الفصل الرَّابع

ابن سهل

هو إبراهيم بن سهل الإشبيلي الأندلسي، وقد أفردنا له فصلًا؛ لأنه ليس من شعراءِ الجاهلية، ولنبتدأَ به من جديد. وسئل بعض المغاربة عن السبب في رقة نظمه فقال: لأنه اجتمع فيه ذُلان: ذلُّ العشق وذل اليهودية. ولمَّا غرق قال فيه بعض أكابر زمنه: عاد الدرُّ إلى صدفه. وله ديوان مطبوع طبعًا حجريًّا بمصر في سنة ١٣٠٢ يقع في ٥٦ صفحة من القطع الصغير، ونكتفي بأن نشير إلى البعض من شعره للدلالة على رقته وجمال معناه، فمن ذلك:

محبٌّ يرى في الموت أُمنيَّةً عسى
تخفُّ على موسى زيارة لحدهِ

وقوله:

لو قيل والنفس رهن الموت من ظمأٍ
موسى أَم البارد السلسال لم أَرِدِ

يعني أنه لا يريد مكانه شيئًا ولو كانت فيه حياته.

وقوله:

أَليس من العجائب حال صبٍّ
له شغفٌ وليس له فؤادُ

الشغف: غِلاف القلب، فكيف يكون له الغلاف دونه؟ والمعنى أنه عند حبيبه لا عنده، والمراد بالشغف هنا منتهى العشق حتى وصل إلى غلاف القلب فمزقه.

وقوله:

وكم سُئل المسواك عن ذلك اللَّمى
فأَخبر أَنَّ الريق قد عطَّل الشهدا

المسواك: العود تُنظَّف به مفارق الأسنان، واللمى (مثلثة اللام): سُمرة في الشفة أو شربة سواد فيها، والمراد به هنا معنى الرُّضاب.

وقوله:

وتوَّجك الرحمن تاج ملاحةٍ
وبهجة إشراقٍ بها الصبح يهتدي

وقوله:

إِني له عن دمي المسفوك معتذر
أقول حمَّلته في سفكه تعبا

وقوله:

إن قلت فيه هو الكليم فخدُّه
يهديك معجزة الخليل بنارهِ

فاتِّقاد وجنتيه تورُّدًا كنار إبراهيم بردًا وسلامًا.

وقوله:

لما أراق دم المشوق تعمدًا
اسودَّ نقط الخال من أوزارهِ

فهي نقطة سوداء في وجههِ لجنايته القتل عمدًا.

وقوله:

بكيت على النهر أُخفي الدموعَ
فعرَّضها لونها للظهورِ

فكان يبكي دمًا.

وقوله:

أَنارٌ وقد وقدت زفرتي
فصار الغدوُّ كوقت الهجيرِ

الغدوُّ: بمعنى الصباح، والهجير: نصف النهار عند اشتداد الحرِّ.

وقوله:

وقبلت في التُّرب منه خُطًى
أميِّزها بشميم العبير

العبير: الزعفران أو أَخلاط من الطيب، فهو يعرف به موضع خطاه.

وقوله:

مُتُّ قبل اللقاءِ شوقًا فلما
جادَ لي باللقاءِ مُتُّ سرورا

وهنا قلت على البديهة:

فلك الله غير موتك لم تلـ
ـقَ مشوقًا إلى اللقا أو مَزُورا

وقوله:

إذا فئة العذَّال جاءَت بسحرها
ففي لحظ موسى آية تبطل السحرا

وقوله:

ترى العواذل حولي كالفراش وقد
حاموا فأَحرقهم بالشوق في فَرَشي

وقوله:

ما طال ليليَ بعده بل ناظري
يأْتي الصباح فلا يراه أبيضا

فاسودَّت الدنيا في وجهه.

وقوله:

أصبو إلى قصص الكليم وقومه
قصدًا لذكرك عندها وتعرُّضا

وقوله:

هلكتُ بما رجوتُ به خلاصي
وقد يُردي سفينتَه الشراعُ

وقوله:

وإن عبَّرت عن شوقي بكُتْبٍ
تلهَّب في أنامليَ اليراعُ

وقوله:

لست في دمعي غريقًا إنما
جسدي خفَّ ضنًى حتى طفا

وقوله:

ويا صاح إن لم تدرِ أَن صبابةً
تلذُّ وهُونًا يشبه العزَّ فاعشقِ

وقوله عن الخال في خد محبوبه:

إنما كان كوكبًا
قابل الشَّمس فاحترق

وقوله:

إذا ناديتُ أنصاري لما بي
تبرَّأَ منيَ الصبرُ الجميلُ

وقوله:

وما عشت حتى الآنَ إِلا لأنني
خفيت فلم يدر الحِمام مكاني

وقوله:

قسمًا لا أحبه وأنا أُقـ
ـسم إني حنثت في ذا اليمينِ

وقوله:

أكبروه فلم تقطَّع أكفٌّ
بمُدًى بل قلوبهم بجفونِ

وقوله في طبيب محموم:

فإن كانت الحمَّى تضرُّ حبيبها
فما عجبٌ إضرارها بطبيبِ
وما كونها في مثل جسمك بدعةً
فما الحَرُّ في شمس الضحى بغريبِ

وقوله وقد سأَل محبوبته قبلةً:

فاستضحكت ثم قالت ثغر ذي قلحٍ
في ثغر ذي شنب شيءٌ من الكَلَفِ

وقوله:

أيُّها السائل عن جرمي لديه
لي جزاءُ الذنب وهو المذنبُ

وإذا زلَّ بياني أو بناني في شيء، فشكرًا إلى فضل وأدب من ينبِّه بحقٍ إلى الصواب، فلا مأْرب لي إلا العلم مشفوعًا بالمحبة والوداد إلى جميع العناصر من العباد، والله يتولى التوفيق والسداد.

مراد
Morad Farag Bey
Avocat
Le Caire Egypte – Heliopolis
2 Fevrier 1929

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤