الشاعر الوصاف

أيها السادة

نحدثكم الليلة عن الوصف في أشعار الشريف، ونبدأ فنحكم بأنه خليق بأن يسمى (الشاعر الوصّاف)، وإنما سارعنا إلى هذا الحكم؛ لأن الشريف مظلوم من هذه الناحية: فما قال أحد من القدماء أو المحدثين بأنه كان من الوصافين، وليس معنى هذا أنهم أنكروا عليه القدرة على الوصف، ولكن لم يتفق لإحدى قصائده أن تظفر بشهرة وصفية، فالمتنبي له قصيدة مشهورة في وصف الأسد، والبحتري له قصيدة مشهورة في وصف إيوان كسرى، وأبو تمام له قصيدة مشهورة في وصف الربيع، وشوقي له قصيدة مشهورة في وصف «أنس الوجود» أشهر القصور في التاريخ.

لم يقل أحد بأن الشريف كان من الوصافين، وتجاهل هذه الناحية يشهد بأن النقاد لم يعرفوا هذا الشاعر كما كان يجب أن يعرف.

فلنحاول نحن إنصافه، ولنكشف عن عبقريته في هذا الباب.

ونسارع فنقرر أن الشريف لم يصف الخمر، وكان وصف الخمر من أهم الفنون عند شعراء العراق.

فما السبب في ذلك؟

لا موجب للمداورة، فالشريف لم يكن يرى من الوقار أن يتبذل في وصف الخمر والسقاة كما فعل غيره من الشعراء؛ لأنه كان يرشح نفسه لأعظم المناصب الدينية.

وربما جاز أن نحكم بأنه لم ير الخمر رأي العين.

وهذا الحكم يبدو غريبًا، ولكن يسهل تصوره حين نذكركم بابن الفارض الذي شغل الناس بقصائده الخمريات، فمدينة القاهرة لعهد ابن الفارض لم تكن تعرف الخمر، والبيئة التي نشأ بها ابن الفارض لم تكن تعرف إلا أن الخمر شراب حرام، ومع ذلك وصفها الشاعر وأجاد الوصف كما اتفق لأحد الشعراء العميان أن يجيد وصف الحروب، وقد رأيت في بغداد ناسًا يعرفون تخطيط القاهرة ولم يروها، وإنما تمثلوا خططها بالسماع عن طريق الجرائد والمجلات.١

وما أنكر أن العراق يكاد يكون أقدم شعب عرف الخمر في التاريخ، ولكن الخمر كانت مع ذلك متاعًا يجهله الجمهور في العراق، وإسراف أبي نواس في وصف الخمر هو الشاهد على أنها كانت قليلة الوجود، ولولا قلتها لما أمكن أن يتهالك عليها كل ذلك التهالك، وأن يفتن بها ذلك الفتون، وفرنسا التي تشرب الخمر في كل وقت، ولا يكاد أهلها يعرفون طعم الماء، فرنسا هذه لم ينبغ فيها شاعر يصف الخمر على نحو ما نبغ أبو نواس، وكان ذلك لأن الناس يقل غرامهم بما يملكون.

فإن كنتم في ريب من ذلك فانظروا قول السريّ الرفّاء شاعر الموصل، وهو الذي يقول في استهداء النبيذ:

يا من أنامله كالعارض الساري
وفعله أبدًا عار من العار
أما ترى الثلج قد خاطت أنامله
ثوبًا يزرّ على الدنيا بأزرار
نار ولكنها ليست بمبدية
نورًا وماء ولكن ليس بالجاري
والراح قد أعوزتنا في صبيحتنا
بيعًا ولو وزن دينار بدينار
فامنن بما شئت من راح تكون لنا
نارًا فإنا بلا راح ولا نار

فهذا الشعر يشهد بندرة الخمر في تلك العهود.

وانظروا أيضًا قول السلاميّ:

أرسلت أشكو إليكم غدوة ظمأي
وما شككت بأني سوف أغتبق
فقد كتبت إلى أن خانني قلمي
وقد ترددت حتى ملني الطرق
أنت امرؤ جوده غمر ونائله
همر ووبل نداه مسبل غدق
فابعث إليّ بصفو الراح يشبهه
مني قريضي ومنك العرف والخلق

وقد لاحظت مثل هذه الملاحظة في كتاب «النثر الفني» حين تكلمت عن أبي الفرج الببغاء.

قد تقولون: هؤلاء شعراء يستجدون!

وأجيب بأن الشعراء لا يستجدون إلا حين لا يجدون.

كانت الخمر في العراق قليلة جدًّا، بدليل اللهفة الظاهرة في كلام الشعراء، وما عرفها الشريف فيما أفترض، وإن كان صرح بأنه عرفها في هذا البيت الحزين:

ويمنعني المدام طروق همي
فما يحظى بها إلا نديمي

وهو قد وصف الخمر بالفعل، ولكنه نص في الديوان على أنه سئل وصفها على لسان بعض الناس فقال:

اسقني فاليوم نشوان
والربى صاد وريّان
كفلت باللهو وافية
لك نايات وعيدان
جاز٢ وفد الريح فالتطمت
منه أوراق وأغصان
كل فرع مال جانبه
فكان الأصل سكران
وكأن الغصن مكتسيًا
من رياض الطل عريان
كلما قبّلت زهرتها
خلت أن القطر غيران
ومقيل بين أخبية
قلته والحيّ قد كانوا
في أصيحاب مفارشهم
ثم أنقاء وكثبان
عسكرت فيها السحاب كما
حطّ بالبيداء ركبان
فارتشفنا ريق سارية
حيث كل الأرض غدران
فاسقني فالوصل يألفني
إن يوم البين قرحان
غير سمعي للملام إذا
ضج ساجي الصوت مرنان
رب بدر بت ألثمه
صاحيًا والبدر نشوان
قدت خيل اللثم أصرفها
حيث ذاك الخد ميدان
لي غدير من مقبّله
ومن الصدغين بستان
وندامى كالنجوم سطوا
بالمنى والدهر جذلان
كم تخلت عن ضمائرهم
ثم ألباب وأذهان
خطروا والخمر تنفضهم
وذيول القوم أردان
كل عقل ضاع من يقظ
فهو في الكاسات حيران
إنما ضلت عقولهم
حيث يعييهن وجدان
فاختلس طعن الزمان بها
إنما الأيام أقران

وهي قصيدة تظهر فيها الرشاقة وخفة الروح، ولكن أين هي من خمريات الفاجر أبي نواس؟!

وسئل مرة ثانية وصف الخمر فقال:

راح يجول٣ شعاعها
بين الضمائر والعقول
فكأنها في كأسها
والليل منسحب الذيول
ماء الهجير مرقرقًا
في سرة الظل الظليل

وهي أبيات ظريفة جدًّا، وقد تجمّل فيها تجمل النبلاء.

ويصح أن نذكركم بما قضينا به يوم درسنا غراميات الشريف، فقد قلنا أنه وقف عند المعاني الوجدانية، ولم يشغل نفسه بوصف الجوانب الحسية إلا قليلًا.

وكذلك فعل حين وصف الصهباء.

•••

كان الشريف شاعرًا وصّافًا، ولكن أين الشواهد؟

حدثوا أنه سئل وصف فرخ حمامة فقال:

لحبّ إليّ بالدهناء ملقى
لأيدي العيس واضعة الرحال٤
مناخ مطلّحين تقاذفتهم
غريب الحاج والهمم العوالي٥
أراحوا فوق أعضاد المطايا
قد افترشوا زرابيَّ الرمال٦
فبين ممضمض بالنوم ذوقًا
وبين مقيَّد بعرى الكلال
إلى أن روّعَ الظلماء فتق
أغر كجلحة الرجل البجال٧
فقاموا يرتقون على ذراها
سلاليم المعالق والجبال
وأرقني دعاء الوُرق فيها
على جرح قريب الاندمال
تذكرني بسالفة الليالي
وسالفة الغزالة والغزال
وأيام الشباب مساعفات
جمعن لنا وأيام الوصال
كأنفاس الشمول كرعت فيها
على ظمأ وأنفاس الشمال
أقول لها وقد رنَّت مراحًا
لبالك يا حمامة غير بالي٨
تباعد بيننا من قيل شاكٍ
تعلَّق بالغرام وقيل سالي
تريع إلى درادق عاطلات
وهن بعيد آونة حوالي٩
لها صنع يطول على طلاها
قلائد لا تفصَّل باللآلي١٠
عوار لا تزال الدهر حتى
تجملها بريط غير بال
وكل أزيرق قصرت خطاه
كشيخ الحيِّ طأطأ للعوالي
مراحك قبل طارقة المنايا
وقبل مرد عادية الليالي١١

وهذه القصيدة تمثل مذهب الشريف في الوصف أصدق تمثيل، فهي في الأصل نظمت في وصفت فرخ الحمام، ولكن فرخ الحمام مع ذلك جاء فرعًا، ولم يجئ أصلًا، فقد شغل الشاعر نفسه بوصف مناخ العيس وحولها الركب الطليح، وشاءت له الشاعرية أن يصف ذلك المنظر أجمل وصف، فلما وصل إلى فرخ الحمام لم يشغل نفسه بوصفه إلا قليلًا.

وهنا نجد الأدلة التي تساعد على الحكم بالقول الفصل، فالشريف شاعر وصاف، ولكن الوصف عنده لا يقع إلا عن طريق الاستطراد.

وقد حدثناكم منذ أشهر يوم تكلمنا عن العلا والمعالي في قصائد الشريف أن جامع الديوان عنون إحدى قصائده بوصف الأسد، ثم أريناكم أنه ما وصف الأسد، وإنما وصف نفسه، أعني أنه شبه نفسه بالأسد، فساقه ذلك إلى وصف الأسد عن طريق الاستطراد.

وأنتم تذكرون أنه قال:

سيرعب القوم مني سطو ذي لبد
له بعثر أعراس وولدان
لا يطعم الطعم إلا من فريسته
إن يعدم القرن يومًا فهو طيان
ماشي الرفاق يراعي أين مسقطهم
والسمع منتصب والقلب يقظان

إلى آخر الوصف.

وكذلك يفعل الشريف في أكثر الأوصاف، فمن أراد أن يعرف قدرته الوصفية فليتابعه حيث استطرد، فهنالك قدرته على التصوير والتلوين.

ومن شواهد ذلك قصيدته البائية في وصف الركب، ركب الحجيج، وما كانت القصيدة نظمت لوصف الركب، ولكن الشاعر استطرد فقال:

ثمانون من ليل التمام نجوبها
رفيقين تكسونا الدياجي ثيابها
نؤم بكعب العامري نجومها
إذا ما نظرناها انتظرنا غيابها
تقوم أيدي اليعملات وراءه
ونعدل منها أين أومارقابها١٢
كأنا أنابيب القناة يؤمها
سنان مضى قدمًا فامضى كعابها
كذئب الغضا أبصرته عند مطمع
إذا هبط البيداء شم ترابها
بعين ابن ليل١٣ لا تداوي من القذى
يريب أقاصي ركبه ما أرابها
تراه قبوعًا بين شرخي رحاله
كذروبة ضموا عليها نصابها١٤
فمن حلة نجتابها وقبيلة
نمر بها مستنبحين كلابها
ومن دار أحباب نبلّ طلولها
بماء الأماقي أو نحيي جنابها
ومن رفقة نجدية بدوية
تفاوضنا أشجانها واكتئابها
ونذكرها الأشواق حتى تحنّها
وتعدي بأطراف الحنين ركابها
إذا ما تحدّى الشوق يومًا قلوبنا
عرضنا له أنفاسنا والتهابها
وملنا على الأكوار طربي كأنما
رأينا العراق أو نزلنا قبابها
نشاق إلى أوطاننا وتعوقنا
زيادات سير ما حسبنا حسابها
وكم ليلة بتنا نكابد هولها
ونمزق حصباها إذا الغمر هابها
وقد نصلت أنضاؤنا من ظلامها
نصول بنان الخود تنضو خضابها
وهاجرة تلقي شرار وقودها
على الركب أنعلنا المطي ظرابها
إذا ما طلتنا بعد ظمأ بمائها
وعجّ الظوامي أوردتنا سرابها
تمنى الرفاق الورد والريق ناضب
فلا ريق إلا الشمس تلقي لعابها

ففي هذه القصيدة وصف الشاعر القافلة ووصف الدليل أجمل وصف، وكان السياق يوجب أن تكون القصيدة في التودد إلى فيقه في السفر، وهو ابن أبي الزمان.

أحب — أيها السادة — أن تذكروا هذه الحقيقة التي استكشفناها بطول الدرس، وهي أن الوصف عند الشريف يقع غالبًا على طريق الاستطراد، فإن ذكرتم هذه الحقيقة لم يصعب عليكم استقراء ما عنده من جيد الأوصاف.

وقد أشرنا إلى أنه وصف الأسد عن طريق الاستطراد، فهل تظنون أن ذلك وقع مرة واحدة؟ لا، فهناك شاهد ثان:

بني عامر ما العز إلا لقادر
على السيف لا تخطو إليه المظالم
ضجيج الهوينا يغلب الخصم رأيه
وأكبر سلطان الرجال الخصائم
أرى إبل العوام تحدي على الطوى
وتأكل حوذان الطريق المناسم
وتظما على الإغذاذ أشداق خيله
وتشرب من أفواههن الشكائم
يحاول أمرًا يرمق الموت دونه
لقد زل عنه ما تروم المراوم
أقام يرى شم النسيم غنيمة
ولا بدّ يومًا أن ترد الغنائم
وتعجبه غر البروق يشيمها
سراعًا إذا مرت عليها الغمائم
ولي بين أخفاف المراسيل حاجة
ستصحب والأيام بيض نواعم
تحاربني في كل شرق ومغرب
وأكبر ظني أنها لا تسالم
أقول إذا سالت مع الليل رفقة
تقاذفها حتى الصباح المخارم
دعي جنبات الوادبين فدونها
أشم طويل الساعدين بوارم
إذا هم لم تقعد به عزماته
وإن ثار لا تعيا عليه المطاعم
كأن على شدقيه ثغرًا وراءه
ذوابل من أنيابه وصوارم
فما جذب الأقران منه فريسة
ولا عاد يومًا أنفه وهو راغم
يرى راكب الظلماء في مستقره
وتستن منه في العرين الغمائم
نمرّ وراء الليل نكتمه السرى
وقد فضحتنا بالبغام الرواسم
له كل يوم غارة في عدوه
تشاركه فيها النسور القشاعم
كأن المنايا إن توسد باعه
تيقظ في أنيابه وهو نائم
وما الليث إلا من يدل بنفسه
ويمضي إذا ما بادهته العظائم
وما كل ليث يغنم القوم زاده
إذا خفقت تحت الظلام الضراغم

فهذه القصيدة نظمت في الأصل لعرض غير وصف الأسد، ثم جاء وصف الأسد عن طريق الاستطراد، ولكن أي وصف؟ يكفي أنه قال:

كأن المنايا إن توسد باعه
تيقظ في أنيابه وهو نائم

وكذلك فعل في قصيدة:

وذي ضغن معسولة كلماته
ومسمومة تترى إلى القلب نبله

فهي قصيدة قالها في محاربة بعض الأعداء، ولكنه استطرد إلى وصف الأسد فأجاد، ويكفي أنه قال:

قليل ادخار الزاد يعلم أنه
متى ما يعاين مطعمًا فهو أكله

وفي مثل ما صنع في وصف الأسد صنع في وصف الحية:

نبهت مني يا أبا الغيداق
أصم لا يسمع صوت الراقي

وهي قصيدة رآها جامع الديوان في وصف الحية فعنونها بذلك، وهي حقيقة في وصف الحية، وإن كانت وقعت على طريق التشبيه، ولكن جامع الديوان نسي أن الشريف استطرد فوصف قصائد الهجاء أخطر وصف إذ قال:

أهدفت للإرعاد والإبراق
نصب مسيل العارض البعّاق
ترقع عرضًا منك ذا انخراق
كما رفدت النعل بالطراق
حذار من مذروبة ذلاق
ترفع عنك جانب الرواق
هواجمًا مقطوعة الرباق
حتى على الآذان والإحداق
تنتزع الأصول بالأعراق
يلجأ بها الحر إلى الإباق
أعقدها مواضع الأطواق
لها على الأعناق وسم باق

إلى آخر القصيدة، وقد وصفت فيها الأهاجي بأخطر مما وصفت به الحية.

أيها السادة

ذلكم قولنا في الوصف عند الشريف، ومنه ترون أن الوصف له عنده خصائص قد تباين ما عند غيره من سائر الشعراء.

وقد يمزج بين الوصف والرثاء، كقوله في وصف الحيرة، وبكاء ملوكها السالفين من آل المنذر بن ماء السماء:

أين بانوك أيها الحيرة البيـ
ـضاء والموطئون منك الديارا
والألى شققوا ثراك من العشـ
ـب وأجروا خلالك الأنهارا
المهيبون بالضيوف إذا هبـّ
ـت شمالًا والموقدون النارا
كلما باخ ضوءها أقضموها
بالقبيبات مندليا وغارا
ربطوا حولك الجياد وخطوا
لك من مركز العوالي عذارا
وحموا أرضك الحوافر حتى
لقبوا أرضها خدود العذارى
لم يدع منك حادث الدهر إلا
عبرًا للعيون واستعبارا
وبقايا من دارسات طلول
خبرتنا عن أهلها الأخبارا
عبقات الثرى كأن عليها
لطميين ينفضون العطارا
وقباب كأنما رفعوا منـ
ـها لمسترشد الظلام منارا
عقدوا بينها وبين نجوم الأفق
من سالف الليالي جوارا
أين عقبانك الخواطف حلقن
وأبقين عندك الأوكارا
ورجال مثل الأسود مشوا فيـ
ـك تداعوا قوائمًا وشفارا
حبذا أهلك المحلون أهلا
يوم بانوا وحبذا الدار دارا
لم يكونوا إلا كركب تأنى
برهة في مناخه ثم دارا

وما أظنكم تحتاجون إلى من يرشدكم إلى جوانب الدقة والروعة في هذا القصيد.

وقد مر بالحيرة مرة ثانية؛ فراعه بلاؤها بالزمان، وجاش صدره بهذا القصيد:

ما زلت أطّرق المنازل بالنوى
حتى نزلت منازل النعمان
بالحيرة البيضاء حيث تقابلت
شمّ العماد عريضة الأعطان
شهدت بفضل الرافعين قبابها
ويبين بالبنيان فضل الباني
ما ينفع الماضين أن بقيت لهم
خطط معمّرة بعمر فاني
باق بها حظ العيون وإنما
لا حدّ فيها اليوم للآذان١٥
وعرفت بين بيوت آل محرق
مأوى القرى ومواقد النيران
ومناط ما اعتقلوا من البيض الظبا
ومجر ما سحبوا من المرّان
ورأيت مرتبط السوابق للمها
ومعاقل الآساد للذؤبان١٦
الهاجمين على الملوك قبابهم
والضاربين معاقد التيجان
وكأن يوم الأذن يبرز منهم
أسد الشرى وأساود الغيطان
ولقد رأيت بدير هند منزلًا
ألمًا من الضراء والحدثان
أغضى كمستمع الهوان تغيبت
أنصاره وخلا من الأعوان١٧
بالي المعالم أطرقت شرفاته
إطراق منجذب القرينة عان١٨
أو كالوفود رأوا سماط خليفة
فرموا على الأعناق بالأذقان
وذكرت مسحبها الرياط بجوّه
من قبل بيع زمانها بزمان
أمقاصر الغزلان غيّرك البلى
حتى غدوت مرابض الغزلان١٩
وملاعب الأنس الجميع طوى الردى
منهم فصرت ملاعب الجنّان
من كل دار تستظل رواقها
أدماء غانية عن الجيران
ولقد تكون محلة وقرارة
لأغر من ولد الملوك هجان
يطأ الفرات فناءها بعبابه
ولها السلافة منه والروقان
ووقفت أسأل بعضها عن بعضها
وتجيبني عبر بغير لسان
قدحت زفيري فاعتصرت مدامعي
لو لم يؤل جزعي إلى السلوان
ترقا الدموع ويرعوي جزع الفتى
وينام بعد تفرق الأقران٢٠
مسكية النفحات تحسب تربها
برد الخليج معطر الأردان
وكأنما نشر التجار لطيمة
جرت الرياح بها على العقيان
ماء كجيب الدرع تصقله الصّبا
ونقأ يدرّجه النسيم الواني
حلل الملوك رمى جذيمة بينها
والمنذرين تغاير الأزمان
طردًا كدأب الدهر في طرد الألى
وإلى الحفائظ في بني الديان
نعق الزمان بجمعهم عن لعلع
وأقضَّ منزلهم على نجران
وكآل جفنة أزعجتهم نبوة
نقلت قبابهم عن الجولان
وعلى المدائن جلجلت برعادها
عركًا لكلكلها على الإيوان
وإلى ابن ذي يزن غدت مرحولة
نفضت حويَّتها على غمدان٢١
زفر الزمان عليهم فتفرقوا
وجلوا عن الأوطار والأوطان

ويضيق الوقت عن تحليل هذه القصيدة النفيسة، وقد ظلت على نفاستها منسية، فلم أَرَ إليها أية إشارة في أي كتاب.

وبكاء الديار قديم في الشعر العربي، ولكنه كان في الأغلب مقصورًا على ديار الأحباب، وأظهر من شرع مذهب بكاء الآثار بين القدماء هو البحتري في القرن الثالث، وأظهر من شرع هذا المذهب بين المحدثين هو إسماعيل صبري في أوائل القرن الرابع عشر، وقد أشرنا في الطبعة الثانية من كتاب (الموازنة بين الشعراء) إلى أن شوقي نقل عن صبري هذا المذهب، فوصف الآثار المصرية والأندلسية بقصائد سارت مسير الأمثال.

أما بعد، فهل ترونني أقنعتكم بأن الشريف كان من الشعراء الوصافين؟

هوامش

(١) استغرب أحد العلماء هذا الحكم وقال: (أنا أؤكد أن ابن الفارض كان يعصر الخمر بيديه!)، وربما كان هذا العالم أعرفمني بأساليب القوم الصالحين، ولعل الأستاذ محمد بهجة الأثري يحكم بيني وبين ذلك العالم المفضال.
(٢) في الديوان (حاز).
(٣) في الديوان (يحول).
(٤) الدهناء: اسم مكان.
(٥) الحاج: هي الحاجات. والمطلحون: هم المهزولون.
(٦) الزرابي: هي الأبسطة، وهي كلمة قرآنية ولا تزال مستعملة في بلاد المغرب.
(٧) الجلحة: انحسار الشعر عن الرأس، والبجال على وزن سحاب هو الشيخ الكبير مع جمال ونبل.
(٨) رنت: صاحت وسجعت.
(٩) تريع: ترجع، والدرادق: الأطفال، مفردها دردق.
(١٠) الصنع بالكسر من معانيه الثوب والمراد به الريش، والطلي بالضم هي الأعناق.
(١١) هذا البيت دعوة إلى انتهاب الصفو في أيام الشباب.
(١٢) اليعملات: النوق.
(١٣) في الديوان (لبلى).
(١٤) المذروبة والمذرب: السيف.
(١٥) هذا بيت جيد.
(١٦) وهذا أيضًا بيت جيد.
(١٧) في هذا البيت خيال طريف.
(١٨) للقارئ أن يتأمل في إطراق الشرفات وتشبييهها بالبعير المقرون.
(١٩) وهذا بيت نفيس جدًّا، والمعنى قديم، ولكن الشاعر أورده موردًا قويًا.
(٢٠) هذا معنى يكرره الشريف، وسنراه في المراثي.
(٢١) الحوية: كساء محشو يوضع حول سنام البعير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤