اجتماع محبين بعد الموت

قال أبو الخطاب الأخفش: خرجت في سفرٍ فنزلت على ماء لطيء، فبصرت بخيمة من بعيد، فقصدت نحوها فإذا فيها شاب على فراش كأنه الخيال، فأنشأ يقول:

ألا مال الحبيبة لا تعود
أبخل بالحبيبة أم صدودُ
مرضت فعادني عواد قومي
فما لك لم تُرَيْ فيمن يعودُ
فلو كنت المريض ولا تكوني
لعدتكم ولو كثر الوعيدُ
ولا استبطأت غيرك فاعلميه
وحولي من ذوي رحمي عديد

ثم أُغمي عليه فمات. فوقعت الصيحة في الحي فخرج من آخر الماء جارية كأنها فلقة قمر، فتخطت رقاب الناس حتى وقفت عليه فقبَّلته وأنشأت تقول:

عداني أن أعودك يا حبيبي
معاشر فيهم الواشي الحسود
أذاعوا ما علمت من الدواهي
وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ حللت ببطن أرض
وقصر الناس كلهم اللحود
فلا بقيت لي الدنيا فواقًا
ولا لهم ولا أثري عديد

ثم شهقت شهقة فخرت ميتة منها. فخرج من بعض الأخبية شيخ فوقف عليهما وقال: والله لئن فرقتُ بينكما حيين لأجمعن بينكما ميتين، ثم ضم كلًّا إلى الآخر ودفنهما في قبر واحد. فسألته فقال: هذه ابنتي وهذا ابن أخي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤