النصيبَ الوافر؛ لأنَّ:

شرَّ الحكومةِ أن يُسَاس بواحدٍ
في الملكِ أَقوامٌ عِدادُ رمالِه

ولذلك يقولُ مخاطبًا توتنخ أمون:

زمانُ الفردِ يا فرعونُ ولَّى
ودَالتْ دولةُ المتجبِّرينا
وأصبَحَتِ الرُّعاةُ بكلِّ أرضٍ
على حُكمِ الرعيَّةِ نازلينا
فؤادُ أجلُّ بالدستورِ دُنيا
وأشرفُ منكَ بالإسلامِ دِينا

فالدستور هُدى الحكام ومفخرةُ الملوك:

وجواهرُ التيجانِ ما لم تُتخَذْ
من معدنِ الدستورِ غيرُ صِحاحِ
وخذوا بناءَ الملكِ عن دستوركم
إِنَّ الشراعَ مثقِّفُ الملَّاحِ

ولذلك يُهيب بطلاب العلم أن:

كونوا سياجَ العرشِ، والتمسوا لهُ
نصرًا من الملك العزيزِ مؤزَّرا
وتفيئوا الدستورَ تحتَ ظلالِه
كنَفًا أهشَّ من الرياضِ وأنضرا

بل إنَّ الشُّورى من الدين: قال يخاطِبُ سلطانَ تركيا منذ ربع قرن:

الرأيُ رأيُ أمير المؤمنين إذا
حارت رجالٌ وضلَّت في مرائيها
وإنما هي شُورى اللهِ جاءَ بها
كتابُهُ الحقُّ يُعليها ويُغليها

هكذا أحبَّ شوقي مصرَ في ماضيها المجيد، وفي حاضرها المتوثِّب، حبًّا يقرب من العبادة، وهو يحبُّها كذلك في مستقبلها، أي في شبَّانها، فهم معقدُ آمالها ومعقلُ رجائِها:

يا شباب الديارِ، مصرٌ إليكم
ولواءُ العرينِ للأشبالِ
كلما روِّعَتْ بشُبهةِ يأسٍ
جعلتكم معاقلَ الآمالِ

وهم أبهى حلاها:

وطَنٌ يَرفُّ هوًى إلى شُبانهِ
كالروضِ رقَّتُهُ على رَيْحانهِ
هم نظمُ حِليتهِ وجوهرُ عِقدِهِ
والعِقدُ قيمتُهُ يتيمُ جُمانهِ
قلْ للشبابِ زمانكم متحرِّكٌ
هل تأخذون القسطَ من دورانهِ؟

فلا بدَّ من مجاراة الزمان في دورانه، ولا بدَّ من الإقدام والعمل:

تَحرَّكْ، أبا الهولِ، هذا الزمانُ
تحرَّكَ ما فيه حتى الحجرْ

فشعارُ هذا العصر الإقدام:

قلْ للشبابِ بمصرٍ: عصرُكمْ بَطل
بكلِّ غايةِ إِقدامٍ لهُ ولعُ
أُسُّ الممالكِ فيه همةٌ وحجى
لا الترُّهاتُ لها أُسٌّ ولا الخِدَعُ

يُريد شبَّانَ مصر طموحين إلى المعالي لا خانعين قانعين:

فَغَالي في بنيكِ الصيد غالي
فقد حُبَّ الغلوُّ إلى بنينا
شبابٌ قُنَّعٌ لا خيرَ فيهم
وبُورِكَ في الشبابِ الطامحينا

ولكنه يريدهم مستمسكين بالإنصاف:

ربُّوا على الإنصاف فتيانَ الحمى
تجدوهمُ كهفَ الحقوق كهولا

متخلقين بالكرم والصفح:

كرمٌ وصفحٌ في الشباب وطالما
كَرُمَ الشبابُ شمائلًا وميولا
قوموا اجمعوا شُعبَ الأبوَّةِ وارفعوا
صوتَ الشبابِ محبَّبًا مقبولا

على أن يكونوا مع ذلك معتصمين بحبل الله، فصوتهم عند الله مستجاب:

شبابَ النيلِ إِنَّ لكم لصوتًا
ملبًّى حين يُرْفَعُ مستجابا
فهزُّوا العرشَ بالدعواتِ حتى
يُخفِّفَ عن كنانتهِ العذابا

وهل في استنهاض الشباب أبلغُ وأحرُّ من هذه النغمة المنبعثة من سُويداء قلبهِ:

يا شبابَ الغدِ، وابنايَ الفِدَى
لكمُ، أكرِمْ وأعزِزْ بالفِداءِ
هل يمدُّ اللهُ لي العيشَ، عسَى
أن أراكم في الفريقِ السُعداءِ
وأرى تاجَكُمُ فوقَ السُّهى
وأرى عرشكمُ فوقَ ذُكاءِ
مَن رآكم قال مصرُ استرجعت
عزَّها في عهدِ «خوفو» و«مناءِ»
إنما مصرُ إليكم وبكم
وحقوقُ البرِّ أَولى بالقضاءِ
عصركم جرٌّ ومُستقبلُكم
في يمينِ اللهِ خيرِ الأُمَنَاءِ
لا تقولوا «حطَّنا الدهرُ» فما
هو إِلَّا من خيالِ الشعراءِ
هل علمتم أُمَّةً في جهلِها
ظهرَتْ في المجدِ حسَناءَ الرداءِ
فخذُوا العلمَ على أعلامهِ
واطلبوا الحكمةَ عند الحكماءِ
واقرءوا تاريخكم واحتفظوا
بفصيح جاءَكم من فُصحاءِ
واطلبوا المجدَ على الأرضِ، فإن
هي ضاقتْ فاطلبوه في السماءِ

هذه الأبيات قالها في سنة ١٩١٤ وهي تُعبِّرُ عن الأملِ المنشود، فاسمعوه في سنة ١٩٢٤ يتغنَّى بالأمل المحقَّق:

يا مصرُ أشبالُ العرينِ ترعرعتْ
ومشَتْ إليكِ من السجونِ أُسودا
قالوا: أتنظِمُ للشبابِ تحيَّةً
تبقَى على جيدِ الزمانِ قصيدا
قلتُ: الشبابُ أَتمُّ عِقدِ مآثرٍ
من أن أزيدَهمُ الثناءَ عُقودا
قَبلتْ جهودَهمُ البلادُ وقبَّلتْ
تاجًا على هاماتِهم مَعقودا

ترون من هذا كيف أحبَّ مصر في مستقبلها، أي في شبابها، وكأني به يعتذر إلى هذا الجيل الآتي عن الجيل الحاضر:

إِن أسأْنا لكمُ أو لم نُسِئْ
نحنُ هَلكَى فلكم طول البقاءِ

كما يعتذر إلى الجيل الحاضر عن الجيل الماضي:

هذا جناهُ عليكمُ آباؤكم
صبرًا وصفحًا فالجُناةُ كِرامُ

فإن ما فينا من نقصٍ يُمهِّد العذرَ للمتقدمين:

فإنَّا لم نُوَقَّ النقصَ حتى
نطالبَ بالكمالِ الأولينا

فهل جاد وتَرُ الوطن في قيثارة الشعر بأعلى من هذه الأنغامِ وأغلى منها؟

وهل نبض القلبُ بأحرَّ من هذه الدعوات لإذكاءِ نار الوطنية واستثارة الروح القومية؟

وإذا كانت مصر، وآثار مصر، ومدنية مصر، وعرش مصر، وشبان مصر، تكادُ تكون القرارَ في جميع ألحانه، فإنه ما نسي ذلك الشرق العاثر:

وما الشرقُ إِلَّا أسرةٌ أو قبيلةٌ
تلمُّ بنيها عند كلِّ مصابِ

وما غمط حقَّ قُطرٍ من الأقطار التي تربطها بمصر رابطة من روابط الجوار:

رُبَّ جارٍ تلفَّتتْ مصرُ تُولِيـ
ـهِ سؤالَ الكريمِ عن جيرانِهْ

أو روابط اللغة:

ونحن في الشرقِ والفصحى بنو رَحِمٍ
ونحن في الجرح والآلام إخوانُ

أو روابط الدين:

شعوبك في شرقِ البلادِ وغربِها
كأصحابِ كهفٍ في عميقِ سُباتِ
وهذا زمانٌ أرضهُ وسماؤه
مجالٌ لمقدامٍ كبيرِ حياةِ
فقلْ: ربِّ، وفِّق للعظائم أمتِي
وزيِّنْ لها الأفعالَ والعزَماتِ

حتى غمر شعرُه هذا الشرقَ فكان شريكهُ في أفراحه ومواسيَهُ في أتراحِه:

كان شعري الغناءَ في فرح الشر
قِ وكانَ العزاءَ في أحزانِهْ

فيتألَّم لحالة هذا الشرق:

وانظر الشرق كيف أَصبح يهوِي
وانظرِ الغربَ كيفَ أصبح يصعدْ
وتأمَّلْ ممالكًا وبلادًا
لمسَ الدهرُ عقدَها فتبدَّدْ
كنتَ تحميه والسيوفُ عوارٍ
من لهُ اليومَ بالحسامِ المجرَّدْ

ويتوجع لتخاذُل أبنائه واستكانتهم:

متفكِّكون فما تضمُّ نفوسَهم
ثقةٌ ولا جَمَع القلوبَ صفاءُ
رقدوا وغرَّهمُ نعيمٌ باطلٌ
ونعيمُ قوم في القيود بلاءُ

لا سيما وهو يقابل بين الماضي والحاضر:

من مشرقِ الأرضِ الشموس تظاهرَتْ
ما بالُ مغربِها عليه أُدِيلا

ولقد نظم في بغداد ودمشق ولبنان، مهنئًا أو معزيًّا أو مواسيًا، ما قد يكون قصَّر عنه شعراءُ العراقِ أو الشامِ أو لبنان، ولكنَّه في عواطفهِ الفيَّاضةِ على هذه البلاد الشقيقة لا ينسَى مصر:

نحنو عليكم ولا ننسى لنا وطنًا
ولا سريرًا ولا تاجًا ولا عَلَمَا

أحبَّ وطنَه ومواطنيه، وحبَّبه وحبَّبهم إلى الجميع:

وزينبُ إنْ تاهَتْ وإِن هي فاخرتْ
فما قومُها إِلَّا العشيرُ المحبَّبُ

ومن أجلِ كلِّ هذا اشتركتْ جميعُ البلادِ العربيةِ بفجيعةِ مصرَ بابنها البار، وعقدت له حفلات التأبين والرثاء كأنَّ المصاب مصابها، وها هي اليوم قد أوفدت أنجبَ أبنائها، من العراق، إلى فلسطين وشرق الأردن، إلى الشام ولبنان؛ لحمل عزاء الملايين من الناطقين بالضاد إلى إخوانهم أبناء مصر؛ لأنَّ شوقي الذي تغنَى بشعره، وهو شاعرُ الإسلام، أبناءُ سائر الأديان، يدَّعيه، وهو شاعر مصر، أبناءُ سائر الأوطان، فكان أعظم دعاية حية لمصر في حياته وفي مماته، فحقَّ له أن يزهوَ ويقول كما قال:

رُواةُ قصائدي فاعجبْ لشعرٍ
بكلِّ محلَّةٍ يرويهِ خَلْقُ

وتَرُ الحكمة

وهناك وَترٌ ثالثٌ شدَّه أميرُ الشعراء إلى قيثارته كما شدَّه غيره من الشعراء، عنيتُ به وتر الحِكمة، أو الاجتماعيات، وله فيه أيضًا الشيء الكثير، ولا عجبَ أن تكثر الحكم والنصائح وضروبُ الإرشاد في شعر من تغنَّى بالدين والوطن، وقد أشار شوقي نفسه إلى ذلك، بل رأى الحكمة فنًّا من فنون الشعر الرئيسية:

نصيحةٌ ملؤها الإخلاصُ صادقةٌ
والنصحُ خالصُهُ دِينٌ وإيمانُ
والشعرُ ما لم يكنْ ذكرى وعاطفة
أو حكمةً، فهو تقطيعٌ وأوزانُ

وقد امتاز بما استخرجَهُ من هذا النوع أيضًا وطبَعهُ بطابعهِ الخاص، شأنه فيه شأنُهُ في الألحان التي استنبطها من سائر الأوتار.

فقد امتازت حكمه واجتماعياتُه بسهولة معناها ورُواءِ مبناها، فجمعت إلى أُبَّهةِ الحكمة وجلالتها عذوبةَ الحياة وطلاوتها، ففلسفته في الحياة فلسفةٌ باسمةٌ، لا عبوس فيها ولا تجهُّم، فهي الحكمةُ تحمل زهرًا، وهي فلسفةٌ هيِّنةٌ سهلة، لا تصعيب فيها ولا تعقيد، بل تبدو وضَّاحة المذهب، سهلة المطلب، لا يقصد منها إلَّا إلى العدل والوئام ومكارم الأخلاق.

يدعو إلى الإنصاف:

فهو الذي يبنِي الطباعَ قويمةً
وهو الذي يبنِي النفوسَ عدولا
ويُقيمُ منطقَ كلِّ أعوجِ منطقٍ
ويُريهِ رأيًا في الأُمورِ أصيلا

وإلى الصبر لإدراك المنى:

كم صعَّبَ اليومُ من سهلٍ هممتَ بهِ
وسهَّلَ الغَدُ في الأشياءِ ما صَعُبا

وإلى العدل في تدبير الملك:

والعدلُ في الدُّولاتِ أُسٌّ ثابتٌ
يُفنِي الزمانَ ويُنفِدُ الأجيالا

وإلى الرفق في سياسة الناس:

إن ملكتَ النفوسَ فابغِ رضاها
فلها ثورةٌ وفيها مضاءُ
يسكنُ الوحشُ للوثوب من الأَسـ
ـرِ فكيف الخلائقُ العقلاءُ

وإلى الثبات وتعاون الأجيال:

والناسُ باني بناءٍ أو مُتمِّمُهُ
وثالثٌ يتلافَى منه ما انهدما
تعاونٌ لا يَحُلُّ الموتُ عُروتَهُ
ولا يُرى بيدِ الأرزاءِ منفصما

يقولُ بالتسليم لإرادة الله فهو صاحبُ المشيئةِ العليا:

ربِّ إنْ شئتَ فالفَضاءُ مضيقٌ
وإذا شئتَ فالمضيقُ فضاءُ

ولكنَّه يُندِّدُ بالاستسلام لخطوب الدهر:

لا تقولوا «حطَّنا الدهرُ» فما
هو إِلَّا من خيالِ الشعراءِ

كما يُبرِّئُ القدر مما نحمِّله من نتائج إهمالنا وتهاوننا:

قال ناسٌ صرعةٌ من قَدَرٍ
وقديمًا ظَلَم الناسُ القَدَرْ

يُنادي بوجوب تعليم المرأة وتربية الأسرة:

وإذا النساءُ نشأنَ في أُمِّيَّةٍ
رَضَعَ الرجالُ جهالةً وخمولا
ليس اليتيمُ مَنِ انتهى أبواهُ من
همِّ الحياةِ وخلَّفاهُ ذليلا
فأصابَ بالدنيا الحكيمةِ منهما
وبحسن تربيةِ الزمانِ بديلا
إنَّ اليتيمَ هو الذي تلقَى لهُ
أُمًّا تخلَّتْ أو أبًا مشغولا

يرى السعادة في غير ما يراه الناسُ عادةً:

فإن السعَادةَ غيرُ الظهو
رِ، وغيرُ الثراءِ، وغيرُ التَرَفْ

ويرى رأيَ عنترة الذي قال:

لا يحملُ الحقدَ من تعلو بهِ الرتبُ
ولا ينالُ العلى مَن طبعُهُ الغضبُ

فيقول بالمعنى عينه:

وإنَّ للمجدِ آفاتٍ إذا جُمِعَتْ
وجدتَها اثنتين: الحقدَ والغضبا

أمَّا الحسَدُ فلا يتجهُ إلَّا إلى الفضل:

آيةُ الفضلِ أن تُعادَى وتحسَدْ

وأمَّا الأخلاقُ فقد أكثر من ذِكرها والحثِّ عليها، فبها تحيا الأمم، وبها يسعد الأفراد، وله فيها بيتٌ لا نعرف له ضريعًا في كثرة الاستشهاد به: يوُرده الخطباء في خطبهم، ويضمنه الشعراءُ قصائدَهم، ويُردِّده الناسُ في أحاديثهم، بل إن مسرحًا من مسارحنا الوطنية اتخذه شعارًا له فنقشه بحروفٍ كبيرةٍ فوق الملعب:

وإِنَّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهم ذهبوا

وقد يُعيد هذا المعنى مرارًا لترسيخه في العقول وطبعه في النفوس، فيقول تارةً:

وإذا أُصيب القومُ في أخلاقِهم
فأقِمْ عليهم مأتمًا وعَويلا

وتارةً:

وما السلاحُ لقومٍ كلُّ عدَّتهم
حتى يكونوا من الأخلاقِ في أُهُبِ

ومرة أخرى:

تخلَّقِ الصفح تسعَدْ في الحياةِ بهِ
فالنفسُ يُسعِدُها خُلْقٌ وَيُشقيها

فعليها تُبنَى الممالكُ وتشادُ:

على الأخلاقِ خطُّوا الملك وابنوا
فليس وراءَها للعزِّ ركنُ

وبها دون سواها ترتقي الشعوب:

وليسَ بعامرٍ بنيانُ قومٍ
إذا أَخلاقُهم كانت خرابا

وإذا هي سلمتْ فكلُّ شيءٍ سالم:

ولا المصائبُ إذ يُرمَى الرجالُ بها
بقاتلاتٍ إِذا الأخلاقُ لم تُصَبِ

أمَّا طريقتُهُ في النصح والإرشاد فالملاينة والتلطف:

آفَةُ النصحِ أنْ يكونً لجَاجًا
وأذى النصحِ أن يكونَ جِهارا

ولا سيما إذا كان النصحُ موجَّهًا إلى الشبان:

قُلْ للبنين مقالَ صدقٍ واقتصدْ
ذرعُ الشبابِ يضيقُ بالنصَّاحِ

ويجب أن يوجَّه النصحُ إلى العقل حينًا، وإلى القلب حينًا آخر:

والنصحُ متَّهَمٌ وَإِنْ
نَثَرَتْهُ كالدرِّ الشفاهْ
أُذنُ الفتى في قلبهِ
حينًا، وحينًا في نُهاهْ

ويقتبس غالبًا حكمَه ونصائحه من حوادث التاريخ:

واقرءوا آدابَ مَنْ قَبلَكم
ربَّما علَّم حيًّا من غَبَرْ

فالتاريخ أبو العبر، ولا سيما تاريخ مصر:

إِنَّ مصرَ روايةُ الدهرِ فاقرَأْ
عبرةَ الدهرِ في الكتابِ العتيقِ

أكتفي بهذا القدر من حِكمِه، ففيه وفي ما تقدَّم إيرادُه من هذا النوع في شعره الديني وشعره الوطني ما يغني عن الإسهاب وزياد التبسُّط؛ للدلالة على أنَّ الحكمة قد جاءت في تضاعيف قصائده بلا تصنُّع ولا تكلُّف في لفظها وفي معناها، فهو لا يتوخَّى فيها التعمُّق في التحليل ولا الغوص في ثنايا الفكر والنفس ليظفر بالحقائق، بل يتناولها مما يخطر ببال كل إنسان، وينطق به كل لسان، ثم ينثر دقائقها عفوًا في بيتٍ أو بيتين، أو في جملة اعتراضية أو شطرةٍ من بيت، فتجيء جليَّةَ القصد قريبة النفع، كأنها في روض شعره الثمرُ الشهي بين الزهر البهي، ويجيء شعره معها غذاءً للعقول وريًّا للنفوس، كما هو بهجةٌ للقارئ ونعمةٌ للسامع.

الوتَر المصور

وهناك أيضًا وَترٌ طالما غنَّانا بما يطرب الأسماع، ويفتن الأبصار كذلك، كأنَّ نغماتِه تتحوَّل ألوانًا تصوِّر، هو وتر الوصف: وصف الأشياء ووصف الأشخاص.

رأى شوقي في حياتهِ كثيرًا وعرف كثيرًا فوعى كثيرًا.

رأى مصر وآثارها الخالدة، رأى أوروبا ومعالمها العامرة، رأى الشام وجبالها الشاهقة، عاشر السلاطين والملوك وطاف بين كثير من الأمم والشعوب.

وكأنَّ ما كان في عينيه من ارتجاج عصبي، جعلهما كالزئبق الرجراج، قد ساعده على أن يستجمع بلحظةِ عينٍ ما لم يره غيره، فكان بنظره الجوَّال يتناول دقائق المرئيات فيستوعبها في حافظته، وما لم يره بأمِّ عينه نظر إليه بعين خياله؛ لمحةٌ عين أو لمحة قلب كانت تكفيه ليطبع في خاطره رسم الأشياء والأشخاص، ثم يجيء بكل ذلك وصفًا أخَّاذًا، وصورًا ضاحكة خلابة.

يطول بنا الوقوف عند كل ما وصف وصوَّر من آثار الطبيعة وآثار البشر؛ مصر وكل ما فيها، والأستانة، والبوسفور، وأيا صوفيا، وباريس، وغاب بولونيا، ودمشق، ولبنان، والهلال، والربيع، والمرقص … إلخ، ولكنني أقتطف من ذلك، على سبيل المثال، بعضَ مقاطع يكادُ كلٌّ منها يكون صورةً شمسية أو لوحةً فنية دقيقة التفصيل، مستكملة الحسن، وهكذا يتحوَّل وحيُ الشعر ونغمُ الموسيقى ريشةً تصوِّر بالألوان، وهذه هي صلةُ النسب بين الفنون الجميلة، وهكذا يتحوَّل هذا الباب في ديوان شوقي متحفًا عامرًا ببدائع الرسم والتصوير.

هل زرتم هيكل أنس الوجود، ورأيتم مياه النيل قد كادت تغرقه …؟ وإلَّا فانظروا صورته في هذه الأبيات:

قِف بتلك القصورِ في اليمِّ غَرقى
مُمسكًا بعضُها من الذُّعرِ بعضا
كعذارى أَخفينَ في الماءِ بضًّا
سابحاتٍ به، وأَبدينَ بضَّا
شابَ من حولها الزمانُ وشابت
وشبابُ الفنونِ مازال غضَّا
رُبَّ نقشٍ كأنما نفض الصا
نعُ منهُ اليدينِ بالأمس نفضا
ودُهانٍ كلامعِ الزيت مرَّت
أعصرٌ بالسراج والزيتُ وضَّا
وخطوطٍ كأنَّها هُدْبُ ريمٍ
حسُنتْ صنعةً وطولًا وعرضا
وضحايا تكادُ تمشِي وترعَى
لو أَصابت من قدرة الله نبضا
ومحاريب كالبروج بنتها
عَزَماتٌ من عزمةِ الجنِّ أمضى

ومن لم يَر قبرَ توتنخ آمون وما وجدَ فيه مستكشفُهُ من جواهرَ وطيوب يومَ:

أفضى إلى ختم الزمان ففضَّه
وحبا إلى التاريخ في محرابهِ

فلينظرْ إليهِ مصوِّرًا في هذا البيت:

وقبرًا كان من حُسنٍ وطيبٍ
يُضيء حجارةً ويضوعُ طينا

الأكثرون منَّا لم يروا الغوَّاصة ولكنهم يرونها، كما وصفها شوقي، مرسومةً على لوحة السينما:

ودبَّابةٍ تحتَ العُباب بمكمنٍ
أمينٍ ترى الساري وليسَ يراها
هي الحوتُ أو في الحوتِ منها مَشابةٌ
فلو كان فولاذًا لكان أخاها
أبَثُّ لأصحابِ السفين غوائلًا
والأمُ نابًا حين تفغَرُ فاها
خَئونٌ إذا غاصت غدورٌ إذا طفتْ
مُلَّعنةٌ في سَبْحِها وسُراها

وشاهدوا بعد ذلك في قصيدة أو صورة أخرى كيف تهاجم هذه الغوَّاصة السفينةَ وتغرقها:

بَعَثَ البحرُ بها كالموجِ من
لُجَجِ السِّندِ وخُلجانِ الخَزَرْ
لَمسَتْها للمقاديرِ يدٌ
تلمسُ الماءَ فيرمِي بالشررْ
ضَرَبْتها وهي سِرٌّ في الدُّجى
ليس دونَ اللهِ تحتَ الليلِ سرْ
وَجَفَتْ قلبًا وخارت جؤجُؤًا
وَنَزَتْ جنبًا وناءَت من أُخُرْ
طُعِنَتْ فانبجستْ فاستصرخَتْ
فأتاها حَينُها فهي خبرْ

أمَّا وصفه للطيارة منذ ثماني عشرة سنة، فلم نقرأ وصفًا يدانيه لشعراءِ الأمم التي ابتدعت هذا المركب الهوائي:

نصْفُهُ طيرٌ ونصفٌ بشرٌ
يا لها إحدى أَعاجيبِ القضاءِ!
حَمَلَ الفولاذَ ريشًا وجرى
في عنانينِ له نارٍ وماءِ
وجناحٍ غيرِ ذي قادمةٍ
كجناحِ النحلِ مصقولٍ سواءِ
وذُنابَى كلُّ ريحٍ مسَّها
مسَّهُ صاعقةٌ من كهرباءِ
يتراءَى كوكبًا ذا ذنبٍ
فإِذا جدَّ فسهمًا ذا مضاءِ
فإِذا جاز الثُّريَّا للثرى
جرَّ كالطاووسِ ذيلَ الخيَلاءِ

واسمعوا وصفَه معركة «أسترليز» الذي انتصر فيها نابوليون، الملقَّب بالنسر، على إمبراطوري روسيا والنمسا، فعرفت بمعركة الإمبراطرة الثلاثة، وهي صورةٌ لم يَرسم مثيلًا لها غير فيكتور هوجو شاعر نابوليون.

حَوْلَ أُسترليزَ كان الملتقَى
واصطدامُ النسرِ بالمستنسرينْ
وُضِعَ الشطرنجُ فاستقبلتَهُ
ببنانٍ عابثٍ باللاعبينْ
فإِذا المَلْكانِ هذا خاضعٌ
لك في الجمع وهذا مستكينْ
صِدْتَ شاهَ الروسِ والنمسا معًا
مَنْ رأَى شاهَينِ صِيْدَا في كمينْ؟

وهذه صورة لدمشق من نوع تصوير المناظر الطبيعية:

دخلتكِ والأصيلُ له ائتلاق
ووجهكِ ضاحكُ القَسَمَاتِ طَلْقُ
وتحت جنانِكِ الأنهارُ تجرِي
وملءُ رباكِ أوراقٌ ووُرْقُ

وترى كلَّ ألوانِ الخيال تتسابق تحت ريشته في وصف لبنان:

لبنانُ والخُلدُ اختراعُ اللهِ لم
يُوسَمْ بأزين منهما ملكوتُهُ
مَلِكُ الهضابِ الشُّمِّ سلطانُ الربى
هامُ السحابِ عروشُه وتخوتُهُ
وكأنَّ أيامَ الشبابِ ربوعُهُ
وكأنَّ أحلامَ الكعابِ بيوتُهُ
وكأنَّ ريعانَ الصبا رَيحانُهُ
سرُّ السرورِ يجودُهُ ويوقوتُهُ
وكأنَّ أثداءَ النواهدِ تينُهُ
وكأنَّ أقراط الولائدِ توتُهُ

زُرتم معرضَ الصور الأخير، ورأيتم فيه لوحاتٍ كثيرة تمثِّلُ نَخِيلَ مصر، فهل رأيتم أبدعَ من هذا التصوير:

مآذنُ قامت هنا أو هناك
ظواهرُها دَرَجٌ من شذَبْ
وليس يُؤذِّنُ فيها الرجالُ
ولكن تصيح عليها الغرُبْ …
تُخالُ إذا اتَّقدتْ في الضُّحى
وجرَّ الأصيلُ عليها اللهَبْ
وطافَ عليها شعاعُ النهارِ
من الصحو أو من حواشي السُّحُبْ
وصيفةَ فرعونَ في سَاحةٍ
من القصر واقفةً ترتقبْ
قد اعتصبتْ بفصوصِ العقيقِ
مفصَّلةً بشذورِ الذهبْ
وناطت قلائدَ مُرجانِها
على الصدرِ واتشجَّتْ بالقصبْ
وشدَّت على ساقها مئزرًا
تَعقَّد من رأسِها للذَّنَبْ

وزاد، وهو ما لا يستطيعه المصور:

أهذا هو النخلُ مَلْكُ الرياضِ
أميرُ الحقولِ عَرُوسُ العزَب
طعامُ الفقيرِ وحلوى الغنيِّ
وزادُ المسَافرِ والمغترِبْ

وإذا وصف هذا النخلَ في يومٍ غائم قال:

والنخلُ متَّشِحٌ بالغيم تحسبهُ
هيفَ العرائسِ في بيضٍ من الأُزُرِ

وإذا وصف النيل صوَّره بالألوان:

النيلُ العَذْبُ هو الكوثَرْ
والجنَّةُ شاطئُهُ الأخضرْ
ريَّانُ الصفحةِ والمنظَرْ
ما أبهى الخُلْدَ وما أنضَرْ
حبشيُّ اللونِ كجيرتهِ
من منبعهِ وبُحيرتهِ
صَبغَ الشطَّينِ بسُمرتهِ
لونًا كالمسكِ وكالعنبَرْ
figure
شوقي ونجلاهُ عليٌّ وحُسين في «الحمراء» بإسبانيا قبل عودته من المنفى.

ففي كل ما تقدَّم يُرينا الشاعرُ هذه الموصوفاتِ رأيَ العين مع كثيرٍ من الرونق والرواء.

وهو يجيد وصف المعنويات إجادته وصف المحسوسات، فيجعل البعيد قريبًا، والغائب شاهدًا، والخفيَّ ظاهرًا، كلُّكم يعرف هذين البيتين، وقد لخص فيهما رواية الحب بجميع فصولها الطويلة:

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ
فكلامٌ فموعِدٌ فَلِقَاءُ
ففراقٌ يكونُ فيه دواءٌ
أو فِراقٌ يكون منهُ الداءُ

وإليكم تلخيص النظام الحكومي في الإسلام:

فرسمتَ بعدك للعبادِ حكومةً
لا سُوقةٌ فيها ولا أُمراءُ
اللهُ فوقَ الخلقِ فيها وحدَه
والناسُ تحتَ لوائها أكفاءُ
والدينُ يُسْرٌ والخلافةُ بيعةٌ
والأمرُ شُورَى والحقوقُ قضاءُ
الاشتراكيون أنت إمامُهم
لولا دعاوي القوم والغُلَواءُ

أَوَليس في هذه الأبيات القليلة نصوصٌ وأحكامٌ مفصَّلةٌ في عشرات المواد من دساتير الأمم؟

وهذا تلخيص لضروب الحكام الذين توالوا على عرش بني عثمان:

قياصرُ أحيانًا خلائف تارةً
خواقينُ طورًا والفخارُ المقلَّبُ

ومن الصور ما لا تكثرُ فيه التفاصيل، بل إنَّ خطوطًا قليلةً تمثل لنا أوفَى تمثيل ما أراده المصوِّر، وعند شوقي الكثير من هذه الصور السريعة العجلى في بيتٍ أو شطرٍ من بيت.

منها صورة المدفع عند إِطلاقه:

إِذا عصف الحديدُ احمرَّ أُفقٌ
على جَنَبَاتِه واسوَدَّ أُفقُ

وصورة فرح الجنود:

طارت قناها سرورًا عن مراكزها
وألقَتِ الغمدَ إعجابًا مواضيها

وصورة الفارس المغوار (أنطونيو) في المعركة:

قد جُنَّ تحتي جوادِي فهو عاصفةٌ
وجُنَّ نصلي بكفِّي فهو إعصارُ

وصورة أقسام الجيش المنكسر وفراره:

لمَّا صدعتَ جناحَيهم وقلبَهمُ
طاروا بأجنحةٍ شتَّى من الرعَبِ

وصورة أسراب الطيارات، وهي تتضاءَلُ كلَّما حلَّقت صعودًا:

ذهبَتْ تسمو فكانت أعقُبًا
فنسورًا فصقورًا فحَماما

وصورة سوق الإحسَان والبائعات:

جبريلُ يعرضُ والملائكُ باعةٌ
أين المساوِمُ في الثوابِ المشترِي

وإذا وصف يدَ الضريرِ تتلمَّسُ الأشياءَ قال:

ويدُ الضرير وراءَها عينٌ ترَى

وهل أبدعُ وأروع من هذه الصورة لاستماع الليل نداءَ المغنِّي الشجِيِّ:

يسمعُ الليلُ منه في الفجرِ «يا ليـ
ـلُ» فيصغِي مستمهلًا في فرارهْ

ويدخلُ في أنغام هذا الوتَر — وتر الوصف — المدحُ والرثاء؛ لأنَّهما ما خرجا عن أن يكونا وصفًا لأخلاق الناس وطباعهم، ووصفًا لأعمالهم وآثارهم، وهنا كان لنقَّادِ شوقي مجالٌ ليُؤَاخذوه بتعدُّد ممدوحيه واختلافهم، ومغالاته في الإِطنابِ بهم والإِغراق في أوصافهم؛ فاستنكروا الأنغامَ المتضارِبةَ المتنافِرة التي أخرجها من هذا الوَتَر.

أمَّا تعدُّد الممدوحين واختلافهم، فيشفَع بالمادح أنه توخَّى دائمًا غرضًا واحدًا في مدحهم، فإذا مدح على التوالي السلطانَ عبد الحميد، ورجالَ الاتحاد والترقي الذين خلعوه، وإذا أطنب ذكر رجالِ أنقره، بعد أن أطنب بذكر سلاطين الأستانة، فإنه قد غيَّر اسم الممدوح ولم يغيِّر مقصدَه من المدح، أو إن شئتم قولوا إنه بدَّل العنوانَ ولم يُبدِّل ما تحت العنوان، فهو دائمًا يطالب ممدوحَه بالإصلاح، ونشر الثقافة والعلم، وإقامة العدل، وبناء الملك على الشورى والدستور، ولقد قلنا في غير هذا الموقف١٨ إنَّ الشاعرَ شاعرٌ أيًّا كان الرويُّ الذي يختاره لقصيدته ما دامت نفسه حسَّاسة، وقريحته فيَّاضة بالشعور، وهل اسم الممدوح في شعر شوقي سوى الرويِّ، وهو القائل:
ولي غُزَر الأخلاق في المدح والهوى

أمَّا مغالاتُهُ في هذا النوع من الوصف، ووضعُه الرجالَ الذين يصفهم — مدحًا أو رثاءً — فوقَ عامَّة البشر، فإنه يرجعُ إلى وصفه الناسَ كما يجب أن يكونوا، لا كما هم، ولهذا المذهب الأدبي أنصاره، وحاملُ لوائهِ الشاعر الفرنسيُّ «كورنيل» في رواياته التمثيلية، ونقيضُه فيه معاصره الشاعر «راسين»، فقالوا: إن الأول صوَّر أبطالَ رواياته كما يجب أن يكونوا، والثاني صوَّرهم كما هم؛ لذلك نعجبُ بأبطال الأول، ولكننا نحبُّ أبطال الثاني، ولذلك أيضًا يرتاحُ الكثيرون إلى مدائح شوقي؛ لأنَّها تحبِّبُ إلى الممدوح الصفات التي قد لا تكونُ فيه في حين ينبغي أن يكونَ متحليًا بها، كما أنها تحبِّبُها إلى سائر الناس، فتجيء من هذه الناحية دعوةً إلى الكمال النفسي ومكارم الأخلاق.

ولقد أشار شوقي إلى مذهبه في المديح حيث قال:

يُظهِرُ المدحُ رونقَ الرجلِ الما
جِد كالسيفِ يزدهي بالصقالِ
رُبَّ مدح أذاعَ في الناس فضلًا
وأتاهم بقدوةٍ ومثال
وثناءٍ على فتًى عمَّ قومًا
قيمةُ العقدِ حسنُ بعضِ اللآلي

وعلى كلٍّ فإنَّ ما تضمنته المدائحُ الشوقية من النصائح والحِكم والإِرشادِ، ومطالبةِ الممدوح بما نرتاحُ إليه ونريدُهُ أن يكونَ عليه، لَممَّا يسيغُ إغراقَه وغلوَّه.

وإذا كان قد مدح الكثيرين ممَّا حملَ البعض على اتهامه في إخلاصه وصحة اعتقاده في مديحه، فإنَّ الذين رثاهم، مخلصًا لهم بعد مماتهم؛ أوفرُ عددًا، حتى إن مراثيه لتؤلِّف جزءًا كاملًا من ديوانه، وهذا دليل الوفاء، والبر بالأصدقاء، يؤيدُ ما نقول أن أحد وزراء مصر كان قد أتى عملًا لا يتَّفق وصدق الوطنية فندَّد شوقي بهذا العمل في إحدى قصائده، ولكن لما تُوفِّي ذلك الوزير رثاه شوقي رثاءً بليغًا، وأشار إلى فعلته السابقة إشارةً لطيفة فقال:

أخذتُك في الحياةِ على هناتٍ
وأيُّ الناسِ ليسَ لهُ هناتُ
فصفحًا في الترابِ إِذا التقينا
ولُوشِيَتِ العداوةُ والتراتُ
خُلِقتُ كأنَّني عيسَى، حرامٌ
على قلبي الضغينةُ والشماتُ

الوَتر الخاص

وهناك وترٌ خامسٌ في قيثارة شوقي متنوِّعُ الأنغام، أُسمِّيه من باب التعميم وترَ الشاعر الخاص، المشدود إلى نياط قلبه، المتصل بدقائق شعوره، الناطق بخفيِّ وجدانه، نعم إنَّ ما نظمه في الدين والوطن والاجتماعيات والوصفِ صادرٌ عن شعورٍ عميق، كما رأيتم في كثيرٍ مما أوردنا من شعره في هذه الأبواب، ولكنَّ قوَّتَي النفس المتغلِّبتين في تلك الأنواع من النظم هما العقل والخيال، أمَّا الشعورُ الخاص، وأما العاطفةُ النفسية، فتظهران في شعرهِ الليريقي أو الغنائي؛ في الغزل والنسيب، في مناجاته عهدَ الصبا، في بسمته لأولاده وحفدتِه، ودمعته على آبائه وأجداده، وتبسُّطه مع خلانه وأحبابه … فهناك عواطف الحنان ولواعجُ الأشجان، وهناك خفقان الجوارح، ونبضاتُ الفؤاد.

ولكن هنا أيضًا رأى النُّقادُ مجالًا للمؤاخذة: فهذا النوع في نظرهم، قليلٌ في شعر شوقي، وهو على قلَّته، من النوع العاديِّ المطروق.

أمَّا قلَّتُه فقلَّةٌ نسبيةٌ؛ أي بالمقارنة بكثرة ما نظم، ولكن هذا القليل النسبي في الحقيقة كثير يؤلف وحده ديوانًا كاملًا.

وأمَّا رميُه بالابتذال فقد يكون مرجعه إلى أنَّ شوقي لم يعمد إلى تحليل عواطف النفس وميولها وأهوائها تحليلًا دقيقًا، فقد رأينا أنَّ فلسفتَه في اجتماعياته فلسفةٌ سهلةٌ خاليةٌ من التعقيد، وكذلك جاءَ وصفُهُ لتلك العواطف والأهواء وصفًا طبيعيًّا، خاليًا من الإيغال في التفصيل والتعمُّق في التحليل، وقد أعلن ذلك هو نفسُهُ بألطف أسلوب يوم طُلِبَ إليه في بعض مجالس الأدب أن يشطِّر بيتًا للبهاء زهير، فقال على البديهة:

يقولُ أُناسٌ: لو وصفتَ لنا الهوى
لعلَّ الذي لا يعرفُ الحبَّ يعرفُ
فقلتُ: لقد ذقتُ الهوى ثمَّ ذُقتُهُ
فواللهِ لا أدرِي الهوى كيف يوصفُ

وهو يعود إلى ذلك المعنى فيقول:

مُستَهامٌ في هواهُ مُدْنَفٌ
يترضَّى مُستهامًا مُدْنَفَا
يا خليليَّ صِفَا لي حيلةً
وأرى الحيلةَ أن لا تَصِفا

وخلاصةُ القول: إنَّ الهوى هو ما يشعرُ به والسلام.

وعندِي الهوى موصوفُهُ لا صِفاتُهُ
إِذا سألوني: ما الهوى؟ قلتُ: ما بيا …

وعند هذا الحدِّ تقفُ قوَّةُ البشر في عرفه:

صُوني جمالَكِ عنا إننا بَشَرٌ
من الترابِ، وهذا الحسنُ روحاني

وهو في غَزَلِه، على وجه الإجمال، لا يخرجُ عن المعروف المألوف قديما عند الشعراء من وصف طول الليل ونواح الطير؛ والدمع والزفرات، والشباب والمشيب، والعيون والقلوب، والخدود والقدود، والكناية بالدرِّ عن الثغور، وبحلوكة الليل عن سواد الشعر … تشابيهُ وكناياتٌ واستعاراتٌ قديمة، ولكنَّه يكسوها شيئًا من الجدَّة بالقالب الذي يُفرغها فيه:

يا ثغرَها، أمسيتُ كالـْ
ـغوَّاصِ أحلمُ بالجواهرْ
يا لحظَها، مَنْ أُمُّها
أو مَنْ أبوها في الجآذِرْ
يا شَعرَها، لا تسعَ في
هتكي، فشأنُ الليلِ سَاتِرْ
يا قدَّها، حتَّامَ تغـ
ـدو عاذلًا وتروحُ جائِرْ
وبأيِّ ذنبٍ قد طعنـ
ـتَ حشايَ يا قدَّ الكبائرْ

وإذا تكلَّم عن قلبهِ، قال كغيره من الشعراء إِنَّه خفق في ضلوعهِ، وسال في دموعه، ولكنه يجدِّد المعنى بالمقاربة بين الضدَّين:

تسرَّبَ في الدموع فقلتُ وَلَّى
وصفَّق في الضلوع فقلتُ ثابا

ومع ذلك فكثيرًا ما نسمَعُ لقلبهِ نبضةً خاصةً عندما يضرب على هذا الوتر متألمًا، فيحرِّك أوتارَ القلوب، كقوله يُناجي من منفاه أحبابَه وعهدَه الماضي في وطنه:

باللهِ يا نَسماتِ النيلِ في السَّحَرِ
هلْ عندَكنَّ عنِ الأحبابِ من خَبَرِ
هِجتُنَّ لي لوعةً في القلب كامنةً
والجرحُ إن تَعترضْهُ نسمةٌ يَثُرِ
ذكرتُ مصرَ ومن أهوَى ومجلسَنا
على الجزيرةِ بين الجسرِ والنَّهَرِ
وما شجانيَ إِلَّا صوتُ سَاقيةٍ
تستقبلُ الليلَ بين النوح والعِبَرِ

لا تجيشُ بين ضلوعهِ تلك العواطفُ الثائرة المتمرِّدة، تنبعث انبعاثَ الحمم المتَّقِدة من البراكين، وإن كان يقول:

ناقوسُ القلبِ يدقُّ لهُ
وحنايا الأضلُعِ معبدُهُ

بل إنَّ العواطفَ التي تفيضُ من قلبهِ عواطفُ هادئةٌ هنيَّة، تسيلُ كجدولِ الماءِ المترقرق؛ فهو يدعو عادةً إلى الرأفةِ وكرَم الطباع:

إِنَّ الشجاعةَ في الرجالِ غلاظةٌ
ما لم يَزِنْها رأفةٌ وسخاءُ

فسبيلُ القلوب خيرُ السُّبُلِ:

يا مالكًا رقَّ الرقابِ ببأسِهِ
هلَّا اتَّخذتَ إلى القلوبِ سبيلا

وأمَّا الإحسان فهو عنوان الإنسانية:

المحسنونَ همُ اللبا
بُ وسَائرُ الناسِ النُّفَايَهْ

يطلبُ الثوابَ للمحسنِ، فقيرًا كان أم غنيًّا:

جبريلُ هلِّلْ في السماء وكبِّرِ
واكتبْ ثوابَ المحسنينَ وسطِّرِ
سَلْ للفقيرِ على تكرُّمِهِ الغنى
واطلبْ مزيدًا في الرخاءِ لموسرِ

ويطلب من المحسن إليه مقابلةَ الإحسان بالشكران:

هل ترى أنتَ؟ فإني لم أجدْ
كجميلِ الصنعِ بالشكرِ اقترانا
وإذا الدنيا خَلَتْ من خيِّرٍ
وخلت من شاكرٍ هانَتْ هوانا

يعرفُ مريديهِ وخصومَهُ:

اللهُ يعلمُ ما نفسي بجاهلةٍ
مَنْ أهلُ خلَّتِها ممن يُعادِيها

ولكنه يُحِبُّ الترفُّقَ والمداراة:

تغابيتُ حتى صحبتُ الجهولَ
وداريتُ حتى صحبتُ الحسودْ

يذهبُ مذهبَ زُهير بن أبي سُلمى القائل:

ومَنْ لم يصانعْ في أمورٍ كثيرةٍ
يُضرَّسْ بأَنيابٍ ويُوطَأْ بمنسِمِ

فيقول:

ومن لم يُقِمْ سترًا على عيبِ غيرهِ
يَعِشْ مُستباحَ العرضِ منهتِكَ السِّتْرِ

وهو لذلك لا يُضمِرُ ضغنًا ولا يحملُ حقدًا:

سُحِبَتْ على الأحقادِ أذيالُ الهوَى
ومشَى على الضغْنِ الودادُ الماحي

وإذا اختلفت الآراءُ فإنَّ اختلافَها ينبغي ألَّا يتسرَّب إلى القلوب، قال في إحياءِ ذكرى قاسم أمين:

لقد اختلفنا والمُعا
شِرُ قد يُخالفُهُ العشيرْ
في الرأي تضطغِنُ العقو
لُ وليسَ تضطغِنُ الصدورْ

أمَّا القول، حَسُنَ أو ساءَ، فهو مرآة النفس:

والقولُ إن عفَّ أو سَاءَت مواقعُهُ
صدى السريرةِ والآدابِ يحكيها

وعلى كلٍّ فهذه فطرته:

فطرتي، لا آخذُ القلبَ بها
خُلِقَ الشاعرُ سمحًا طَرِبا

أمَّا برُّه بآبائه، وحدْبُهُ على أولاده فمثال عاطفتَي الأبوَّة والبنوَّة:

يلتفتُ إلى الماضِي فيُثيرُ منه ذكرياتٍ ضاحكةً أو باكية، قال في جدته:

لِي جَدَّةٌ ترأَفُ بي
أحنى عليَّ من أبي
وكلُّ شيءٍ سرَّني
تذهبُ فيه مذهبي
إن غَضِبَ الأهل عليَّ
كلُّهمْ، لم تغضبِ
مشى أبي يومًا إليَّ
مشيةَ المؤدِّبِ
غَضْبانَ قد هدَّدَ بالضـَّ
ـربِ، وإِن لم تَضْرِبِ
فلم أَجِدْ لي منهُ غَيـْ
ـرَ جَدَّتي مِن مَهْرَبِ
فجعلَتْني خَلفَها
أنجو بها وأختبي
وهي تقولُ لأبي
بلهجةِ المُؤنِّبِ:
وَيحَ له! وَيْحَ لهـ
ـذا الوالِدِ المُعذِّبِ!
ألم تَكُن تَصْنَعُ ما
يَصْنَعُ إِذْ أَنتَ صَبي؟

وقال في رثاءِ والدهِ، وقد أفضى إِلينا مرارًا أنها من قصائدهِ المفضَّلة في نظره:

أنا مَن ماتَ ومَنْ مات أنا
لقيَ الموتَ كلانا مرَّتَينْ
نحنُ كنَّا مهجةً في بدنٍ
ثمَّ صِرنا مهجةً في بدنَينْ
ثمُّ عُدنا مهجةً في بدنٍ
ثمَّ نُلفَى جثةً في كفنينْ
ثمَّ نَحيَا في «عَلِيٍّ» بعدنا
وبهِ نُبعَث أولى البعثتين
انظرِ الكون وقلْ في وصفهِ:
كلُّ هذا أصله من أبوين
فقدا الجنة في إِيجادِنا
ونَعِمْنا منهما في جنَّتين
ما أَبِي إِلَّا أَخٌ فارقتُهُ
ودُّهُ الصدقُ وودُّ الناسِ مَينْ
طالمَا قمنا إلى مائدةٍ
كانتِ الكسرةُ فيها كسرَتين
وشربنا من إناءٍ واحدٍ
وغسلنا بعد ذا فيه اليدَين
وتمشَّينا يدِي في يدِهِ
من رآنا قال عنا أَخوَين
وإذا متُّ وأُودعتُ الثرى
أنُلقَّى حفرةً أم حفرتين …؟

«ثمَّ نحيا في عليٍّ بعدَنا …» هكذا بعد أن بكى نفسَهُ في أبيهِ الراحل، يراها تُبعَثُ في ابنه الناشئُ، فيقول في نجله «عليٍّ»:

وأَنتَ مني كروحِي
وأَنتَ مَنْ أَنتَ عندِي

فينصرفُ إلى مناغاةِ أولادِه، وكأَنَّهُ يحوطهم بشعرهِ كما يحوطهم بحنانهِ وبرِّه، فإذا مرض نجلُهُ «حسين» مرض معه، وعُوفِيَ معه:

جرحُهُ كان بقلبي، يا أبًا١٩
لا أُنبِّيهِ بجرحِي كيف كانا
لطفَ اللهُ فعُوفينا معًا
وارتهنَّا لكَ بالشكرِ لسَانا

وإذا وصف كريمتَه الطفلة قال:

كم خفق القلبُ لها
عند البُكا والضَّحِكِ
فإِن مشتْ فخاطرِي
يسبقُها كالممسكِ

فاخر أميرُ الشعراءِ وباهَى بشعرهِ في الدين والوطن والحكمة، فقال تارةً:

وإني لطيرُ النيلِ لا طيرَ غيرهُ

وتارةً:

إذا قُلتُ شعرًا فالقوافِي حواضر

ولكننا نراه أكثرَ تواضُعًا في هذا الباب؛ كأَنَّهُ في ما أخرجَهُ من نغماتِ هذا الوتر الخاص، غزلًا ونسيبًا ووصفًا لنفسيَّاتِهِ في مظاهرِها المنوَّعة، يشكُّ في صحَّةِ تعبيرهِ عن حقيقةِ شعوره ولواعج قلبه، فيتسَاءَلُ:

والشعرُ دمعٌ ووجدانٌ وعاطفةٌ
يا ليتَ شعريَ هل قلتُ الذي أَجِدُ

قال أحدُ شعراءِ الفرنجةِ: «إن أبدعَ أشعاري هي التي في خاطرِي لم أنظمها.» وقال شوقي:

هو لحنٌ مُضيَّعٌ لا جوابًا
قد عرفنا لهُ ولا مُستقرَّا
لك في طيِّهِ حديثُ غرامٍ
ظلَّ في خاطرِ الملحِّنِ سرَّا

وفي قيثارةِ الشعرِ وترٌ ضربَ عليه الكثيرون من الشعراء، فلم يُوفقوا في الغالبِ إلَّا لاستخراج أصواتٍ منكرةٍ، مجونًا وهجاء، وقد قطعَ شوقي هذا الوتر من قيثارتهِ، فكان عَفَّ الإِلهام كما كان عَفَّ اللسَان، حتى لتستطيع أن تُلقِي بديوانِه جملةً بين يدَي العذراءِ في خدرها، تطالعهُ فلا تجد فيه ما يحمَرُّ لهُ وجهها خجلًا، وقد قال المرحوم إسماعيل صبري باشا — وهو من كنا نلقبُهُ بأستاذ الشعراء — في تقريظه «الشوقيات»:

مرحبًا بالمقالِ سمحًا كريمًا
لم يشُبْهُ هجوٌ ولا إيذاءُ

وقال شوقي نفسه في أدَبِ السير والحديث:

وكُنْ في الطريقِ عفيفَ الخُطى
شريفَ السماعِ كريمَ النَّظَرْ

وقد طبَّق هذه القاعدةَ على شعرهِ، فخلت قيثارتُهُ من وتَر المجون والهجاء، مكتفيًا بالأوتار الأخرى التي تغنَّى عليها، وقد جمعها في قوله:

والشعرُ ما لم يكنْ ذكرى وعاطفةً
أو حكمةً فهو تقطيعٌ وأوزانُ

فنظم في سلك قصائدِه ذكرى الماضي، وعاطفةَ الحاضر والمستقبَل، والحكمةَ الخالدةَ المشتركة بين كل زمان، هذا هو الشعرُ لا تقطيع وأوزان.

•••

نقفُ عند هذا الحدِّ من عَرْضِ الأنغام التي بعثها شوقي من قيثارةِ الشعر، ولو رجعتم إلى دواوينهِ ورواياتهِ لوجدتم الكثير، غير ما استشهدنا به، مما كان يصحُّ إيرادُهُ على سبيل الاستشهاد؛ فهناك منجمٌ من الألماس غنيٌّ، مهما نغترف منه يبقَ فيه القدرُ الوفير، فقريحةُ شوقي قريحةٌ خصبةٌ جوَّادةٌ فيَّاضة، امتدَّت شِباكها إلى مختلفِ الحوادث والشئون، فعادت منها بكرائم المعاني في حرائر الألفاظ؛ فكان شعرُهُ بجملتهِ سِجلًّا للتاريخ قديمهِ وحديثه؛ نظمَ الكثير من وقائع التاريخ القديم شعرًا فخمًا، رصَّعه بالمواعظ والعِبَر، ودوَّن معظم حوادثِ التاريخ الحديث فصوَّر أبطالها تصويرًا يخلِّدُ منهم الأثر، فكان له القدحُ المعلَّى في الشعر السياسي والشعر القصَصيِّ، أما قالوا قديمًا: إنَّ الشعراءَ حَفَظَةُ الآثار، ونَقَلَةُ الأخبار؟ وكثيرًا ما عمد إلى التاريخ يتَّخذه منبرًا، فيقف على أعواده معلِّمًا أو منذرًا: «ربَّما علَّم حيًّا مَنْ غَبَرْ.»

ولقد كنا نتمنَّى أن تُشرَح قصائدُهُ شرحًا تاريخيًّا يشتمل على بسط ما فيها من عوامل السياسة، ومن الإشارات إلى حوادثِ عصره لئلَّا تفوتَ مراميها من يطالعُها في آتِي الزمن.

وكان شوقي كثيرَ المطالعة والدرس، يُمهِّدُ بهما لما يريد نظمه، خذوا مثلًا قصيدتَه في «شكسبير» وقصيدتَه في «أرسطو»، تجدوا فيهما خلاصة مطالعةٍ دقيقة لروايات شاعر الإنجليز وفلسفة حكيم الأغارقة، ويبدو أثرُ هذا الاطلاع الواسع حتى في القصائد التي كانت بِنْتَ يومِها؛ فإنَّه كان يغذِّيها بما ادَّخره في خاطرهِ من قبل.

وعلى هذا المنوالِ كان يتخيَّر موضوعَهُ فيحتضنه يومًا أو شهرًا في ذهنِه، فيكسو المعاني وشيَ الكلام في فكرهِ، ثمَّ يُمْلي قصيدتَه بألفاظٍ كيِّسة، عَذبةِ الإيقاع منسجمة الاتساق، فكأنه لا يعبِّر عن معانيه تعبيرًا، بل يُغنِّيها غناءً يتملَّكُ اللبَّ ويستولِي على الشعور، حتى إنه كثيرًا ما تُنسينا طلاوةُ الألفاظ، وحُسنُ توقيعِها في التركيب دقائقَ المعنى وبدائعَ التفصيل، فيتزلَّف نظمُه إلى الآذان فيطربها كما تُطرب الألحان، ويُحدِثُ في القلوب نشوةً كنشوةِ بنتِ الحان، وكم له من القصائد تستهوِي السامعَ دون تعليل هذا الاستهواء، فإذا طُلِب إليه أن يتخيَّر منها بيتًا أو مقطعًا ما درَى ما يختار، وكم رأينا من الذين لا يتذوَّقون الشعر يطرَبون لشعر شوقي طرَبَهم للموسيقى، وهم في ذلك على حدِّ قول أبي تمام:

ولهم أَفهمْ معانيها ولكن
رَوَت كبدِي فلم أَجهلْ شجاها

أمَّا جودُ قريحتهِ فيتجلَّى في كثرة ما نظم، وفي طَرْقِهِ الموضوعَ الواحدَ في أكثر من قصيدة، وهو في كلِّ مرَّةٍ يجيءُ بالطريف الجديد، كما يتجلَّى هذا الخصبُ في مدَى العشرات من قصائدِه التي تؤلِّف رواياتٍ كاملة، فما كان ينتهي من قصيدةٍ حتى يُعالج غيرها، وكأنَّه قد نسي الأُولى، فكان خاطرُه كالروض في الربيع يجود بالزهر متتابعًا، ويُنضج الثمرَ متعاقبًا، أو كالبلبل يتوالى تغريده:

نَغَمٌ في السماءِ والأرضِ شتَّى
من معاني الربيعِ أو ألحانِهْ

فانقاد لهُ النظم وأسلس قيادَه، وجرى الشعر على لسانه مجرى الكلام فتكاد لا تقرأُ من نثره بضعةَ أسطرٍ حتى تجد بيتًا أو شطرًا، فحقَّ له أن يقولَ:

إِذا قلتُ شعرًا فالقوافي حواضرٌ
كما قال قديمًا الشاعرُ اللاتيني أوفيد:
كلُّ قولٍ حاولتُه كان شعرًا٢٠

ومن مظاهر هذا الخصب في القريحة واستنباط المعاني أنه طرق أبعد الموضوعات عن الشعر فاستخرج منها شعرًا طيِّبًا، كالنحلة تشتار عسلها من جميع أنواع الزهر، من ذلك قوله في طابع البريد:

ويُوافِي النفوسَ مني رسولٌ
لم يكن خائنًا ولا نمَّاما
يَحْملُ الغشَّ والنصيحةَ، والبغـْ
ـضاءَ والحُبَّ، والرضى والمَلاما
ويعِي ما تُسرُّهُ من كلامٍ
ويؤدِّي كما وعاهُ الكلاما
ولقد أُضحِكُ العبوسَ بيومٍ
فيهِ أُبكِي المنعَّمَ البسَّاما
وأُهنِّي على النوى وأُعرِّي
وأُفيدُ الحرمانَ والإِنعاما

وقوله في وصف يدِ الطبيبِ الجرَّاح:

مدَّها كالأجَلِ المبسوطِ في
طَلَبِ البُرءِ اجتهادًا وافتنانا
تَجِدُ الفولاذَ فيها مُحسنًا
أخذَ الرفقَ عليها والليانا
لم تَخِطْ للناسِ يومًا كفنًا
إنما خاطت بقاءً وكيانا

ولما أُعلن، عند إنشاء بنك مصر، أنْ ستُنشَد في الاحتفال قصيدةٌ لشوقي، سمعنا الكثيرين يقولون: «أين مجالُ الشعر مع ورَق النقد والمال؟ وأيُّ مرتعٍ في المادة للخيال!» ولكنَّ شاعرَنا عرف أن يستنبطَ من المادَّة مثلَ هذه الأبيات:

بالعلمِ والمالِ يبنِي الناسُ ملكهمُ
لم يُبنَ ملكٌ على جهلٍ وإقلالِ
هاتوا الرجالَ وهاتوا المالَ واحتشدوا
رأيًا لرأيٍ ومثقالًا لمثقالِ
هذا هو الحجَرُ الدرِّيُّ بينكمُ
فابنوا بناءَ قُرَيْشٍ بيتَها العالي
دارٌ إِذا نزلت فيها ودائعُكم
أودعتمُ الحَبَّ أرضًا ذاتَ إغلالِ
آمالُ مصر إليها طالما طمَحَتْ
هل تبخلون على مصر بآمالِ

فإذا كان قد جارَى القدماءَ وحذا حَذوَهم في صياغة الشعر، وفي طرازِ مطالعه وأسلوب مقاطعه، فقد رأيتم كيف راض بحورَ القريض على أداءِ المعاني الجديدة ومعالجةِ الموضوعات العصرية، ولذلك قلنا — في مستهلِّ هذا البحث: إنه لم يشدَّ إلى قيثارة الشعر وترًا جديدًا، ولكنَّه استخرج من الأوتار التي ضرب عليها غيره من الشعراء أنغامًا مستجدَّةً عذبة المستمع، ولقد رأينا أمثلةً كثيرةً على ذلك في ما استشهدنا به له من الأبيات، وكثيرًا ما أصبح القديمُ جديدًا بفضل ما أكسبه من جمال اللفظ والتركيب، وروعة المعنى الذي ظهر بمظهر التجديد.

ولم يذهلْ شوقي عند هذا التجديد الذي شغف به الكثيرون فاتخذوه لهم شعارًا، قال:

طلعوا على الوادي برايةِ عصرِهم
ولكلِّ عصرٍ رايةٌ وشعارُ

ولكنه أراد هذا التجديدَ مقرونًا بالأناة والتُّؤدة:

ومع المجدِّدِ بالأناةِ سلامةٌ
ومع المجدِّدِ بالجماح عثارُ

فإن في الداعين إلى هذا المذهب من لا يفهمه إلَّا قائمًا على الهدمِ والتقويض، وليس لديهم شيءٌ من مُعدَّاتِ البناء والتشييد، فعلى مثل هذه الطائفة يحملُ الحملةَ الشديدة:

لا تحذُ حذوَ عصابةٍ مفتونةٍ
يجدونَ كلَّ قديمِ شيءٍ مُنكرَا
ولو استطاعوا في المجامع أَنكروا
من مات من آبائهم أو عمَّرا
من كلَّ ماضٍ في القديمِ وهدمهِ
وإذا تقدَّم للبنايةِ قصَّرا
وأتى الحضارةَ بالصناعةِ رَثَّةً
والعلمِ نزرًا والبيانِ مثرثرًا

بسطنا في ما تقدَّم صورةً لأميرِ الشعراءِ اقتبسنا الأَلوانَ والخطوطَ اللازمةَ لرسمِها من أقوالِه، وتحليلِ شاعريتهِ، وبيان مُميِّزاتها، وإذا كان هناك مِن نقصٍ أو عيب، فالذنبُ ذنبُ المصوِّر لا ذنب الأصل، ولقد تكون هذه الصورة أكملَ دلالةً وأَجلى رونقًا إذا قارنَّاها بغيرها، فقد فُطر الإنسان على حبِّ المقارنة فلا يدرك كُنه الأشياءَ إلَّا عن طريقها، وهذا صحيحٌ في المعنويات صحَّته في الماديات، وقد نكونُ أكثرَ من سوانا شغفًا بذلك عندما نتكلَّم عن أدبائنا وشعرائنا؛ فكلُّ أديبٍ أو شاعرٍ في نظرنا يمتُّ بنسبٍ إلى أحد الأدباء الأقدمين؛ وما كتب أحدٌ عن شوقي إلَّا قارنه بأحد أعلام الشعر الغابرين؛ فهو وأبو تمام في حسن الديباجة نظيران، وهو وجرير في براعة التمدُّح بالأمراء صنوان؛ وهو المتنبي في الحكم كفؤان؛ وهو وابن هانئ في الفصاحة مِثلان، ألم يُطلق اسمه على داره؟ وهو والبحتري في جودة الصناعة ندَّان، ألم يقل هو نفسهُ عن نفسه:

إن الذي قد ردَّها وأعادَها
في بردتيك أعادَ فيَّ البحترِي

وقد أعاد ذلك في معارضته لإحدى قصائد صبري باشا:

وتعارضتْ فيك القرائحُ وانبرى
لأبي نواسَ البحتريُّ المفلِقُ
ولا شكَّ أن في شِعره شيئًا من جميع هؤلاء.٢١

وقد تخطَّى بعضُ البحَّاث أُدباءَ العربِ إلى أُدباءِ الفرنجة، فرأوا فيه من فيكتور هوجو ولامَرتين وألفرد ده موسِّه، وهم أمراءُ الشعرِ في فرنسا يوم كان شوقي يطلبُ العلمَ في باريس.

وإِذا كان قد حذا حذوَ هؤلاء وأولئك من شعراءِ الشرقِ والغرب في بعض مناحِي النظم، فإنه يكاد يكون في مظاهرِ حياتِه وشاعريته صورةً أمينةً لشاعر عريقٍ في القِدَم، عاش منذ أربعة وعشرين قرنًا، وفي بلدٍ غير البلاد العربية، ولكنَّ الشعرَ كالعلمِ لا يحصره زمن، ولا يحدُّه وطن، فنتاج الفكرِ الإِنسانيِّ مشتركٌ بين المفكِّرين، مهما اختلف جيلهم وإقليمهم.

ازدهرت مدنيَّة مصر في أقدِم عصور التاريخ المعروفة، فكانت أصلًا لسائر المدنيات، ثمَّ كان لمدنيَّة قدماءِ اليونان وآدابهم من الأثر في تمدين سائر الأمم ما كان قبلها لآداب مصر، ولم يوفَّق العلماءُ لإماطة اللثام عن جميع أسرار الحضارة المصرية لنتعرَّف تمام أثرها في آداب اليونان، ولكنه أثر بليغ ثابت، ثمَّ عادت مصر، على عهد البطالسة، تقتبس من الآداب اليونانية، كما أخذ العرب في العصر العباسي ينقلون عنها، وهكذا العلم والأدب مداولة بين الأمم والشعوب.

لذلك خطر ببالنا، ونحن نطالُع شعرَ شوقي، اسمُ شاعرٍ يوناني، بل إنَّ شاعرَنا هو الذي أوحَى إلينا بهذا الخاطر لكثرة ما يُشير في شعره إلى اليونان وعلاقتهم بمصر وبالعرب:

ورأينا مصرًا تُعلِّمُ يونا
نَ، ويونانَ تُقبِسُ العلمَ مصرا
تلك تأتيك بالبيانِ نبيًّا
عبقريًّا، وتلك بالفنِّ سحرا

ذلك شأنُ العلم، وذلك شأن اللغة أيضًا:

فتجارَتِ اللغتانِ للـْ
ـغاياتِ في الحَسَبِ الصميمْ
لغةٌ من الإغريقِ قيـِّ
ـمَةٌ وأُخرى من تميمْ

وكذلك شأن العلماءِ والأُدباءِ من الفريقين:

أَبُقْراطُ مثُل ابنِ سينا الرئيسِ
وهوميرُ مثلُ أبِي الطيِّبِ

ولكنَّ المصريين كانوا البادئين:

مشَتْ بمنارهم في الأرضِ روما
ومن أنوارِهم قَبَسَتْ أثينا

وهو يفاخر بظفره بحكمةِ اليونان:

ظفرت بيونانَ القديمةِ حكمتي

وقبل كل هذا ألم يَقُلْ في ترجمة حياتهِ بعد أن ذكر أصول جدوده لأبيه وأُمِّه: «أنا إذن عربيٌّ، تركيٌّ، يونانيٌّ، جركسيٌّ، أُصولٌ أربعة، في فرع مجتمعة، تكفله لها مصر كما كفلت أبوَيهِ من قبل.»

أمَّا هذا الشاعر اليوناني الذي نرى صورتُهُ ماثلةً في فقيدنا فهو الشاعر «بَندار».

لَمحةٌ إلى حياتِه تُرينا الشبَهَ بين الشاعرين:

كان بندار في عصره، كشوقي، يلقَّب بأمير الشعراء، وكانت إمارة الشعرِ قبله معقودةً دائمًا لأثينا، حتى انتزعها منها وجعلها في مدينة «ثيبه» وطِنِه، وقد أغدق عليه الأقيالُ والحكام العوارفَ والنعم، فنهج نهجَ الشعراءِ ممتدحًا بمآثر أولياءِ نعمته، غير أنه لم يُحجم في مدائحه عن التنديد بالظلم، والاستبداد معلنًا أنَّ الفضيلةَ والاستحقاقَ هما، دون سواهما، من الخيرات الباقيات، وكان أدبُه أدبًا عفيفًا طاهرًا شريفًا، وامتاز شعره بالانسجام والنصاعة والجلال، ولقد تغنَّى بوطنه ومفاخره، ولكن ذلك لم يصرف نظرَه عن عيوب مواطنيه ومحاسن سائر الأوطان، وجاءَ في الأسَاطير المنقولة عن عصره أنَّه كان نائمًا، وهو طفلٌ، تحت شجرة، فأقبل النحل على ثغره يقطر فيه عسلًا، وذلك رمزُ العذوبة والحلاوة في شعره، أمَّا موته فقد حسده عليه جميعُ الشعراء، فقد أدركته المنية، وهو في المسرح، بينما كانت العذارى ينشدنَ شعرَه، والشعب المحتشد يُصفِّق طرَبًا.

وكذلك كان شوقي في حياته، وفي مماته أيضًا؛ فكلُّنا يعرف أنه في الليلة التي فارق فيها الحياة كانت إحدَى المغنيات الشهيرات تُغنِّي قصيدته: «علَّموهُ كيف يجفو فجفا»، وكان الجمهورُ يُهلِّل ويكبِّر لروعة الشعر، وبعد وفاته ببضع ساعاتٍ كان شبابُ مصر يُصفِّق متحمسًا لآخرِ قصيدة نظمها شوقي لتحية همة الشباب في حفلة مشروع القرش …

•••

والآن وقد مات شوقي بعد أن مات حافظ، فإنَّ الناسَ يتساءلون عن مصير الشعر العربي … ومن يُنكر أنَّ هذا الشعرَ قد مُني بخسارةٍ فادحةٍ بموت الشاعرين الكبيرين، خسارة شعرت بها مصر أكثر من سواها؛ لأنَّهما أجلساها الصدر في دولة الأدب، وشعرت بها مع مصر سائر الأقطار العربية؛ لأنَّهما كانا من مفاخر لسان العرب.

أمَّا التنبؤُ بمن سيخلف كلًّا منهما في المكان الذي تبوَّأه في مملكة القريضِ والبيان، فليس من السهل ولا بالمستطاع، فشاعرُ مصر، بل شاعرُ العرب، مكنونٌ في ضمير الغيب قد تُبرِزُه الحوادثُ في غدنا القريب، ولا يعزبنَّ عن البال أن ما أدركهُ كلٌّ منهما من الشهرةِ، وبُعدِ الصيتِ قد يكون طمس عبقرياتٍ كثيرة، ستنزل إلى الميدان بعد أن خلا من فارسيه المعلمين، كما أن ما أصابه كلاهما من المنزلة الرفيعة في حياته، والإشادة بذكره بعد مماته، سيشحذُ القرائح والأذهان للمباراة في حلبة الشعر.

وليس من الحكمة والمنطق في شيء أن نندبَ الشعرَ والأدبَ بعد فقد ذَينك الشاعرَين، فالوادي الذي أنجب البارودي وصبرِي وحافظ وشوقي — ولا أذكرُ إِلَّا الأموات الذين عاصرناهم — سيُنجبُ غيرَهم من عباقرةِ الشعرِ وأعلام الأدب، فمشعلُ الشعرِ لا ينضب زيته ولا يطفأُ نورُه، بل ينتقل دائمًا من يدٍ إلى يد، تغذِّيه القلوبُ النابضة والنفوسُ الحسَّاسة، وخيرُ ما يُقال في هذا المقام هذه الأبيات لشوقي:

قديمُ الشعاع كشمس النهارِ
جديدٌ كمصباحِها المُلهَبِ
أَبُقْراطُ مثلُ ابن سينا الرئيسِ
وهوميرُ مثلُ أبي الطيِّبِ
وكلهمُ حجرٌ في البناءِ
وغرسٌ من المثمِرِ المُعقِب
١  على أثر وفاة المرحوم أحمد شوقي بك تألفت لجنة من الأدباء برياسة وزير المعارف؛ لإقامة حفلة تأبين كبرى للفقيد الكريم، وقد طلبت اللجنة من المؤلف أن يخطب عن «شاعرية شوقي ومميزاتها»، فوضع هذا البحث ولخصه في خطبة ألقاها في الحفلة التي أقيمت في دار الأوبرا الملكية بعد ظهر يوم الأحد ٤ ديسمبر سنة ١٩٣٢.
٢  البيت لشوقي.
٣  من قصيدته في وصف الوقائع العثمانية اليونانية.
٤  من قصيدته في تهيئة السجناء الذين كانت المحاكم العسكرية قد اعتقلتهم.
٥  من قصيدته في رثاء «فردي».
٦  التوم جمع تومة، وهي الحبة من الفضة تعمل على شكل الدرة.
٧  الأيم: الدخان.
٨  دار السلام: بغداد. السلم: التسليم.
٩  الضمير يعود إلى روما.
١٠  وشيجة: متصلة القرابة.
١١  الذائد: الحامي. النضاح: الدافع.
١٢  «١٢ عامًا في صحبة أمير الشعراء» بقلم أحمد عبد الوهاب أبو العز.
١٣  الحتم المجاب: هو الموت.
١٤  الآراد: جمع رأد. والمراد رأد الضحى وهو وقت ارتفاع الشمس.
١٥  العنان: بفتح العين السحاب.
١٦  القوام: ما يقيم الإنسان.
١٧  شُهَدُ: جمع شُهدة وهي العسل.
١٨  راجع البحث بهذا الموضوع في فصل شوقي شاعر الأمراء.
١٩  الخطاب موجه إلى الجرَّاح الأكبر علي باشا إبراهيم.
٢٠  Quidquid tentabam dicere versus erat (OVIDE).
٢١  ترى فيه من نسج البحتري، ومن صياغة أبي تمام، ومن وثبات المتنبي، ومن مفاجآت الشريف، ومن مسلسلات مهيار (خليل مطران).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤