شجاع والفتاة العفيفة

أحب أحد الشبان فتاة جميلة شهيرة بالورع والتقوى، ومن شدة حبه بها علاه السقام وزادت منه الأوجاع والآلام، فتقاطرت عليه الأطباء دون أن يروا جدوى، ولما أعيت الحيلة استكشفوه الأهل عن أمره فأبى إلا الكتمان، ولما اشتد عليه حاله اختلى بامرأة من أنسبائه كبيرة السن من أهل الوفاء والمعروف فأطلعها جلية الأمر. فسارت توًّا إلى الفتاة وخاطبتها سرًّا بما في نفسه لأجلها وطلبت منها أن تعطف عليه وتجبر خاطره الكسير. فقالت لها: أبلغيه مني السلام وقولي: أي أخاه إني والله قد وهبت نفسي لمليك يكافئ من أقرضه بالعطايا الجزيلة، ويعين من انقطع إليه وخدمه بالهمم الرفيعة، وليس إلى الرجوع بعد الهبة سبيل، فتوسلي إلى مولاك ومولاي أن يسبل عليَّ ذيل المعذرة ويعاملني على ذنبي بجميل المغفرة والسلام. فقامت المرأة من عندها وأخبرته بمقالتها، فبكى بكاء شديدًا. فقالت له العجوز: والله يا بني ما رأيت فتاة أشد تقاوة وطهارة منها، فاعمل بما أمرتك به ولا تلقِ نفسك بالتهلكة، ولو قدرت على عمل حيلة أنفذ بها لعملتها، ولكني رأيت أنها جعلت الله نصب عينيها، ومن جعل الله — تعالى — نصب عينيه لها عن زينة الحياة. فجعل يبكي ويقول: أنَّى لي بلوغ ما دعت إليه ومتى يكون الملتقى؟ واشتد وجده حتى أفضى إلى الجنون، فصار يجول في الطرقات بحالة يُرثى لها فيجتمع عليه الأولاد قائلين ومستهزئين: مت عشقًا مت عشقًا، فكان يقول:

أأفشي إليكم بعض ما قد يهيجني
أم الصبر أولى بالفتى عندما يلقى
أأوعد وعدًا ما له الدهر آخرٌ
وأؤمر بالتقوى ومن لي بالتقوى
سلامٌ على من لا أسميه باسمه
ولو صرت مثل الطير في قفصٍ يلقى
ألا أيها الصبيان لو ذقتم الهوى
لأيقنتم أني محدثكم حقّا
أحبكم من حبها وأراكم
تقولون لي مت يا شجاع بها عشقا
فلم تنصفوني لا ولا هي أنصفت
فرفقًا رويدًا ويحكم بالفتى رفقا

فلما اتضح لأهله حقيقة حبه وغرامه جعلوا يسألونه عن أمره فلا يجيبهم، وكتمت العجوز حقيقة أمره، فأخذوه وحبسوه في بيت لهم، فلم يزل فيه حتى مات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤