الأنشودة الرابعة والعشرون

هيرميس يقود أرواح المغازلين

figure
لبَّيكَ، يا أبتاه، ها أنا ذا أمامك، أنا بنفسي.
figure
في نفس ذلك الوقت نادى هيرميس الكوليني Cylenian Hermes١ أرواح المغازلين. وكان يحمل عصاه في يدَيه، تلك العصا الجميلة المصنوعة من الذهب، التي يُنيم بها عيونَ كافَّة من يشاء، بينما يُوقِظ بها أيضًا آخرين من رقادهم، فكان يُوقِظ ويقودُ الأرواح بها، فكانت تتبعه وهي تُتمتِم. وكما يحدث في أقصى فجوةٍ في الكهف العجيب أن تحوم الخفافيش مرفرفةً هنا وهناك وهي تطن، عندما يسقُط أحدها من فوق الصخرة منفصلًا عن السلسلة التي يتعلَّق بها كل واحدٍ منها بالآخرة، هكذا أيضًا ذهبَت هذه معه وهي تُتمتِم وقادها هيرميس، المساعد، مجتازًا الطرق الرطبة، فذهبَت خلال مجاري أوقيانوس، عَبْر صخرة ليوكاس Leucas، مجتازة أبواب الشمس وأرض الأحلام، وبسرعة وصلَت إلى مرج حقل البروق، حيث تقطن الأرواح، أشباح الناس الذين هلكوا في القتال. وهناك وجدوا روح أخيل٢ ابن بيليوس، وروح باتروكلوس،٣ وأنتيلوخوس٤ المنقطع النظير، وأياس،٥ الذي كان خير جميع الدانيين من بعد ابن بيليوس عديم المثيل.

أرواح المغازلين تتكلم

وكان هناك زحامٌ حول روح أخيل، وبالقرب منهم دنت روح أجاممنون بن أتريوس، حزينة، ومن حولها احتشدَت أخريات، أرواح أولئك الذين قُتلوا معه في منزل أيجيسثوس، ولقُوا حتفهم. وكانت روح ابن بيليوس هي أول من تكلَّم وخاطبَتْه، بقولها:

«يا ابن أتريوس، كما نعتقد أنكَ من دون سائر الأبطال كنتَ طَوالَ أيام حياتك عزيزًا لدى زوس، الذي يقذف الصاعقة؛ لأنكَ كنتَ سيدًا على كثيرٍ من الرجال الأشدَّاء في أرض الطرواديين، حيث كابدنا الأهوال نحن الآخيين. بيد أنه حقًّا كان للمنية المفزعة أن تنزل عليك، أنتَ أيضًا، مبكرًا هكذا، تلك المنية التي لا يستطيع أن يفر منها كل ابن أنثى٦ آه! ليتك في خُيلاء ذلك المجد الذي كنتَ له سيدًا، قابلتَ الموت والمصير في بلاد الطرواديين. إذن لكان جيش الآخيين كله قد أقام لك رمسًا، ولكنتَ قد كسبتَ أيضًا، مجدًا عظيمًا في الأيام المقبلة يتمتع به ابنك. غير أنه، كما يبدو، قد تقرر الآن أنه يجب عليكَ أن تفارق الحياة بميتة هي أعظم ميتةٍ يُرثى لها.»

عندئذٍ أجابَتْه روح ابن أتريوس، بقولها: «يا ابن بيليوس المحظوظ، يا أخيل الشبيه بالآلهة، يا من قُتلتَ في بلاد طروادة بعيدًا عن أرجوس، وتَجندَل حولك آخرون، هم خيرةُ أبناء الطرواديين والآخيين، وهم يتقاتلون من أجل جثتك، بينما كنتَ أنتَ راقدًا في دائرةٍ عميقة من الثرى عتيدًا في جبروتك، ناسيًا فروسيتك. أما نحن من جانبنا فكنا نتقاتل طوال اليوم كله، وما كنا لنكُف عن الصراع، لولا أن زوس قد أوقفَنا بعاصفة. غير أنه بعد أن حملناك من ساحة الوغى إلى السفن، أرقدناك فوق نعش، ونظَّفنا جلدك الجميل بالماء الدافئ وبالزيت، وذرف الدانيون من حولك كثيرًا من الدموع السخينة، وقَطعُوا شعورهم. ثم أقبلَت والدتك من الخِضَم بصحبة حوريات البحر الخالدات، عندما بلغها ذلك النبأ، فارتفعَت صيحةٌ مُدوِّية عجيبة فوق الخِضَم العميق، وعندئذٍ ارتعد الآخيون جميعًا فرائصَ وأعضاء. وفي تلك الآونة كاد الجميع يقفزون مندفعين نحو السفن الواسعة، لو لم يمنعهم رجلٌ، عاقلٌ على قَدْرٍ كبير من الحكمة القديمة، ذلك هو نسطور، الذي ثبت أن مشورتَه هي الأفضل سدادًا عما قبلها. فتحدَّث إلى حشدهم بنيةٍ حسنة، وخاطبَهم، قائلًا:

«مكانَكُم، أيها الأرجوسيون؛ لا تهربوا، يا معشر شباب الآخيين. إنها والدتُه، هذه التي جاءت إلى هنا خارجةً من البحر بصحبة حوريات البحر الخالدات، لتشاهد وجه ابنها الميت.»

هكذا تكلَّم، وتوقَّف الآخيون ذوو الجرأة عن فرارهم. بعد ذلك وقفَت حولكَ بنات عجوز البحر يبكين في حزنٍ بالغ، ودثَّرن كل جسدك في لباسٍ خالد. أما ربات الفن،٧ وهن تسع، فقد قمن بقيادة المرثاة، وبعضهن يردُّ على البعض الآخر بأصواتٍ عذبة. وما كنتَ لتستطيع أن تبصر أرجوسيًّا واحدًا إلا وهو يبكي؛ فقد حرَّكَت ربات الفن الرخيمات الصوت قلوبهم. وهكذا بقينا نبكيك باستمرارٍ لمدة سبعة عشر يومًا ليلَ نهار، الآلهة الخالدون والبشر، حتى إذا كان اليوم الثامن عشر قدَّمناك للنار، وذبحنا كثيرًا من الكباش السمينة جدًّا حولك وأبقارًا ناعمة. وهكذا أُحرِقتَ في ملابس الآلهة وفي وفرة من المراهم والعسل الحلو، وسار جمعٌ غفير من المحاربين الآخيين في حُلَلِهم الحربية حول كَومة الحطب، بينما كنتَ تحترق، من المشاة وراكبي العجلات، وتصاعَد صخبٌ عظيم. بيد أنه عندما وضَعتْ نارُ هيفايستوس نهايتك، جمَعنا في الصباح عظامك البيضاء، يا أخيل، ووضعناها في خمرٍ غير ممزوجة وفي الدهون. وكانت أمك قد أحضَرتْ وعاءً من الذهب ذا مقبضَين، وقالت إنه هدية من ديونيسوس، وأنه من صنع هيفايستوس الذائع الصيت، فوضعنا عظامك البيضاء، يا أخيل المجيد، في ذلك الوعاء، ووضعنا معها عظام باتروكلوس الميت، ابن مينويتيوس، مختلطةً بها، أما عظام أنتيلوخوس، الذي كنتَ تُبجِّله أكثر من جميع بقية رفقائك بعد باتروكلوس الميت، فقد كانت موضوعةً على انفصال. وكوَّمْنا فوقها مقبرةً هائلة عظيمة، نحن جماعة الرمَّاحين الأقوياء في جيش الآخيين، فوق لسانٍ بارز من الأرض بجوار الهيليسبونت الفسيح، كي يستطيع جميع الناس الذين يعيشون الآن والذين سيُولَدون فيما بعدُ أن يروها من بعيدٍ من على سطح البحر. أما والدتُكَ فطلَبتْ من الآلهة هدايا جميلة، ووضعَتْها في وسط قوائم هدايا رؤساء الآخيين. وإنك قد شاهدتَ قبل الآن مبارياتٍ جنائزية لرجالٍ عديدين كانوا محاربين، عندما كان موت ملكٍ يجعل الشبان أنفسهم يتمنطقون ويُعِدُّون المباريات، ولكنكَ إذا شاهدتَ ذلك المنظر لعجبتَ في قلبكَ أشد العجب؛ فما أجمل تلك الجوائز التي قدَّمتْها الربة، ثيتيس Thetis٨ ذات القدمَين الفضيتَين، هناك تبجيلًا لك، لأنكَ كنتَ عزيزًا جدًّا لدى الآلهة. وهكذا لم تفقد اسمك حتى في موتك، ولكنك سوف تحظى دائمًا بحُسن الأُحدوثة بين سائر البشر، يا أخيل. أما عن نفسي، فأي فائدةٍ عادت عليَّ من كوني أشعلتُ نار الحرب؟ إذ قد حاك لي زوس ميتةً شنيعة على أيدي أيجيسثوس وزوجتي اللعينة.»

هكذا تحدَّث كل واحدٍ منهما إلى الآخر، بيد أن الرسول أرجايفونتيس، اقترب، يقود أرواح المغازلين الذين قتلهم أوديسيوس؛ فإذا بهذَين الاثنَين، وقد اعتَرتْهما الدهشة، ذهبا فورًا نحوهم بمجرد أن رأَوهم. ولاحظَت روح أجاممنون بن أتريوس، ذلك الابن العزيز لميلانوس، أمفيميدون المجيد، الذي كان مُضِيفه، أيام أن كان يقطن في إيثاكا. وعندئذٍ بادَرتْه روح ابن أتريوس بالكلام أولًا، فقالت له:

«هيا أمفيميدون، ماذا دهاكم حتى هبطتم تحت الأرض المظلمة، وكلكم رجالٌ مختارون ومن نفس العمر؟ لا يمكن للمرء أن يختار شيئًا آخر، لو كان للإنسان أن ينتقي خير رجالٍ في المدينة. هل ضربكم بوسايدون وأنتم على ظهور سُفنكم، عندما أثار الرياح العاتية والأمواج الطويلة؟ أم هل أصابكم سوءٌ على يد الأعداء فوق اليابسة، بينما كنتم تسلبونهم ماشيتهم وقطعان أغنامهم الجميلة، أو بينما كانوا يُقاتِلون للذود عن مدينتهم ونسائهم؟ أخبرني عما أسأل؛ لأنني أُعلن أنني صديق منزلك. أولا تذكُر إذ جئتُ إلى هناك إلى منزلك بصحبة مينيلاوس الشبيه بالإله لأحُث أوديسيوس على الرحيل معنا إلى إليوس فوق ظهور السفن ذات المقاعد؟ لقد استغرقَت الرحلة منا شهرًا كاملًا لعبور البحر المترامي الأطراف؛ لأنه كان من الصعب علينا أن نضم إلينا أوديسيوس، سلاب المدن.»

عندئذٍ أجابته روح أمفيميدون، بقولها: «يا ابن أتريوس الأعظم مجدًا، يا ملك البشر، ويا أجاممنون، إنني أذكُر كل هذه الأمور، كما ترويها تمامًا، يا من هو ربيب زوس، ومن جانبي سأُصارِحك القول صادقًا وأقول لك كل الحق، عن الكيفية التي نزلَت علينا بها خاتمة الموت الشريرة. لقد غازلنا زوجة أوديسيوس، الذي كان قد رحل منذ زمنٍ بعيد، ولم ترفض الزواج البغيض، ولم تبُتَّ في الأمر إطلاقًا، بل دبَّرتْ لنا الموت والمصير الأسود. كلا، كما أنها قد حاكت في قلبها ذلك الأمر الخدَّاع أيضًا؛ لقد أقامت في ساحاتها منوالًا هائلًا، وانهمكت في النسج — لقد كان النسيج من الخيط البديع، وكان في غاية الاتساع — وعندئذٍ قامت في الحال وتكلَّمتْ وسطنا، قائلة:

«أيها الشبان، عُشَّاقي، ما دام أوديسيوس العظيم قد مات، فاصبروا، رغم تلهُّفكم على الزواج مني، إلى أن أُتم هذا الثوب — لأنني لا أبتغي أن يُسفِر نسجي عن لا شيء — إنه كفن السيد لايرتيس للوقت الذي يصرعه فيه المصير القاسي للموت المحزن، خشية أن تحقد عليَّ أية سيدة من النساء الآخيات في البلاد، إذا ما رقَد بدون كفن، وهو ذلك الذي كسب ممتلكاتٍ هائلة.»

هكذا تكلَّمتْ، فوافقَت قلوبنا المتعجرفة. وبعد ذلك شَرعَت تنسج في النسيج العظيم يومًا بعد يوم، غير أنها كانت تحلُّ بالليل ما صنعَتْه، بعد أن تضع المشاعل إلى جوارها. وهكذا ظلت على تلك الحال مدة ثلاث سنوات، جعلَت فيها الآخيين جهلاء بمهارتها، وقد خدعَتهم. بيد أنه عندما جاء العام الرابع، بمرور الفصول، وبعد أن خبت الشهور وجرت الأيام العديدة في مجراها، أخبرتنا إحدى النساء اللواتي كن على علمٍ بكل شيء، فأمسكنا بها وهي تحلُّ النسيج الرائع؛ وعلى ذلك اضطُرت إلى إتمامه بالقوة ضد رغبتها.

والآن عندما أرتنا الثوب، بعد أن نسجَت النسيج العظيم وغسلَته، فتلألأ يسطع كأنه الشمس والقمر؛ عندئذٍ أحضر أحد الآلهة القساة أوديسيوس من مكانٍ ما إلى حدود البلاد، حيث كان يقطن راعي الخنازير. وإلى هناك أيضًا ذهب الابن العزيز لأوديسيوس المقدس بعد أن رجع من بولوس الرملية في سفينته السوداء. وبعد أن دبَّر هذان الاثنان ميتةً شريرة للمغازلين، توجَّها إلى المدينة الشهيرة، وقد حضر أوديسيوس متأخرًا حقًّا، ولكن تيليماخوس سبقه في طريقه. وجاء راعي الخنازير بسيده، يرتدي أسمالًا رثَّة، في صورة شحَّاذٍ عجوز كثير الهموم، يتوكأ على عصا، وكان الثوب الذي يستر به جسمه حقيرًا، فلم يستطع أي واحد منا أن يعرف أنه هو، عندما جاء هكذا على حين غرة، كلا، ولا حتى أولئك الذين كانوا أكبر سنًّا، بل هاجمناه بعباراتٍ شريرة وقذفناه بعدة أشياء. ومع ذلك فقد تحمَّل بقلبٍ ثابت إلى فترة من الوقت أن يُرجم ويُشتم في داخل ساحاته. بيد أنه عندما أثارته أخيرًا إرادة زوس، الذي يحمل الترس، أخذ جميع الأسلحة الجميلة بمساعدة تيليماخوس ووضعها بعيدًا في حجرة الخزين وأغلقها بالمزاليج، ثم أمر زوجته بدهائه البالغ أن تضع أمام المغازلين قوسه والحديد السنجابي لتكون هناك مباراةٌ بيننا نحن الرجال المنكودي الطالع وتغدو بداية الموت، فلم يكن في مقدور أي واحدٍ منا أن يشُد وتر القوس القوية. كلا، لقد كنا أضعف بكثير من أن تكون لنا تلك القوة. غير أنه لما وصلَت القوس العظيمة في يدَي أوديسيوس، صحنا جميعًا بصوتٍ مرتفع معارضين في إعطائه القوس، مهما تكلم ومهما ألح في الكلام، ولكن تيليماخوس وحده هو الذي حثَّه على أن يُجرِّب استعمال القوس، وأمره بأن يأخذها. عند ذلك تناول، أوديسيوس العظيم، الكثير التحمُّل، القوس في يده، وبغاية السهولة شد الوتر وأطلق سهمًا مر من الحديد، ثم ذهب ووقف عند العتبة، وأطلق سيلًا من السهام السريعة، متلفتًا حوله بفظاعة، فأصاب الملك أنتينوس. وبعد ذلك أخذ يُسدِّد سهامه ويتركها تطير نحو الآخرين بإصابته المحكمة، محملة بالآلام، فشرع الرجال يسقطون بكثرة وفي سرعة. عندئذٍ عرفنا أن إلهًا ما كان يُعضِّدهم؛ لأنهم في الحال انقَضُّوا عَبْر الساحات في حماسهم وراحوا يصرعون الرجال ذات اليمين وذات الشمال، وتصاعدَت أنَّاتهم مخيفة، بينما الرءوس تُقطع والأرض كلها تسبح في الدماء. هكذا كان هلاكنا، يا أجاممنون، وحتى الآن لا تزال أجسامنا ملقاةً بإهمال في ساحات أوديسيوس؛ لأن أهلنا الموجودين في منزل كل رجلٍ منا لا يعرفون شيئًا حتى الآن — أهلنا الذين ربما يغسلون الدم الأسود من جراحنا ويدفنون جثثنا بالنحيب؛ لأن هذا هو حق الأموات.»

عندئذٍ أجابته روح ابن أتريوس، قائلة: «ما أسعدك يا ابن لايرتيس، يا أوديسيوس الواسع الحيلة! الحق أن الزوجة التي فُزتَ بها لَتتصفُ بكل ما هو رائع، وإنها لرائعة جدًّا في الإدراك بينيلوبي المنقطعة النظير، ابنة إيكاريوس؛ لأنها ظلَّت ذاكرةً أوديسيوس في ولاء، زوجها الذي عُقد له عليها؛ ومِن ثَمَّ فإن شهرة عفتها لن تبلى على الإطلاق، بل سيؤلف الخالدون وسط البشر ساكني الأرض أنشودةً بهيجة تُشيد بذكر بينيلوبي الوفية. وعلى نقيضها كانت ابنة تونداريوس Tyndareus٩ التي حاكت أعمالًا شريرة وقتلَت زوجها الذي اقترنَت به بعقد، ولسوف تكون مقيتةً تلك الأغنية التي ستؤلَّف في قصتها وسط البشر، وما أسوأ السمعة التي ستجلبها على جميع النساء، حتى على من كانت منهن خيرة!»

هكذا تحدَّث كلٌّ منهما إلى الآخر، وهما واقفان في بيت هاديس تحت أعماق الأرض.

أوديسيوس يختبر أباه

أما أوديسيوس وأتباعه فعندما انصرفوا من المدينة، وصلوا بسرعة إلى مزرعة لايرتيس الجميلة الجيدة التنسيق، التي كسبها لنفسه في الأيام الخوالي، والتي كَدَّ من أجلها كثيرًا.١٠ كان هناك منزله، ومِن حَوله الحظائر التي فيها ينام ويأكل ويجلس الخدَم الذين كانوا عبيده، وكان هذا ما يدخل السرور إلى نفسه. أما في داخل البيت فكانت هناك سيدةٌ صقلية عجوز، كانت تقوم بخدمة الرجل المُسِنِّ في عنايةٍ كريمة في ضيعته، بعيدًا عن المدينة؛ عندئذٍ خاطب أوديسيوس الخدَم وابنَه، قائلًا:

«هل لكم أن تدخلوا الآن إلى داخل البيت المكين البنيان، وتذبحوا في الحال خير الخنازير لأجل العشاء؟ أما أنا فسأختبر أبي، وأرى ما إذا كان سيتبيَّنني ويعرفني بالنظر، أم أنه لن يستطيع التعرُّف عليَّ؛ لأنني قد رحلت منذ مدةٍ طويلة جدًّا.»

ما إن قال هذا حتى أعطى العبدَين عُدَّته الحربية، فذهبوا بسرعة بعد ذلك إلى داخل المنزل. أما أوديسيوس فاقترب من حقل الكرم باحثًا عن بغيته. ولمَّا هبط إلى مزرعة الفواكه الكبيرة لم يجد دوليوس، ولا أي واحد من عبيده أو أبنائه، بل كانوا قد ذهبوا مصادفةً ليجمعوا أحجارًا يقيمون بها سور حقل الكرم، يقودُهم الرجل العجوز. وإنما وجد أباه بمفرده في حقل الكرم البديع التنسيق، يَحفِر حول نبتة، وكان مشتملًا بعباءةٍ قذرة، مرقَّعة ورثَّة، وقد ربط حول ساقَيه درعَين مصنوعتَين من جلود الثيران لتحمياه من الاحتكاك، ولبس قفازًا في يدَيه يدرأ عنه الأشواك وعلى رأسه قبعةٌ من جلد الماعز، منطويًا على أحزانه، فلما أبصره أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، منهكًا بالشيخوخة ومثقلًا بالحزن العميق في قلبه، وقف صامتًا تحت شجرة كُمَّثْرى عالية، وأخذ يذرف العبرات. بعد ذلك فكَّر في عقله وقلبه هل يُقبِّل والده ويعانقه، ويُخبره بكل شيء، كيف أنه عاد ووصل أخيرًا إلى وطنه، أم يستعلم منه أولًا، ويختبره في كل شيء. وبينما هو يأخذ ويردُّ في عقله، هداه التفكير إلى أن أحسن فكرة، هي أن يختبره أولًا بعبارات التهكم؛ وعلى ذلك انطلق أوديسيوس العظيم نحوه فورًا وهو يُفكِّر في ذلك الرأي. وكان الرجل حقًّا قد أحنى رأسه إلى أسفل، يَحفِر نبتة، فأقبل نحوه ابنه العظيم، وخاطبه بقوله:

«أيها العجوز، لستَ بحالٍ ما مفتقرًا إلى المهارة اللازمة لرعاية حديقة، كلا؛ فإن عنايتك بالحديقة لحسنة، وليس هناك أي شيءٍ قط، سواء أكان نبتة أو شجرة تين، أو كرمة، كلا، ولا زيتونة، أو كمثرى، أو أي عملٍ من أعمال الحدائق في الحقل كله تنقُصه الرعاية، ولكني سأقول لك أمرًا آخر، وأرجو أن تكتم غضبك في قلبك. إنك أنت نفسك لا تتمتع بالعناية الحسنة، ولكنك تحمل الشيخوخة المؤلمة، ومهما كان مظهرك قذرًا وثيابك غير مرتبة، وترتدي ملابسَ حقيرة، فحقًّا إن ذلك ليس مرده إلى أي كسلٍ من جانبك لأن سيدك لا يهتم بك، ومع ذلك فإنك لا تبدو بأية حالٍ أشبه بعبد حتى إنه لينظر إليك هذه النظرة، لا في الشكل ولا في القوام؛ بل تبدو أشبه بالملك، أشبه بالرجل الذي، إذا ما استحم وأكل، كان جديرًا به أن ينام نومًا رقيقًا؛ لأن هذه الطريقة التي تليق بالشيوخ، ولكن تعالَ، خبِّرني بهذا، واصدُقني القول في صراحة، في خدمة من أنت، ومزرعة كَرْم مَن هذه التي تقوم برعايتها؟ لأنني أرجو أن تُخبرني بهذا أيضًا والحقيقة، كي أعلم يقينًا، هل هذه البلدة هي إيثاكا حقيقة، تلك التي جئنا إليها الآن، كما أخبَرني بذلك رجلٌ هناك، قابلَني الآن فقط وأنا في طريقي إلى هنا. لا شك في أنه كان في غاية الذكاء والحرص؛ لأنه أبى أن يُخبرني عن كل شيء، أو أن يُصغي حتى إلى قولي عندما سألتُه عن صديق لي، هل ما زال على قيد الحياة أم أنه قضى نحبه وهو الآن في بيت هاديس؛ لأنني سأقص عليك هذا، وهل لك أن تلتفت وتُصغي إليَّ. ذات مرة استضفتُ في وطني العزيز رجلًا كان قد جاء إلى منزلنا، ولم يحدُث قط أن جاء رجل من الأغراب القاطنين في بلادٍ نائية ونزل ضيفًا على منزلي، وكان مُرحَّبًا به أكثر من ذلك الضيف. لقد أعلن لي أنه من حيث سلسلة النسب قد أقبل من إيثاكا، وقال إنه ابن لايرتيس، ابن أركايسيوس Arceisius؛ وعلى ذلك صحبتُه إلى منزلي وأكرمتُ وفادته ورحَّبتُ به غاية الترحيب وقدَّمتُ له من الخزين الوافر الذي كان بداخل داري، وأعطيتُه هدايا الصداقة، هدايا تليق به، فأعطيُته من الذهب المصنوع بمهارة سبع تالنتات، وطاسَ مزج كله من الفضة، مزينًا بالزهور، واثنتَي عشرة عباية مفردة الطيَّات، وأكبر عددٍ ممكن من الأغطية، وأكثر ما في مُكنتي من الأردية، وعددًا كبيرًا من الجلابيب أيضًا، وزيادةً على ذلك أعطيتُه من النساء الماهرات في الأعمال اليدوية الرائعة، أربع سيداتٍ فاتنات، كان هو نفسه قد اعتزم أن يختارهن.»

والد أوديسيوس يتحدث عن ابنه بالحزن والأسى

عندئذٍ أجابه أبوه، وهو يبكي، فقال: «أيها الغريب، حقًّا إنك قد جئتَ إلى البلد، الذي تقصده، لكنه الآن في حوزة أناسٍ لا هَمَّ لهم إلا ملذَّاتهم وطَيشهم. ولقد أعطيتَه تلك الهدايا بغير ما طائل، تلك الهدايا التي تفوقُ الحصر التي قدَّمتَها؛ لأنك إذا لم تَجدْه بعدُ حيًّا في بلاد إيثاكا، أكان يستطيع أن يُودِّعكَ وأنت راحلٌ بتعويضٍ عظيم من الهدايا والتكريم الحسن؟ لأن هذا واجبٌ لمن كان أسبق بالعمل الكريم، ولكن تعالَ، خبِّرني عن هذا، وأَعلنه لي بالصدق، كم عامًا مضى على إكرامك وفادة ذلك الضيف، الضيف المنحوس الطالع، ابني — إذ من المؤكد أنه كان يُوجد مثل هذا الرجل — ابني المنكود الحظ، الذي ربما تكون الأسماك قد ابتلعَتْه في أعماق اليم بعيدًا عن أهله، أو صار نهبًا على اليابسة للوحوش والطيور؟ كما أن أمه لم تُعِدَّه للدفن ولم تَبكِه، ولا أبوه أيضًا، نحن اللذَين أنجباه، كلا، ولا زوجته، التي غُوزلَت بالهدايا الكثيرة،١١ بينيلوبي الحازمة، استطاعت أن تبكي فوق نعش زوجها، عندما نلتقي، وهي تُغمِض عينَيه في موته، رغم أن هذا واجبٌ للميت. كذلك خبِّرني بهذا أيضًا في صدق، كي أعلم علم اليقين، من أنت من بين الرجال، ومن أين؟ وأين مدينتك وأين والدك؟ وأين ترسو السفينة السريعة التي أحضَرتكَ إلى هنا مع رفقائك أشباه الآلهة؟ أم أنكَ جئتَ كأحد ركَّاب سفينةٍ أخرى، وهل رحَلوا بعد أن تركوك فوق اليابسة؟»
figure
عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «إذن سأقول لك كل شيء في صراحة. لقد جئتُ من ألوباس Alybas،١٢ حيث أملك منزلًا عظيمًا، وإنني ابن أفايداس Apheidas، ابن السيد بولوبيمون Polypemon، أما اسمي فهو إبيريتوس Eperitus. بيد أن أحد الآلهة جرفَني من سيكانيا Sicanio لكي أجيء إلى هنا ضد رغبتي، وإن سفينَتي لراسيةٌ هناك على مسافةٍ طويلة من البَر المحروث بعيدًا عن المدينة. أما بخصوص أوديسيوس، فهذه هي السنة الخامسة منذ أن رحل من هناك، وغادر بلدي، فيا له من رجلٍ مسكين! ومع ذلك فقد كانت له طيور الفأل الحسَن، عندما سافر، طيورٌ كانت على يمينه؛ وعلى ذلك سُرِرتُ منها، وأنا أُودِّعه ليذهب في طريقه. وانصرف هو مبتهجًا، وأمل قلبانا في أن نلتقي فيما بعدُ كمضيفٍ وضيف، ويُعطي أحدنا الآخر هدايا مجيدة.»

أوديسيوس يُعانق أباه ويُريه علامة

هكذا تكلَّم، فأحاطت بلايرتيس سحابةٌ قاتمة من الحزن، وتناول التراب القاتم بكلتا يدَيه ونثره فوق رأسه الرمادي بأنينٍ لا يكُف؛ عندئذٍ ثارت ثائرة قلب أوديسيوس، وتصاعدَت في خياشيمه١٣ غصَّةٌ حادة، عندما أبصر أباه العزيز فوثَب نحوه، وطوَّقه بذراعيه، وقبَّله، قائلًا:

«لبَّيكَ، يا أبتاه، ها أنا ذا أمامك، أنا بنفسي، أنا ذلكَ الرجل الذي تسأل عنه. لقد جئتُ في السنة العشرين إلى وطني، وإنما أرجو أن تكُف عن الحزن والعويل الدامع؛ لأنني سأُخبرك بكل شيءٍ، بالرغم من كوني في مسيس الحاجة إلى الإسراع. لقد قتلتُ المغازلين في ساحاتنا، وثأرتُ لنفسي من وقاحتهم المحزنة وأعمالهم الشريرة.»

عندئذٍ رد عليه لايرتيس ثانيةً، فقال: «لو كنت حقًّا أنت أوديسيوس، ولدي، يا هذا الذي جئتَ إلى هنا، فأخبرني الآن بعلامةٍ واضحة حتى أكون على يقين.»

فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «هاكَ أثَر الجرح تراه بعينَيك أولًا، أثَر الجرح الذي أصابني به خنزيرٌ بري بنابه الأبيض فوق بارناسوس.» عندما ذهبتُ إلى هناك. لقد كنتَ أنتَ الذي أرسلتَني إلى هناك، أنتَ ووالدتي المبجَّلة، إلى أوتولوكوس Autolycus والد أمي، كي أُحضِر الهدايا التي وعَد وقَبِل أن يُعطينيها عندما قَدِم إلى هنا. وزيادةً على ذلك، سأُخبرك أيضًا عن عدد الأشجار التي في الحديقة المحكمة التنسيق التي أعطيتَنيها ذات يوم، عندما تبعتُك خلال الحديقة وأخذتُ أسألك عن هذا وذاك، وأنا لم أكن سوى طفل. لقد مررنا خلال تلك الأشجار عينها، فذكرتَ لي اسمها، وأخبرتَني عن كل شجرة منها. ثلاث عشرة شجرة كمَّثْرى أعطيتنيها، وعشر شجراتِ تفَّاح وأربعين شجرةَ تين. كما وعَدتَ أن تهبَني صفوفًا من الكروم أيضًا، وهي كما أقول، خمسون كَرمة، كانت تنضَج عدة مراتٍ في أوقاتٍ مختلفة — تحمل عناقيدَ من كل نوع — كلما أنزلَتْها من فوقُ فصولُ زوس.»١٤

لايرتبس يُغمى عليه من صدمة اللقاء

هكذا تكلَّم وارتخت رُكبتا أبيه في مكانه حيث كان يقف، وذاب قلبه، عندما عرف الأمارات الأكيدة التي أخبَره بها أوديسيوس، فألقى ساعدَيه حول ابنه العزيز، وأمسك به أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل إذ أُغمي عليه، فلما أفاق، وعادت روحه إلى صدره ثانية، تحدَّث إليه من جديد، وتكلَّم، قائلًا:

«أبتاه، زوس، حقًّا إنكم ما زلتم أيها الآلهة تُسيطرون على أوليمبوس الشامخ، لو أن المغازلين قد دفعوا بحقٍّ ثمنَ حماقتهم الطائشة. بيد أنه يتملَّكني الآن خوفٌ عجيب في قلبي، خشية أن ينقَضَّ علينا هنا في الحال رجال إيثاكا، ويبعثوا الرسل في كل مكانٍ إلى مدن الكيفالينيين.»

فأجابه أوديسيوس الواسع الحيلة، بقوله: «طب نفسًا ولا تشغل قلبك بهذه الأمور. والآن هلُم بنا إلى المنزل القريب من مزرعة الكرم، لأنني أرسلتُ تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير إلى هناك، كي يُعِدُّوا لنا الوليمة بمنتهى السرعة.»

هكذا كانا يتكلَّمان، وذهبا في طريقهما إلى المنزل العظيم، فلما بلغا المنزل الفخم، وجدا تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير يُقطِّعون لحمًا في كمياتٍ وفيرة، ويخلطون الخمر الصهباء.

أثينا تُضفي جمالًا وقوة على لايرتيس

وفي أثناء تلك الآونة غسلَت الخادمة الصقلية لايرتيس الجريء في منزله ودهنَته بالزيت، وألقت حول جسمه عبايةً بديعة. وعندئذٍ اقتربَت أثينا وضخَّمتْ أطراف راعي الشعب، وجعلَته يبدو للناظرين أطول وأقوى مما كان. وبعد ذلك خرج من الحمام، واستولَت الدهشة على ابنه العزيز؛ إذ رآه في حضرته أشبه بالآلهة الخالدين. فتكلَّم وخاطبه بكلماتٍ حماسية، قائلًا:

«أبتاه، لا بد أن أحد الآلهة الخالدين قد جعلكَ أبهى منظرًا للرائين في الجمال وفي القوام.»

فردَّ عليه لايرتيس الحكيم، وقال: «لم أتمنَّ، يا أبتاه زوس، ويا أثينا، ويا أبولُّو، أن أكون في مثل تلك القوة التي كانت لي عندما استوليتُ على نيريكوس Nericus، القلعة المكينة البنيان فوق شاطئ اليابسة، يوم أن كنتُ سيدًا على الكيفالينيين؛ فبتلك القوة كان يجب أن أقف إلى جانبكَ أمس في منزلنا مرتديًا حُلَّتي الحربية فوق كتفيَّ، وأُنزل الضربات بالمغازلين. هكذا كان لا بد لي أن أُرخي رُكب الكثيرين منهم في الساحات، وعندئذٍ كان لقلبك أن ينعم بالسرور في باطنك.»

أوديسيوس على مائدة العشاء مع أبيه

هكذا تحدَّث كلٌّ منهما إلى الآخر، فلما انتهى الآخرون من عملهم، وأعَدُّوا الوليمة، جلسوا في ترتيب فوق الكراسي والمقاعد الغالية. وما كادوا يمُدُّون أيديهم إلى الطعام، حتى اقترب دوليوس العجوز، ومعه أبناؤه، وقد أنهكَهم العمل في الحقول؛ لأن والدتهم، السيدة العجوز الصقلية، كانت قد خرجَت إليهم واستدعتهم، وهي التي تهتم بطعامهم وتقوم برعاية الرجل العجوز في عنايةٍ كريمة، وقد بلغ وقتئذٍ من الكبر عتيًّا، فما إن أبصر بأوديسيوس، وتبيَّنوه في أذهانهم، حتى وقفوا في الساحات مشدوهين عجبًا، بيد أن أوديسيوس خاطبهم بكلماتٍ رقيقة، فقال:

«تفضل بالجلوس إلى العشاء، أيها الرجل العجوز، وهل لك أن تنسى عجبك تمامًا؟ فقد انتظرنا مدةً طويلة في الساحات، رغم تلهُّفنا إلى مد أيدينا إلى الطعام، وبقينا هكذا في انتظار قدومك.»

دوليوس يُرحِّب بعودة أوديسيوس

هكذا قال، فانطلق دوليوس من فوره يعدو نحوه باسطًا يدَيه، وأمسك بيد أوديسيوس وقبَّلها من فوق رسغها، وتحدَّث إليه وخاطبه بكلماتٍ حماسية،١٥ فقال:

«أي سيدي العزيز، بما أنكَ قد عُدتَ إلينا، يا من كنا نشتاقك غاية الشوق، وما كنا نُفكِّر في أننا سنراك، والآلهة أنفسهم هم الذين جاءوا بك — فمرحبًا بك — وإنا لنُرحِّب بقدومك من كل قلوبنا، ونطلب من الآلهة أن تمنحك السعادة، ولكن خبِّرني بهذا بالصدق، كي أعلَمه حق العلم. هل تعرف بينيلوبي الحكيمة أكيدًا أنك قد عُدتَ إلى هنا، أم نبعث إليها برسول؟»

عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «إنها تعرف، أيها الرجل العجوز، ولماذا تشغل نفسك بهذا الأمر؟»

ما إن قال هذا، حتى جلس الآخر ثانية فوق الكرسي المصقول. وكذلك احتشَد أبناء دوليوس حول أوديسيوس المجيد ورحَّبوا به بالكلام، وصافحوه بالأيدي، ثم جلسوا في ترتيب، بجانب أبيهم، دوليوس.

رومور يعلن في المدينة مصير المغازلين الرهيب

وهكذا انهمكوا في طعامهم في الساحات، بيد أنه في نفس ذلك الوقت كان الرسول رومور Rumour، يطوف بسرعة خلال المدينة في جميع أنحائها، يُذيع نبأ الميتة الرهيبة ومصير المغازلين، فسمع الناس كلهم بالأمر في الحال، واحتشَدوا آتين من كل صوبٍ يبكون ويُولوِلون أمام قصر أوديسيوس. ومن داخل الساحات أحضَر كل واحدٍ منهم من مات له، ودفنوهم. أما أولئك القادمون من المدن الأخرى فأرسلوهم كل واحد إلى منزله، واضعين إياهم فوق ظهور سُفنٍ سريعة كي يحملهم البحَّارة، وأما هم أنفسهم فانطلَقوا سويًّا إلى مكان الاجتماع، محزوني الأفئدة، فلما احتشدوا والتقَوا معًا نهض يوبايثيس وتكلَّم في وسطهم؛ إذ حل في قلبه حزنٌ ثقيل مُمِض من أجل موت ابنه، أنتينوس، أول رجل صَرعَه أوديسيوس. فخطَب في حشدهم وهو يبكي ابنه، فقال:
«أصدقائي، حقًّا لقد حاك ذلك الرجل عملًا وحشيًّا ضد الآخيين؛ إذ قاد البعض في سُفنِه، رجالًا كثيرين وعظماء، وفقد سُفنَه الواسعة، كما فقد رجاله عن بكرة أبيهم، ثم إذا به من جديد يقتل آخرين عند عودته، وهؤلاء أفضل الكيفالينيين بمراحل. كلا، هيا بنا إذن، قبل أن يذهب الرجل بسرعة إلى بولوس أو إلى إليس العظيمة، حيث يسود الإيبيون Epeans، دعونا نخرج إليه؛ حتى لا يكون هذا عارًا يصمُنا باستمرارٍ طيلةَ الأيام المقبلة، فإذا لم ننتقم من قاتلي أبنائنا وإخوتنا، صار هذا عارًا على كل من سمع به من الرجال الموجودين. أما بالنسبة لي فلن أستسيغ الحياة بعد الآن، بل يجدُر بي أن أموت في الحال وأُصبح بين الموتى. كلا، هيا بنا نخرج إليهم، لئلا يكونوا أسرع منا، ويعبُروا البحر.»

ميدون يدلي بشهادةٍ طيبة

هكذا تكلَّم، وهو يبكي، فتَحركَت عاطفة الشفقة من جميع الآخيين. بعد ذلك اقترب منهم ميدون والمنشد المقدَّس آتيَين من ساحات أوديسيوس؛ لأن النوم كان قد حررهما، فاتخذا وقفتَيهما في الوسط، ودُهِش كل رجل؛ عندئذٍ تكلَّم ميدون، الحكيم القلب، في وسطهم، قائلًا:

«استمعوا إليَّ الآن، يا رجال إيثاكا، فالحق أن أوديسيوس لم يقُم بذلك العمل دون إرادة الآلهة الخالدين. كلا، لقد رأيتُ أنا نفسي إلهًا خالدًا وقف بجانب أوديسيوس، وكان يبدو في كل شيءٍ أشبه بمينتور، ولكنه كان أشبه بربٍّ خالد أمام أوديسيوس يظهر تارة، مُشجعًا إياه، وتارةً أخرى كان يثور عَبْر الساحة، يُطارِد المغازلين، فكانوا يسقطون بكثرة وفي سرعة.»

هاليثيرسيس يتهم رجال إيثاكا بالجبن

هكذا تكلَّم، وعندئذٍ استبد بهم جميعًا الخوف الشاحب. وبعد ذلك قام وسطهم السيد العجوز هاليثيرسيس Halitherses، ابن ماستور Mastor؛ إذ كان وحده يرى مقدمًا ومؤخرًا فخاطب جمعهم بنيةٍ حسنة، فقال:

«أصغوا إليَّ الآن، يا رجال إيثاكا، واستمعوا إلى الكلمة التي سأقولها. لقد تمَّت هذه الأعمال بسبب جبنكم أيها الأصدقاء؛ لأنكم أبيتم إطاعة أمري، وأمر مينتور راعي الشعب، فتُوقفوا أبناءكم عن حماقتهم. لقد اقترفوا عملًا وحشيًّا في عماهم وإثمهم الشرير، مُبدِّدين ثروة أمير وغير مُراعين حرمة زوجته؛ إذ اعتقدوا، أنه لن يعود بعد ذاك. إذن فليكن الأمر الآن هكذا؛ فأصغوا إليَّ، كما آمركم. هلُموا بنا ننصرف، لئلا يجد الكثيرُ منا أنه قد جلب المصيبة على نفسه.»

رجال إيثاكا يتسلَّحون بقيادة يوبايثيس

هكذا خاطبهم ولكنهم نهضوا يصيحون عاليًا، أكثر من نصف عددهم، أما الباقون فقد مكثوا معًا في أماكنهم؛ لأن كلامه لم يَرُق في نفوسهم، وإنما أصغَوا إلى كلام يوبايثيس، فانطلقوا بسرعة نحو أسلحتهم. وبعد أن تدثَّروا بالبرونز البراق، احتشدوا سويًّا أمام المدينة الفسيحة. وقادهم يوبايثيس في حماقته؛ إذ كان يفكر في أن يثأر لمقتل ابنه، غير أنه لم يكن ليعود هو نفسه، وإنما كان عليه أن يلقى حتفه هناك.

زوس يَعِد بمساعدة أوديسيوس حتى النهاية

أما أثينا فتحدَّثَت إلى زوس بن كرونوس، قائلة: «يا أبانا كلنا، يا ابن كرونوس، يا من تفُوق كافة الأسياد، خبِّرني، أي هدفٍ يُخبِّئه عقلكَ الآن في باطنك. هل تنتوي إشعال نار الحرب الشريرة ووطيس المعركة المفزع. أم ستقيم الصداقة بين الفريقَين؟»

عندئذٍ أجابها زوس، جامع السحب، فقال: «أي طفلتي، لِم تسألينني وتستعلمي عن هذا؟ ألم ترسمي بنفسك خطَّة انتقام أوديسيوس من أولئك الرجال عند مجيئه؟ افعلي ما يحلو لك، وسأُخبرك بما يليق. الآن وقد انتقم أوديسيوس العظيم من المغازلين. دعيهم يُقسِموا قسمًا مقدسًا، ولتجعليه ملكًا طوال أيامه، وأما نحن من جانبنا فلنُسبِل عليهم نسيان مقتل أبنائهم وإخوتهم؛ وانشُري الود والوئام بينهم كسابق عهدهم، وأَغدقي عليهم الثروة والسلام.»

ما إن قال هذا، حتى نهضَت أثينا، التي كانت بالغة الحماس، وانطلقَت هابطةً من مرتفعات أوليمبوس.

أوديسيوس يخرج لمقابلة المتسلحين

وما إن انتهَوا من الطعام العسلي المذاق، حتى كان أوديسيوس العظيم الكثير التحمل أول من تكلَّم وسط جماعته، قائلًا: «ليذهب أحدكم وينظر ما إذا كانوا يقتربون الآن.»

هكذا قال، فانطلق أحد أبناء دوليوس، كما أمر، فلما غادر المكان حتى وقف على العتبة، ورآهم جميعًا يقتربون، أسرع في الحال وقال لأوديسيوس في عباراتٍ حماسية: «ها هم أولاء يقتربون. أسرع، هلُموا نتسلَّح.»

ما إن قال هذا، حتى نهضوا وأعدُّوا أنفسهم في عُددهم الحربية. كان أوديسيوس ورجاله أربعة، وكان أبناء دوليوس ستة، وكان في وسطهم لايرتيس ودوليوس يرتديان حُلَّتَيْهما الحربيتَين، رغم أن رأسَيْهما كانا رماديين، هذان المحاربان القويان. وبعد أن حصَّنوا أجسامهم بالبرونز البَرَّاق، فتحوا الأبواب وخرجوا، يتقدَّمهم أوديسيوس.

تيليماخوس يَعِد أوديسيوس بكل عملٍ جريء

عندئذٍ اقتربَت أثينا ابنة زوس، منهم، في صورة مينتور شكلًا وصوتًا، فسُر لرؤياها أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل، وفي الحال كلَّم ابنه العزيز، تيليماخوس، قائلًا:

«أي تيليماخوس، ستعلم الآن هذا — وقد جئتَ بنفسكَ إلى مكان الوغى، حيث يُعجَم عود خيرة المحاربين — فلا تجلب العار على منزل آبائك؛ إذ كانت لنا اليد الطُّولى دائمًا في القوة والشجاعة على سائر البشر فوق ظهر الأرض.»

فأجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «ستجدني، إذا شئتَ، يا أبي العزيز، في حالتي الحاضرة، غير جلابٍ للعار على منزلك، كما تقول تمامًا.»

هكذا قال، وسُر لايرتيس، فتكلَّم، قائلًا: «أعظِم بهذا اليوم لي! أيتها الآلهة الطيبة، حقًّا إن السرور ليغمُر فؤادي؛ فإن ولدي وولد ولدي يتنافسان فيما بينهما على الجرأة.»

أثينا تظهر وأوديسيوس يهجُم على المقاتلين

فاقتربَت منه أثينا، ذات العينَين النجلاوَيْن، في تلك الأثناء، وقالت: «يا ابن أركايسيوس، يا أعز سائر أصدقائي، صَلِّ للعذراء المتألقة العينَين وإلى الأب زوس، وفي الحال ارفع إلى فوق رمحكَ الطويل، وأَطلِقه.»

هكذا تكلَّمتْ بالاس أثينا، ونفثَت فيه قوةً عظيمة، فصلى لايرتيس لابنة زوس العظيم، وفي الحال رفع رمحه الطويل عاليًا، وقذف به، فأصاب يوبايثيس خلال خوذته البرونزية الجانبَين، فلم يمنع البرونز مرور الرمح، بل اخترق البرونز الخوذة، فسقط محدثًا صوتًا، وجلجلَت حُلَّتُه الحربية من حوله. بعد ذلك هجم أوديسيوس وابنه المجيد على مقاتلي المقدمة، وأعملا فيهم الطعن بالسيوف والرماح المدبَّبة الأسنَّة. وكادا يُفنيانهم جميعًا، ويحرمانهم عودتهم، لولا أن أثينا ابنة زوس، حامل الترس، صاحت بصوتٍ جَهْوَري، وأوقفَت الجيش كله؛ إذ قالت:

«كُفُّوا، عن الحرب المفجعة، يا رجال إيثاكا، لكي تفترقوا بكل سرعة، دون إراقة دماء.»

السلام يسود أوديسيوس والمحاربين بأمر الآلهة

هكذا تكلَّمتْ أثينا، فاعتراهم خوفٌ شاحب. وإذ استبد بهم الذعر، طارت الأسلحة من أيديهم بعد ذلك وسقطَت كلها على الأرض، بمجرد أن أرسلَت الربة صوتها، فانطلَقوا متجهين شطر المدينة. توَّاقين إلى إنقاذ حياتهم.

وعندئذٍ صاح أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، بفظاعة، وبعد أن استجمع قواه انقَضَّ عليهم كأنه نسرٌ عالي الطيران، وفي تلك اللحظة قذف ابن كرونوس صاعقةً ملتهبة، فسقطَت أمام ابنة الرب العتيد، أثينا البَراقة العينَين، فتكلَّمتْ بعدئذٍ أثينا النجلاء العينَين تُخاطب أوديسيوس، قائلة:

«يا ابن لايرتيس، المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الواسع الحيلة، كُفَّ يدك، وأوقف نضال الحرب المتعادلة،١٦ لئلا يغضب منك ابن كرونوس، زوس، الذي يحمل صوته نائيًا.»

هكذا قالت أثينا فصدَع بأمرها، واغتبَط في قرارة فؤاده. وبعد ذلك عُقد الصلح والسلام الدائم بين الفريقَين بواسطة بالاس أثينا ابنة زوس، حامل الترس، وهي في صورة مينتور شكلًا وصوتًا.

١  ولد هيرميس في كهفٍ فوق جبل كوليني ولدًا كان يُسمَّى أحيانًا كولينيوس أو هيرميس الكوليني.
٢  ابن الملك بيليوس. كان أوَّل أبطال الحرب الطروادية.
٣  ابن مينويثيوس. قتل وهو صبي ابن أمنياداماس عفوًا فترك لوكريس وذهب إلى بيليوس في فثيا حيث نشأ مع أخيل فتولَّدتْ بينهما صداقةٌ كانت مضرب الأمثال.
٤  ابن نسطور. استطاع أن يُشهِر نفسه في الحرب الطروادية بما أبداه من شجاعة وسرعة ودهاء وجمال.
٥  هو أجاكس، ابن الملك تيلامون، ملك سلاميس، أحد القواد الإغريق الذين حاربوا في طروادة، وكان يلي أخيل في المرتبة. أتى بمعجزات هي آية في الشجاعة والقوة.
٦  الترجمة الحرفية: كل من يولد.
٧  الموسيات Muses.
٨  ربة البحر، قامت هيرا بتربيتها وتزوَّجتْ بيليوس الذي كان بشرًا، وصارت والدة أخيل العتيد.
٩  ابن أويبالوس ملك إسبرطة والحورية بانيا. طرده أخوه هيبوكون وهرب إلى ثيستيوس في أيوليا الذي زوَّجَه ابنته ليدا. أعاده هرقل فيما بعدُ إلى عرش إسبرطة فأنجبَت له ليدا كاستور وكلوتايمنيسترا، كما أنجبَت لزوس بولوكس وهيلينا.
١٠  يشير النص إلى كد العمل الذي حصَل به على تلك الأرض، ولكنا قد نفكِّر كذلك في جواز إعطاء تلك الضيعة إلى لايرتيس كنصيبه من الأسلاب، وفي هذه الحالة يكون المقصود هنا «كد الحرب».
١١  يجوز «التي قُدِّم لها صداقٌ باهظ»، ولكن البعض يعتبرها فقط «ضخمة» إذ إن اللفظ الإغريقي لم يُستعمل إلا في هذه الجملة فقط.
١٢  جميع أسماء الأعلام هنا خيالية ولكنها ذات معنًى هام، فيجوز أن يكون المقصود من «أليباس» هو «التجول» أو «الهذيان»، وهذان يشيران إلى تجوالات أوديسيوس ومحنه. ومعنى «أفيداس» هو «عديم الرحمة»، ومعنى «بولوبيمون» هو «الواسع الممتلكات»، ومعنى «إبيريتوس» هو «النضال». ومن الجلي أن هذه تُشيرُ إلى معنى اسم «أوديسيوس» وهو «رجل الغضب».
١٣  لقد افترض الجميع أن هذه العبارة تشير إلى الشعور الطبيعي الذي يسبق انهمار الدموع، ولكني أميل إلى اعتبار هذه الجملة دالة على الوجدان بأوسع معانيه. واقتُبس هذا التعبير من تمدُّد خياشيم الحصان أو الثور الهائج الغاضب.
١٤  أي تثقُل أغصانها بالثمر فتهبط إلى أسفل.
١٥  في الأصل: مجنحة.
١٦  قد يكون المقصود: «المبيدة».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤