الأمومة

إلى ابنتي
إن في نظرات الأمهات نعيم الحياة
وفي نبرات أصواتهن أناشيد الخلود.

يا حلاوتكِ عندما دببتِ وعندما شببتِ.

بل قبل أن ولدتِ.

عندما تململت لأول مرة قرب فؤادي، فأحدثت في نفسي ثورة قلبت بلحظة كياني، وحوَّلتني من ولد خليٍّ طيار إلى كائن مثقل بالحنان والحب، وعندما وثبت إلى الحياة بيديك الورديتين، وعينيك المغمضتين، الجاهلتين معنى الحياة والوجود.

وعندما أتوا بك إليَّ فأخذتك إلى صدري، وبقيت طول ليلي أتأملك على نور الزيت الضئيل، ناظرة إلى عينيك، وجبينك، وفمك، وأنفك، وخديك، وكل أعضائك المتناهية في الدقة والليان، وقائلة في نفسي: «هي لي، هي لي»!

وعندما كنت أسقيك مذوَّب قلبي، وأراك تنمين يومًا فيومًا بما تمتصينه من ماء حياتي، كم تلذذت في تلك الساعات الطويلة، وسكبت نفسي أمام هيكل حبك متمنية لو أعطيك كل ما في قلبي من دم، وكل ما في نفسي من قوة، وكل ما في كياني من حياة.

وعندما فطمتِ فبكيتِ صدري، فلمستِ أول هموم الحياة.

يا حلاوتك في كل آن وزمان يا حلاوتك.

•••

يا لجمالك في الماء تشابهين الدُّمى والتماثيل، وتمثلين لي الإنسانية في أدوارها النقية من قبل أن ينخرها دود الأمراض وسوس الفساد! كم وقفت خاشعة أمام تمثالك المعبود! وكم تاه نظري بين استدارة ذراعيك، وبضاضة كتفيك، وتضاعيف عنقك! وكم خرق فكري الغلاف الجميل وتغلغل بعيدًا بعيدًا، فتمثلت رئتيك، وقلبك الصغير يدفع الدم إلى جسدك ويحييك بنظام المبدع الأسمى! وتمثلت قواك العاقلة تتكيف وتنمو شيئًا فشيئًا بما وجد فيها من خميرة وراثية، وما يزاد عليها من تأثيرات المحيط، كم وددتُ لو أزيل كل ما أورثتك إياه — رغمًا عني — من نقائص ومساوئ! وكم تمنيت لو أعطيك كل ما أتوق إليه من خير وصلاح وكمال أسمى!

•••

يا لبلاغتك اليوم! تتكيفين، وتتفهمين، فتقابلين وتحكمين، عندما تتأملين في خطوط وجهي، وتُحدِّقين إلى داخل عينيَّ فتنعكس على وجهك الغض كل تأثرات نفسي، وتلمع عيناك للهناء، أو تظلم لليأس، أو تضحك للسرور، أو تبكي للشقاء!

وعندما تقيدين عنقي بذراعيك وتسأليني: أمي لماذا أنت نحيلة وصفراء؟ لماذا لا تبسمين؟ أمي تعبانة لأنك تشتغلين؟ ثم ينتفض جسمك ويختلج فؤادك وترتجف شفتاك وتسيل دموعك، آه! كيف تجثو نفسي عند قدميك متوسلة إليك أن تكفي عن البكاء؟! وكيف أودُّ لو أدخل إلى ذاكرتك الغضة فأزيل منها صور البؤس، وأضع مكانها صور الهناء؟! كم تتسابق دموعي حنانًا لحنانك، وحبًّا لحبك، فأضمك إليَّ حاسبةً أنني أضم كنوز الأرض وغني الكائنات!

كم سكبتُ من روحي في روحك! فأعطيتك حتى لم أُبْقِ لي شيئًا وعدتُ إليك، فإذا أنت نبع لا يعرف الجفاف يعطيني ويعطيني ويعطيني بلا حساب!

من عينيك تنبعث قوة سحرية هي زادي في الصباح والمساء.

عندما تنفذ فيَّ قوة الجهاد انظر إلى عينيك.

عندما تضع الأيام أمامي حواجزها الهائلات أنظر إلى عينيكِ.

من عينيك إرادتي، وقوتي، ووجودي، وتجدُّدي، وعلة بقائي، وسر حياتي.

•••

تفقد المرأة أباها، وأمها، وأخاها، وأختها، فتتألم نفسها، وتبكي عيناها، ولكن موت الولد يُؤلمها جسديًّا فتتوجع كمن فقئت عينه، أو بترت يده، أو شُقَّت كبدُه!

كان لي ملاكان ذهبيان!

فنزل يومًا ملاك أسود كبير على بيتي ونظر بعينيه الناريتين إلى أحدهما، وكما تكهرب الأفاعي صغار الزغاليل فتأتي صاغرة إلى أفواهها، كهرب ملاك الموت ولدي فسار أمامه صاغرًا حزينًا!

آه! ما أمرَّهم عندما يموتون!

آه لنظرات الحزن في عيونهم تقطع الأوصال والأكباد عندما تعفُّ شفاههم عن أطايب الحياة وتتحول إلى ظلمات الأبدية!

عندما يصارعون قوَّات الموت بكيانهم الضعيف فيختلجون، ويئنُّون، ويحشرجون وهم لا يدرون ماذا يقطعون.

لمس الموت تمثالي الحي فأصبح باردًا.

فأخذته إلى صدري، فهوى عني ومثَّل لي جمود الموت، فلم أخف الموت لأول مرة في حياتي. عانقته نفسي ساكنة مطمئنة، وشعرت أن الموت قسم من الحياة، وبقيت أتمرغ في حزني هادئة، خاشعة، كأنني اكتشفت في دقيقة كل أسرار الأرض والسماء.

واحتمل الموكب الصغير، الجسم الصغير ضمن النعش الصغير، ومشى به خلال أشجار السنديان، فوقفت أتبعهم بنظري إلى أن أصبحوا نقطًا سوداء كبيرة تحمل نقطة بيضاء.

وأراد ذويَّ أن يحولوا مجرى أفكاري بكلمات مألوفة، فتألمت من نبرات أصواتهم البشرية التي قاطعت في نفسي أصوات الأجواق العلوية!

•••

سكوت. بالله أيها الناس، تقول الأمومة!

إنني والموت واحد؛ فلا تفصلوني عن نفسي.

الأمومة شيءٌ عظيم كهذا الوجود؛ إلهيٌّ كالملأ الأعلى.

في الأمومة كل ما في الطبيعة من حرارة وندًى وأمطار وعواصف وصواعق وسكون وإعصار.

في الأمومة ينابيع الحب والألم، والسلوى واليأس، والصبر الجميل!

كل ما في الحياة والموت من الأم وإلى الأم!

سكوت، سكوت، أيها الناس. تقول الأمومة.

أنا والموت واحد؛ فلا تفصلوني عن نفسي، ولا تَحُولوا بضجيجكم بيني وبين كياني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤