الفصل الثلاثون

الأحداث النادرة

زرتُ إسرائيل عدة مرات خلال فترة كانت فيها التفجيرات الانتحارية في الحافلات منتشرة بشكل نسبي؛ وإن كانت بالطبع نادرة للغاية بصورة مطلقة. كان إجمالي عددها ٢٣ تفجيرًا وقعت ما بين ديسمبر ٢٠٠١ وسبتمبر ٢٠٠٤، أسفرت عن ٢٣٦ حالة وفاة. كان عدد ركاب الحافلات يوميًّا في إسرائيل حوالي ١٫٣ مليون راكب في ذلك الوقت. كانت المخاطر ضئيلة بالنسبة لأي راكب، ولكن لم يكن هذا هو شعور العامة تجاه الأمر. فكان الناس يتجنبون الحافلات قدر استطاعتهم، وكان العديد من الركاب يقضون وقتهم على متن الحافلة في تفحص من يجاورونهم في الحافلة في قلق؛ بحثًا عن أمتعة أو ملابس ضخمة قد تخفي بين طياتها قنبلة.

لم تتح لي فرص كثيرة للتنقل بواسطة الحافلات؛ إذ كنت أقود سيارة مستأجرة، ولكنني انزعجت حين اكتشفت أن سلوكي قد تأثر أيضًا بذلك؛ فقد وجدت أنني لا أحب التوقف بجوار حافلة في الإشارات الحمراء، وكنت أبتعد بالسيارة بسرعة أكبر من المعتاد حين يتغير لون الإشارة. شعرت بالخجل من نفسي؛ لأنني بالطبع كنت أعرف أكثر؛ فقد كنت أعرف أن الخطورة كانت فعلًا طفيفة، وأن أي تأثير على تصرفاتي من شأنه أن يضفي «وزن قرار» مبالغًا فيه لاحتمال محدود. في الواقع، كنت أكثر عرضة للإصابة في حادث سيارة مقارنة بالتوقف بالقرب من حافلة. ولكن تجنبي للحافلات لم يكن مدفوعًا بقلق منطقي من أجل البقاء. لقد كان دافعي في ذلك هو خبرة اللحظة: فقد كان التواجد بجوار حافلة يجعلني أفكر في القنابل، وتلك الأفكار لم تكن بالأفكار السارة. لقد كنت أتجنب الحافلات؛ لأنني أردت التفكير في شيء آخر.

تبين تجربتي هذه كيفية تأثير الإرهاب، ولما هو مؤثر إلى هذا الحد: فهو يثير تتابعًا من الأحداث؛ فتصبح صورة ذهنية واضحة للغاية للموت والدمار حاضرة بشكل كبير، تعزَّز باستمرار بالاهتمام الإعلامي والحوارات المتواصلة، خاصة إذا صاحبها موقف معين مثل رؤية حافلة. فالإثارة الانفعالية ترابطية، وتلقائية، وخارجة عن السيطرة، وتخلق دافعًا لاتخاذ إجراء وقائي. قد «يعرف» النظام ٢ أن الاحتمال ضعيف، ولكن هذه المعرفة لا تقضي على حالة الانزعاج ذاتية التولد والرغبة في تجنبها. فالنظام ١ لا يمكن إيقافه عن العمل. والانفعال ليس متناسبًا مع الاحتمال، إلى جانب أنه لا يتسم بأي حساسية تجاه المستوى الدقيق للاحتمال. هب أن تحذيرًا قد صدر لمدينتين من وجود مفجرين انتحاريين بهما. يتم إبلاغ سكان إحدى المدينتين أن مفجرَين انتحاريين اثنين يتأهبان للهجوم، فيما يتم إبلاغ سكان المدينة الأخرى بوجود مفجر انتحاري واحد. إن الخطر الذي يواجه سكان إحدى المدينتين أقل بمقدار النصف، ولكن هل يشعرون بمزيد من الأمان؟

•••

تقوم الكثير من المحال في نيويورك ببيع تذاكر اليانصيب، وحجم العمل لا بأس به. إن سيكولوجية مسابقات يانصيب الجائزة الكبرى مشابه لسيكولوجية الإرهاب؛ فالمجتمع يتقاسم الاحتمالية المثيرة للفوز بالجائزة الكبرى، وتعزَّز هذه الاحتمالية بالحوارات الدائرة في العمل وفي المنزل. وشراء تذكرة يانصيب يكافأ فورًا بالخيالات السارة التي يثيرها، مثلما كان تجنب الحافلة يكافأ في الحال بالتخلص من مشاعر الخوف. وفي كلتا الحالتين، لا يكون للاحتمال الفعلي أهمية؛ فما يهم فقط هو الإمكانية. لقد كان التنظير الأصلي لنظرية التوقع يشمل الحجة القائلة بأن «الأحداث بعيدة الاحتمال إما يتم تجاهلها أو يبالغ في تقديرها»، ولكنها لم تحدد الظروف التي سيقع تحتها حدث أو آخر، إلى جانب أنها لم تقدم تفسيرًا سيكولوجيًّا له. وقد تأثرت رؤيتي الحالية لأوزان القرارات بشكل قوي بالأبحاث الأخيرة عن دور الانفعالات والوضوح في صنع القرارات. إن جذور المبالغة في تقدير النتائج المستبعد راسخة في سمات النظام ١، والتي أصبحت الآن معلومة. فالعاطفة والوضوح يؤثران على انسيابية وإتاحة الاحتمال والأحكام الخاصة به؛ ومن ثم يقدمان تفسيرًا للاستجابة المفرطة للأحداث القليلة النادرة التي لا نتجاهلها.

المبالغة في التقييم والمبالغة في التقدير

ماذا سيكون حكمك لاحتمالية أن الرئيس القادم للولايات المتحدة سيكون مرشحًا من حزب ثالث؟

كم ستدفع مقابل رهان تحصل فيه على ١٠٠٠ دولار إذا كان الرئيس القادم للولايات المتحدة مرشحًا من حزب ثالث، فيما لا تحصل على أي نقود إذا كان غير ذلك؟

إن السؤالين مختلفان، ولكنهما مترابطان بشكل واضح. فالسؤال الأول يطلب منك أن تقيم احتمالية وقوع حدث مستبعد. أما الثاني، فيدعوك لتخصيص وزن قرار لنفس الحدث، بوضع رهان عليه.

كيف يصنع الناس أحكامهم؟ وكيف يحددون أوزان قراراتهم؟ سنبدأ من إجابتين بسيطتين، ثم نمضي في تعديلهما. إليك الإجابات المبالغ في تبسيطها:
  • يبالغ الناس في تقييم احتمالية وقوع الأحداث المستبعدة.

  • يبالغ الناس في تقدير أهمية الأحداث المستبعدة في قراراتهم.

على الرغم من أن المبالغة في التقييم والمبالغة في التقدير ظاهرتان متمايزتان، فإن الآليات السيكولوجية الداخلة في كلتيهما واحدة: الانتباه المركز، والتحيز التأكيدي، واليسر الإدراكي.

ثمة توصيفات معينة تثير الآلية الترابطية للنظام ١. فحين فكرت بشأن الانتصار المستبعد لمرشح من حزب ثالث، عمل النظام الترابطي بطريقته التأكيدية المعتادة، مستعيدًا على نحو انتقائي الأدلة والأمثلة والصور الذهنية، التي من شأنها أن تجعل الجملة صحيحة. لقد كانت العملية انحيازية، ولكنها لم تكن تدريبًا على الخيال. فقد كنت تبحث عن سيناريو منطقي يتوافق مع قيود الواقع، ولم تتخيل ببساطة أن جنيَّة من الغرب تنصب رئيسًا من حزب ثالث. لقد كان حكمك على الاحتمال محددًا بشكل جوهري باليسر الإدراكي أو الانسيابية، التي تَبادَر بها إلى العقل سيناريو منطقيٌّ.

لكنك لا تركز دومًا على الحدث الذي يطلب منك تقييمه. فإذا كان الحدث المستهدف مستبعدًا للغاية، فإنك تركز على بديله. تأمل هذا المثال:

ما احتمال أن يتم صرف مولود وُلد في المستشفى المحلي بمنطقتك خلال ثلاثة أيام؟

لقد طلب منك تقييم احتمالية عودة الطفل إلى المنزل، ولكنك ركزت بشكل شبه مؤكد على الأحداث التي قد تؤدي إلى «عدم» صرف الطفل خلال الفترة الطبيعية. فعقولنا لديها قدرة مفيدة على التركيز بشكل عفوي فوري على أي شيء غريب أو مختلف أو غير مألوف. وسرعان ما تدرك أنه من الطبيعي للأطفال في الولايات المتحدة (علمًا بأن ليس جميع الدول لديها نفس المعايير) أن يتم إخراجهم خلال يومين أو ثلاثة أيام من الولادة، ومن ثم تحول انتباهك إلى البديل غير الطبيعي. وهكذا يصبح الحدث المستبعد محل التركيز. ومن المحتمل أن تثار عملية استدلال التوفر: أن يكون حكمك على الأرجح محكومًا بعدد سيناريوهات المشاكل الطبية التي صنعتها وبالسهولة التي خطرت بها على عقلك. ونظرًا لأنك كنت في نطاق النظام التأكيدي، فهناك احتمال كبير أن تقييمك لمدى تكرار المشكلات كان عاليًا أكثر من اللازم.

وأغلب الظن أن المبالغة في تقييم حدث نادر يظهر حين يكون البديل غير محدد بشكل تام. ومثالي المفضل في هذا الشأن يأتي من دراسة أجراها عالم النفس كريج فوكس بينما كان طالبًا لدى عاموس. استعان فوكس في تجربته بمشجعي كرة السلة الاحترافية، واستخلص بعض الأحكام والقرارات فيما يتعلق بالفريق الفائز في المباريات الفاصلة لدوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين، وطلب منهم، على وجه الخصوص، أن يقيِّموا مدى احتمالية فوز كل فريق من الفرق الثمانية المشاركة بالمباراة الفاصلة؛ وكان فوز كل فريق بالتناوب هو الحدث محل التركيز.

يمكنك أن تخمن ما حدث بالتأكيد، ولكن حجم التأثير الذي لاحظه فوكس هو ما قد يفاجئك. تخيل مشجعًا طُلب منه تقييم فرص فوز شيكاجو بولز بالبطولة. إن الحدث محل التركيز محدد بشكل جيد، ولكن بديله — وهو فوز أحد الفرق السبعة الأخرى — غير محدد وأقل إثارة للذكريات والمشاعر. فذاكرة المشجع وخياله، اللذان يعملان في إطار النظام التأكيدي، يحاولان بناء انتصار للبولز. حين يطلب من نفس الشخص بعد ذلك تقييم فرص فريق ليكرز، سوف يعمل نفس التنشيط الانتقائي لصالح هذا الفريق. إن فرق كرة السلة الثمانية الكبرى المحترفة في الولايات المتحدة جيدة للغاية، ومن الممكن أن تتخيل حتى فريقًا ضعيفًا نسبيًّا يبرز بينها كبطل. والنتيجة: بلغ مجموع أحكام الاحتمالية التي تم تكوينها تباعًا للفرق الثمانية ٢٤٠٪! هذا النمط غير منطقي بالطبع؛ لأن مجموع فرص الأحداث الثمانية «لا بد» أن يبلغ ١٠٠٪. وقد اختفت اللامنطقية حين سئل نفس الحكام عما إذا كان الفائز سيكون من القسم الغربي أم من القسم الشرقي. فقد كان الحدث محل التركيز وبديله على نفس الدرجة من التحديد في هذا السؤال وبلغ مجموع الأحكام الخاصة بالاحتمالات ١٠٠٪.

ولتقييم أوزان القرار، دعا فوكس مشجعي كرة السلة أيضًا للرهان على نتيجة البطولة؛ فرصدوا مقابلًا نقديًّا لكل رهان (مبلغًا نقديًّا كان على نفس القدر من الإغراء مثل لعب الرهان). كان الفوز بالرهان سيدرُّ عائدًا قيمته ١٦٠ دولارًا. كان مجموع المقابل النقدي للفرق الثمانية ٢٧٨ دولارًا. وكان المشارك العادي الذي يراهن على الفرق الثمانية جميعًا سيضمن خسارة قدرها ١٢٧ دولارًا! كان المشاركون يعرفون بالتأكيد أن هناك ثمانية فرق في البطولة، وأن متوسط العائد للرهان عليها جميعًا لا يمكن أن يتجاوز ١٦٠ دولارًا، ولكنهم رغم ذلك بالغوا في تقديرها. ولم يغالِ المشجعون في تقدير احتمالية الأحداث التي ركزوا عليها فحسب، بل كانوا على استعداد مفرط للرهان عليها جميعًا.

ألقت هذه النتائج ضوءًا جديدًا على مغالطة التخطيط ومظاهر التفاؤل الأخرى. فالتنفيذ الناجح لأي خطة يكون محددًا وسهل التخيل حين يحاول أحدهم التنبؤ بنتيجة مشروع ما. نجد في المقابل أن بديل الفشل غير محدد؛ نظرًا لوجود طرق لا حصر لها لسير الأمور في اتجاه خاطئ. ورجال الأعمال والمستثمرون الذين يقيمون احتمالات نجاحهم معرضون، على حد سواء، للمبالغة في تقييم فرصهم والمغالاة في تقدير حجم تقديراتهم.

النتائج الواضحة

تختلف نظرية التوقع، كما رأينا، عن نظرية المنفعة في العلاقة التي تطرحها بين الاحتمالية ووزن القرار. ففي نظرية المنفعة، تكون الاحتمالات وأوزان القرارات واحدة؛ إذ يكون وزن القرار لشيء مضمون هو ١٠٠، والوزن الموازي لاحتمال بنسبة ٩٠٪ هو ٩٠ بالضبط، أي أكبر ﺑ ٩ مرات من وزن القرار لاحتمال نسبته ١٠٪. أما في نظرية التوقع، يكون لتنوعات الاحتمالية تأثير أقل على أوزان القرارات. فقد أثبتت تجربة كنت قد ذكرتها من قبل أن وزن القرار لاحتمال قدره ٩٠٪ يساوي ٧١٫٢، ووزن القرار لاحتمال قدره ١٠٪ يساوي ١٨٫٦. كانت النسبة بين الاحتمالات تساوي ٩٫٠، ولكن النسبة بين أوزان القرارات تساوي ٣٫٨٣ فقط، مما يشير إلى حساسية غير كافية تجاه الاحتمالية في هذا النطاق. ويعتمد وزن القرار في كلتا النظريتين على الاحتمالية فقط، وليس على النتيجة. وتتنبأ كلتا النظريتين بأن وزن القرار بالنسبة لاحتمال نسبته ٩٠٪ هو نفسه بالنسبة لاحتمالية الفوز ﺑ ١٠٠ دولار، أو تلقي باقة من الورود، أو تلقي صدمة كهربائية. وقد اتضح أن هذا التنبؤ النظري خاطئ.

قام علماء النفس بجامعة شيكاجو بنشر مقال يحمل عنوانًا جذابًا: «المال، والقبلات، والصدمات الكهربائية: عن السيكولوجية العاطفية للمخاطرة». كانت النتيجة التي توصلوا إليها هي أن تقييم المراهنات كان أقل حساسية للاحتمالية عندما كانت النتائج (الصورية) عاطفية («مقابلة نجمك السينمائي المفضل وتقبيله»، أو «تلقي صدمة كهربائية مؤلمة ولكن ليست خطيرة») مما كان عليه عندما كانت النتائج متمثلة في مكاسب أو خسائر نقدية. ولم يكن هذا استنتاجًا منفصلًا؛ فقد وجد باحثون آخرون، باستخدام قياسات فسيولوجية مثل معدل ضربات القلب، أن الخوف من صدمة كهربائية وشيكة لم يكن متلازمًا بالضرورة مع احتمالية تلقي الصدمة. فقد كانت مجرد إمكانية تلقي صدمة كفيلة بإثارة استجابة الخوف الكاملة. وقد اقترح فريق علماء شيكاجو أن «الصور الذهنية المحملة بالعواطف» طغت على الاستجابة للاحتمالية. وبعد عشر سنوات، تحدى فريق من علماء النفس ببرينستون ذلك الاستنتاج.

جادل فريق برينستون بأن انخفاض الحساسية تجاه الاحتمالية الذي لوحظ بالنسبة للنتائج العاطفية طبيعي. والمراهنات على المال هي الاستثناء. فالحساسية تجاه الاحتمالية مرتفعة نسبيًّا بالنسبة لهذه المراهنات؛ نظرًا لأن لها قيمة متوقعة محددة.

ما المبلغ النقدي الذي يساوي في إغرائه كل واحدة من هذه المراهنات؟
(أ) احتمال بنسبة ٨٤٪ للفوز ﺑ ٥٩ دولارًا.
(ب) احتمال بنسبة ٨٤٪ للحصول على باقة من الورود الحمراء في مزهرية زجاجية.

ماذا تلاحظ؟ الفارق الواضح هو أن السؤال (أ) أسهل كثيرًا من السؤال (ب). إنك لم تتوقف لحساب القيمة المتوقعة للرهان، ولكنك على الأرجح أدركت سريعًا أنها ليست بعيدة عن ٥٠ دولارًا (في الواقع هي ٤٩٫٥٦ دولارًا)، وكان التقدير المبهم كافيًا لتوفير نقطة دعم مفيدة، بينما تبحث عن هدية نقدية مغرية بالقدر نفسه. ومثل هذه النقطة غير متاحة للسؤال (ب)، وهو ما يجعله أصعب كثيرًا في الإجابة عنه. كذلك قام المشاركون بتقييم المعادل النقدي للمراهنات مع وجود احتمال بنسبة ٢١٪ للفوز بالنتيجتين. وكما هو متوقع، كان الفارق بين المراهنات ذات الاحتمالية المنخفضة والمراهنات ذات الاحتمالية العالية أكثر جلاءً بكثير بالنسبة للمال مقارنة بالورود.

ولتعزيز حجتهم بأن انعدام الحساسية تجاه الاحتمالية ليس بسبب العاطفة، قارن فريق برينستون الاستعداد للدفع مقابل تجنب المراهنات:

احتمال بنسبة ٢١٪ (أو احتمال بنسبة ٨٤٪) لقضاء إحدى الإجازات الأسبوعية في طلاء شقة أحدهم ذات الثلاث غرف.

احتمال بنسبة ٢١٪ (أو احتمال بنسبة ٨٤٪) لتنظيف ثلاث مقصورات في حمام غرفة مشتركة بعد استخدامه في عطلة نهاية الأسبوع.

لا شك أن النتيجة الثانية أكثر عاطفية بكثير من الأولى، ولكن أوزان القرار للنتيجتين لم تختلف. فمن الواضح أن حدة العاطفة ليست هي الإجابة.

ثمة تجربة أخرى أسفرت عن نتيجة مذهلة؛ فقد تلقى المشاركون معلومات صريحة عن السعر إلى جانب الوصف اللفظي للجائزة. ومن الممكن أن نضرب مثالًا على ذلك على النحو التالي:

احتمال بنسبة ٨٤٪ للفوز بباقة من الورود الحمراء في مزهرية زجاجية بقيمة ٥٩ دولارًا.

احتمال بنسبة ٢١٪ للفوز بباقة من الورود الحمراء في مزهرية زجاجية بقيمة ٥٩ دولارًا.

من السهل تقييم القيمة النقدية المتوقعة لهذه المراهنات، ولكن إضافة قيمة نقدية معينة لم يغير النتائج: فقد ظلت التقييمات غير حساسة تجاه الاحتمالية حتى في تلك الحالة. ولم يستخدم الأشخاص الذين نظروا للهدية كفرصة للحصول على الورود معلومات السعر كنقطة دعم في تقييم المراهنة. وكما يقول العلماء أحيانًا، تعد هذه نتيجة مذهلة تحاول أن تخبرنا بشيء. فما القصة التي تحاول أن تخبرنا بها؟

القصة في اعتقادي هي أن تجسيدًا ثريًّا وواضحًا للنتيجة، سواء أكان عاطفيًّا أم لا، من شأنه أن يحد من دور الاحتمالية في تقييم احتمال غير مؤكد. وتشير هذه الفرضية إلى تنبؤ أثق بصحته ثقة عالية بشكل معقول؛ ألا وهو: إضافة تفاصيل غير ذات صلة ولكنها واضحة لنتيجة نقدية من شأنه أيضًا أن يربك الحسابات. قارن مقابلك النقدي للنتائج التالية:

احتمال بنسبة ٢١٪ لتلقي ٥٩ دولارًا يوم الاثنين القادم.

احتمال بنسبة ٢١٪ (أو ٨٤٪) لتلقي مظروف أزرق كبير من الورق المقوى يحتوي على ٥٩ دولارًا صباح الاثنين القادم.

تتمثل الفرضية الجديدة في أنه سيكون هناك حساسية أقل تجاه الاحتمالية في الحالة الثانية؛ لأن المظروف الأزرق يستدعي تجسيدًا أكثر ثراء وانسيابية من المفهوم المجرد لمبلغ من المال. لقد قمت بإنشاء الحدث في عقلك، والصورة الذهنية الواضحة للنتيجة توجد هناك، حتى وإن كنت تعرف أن احتماليتها ضعيفة. ويساهم اليسر الإدراكي في تأثير اليقين أيضًا: فحين تحمل صورة ذهنية واضحة لحدث ما، يكون تجسيد إمكانية عدم حدوثه واضحًا وقويًّا أيضًا، وتكون هناك مبالغة في تقدير حجمها. والمزج بين تأثير إمكانية معزز وتأثير يقين معزز يترك مساحة قليلة لتغير أوزان القرار بين فرصتي اﻟ ٢١٪ واﻟ ٨٤٪.

الاحتمالات الواضحة

تحظى فكرة مساهمة الانسيابية والوضوح وسهولة التخيل في أوزان القرار بالدعم من العديد من الملاحظات الكثيرة الأخرى. في تجربة معروفة، يُمنح المشاركون اختيار سحب كرة من واحدة من جرتين، يفوز فيها صاحب الكرات الحمراء بجائزة:
الجرة (أ) تحتوي على ١٠ كرات من بينها واحدة حمراء.
الجرة (ب) تحتوي على ١٠٠ كرة ومن بينها ٨ حمراء.

أي جرة ستختار؟ إن فرص الفوز تبلغ ١٠٪ في الجرة (أ) و٨٪ في الجرة (ب)، ومن ثم سيكون اتخاذ الاختيار الصحيح أمرًا سهلًا، ولكنه ليس كذلك: فحوالي ٣٠ إلى ٤٠٪ من الطلاب يختارون الجرة التي تحتوى على «العدد» الأكبر من الكرات الفائزة، وليس الجرة التي توفر فرصة أفضل لفوز. وقد ذهب سيمور إبشتاين إلى أن النتائج تبين المعالجة السطحية المميزة للنظام ١ (الذي يطلق عليه النظام التجريبي).

وكما قد تتوقع، جذبت الاختيارات الحمقاء التي يتخذها الأفراد في هذا الموقف انتباه العديد من الباحثين. ومُنح الانحياز عدة أسماء؛ وسوف أطلق عليه «تجاهل المقام»، مثلما أطلق عليه بول سلوفيك. فإذا كان انتباهك موجهًا للكرات الفائزة، فإنك لا تقيم عدد الكرات غير الفائزة بنفس الاهتمام. وتساهم الصور الذهنية الحية الواضحة في ظهور تجاهل المقام، على الأقل مثلما أرى أنا. فحين أفكر في الجرة الصغيرة، أرى كرة واحدة حمراء على خلفية مبهمة التحديد من الكرات البيضاء. وحين أفكر في الجرة الأكبر، أرى ثماني كرات حمراء فائزة على خلفية ضبابية من الكرات البيضاء، وهو ما يخلق شعورًا أكثر تشجيعًا. فالحيوية المميزة للكرات الفائزة يزيد وزن القرار لذلك الحدث، مما يعزز تأثير الإمكانية. وبالطبع سيسري الأمر نفسه على تأثير اليقين. فإذا كان لدي فرصة ٩٠٪ للفوز بجائزة ما، فسوف يكون الحدث المتمثل في عدم الفوز أكثر جلاء إذا كانت ١٠ من ١٠٠ كرة «خاسرة» مما لو كانت واحدة من ١٠ كرات تسفر عن نفس النتيجة.

تساعد فكرة تجاهل المقام على تفسير سبب اختلاف الطرق المتباينة للتعبير عن المخاطر في تأثيراتها بشكل بالغ. قرأت أن «لقاحًا يقي الأطفال من مرض قاتل يحمل خطر التسبب في إعاقة مستديمة بنسبة ٠٫٠٠١٪.» يبدو الخطر محدودًا. الآن تأمل وصفًا آخر لنفس الخطورة: «واحد من كل ١٠٠٠٠٠ طفل يتم تلقيحه سوف يصاب بإعاقة مستديمة.» إن العبارة الثانية تفعل شيئًا لعقلك لا تفعله العبارة الأولى: فهي تستدعي صورة طفل يصاب بإعاقة دائمة بسبب اللقاح؛ ومن ثم تتلاشى صورة اﻟ ٩٩٩٩٩٩ طفلًا الذين تم تلقيحهم بأمان في الخلفية. وبحسب التكهن المنبثق من تجاهل المقام، فإن الأحداث ذات الاحتمالية المنخفضة يكون لها ثقل أعلى بكثير عند وصفها في إطار التواترات النسبية (عدد المرات) مما تكون عندما يتم التعبير عنها بالمصطلحات المجردة مثل «فرص»، أو «خطورة»، أو «احتمالية». وكما رأينا، فإن النظام ١ أفضل في التعامل مع الأشخاص عن الفئات.

وتأثير صيغة التواتر كبير؛ ففي إحدى الدراسات، حكم الأشخاص الذين رأوا معلومات عن «مرض يقتل ١٢٨٦ شخصًا من كل ١٠٠٠٠ شخص» بأنه مرض أكثر خطورة من الأشخاص الذين أُخبروا عن «مرض يقتل ٢٤٫١٤٪ من السكان». فالمرض الأول يبدو أكثر تهديدًا من الثاني، على الرغم من أن حجم الخطر الأول يعادل نصف الخطر الأخير! وفي تجاهل أوضح لتجاهل المقام، اعتُبر أن «مرضًا يقتل ١٢٨٦ شخصًا من كل ١٠٠٠٠» أكثر خطورة من مرض «يقتل ٢٤٫٤ من كل ١٠٠ شخص». لا شك أن التأثير كان سيقل أو يُقضى عليه لو أن المشاركين قد طُلب منهم مقارنة مباشرة للصيغتين، وهي مهمة تتطلب استخدام النظام ٢. غير أن الحياة عادة ما تقيم فيها الخيارات على نحو منفصل، ومن ثم فأنت ترى فيها صيغة واحدة فقط في المرة الواحدة. والأمر يتطلب أن يكون النظام ٢ في حالة من النشاط الاستثنائي لتكوين صيغ بديلة للصيغة التي تراها واكتشاف أنها تثير استجابة مختلفة.

ولا يملك علماء وأطباء النفس الشرعيون المحنكون حصانة ضد تأثيرات الصيغة التي يعبَّر بها عن المخاطر. ففي إحدى التجارب، قام متخصصون بتقييم ما إذا كان من الأمان أن يتم صرف مريض من مستشفى للأمراض النفسية يدعى السيد جونز وهو له تاريخ مع العنف، وشملت المعلومات التي تلقوها تقرير أحد الخبراء عن خطورة ذلك. وتم التعبير عن نفس الإحصاءات بطريقتين:

تقدَّر نسبة ارتكاب أعمال عنف ضد الآخرين للمرضى المشابهين لحالة السيد جونز بنحو ١٠٪ خلال الأشهر العديدة التالية على خروجهم من المستشفى.

من بين كل ١٠٠ مريض يشبهون حالة السيد جونز، هناك تقدير أن يقوم ١٠ منهم بأعمال عنف ضد الآخرين خلال الأشهر العديدة التالية على خروجهم من المستشفى.

كان المتخصصون الذين رأوا صيغة التواتر أكثر ميلًا بمقدار الضعف لرفض الخروج (بنسبة ٤١٪ مقارنة ﺑ ٢١٪ في صيغة الاحتمالية). فالوصف الأكثر اتضاحا يثمر عن وزن قرار أعلى لنفس الاحتمالية.

تخلق قوة الصيغة فرصًا للتلاعب، ويعرف الأشخاص ممن لديهم رأي قوي يريدون فرضه كيف يستغلونها. ويستشهد سلوفيك وزملاؤه بمقال يقول إن «حوالي ١٠٠٠ حادث انتحار يرتكب سنويًّا في شتى أنحاء البلاد من قبل أفراد يعانون اضطرابًا عقليًّا خطيرًا لا يتناولون أدويتهم.» ثمة طريقة أخرى للتعبير عن نفس الحقيقة وهي أن «١٠٠٠ من ٢٧٣٠٠٠٠٠٠ أمريكي سوف يموتون بهذه الطريقة كل عام.» وهناك طريقة أخرى هي: «الاحتمالية السنوية للتعرض للقتل على يد أحد هؤلاء الأفراد حوالي ٠٫٠٠٠٣٦٪.» وطريقة أخرى: «١٠٠٠ أمريكي يموتون بهذه الطريقة كل عام، أو أقل من واحد على ثلاثين من عدد من سيموتون جراء الانتحار، وحوالي ربع عدد من سيموتون جراء الإصابة بسرطان الحنجرة.» ويشير سولفيك إلى أن «هؤلاء الدعاة صرحاء بشأن دافعهم نحو قول ذلك: فهم «يريدون» إثارة خوف العامة من العنف من قبل الأشخاص المصابين باضطراب عقلي، على أمل أن يترجم هذا الخوف إلى زيادة في تمويل خدمات الصحة العقلية.»

إن محاميًا ماهرًا يرغب في التشكيك في تحليل الحمض النووي كدليل لن يخبر هيئة المحلفين أن «احتمال خطأ التطابق هو ٠٫١٪». فالعبارة التي تقول إن «التطابق الخاطئ يحدث في ١ من ١٠٠٠ من قضايا الإعدام» تكون أوفر حظًّا في تجاوز عتبة الشك المنطقي. فالمحلفون الذين يسمعون هذه الكلمات إنما يُدفَعون إلى تكوين صورة الرجل الجالس أمامهم في قاعة المحكمة وقد اتهم ظلمًا؛ بسبب الدليل الخاطئ من تحليل الحمض النووي المعيب. وبالطبع سوف يفضل ممثل الادعاء الإطار الأكثر تجريدًا؛ على أمل ملء عقول المحلفين بالفواصل العشرية.

اتخاذ قرارات من انطباعات عامة

تشير الدلائل إلى أن الفرضية القائلة بأن الانتباه البؤري والبروز يسهمان في كل من المغالاة في تقييم الأحداث المستبعدة والمغالاة في تقدير حجم النتائج المستبعدة. ويعزَّز البروز بمجرد ذكر حدث ما ووضوحه والصيغة التي توصف بها الاحتمالية. بالطبع يوجد استثناءات لا يعمل فيها التركيز على حدث ما على رفع احتماليته: في الحالات التي تجعل فيها نظرية مغلوطة حدثًا ما يبدو مستحيلًا حتى عندما تفكر به، أو الحالات التي يؤدي فيها عدم القدرة على تخيل الكيفية التي قد تتحقق بها نتيجة ما إلى الاقتناع بأنها لن تحدث. والانحياز نحو المغالاة في التقييم والمغالاة في التقدير ليس قاعدة مطلقة، ولكنه كبير وقوي.

في السنوات الأخيرة كان هناك قدر كبير من الاهتمام بدراسات «الاختيار بناء على التجربة»، والتي تتبع قواعد مختلفة من دراسات «الاختيارات بناء على الوصف»، التي تم تحليلها في نظرية التوقع. يواجه المشاركون في تجربة نمطية الاختيار ما بين زرَّين، عند الضغط عليهما يخرج كل منهما إما جائزة نقدية أو لا شيء، ويتم سحب النتيجة بشكل عشوائي وفقًا لمواصفات احتمال ما. (على سبيل المثال، «احتمال بنسبة ٥٪ للفوز ﺑ ١٢ دولارًا»، أو «احتمال بنسبة ٩٥٪ للفوز بدولار واحد».) والعملية عشوائية بالفعل، ومن ثم لا يوجد ضمان أن العينة التي يراها أي مشارك تجسد البنية الإحصائية تمامًا. والقيمتان المتوقعتان المرتبطتان بالزرين متساويتان تقريبًا، ولكن هناك واحدة أكثر خطورة (لكونها أكثر تقلبًا) من الأخرى. (على سبيل المثال، قد يخرج أحد الزرين ١٠ دولارات في ٥٪ من المحاولات، ويخرج الآخر دولارًا واحدًا في ٥٠٪ من المحاولات.) ويتم تطبيق الاختيار بناء على التجربة من خلال تعريض المشترك لعدة محاولات يستطيع خلالها ملاحظة عواقب الضغط على زر أو آخر. وفي المحاولة الحاسمة، يختار المشترك واحدًا من الزرين، ويحصل على النتيجة التي تسفر عنها تلك المحاولة. أما الاختيار بناء على الوصف، فيُدرك من خلال إطلاع عينة البحث على الوصف اللفظي للاحتمال الخطر المرتبط بكل زر (مثل «احتمال ٥٪ للفوز ﺑ ١٢ دولارًا») وتوجيهها لاختيار أحدهما. وكما هو متوقع من نظرية التوقع، يفرز الاختيار من خلال التجربة تأثيرًا إمكانيًّا؛ إذ تكون هناك مبالغة في تقدير حجم النتائج النادرة بالنسبة لاحتمالية حدوثها. وفي تناقض حاد، لا تتم ملاحظة المبالغة في التقدير في الاختيار من خلال التجربة، فيما يشيع التقليل من قدرها.

إن الهدف من الموقف التجريبي للاختيار عن طريق التجربة هو تجسيد العديد من المواقف التي نتعرض فيها لنتائج متغيرة من نفس المصدر. فالمطعم الذي يقدم عادة طعامًا جيدًا قد يقدم من حين إلى آخر طعامًا رائعًا أو بشعًا. وقد يكون صديقك رفيقًا جيدًا في العادة، ولكنه أحيانًا ما يتحول إلى شخص متقلب المزاج وعدواني. ولاية كاليفورنيا معرضة للزلازل، ولكنها قلما تحدث. وتشير نتائج العديد من التجارب إلى أن الأحداث النادرة لا يُغالى في تقدير حجمها عند اتخاذنا لقرارات مثل اختيار مطعم أو إحكام إغلاق المرجل بهدف تقليل ما سيحدثه الزلزال من دمار.

لم يتم حسم تفسير الاختيار بناء على التجربة بعد، ولكن هناك اتفاقًا عامًّا على سبب أساسي للتقليل من تقدير حجم الأحداث النادرة، في كل من التجارب والعالم الواقعي؛ ألا وهو أن العديد من المشاركين لا يواجهون الحدث النادر مطلقًا! فمعظم سكان كاليفورنيا لم يعاصروا زلزالًا كبيرًا، وفي عام ٢٠٠٧ لم يواجه أي مصرفي أزمة مالية مدمرة على المستوى الشخصي. ويشير رالف هيرتفيج وإيدو إيريف إلى أن «احتمالات وقوع الحدث النادر (مثل انفجار فقاعات الإسكان) تحظى بتأثير أقل مما تستحق وفقًا لاحتمالاتها الموضوعية.» ويشيران إلى الاستجابة الفاترة للعامة تجاه التهديدات البيئية طويلة المدى كمثال.

إن هذه الأمثلة على التجاهل والإهمال مهمة ويسهل شرحها على حد سواء، ولكن التقليل من حجم الحدث يظهر أيضًا عندما يتعرض الأشخاص للحدث النادر بشكل فعلي. هب أن لديك سؤالًا معقدًا من الممكن أن يجيب عنه زميلان لك تعرفهما منذ سنوات، وأتيحت لك عدة مناسبات لملاحظة واختبار شخصيتيهما. تتسم آديل بالتفكير المتسق إلى حد ما وهي خدومة بشكل عام، وإن لم يكن على نحو استثنائي على هذا الصعيد. أما براين، فليس على نفس القدر من الود والنفع مثل آديل لمعظم الوقت، ولكنه في بعض الأحيان كان يجود بالوقت والنصح بشكل كبير. أيهما ستتعامل معه؟

تأمل رؤيتين محتملتين لهذا القرار:
  • إنه اختيار بين رهانين. آديل أقرب لشيء مضمون؛ أما الاحتمال الخاص ببراين أكثر ميلًا لإفراز نتيجة أدنى قليلًا، مع انخفاض احتمالية أن تكون النتيجة جيدة تمامًا. ومن ثم سوف يبالَغ في تقدير حجم الحدث النادر بفعل تأثير الإمكانية، مما يصب في صالح براين.

  • إنه اختيار بين انطباعيك العامين عن آديل وبراين. وما اكتسبته من خبرات جيدة وسيئة مجمعة في تجسيدك لسلوكهما الطبيعي. وما لم يكن الحدث النادر بالغ القوة للحد الذي يجعله يتبادر إلى الذهن بشكل منفصل (وجه براين إهانة لفظية ذات مرة لزميل طلب مساعدته)، ينحاز معيار الاختيار للمواقف النمطية والحديثة، مما يصب في صالح آديل.

في عقل يتكون من نظامين، يبدو التأويل الثاني أكثر معقولية إلى حد بعيد. فالنظام ١ يولد تجسيدات عامة لآديل وبراين، والتي تشمل توجهًا عاطفيًّا وميلًا للاقتراب أو التجنب. ولا حاجة لشيء أكثر من مقارنة لهذه الميول لتحديد الباب الذي ستطرقه. وما لم يتبادر الحدث النادر إلى ذهنك بشكل واضح وصريح، لن يبالغ في تقديره. وتطبيق نفس الفكرة على تجارب الاختيار بناء على التجربة أمر مباشر. ومع ملاحظة الزرين وهما يولدان نتائج على مدار الوقت، فإنهما يكونان «شخصيات» متكاملة ترتبط بها الاستجابات العاطفية.

صار هناك الآن فهم أفضل للظروف التي يتم في ظلها تجاهل الأحداث النادرة أو المغالاة في تقديرها عن ذي قبل عندما كانت نظرية التوقع في طور التكوين. إن احتمالية وقوع أي حدث نادر (غالبًا وليس دائمًا) سوف يغالى في تقييمها؛ نظرًا للانحياز التأكيدي للذاكرة. فمن خلال تفكيرك في ذلك الحدث، إنما تحاول أن تجعله حقيقيًّا في عقلك. وسوف يغالى في تقدير حجم الحدث النادر إذا كان يجذب الانتباه بشكل خاص. والانتباه المستقل يكون مضمونًا على نحو فعال حين توصف الاحتمالات على نحو واضح. («احتمال بنسبة ٩٩٪ للفوز ﺑ ١٠٠٠ دولار، واحتمال بنسبة ١٪ للفوز بلا شيء».) والمخاوف الاستحواذية (كمثال الحافلة في القدس)، والصور الذهنية الواضحة والحية (الورود)، والتجسيدات المادية (١ من ١٠٠٠)، ووسائل التذكير الصريحة (كما في الاختيار بناء على الوصف)؛ تساهم جميعها في المبالغة في التقدير. فحين يتعلق الأمر بالاحتماليات النادرة، فإن عقولنا ليست مصممة لاستيعاب الأمور على نحو صحيح. وتلك أنباء غير سارة لسكان أي كوكب قد يتعرضون لأحداث لم يواجهها أحد بعد.

في الحديث عن الأحداث النادرة

«موجات تسونامي نادرة الحدوث حتى في اليابان، ولكن الصورة الذهنية واضحة ومقنعة لدرجة تجبر السائحين على المغالاة في تقييم احتماليتها.»

«إنها دورة الكوارث المألوفة. تبدأ بالمبالغة والمغالاة في تقدير حجم الأمور، ثم يبدأ التجاهل في الظهور.»

«يجب ألا نركز على سيناريو واحد، وإلا سوف نبالغ في تقييم احتماليته. لنضع بدائل محددة ونجعل مجموع الاحتمالات يصل إلى ١٠٠٪.»

«إنهم يريدون أن يشعر الناس بالقلق إزاء الخطر المحتمل. وهذا ما يجعلهم يعبرون عنه بأنه وفاة واحدة لكل ١٠٠٠. إنهم يعتمدون على مبدأ تجاهل المقام.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤