حبر على ورق

يقولون لك: اكتب. وماذا تريدون أن نكتب؟ ومن يقيم وزنًا لما نكتب؟

تعوَّد الناس أن يقرءوا ما يكتب بالقلم العريض، فماذا يؤثر بهم الهمز والغمز؟ الجلود متمسحة، وهيهات أن تغرز الإبر فيها، فلا بد لها من المسلات.

كان والدي يوصي الفلاح حين يسلمه الفدان في أول الري ألا يكثر من النكز بالمساس ويقول له: اسمه مساس يا نعمه، ومن اسمه تعرف كيف تستعمله. الفدان الذي تنكزه دائمًا يتعود، وهناك البلاء.

أنا أعتقد أن كثرة الكتابة وخصوصًا تلك التي تكتب بالنبوت لا تؤثر بأحد، وخصوصًا في هذا الزمن الذي انهارت فيه المثل العليا وقل الحياء، ألا يسمون الكذاب داهية، والدجال سياسيًّا، والوصولي ألمعيًّا، والانتهازي عبقريًّا، والأنوف الأبي، حمارًا لا يعرف يعيش!

ماذا تريدون أن نكتب لمن يطمسون ما نسطر بكلمة عابرة؟ حكي جرائد؟ إن الذي كان يتوارى حياء إذا لاكت اسمه ألسنة الناس قلما تجده في هذه الأيام.

غفر الله ذنب ابن الوردي الذي جنى على العدالة حين قال:

إن نصف الناس أعداء لمن
ولي الأحكام هذا إن عدل

فأمسى يتمثل ببيته هذا كل مسيء ممن يلون الأحكام. أعرف واحدًا كان متهمًا في نزاهته، وقد رأيته في مساء يوم لهجت فيه الصحف بسوء، فقال يعتذر عن ذلك: إرضاء الناس صعب. المسيح لم يرض كل البشر، وما سلم من لسانهم، فكيف تطلب ذلك من هذا العبد الحقير.

فقلت له: ضميرك مرتاح؟

فقال: جدًّا.

فسكت.

فقال: ما بالك، يظهر أنك مصدق ما كتبوه عني.

فقلبت شفتي وهززت كتفي.

وفي صباح اليوم الثاني رأيته متصدرًا إحدى الحفلات وقد أقيمت تحت رعايته، فكالوا له المديح بالمد. كان مطمئنًّا جدًّا في تلك الجلسة ينظر وكأنه يتمثل بقول النواسي:

خير هذا بشر ذا
وإذا الله قد عفا

رحم الله ذلك الزمان، يوم كانوا يشهرون الساقطين من أعين الناس فيركب المفلس حمارًا، ويطاف به في شوارع المدينة في محفل مهيب. تمشي وراءه صبيان الأزقة ويحييه أصحاب الدكاكين بالبيض المذر، والبندورة المهترئة، والصرامي العتيقة. في تلك الأيام كان الرجل إذا مس اسمه هرول إلى المحاكم ليقيم دعوى الافتراء ليسلم شرفه الرفيع من الأذى. أما في هذه الأيام، فمن يطعن به يضحك ويهزأ، والذي تمدحه لا يبالي، فكأن الكلام أمسى لعبة أطفال ليس غير.

ومع ذلك يقولون لك: اكتب. وماذا تريدون أن أكتب؟ ولماذا أكتب؟ ألأعيش؟

إن صاحب النبوت أرفه مني حالًا. إنهم يحتاجون إليه حيث لا يغني عنه غيره، فيعلفونه ويظل معلوفًا موقوفًا ذلك اليوم.

والمقاس أحرى مني بالحظوة والالتفات لأنه يجالسهم ويهدر مالًا كما يهدرون، والماجن أقرب إليهم؛ لأنهم يرون فيه الجليس الأنيس.

الأديب، وما هو الأديب؟! أما قالوا قديمًا: أدركته حرفة الأدب. إننا في بلد، آخر الناس فيه رتبة، حامل القلم.

كنت عزمت على ألا أخوض هذه الغمرات لأنني لا أحسن السب والشتم ونحن في زمن لا يفهم ناسه إلا هذه اللغة، وأنا لا أحسنها. شعاري:

العبد يقرع بالعصا
والحر تكفيه الملامة

ولكن أحرار هذا الزمان تعودوا التقريع، فأية فائدة ترتجى من الكتابة. ولهذا جعلت عنواني الدائم (حبر على ورق). إحياء لذكر ذلك المجهول الذي قال هذا المثل، مثل: شهاب الدين وأخيه، ولا عجب فالحبر والورق أخوان.

إن الكلمة لا تصير جسدًا ما لم يتقمصها القارئ وتحل فيه، وإلا فإنها تظل حبرًا على ورق. وأين هذا القارئ من قارئ أمي يعتقد أنه فوق الأمة وعلى القمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤