الفصل التاسع عشر

إلى فراو – على قلة الزاد

كان وادي «عنيباه» مغطى بالرمل الناعم مرقطًا بالأشجار والعواسج بين ناضر وجاف، وكنت قد نمت نومًا هادئًا، وصحوت على أصوات نساء «البديات» يطلبن من رجال القافلة علبًا خالية، واستبدلونا بما أخذوا لبنًا وشجيرات جافة يسمونها طباقًا، وأُهدِيَتْ إلينا خمس نعاج بصفة ضيافة ووزعنا بعض الهدايا. وبدأنا السير في الساعة الثالثة وربع، في ريح باردة تهب من الجنوب الشرقي، ولكن هذه الريح قرت واشتد الحر، فبطؤ السير. وكان المساء أشد برودة، فاستعضنا ما ضاع من الوقت وكان الليل قارسًا، وصحونا يوم الجمعة ٢٥ مايو الساعة الرابعة وسرنا بعد ذلك بساعة وربع، وكانت الأرض كثيرة التموج والشقوق، ولم يكن هري واثقًا من السبيل فسرنا في بطء؛ لوعورة الطريق، وحيرة الدليل في تعرفها. وبعد الساعة التاسعة، نزلنا واديًا وضربنا الخيام بعد ذلك بسرعة، وكان السنوسي أبو حسن يمشي إلى جانبي، فأعرب لي عن رأيه في الدليل الجرعاني وبدا في كلامه زهو العرب بأنفسهم، فقال: «إن هؤلاء الجرعان يترنحون في سيرهم كالجمال، أما البدو فيطيرون إلى أغراضهم كالطيور.»

وكانت الشمس شديدة الحرارة عند استئنافنا المسير بعد الظهر، فسارت الجمال ببطء وكان غناء الرجال متقطعًا، وأكبر ظني أن سير القافلة كان بطيئًا؛ لأن هريًّا كان أشد حيرة عن ذي قبل، وقد تعقبنا أثر قطيع من الغنم تقدمنا إلى «باو»، ولكن ذلك الأثر كان ينقطع بنا في جهات متعددة؛ لوجود الصخور المهشمة في الطريق.

وبعد الساعة الخامسة بقليل، نزلنا واديًا كبيرًا عرفنا بعد ذلك أن اسمه «كوني مينا»، وكان ذلك الوادي يمتد شرقًا وغربًا وهو ملآن بالأشجار البديعة، وقبل أن نصل إليه بقليل، قابلنا أحد الجرعان ومعه بعض الغنم، فتقدم إليَّ وقد ألقى سيفه وحرابه على الأرض، وخلع نعليه، فتبادلنا الشد على الأيدي والتحيات، ولم تزد عن الجملتين «كيف حالك؟» و«طيبين»، وهما كل ما يعرفه من اللغة العربية.

وحادثه بعد ذلك محمد وهري فعرفا منه أن بعض الجرعان ضاربون الخيام في الوادي الذي أمامنا.

ولقينا في نفس الوقت تاجر غنم حضر من «فدا» بواداي بغنمه وبقره في طريقه إلى الفاشر، وتركنا محمدًا وهريًّا وتقدمنا إلى أكواخ القش التي يتكون منها مضرب خيام الجرعان، وقطعنا الوادي ثم حططنا الرحال في طرفه الأقصى.

وجرى خلفنا أحد الجرعان، ثم سألنا أن نعود إلى خيامهم فنمضي الليلة ونسير في الغد، فقدرت عاطفة كرمه، ولكني رأيت أنا عاجزون عن تعقب آثارنا القهقرى، ولو لمسافة كيلومترين أو ثلاثة كيلومترات، فشكرته على دعوته وأخبرته إنَّا متعجلون.

وحططنا الرِّحال ننتظر رجوع الدليلين، وبعد ساعة عاد محمد يحمل أخبارًا كثيرة عن «فدا» والفاشر استقاها من ذلك التاجر، وشُغِلنا تلك الليلة بفحص أمتعتنا وإصلاح ما فسد منها، وكانت الحبال قد أخذت تبلى ورثت أكياس البدو الصوفية، وأضعنا وقتًا طويلًا في الطريق في إعادة التحميل ونقل الحوائج من مكان إلى آخر، ولكنا نتعزى بأمل الوصول إلى الفاشر بعد أسبوعين.

ورأيت في صباح ٢٠ مايو، أبدع مشارق الشمس التي شاهدتها في حياتي؛ فإن انعكاس ضوء الشمس الساطع على الصخور المجاورة بين حمراء وسوداء، وعلى التلال البعيدة جعل كل شيء واضحًا جليًّا، ثم احمرت صبغة الشروق وتسللت أشعة الشمس الذهبية بين ثنايا السحب الرقيقة وغمرت كل شيء. وكان انعكاس الظلال المستطيلة للصخور والعواسج المتناثرة فوق الأرض يوشع صفحة الرمال الصفراء، وكانت ظلال القافلة الوانية في سيرها ترسم على أديم الصحراء أشكالًا غريبة، ولكن هذه المناظر البديعة تبعها ضحى ساكن النسيم راكده.

ولحقنا هري قبل حلول الظهر ومعه شاة مذبوحة تدلت أطرافها على جمله، وكانت ضيافة الجرعان الذين مررنا بهم وتتبعنا آثار الغنم والجمال، وانحدرنا من واد ثم ضربنا الخيام في وادٍ كبير تكثر فيه الأشجار الظليلة، وكان يحيرنا على الدوام التفضيل بين الإقامة في ظل شجرة نتعرض تحتها لفتك النمل الأبيض وسائر الحشرات وبين ضرب الخيام تحت الشمس المحرقة، ولكني صممت أن أوثر العراء في مقبل أيامي؛ لأن الحشرات لا تبرح المقيم في ظل الأشجار حتى تقر حرارة الشمس، حوالي الساعة الخامسة أو الساعة السادسة بعد الظهر، وكان الوادي الذي نزلناه يُسمَّى وادي «كاب تركو».

واستأنفنا السير في الساعة الرابعة، وكان يهب علينا نسيم بليل من الجنوب الشرقي يخفف عنا وعثاء المسير، وكان في السماء سحاب قليل يكسر من حدة حرارة الشمس، فسارت الجمال سيرًا حثيثًا، ومررنا قبل الغروب بأسرة من الجرعان، مكونة من رجل وامرأة وولد عاري الجسد، ووجدنا بعد ذلك بئرًا يبلغ عمقها سبعة أمتار وتحوي ماء سائغًا، وإن غيرت طعمه جذور شجرة قريبة نفذت إلى قرار البئر.

وحططنا الرحال الساعة الثامنة في أرض عراء، خالية من العواسج والحجارة، وسطا علينا في الواحدة بعد منتصف الليل ضبع، ولولا يقظة حامد الجمَّال لاغتال جوادي «بركة»؛ لأنه كان مربوطًا إلى وتد لا يمكنه الدفاع عن نفسه، وقد أطلق حامد النار من بعيد على هذا الضبع فأخطأه، ورأيت بمنظاري شبحًا قاتم اللون يجري بعيدًا في ضوء القمر الساطع.

الأحد ٢٧ مايو

قمنا الساعة الخامسة وربعًا صباحًا ووقفنا الساعة التاسعة وربعًا صباحًا، ثم استأنفنا السير الساعة الرابعة إلا ربعًا، وحططنا الرحال الساعة الثامنة إلا ربعًا مساء، فقطعنا ٣٠ كيلومترًا. أعلى درجة للحرارة ٣٨ وأقلها ٧ درجات، وكان الجو صحوًا هادئًا في الصباح، وثارت عند الظهر ريح ساخنة من الجنوب الشرقي، وقرت بعد الظهر. وكان في السماء سحاب صبير، وكان المساء دافئًا هادئًا. وفي الساعة العاشرة، تراكمت السُّحُب وأمطرت السماء رذاذًا، ومررنا بأودية ناعمة الرمل تكثر فيها تلال الخراسان التي يتراوح ارتفاعها بين ٢٠ مترًا و٨٠ مترًا، وكانت الأرض الرملية كثيرة الحجارة المتناثرة من الخراسان.

ولم يكن هري الدليل عند حسن ظننا به، فقد تنبأ لنا بالوصول إلى «باو» في الصباح، ولكن الليل أرخى سدوله، ولم نكن وصلناها بعد، وكان يعرف المواضع إذا رآها، ولكنه كان يخطئ في معرفة الجهات الأصلية، ونفد منا الماء إلا قربة واحدة، وكان ماؤها ساخنًا جدًّا. وظللنا نسير حتى الساعة الثامنة إلا ربعًا، فهبطنا أرضًا صخرية لا تسلم فيها الجمال من الخطر، حتى في ضوء القمر الزاهي، ووصلنا شفا وادٍ كبير قال هري: إنه وادي «باو» ولكنا لم نصدقه، وقد دلتني التجاريب أن لا أفرِّط في البقية الباقية من الماء الذي نحمله، حتى نصل إلى البئر التالية وأتحقق صلاحية مائها للشرب، فأمرت بعدم مس القربة الأخيرة تلك الليلة، ونمنا بغير عشاء؛ لأن الماء لازم للطهي.

وكانت ليلة بديعة تعزيت فيها بملاحظة ضوء القمر يداعب قِطَع السحاب، وأنذرتنا قطرات قليلة من المطر باقتراب موسم الأمطار في تلك الأقاليم.

وصحونا مبكرين؛ لأن فراغ المعدة لا يدع للنوم الطويل سبيلًا، وحثثنا الجمال للسير بدرجة لم يسبق لنا استعمالها، وما كان أشدَّها تعبًا وأضعفَها، وإنما تظهر عيوب القافلة إذا كان رجالها وجمالها جياعًا عطاشًا.

figure
سوق بقرية أم برو.

وخفت صوت الغناء ذلك الصباح، فلم يصدع شمل السكون إلا تمتمة الرجال، تستحث الجمال للسير، وكان الهبوط إلى الوادي خطرًا لشدة انحداره، وقذفت ثلاثة جمال بأثقالها فحملها الرجال إلى الوادي، ثم أعادوها إلى مكانها فوق ظهور الإبل.

وأخيرًا، رأينا كوخًا أو كوخين من القش وعددًا قليلًا من الأغنام، فوقفت وسمحت للرجال أن تشرب ماء القربة الأخيرة التي أطالوا طلب ما فيها ذلك الصباح، وتقدَّم محمد وهري وقصدا الأكواخ، وانحدرت القافلة إلى الوادي قاصدة البئر، وجاء لزيارتنا بعد قليل بعض عبيد الجرعان والبديات، فأطلقنا النار في الهواء كأنا نحييهم، ونحن نريد في الحقيقة أن نُظهر لهم استعدادنا لملاقاة الطوارئ. ولاحظت أن اتفاقًا غريبًا قضى أن يكون جميع من زارنا من الرجال والنساء طاعنين في السن، فإنه لم يكن بينهم شاب أو فتاة، ولم أُدهَش كثيرًا لذلك، ولكني عجبت بعد ذلك بقليل، لرؤية جماعات من العذارى الهيف الحسان، بين سمراء وسوداء، نصف عاريات في ثيابهن المهلهلة ممشوقات القدود، وبينما يتقدمن إلينا ثلاث ورباع التفتُّ إلى حامد، وسألته: من أين أولئك البنات؟ فنظر بوكاره إليهن معجبًا، ثم قال: «الله أكبر! هؤلاء بنات القرية، لقد ظن القوم أنا سننهب القرية ونسبي عذاراها؛ فأبعدوهن يختبئن حين رأوا القافلة مقبلة، أما الآن وقد رأوا منَّا السلام فقد أمروا البنات أن يَعُدن.»

ومرَّت العذارى بجواري فكُنَّ يركعن لتحيتي خفرات كما جرت العادة عندهن، في تحية ذوي المقام الرفيع، وتقضي الآداب في تلك الجهات إذا خاطب أحد العظماء أحدًا أن لا يظل السامع واقفًا، بل يجلس على الأرض دليلًا على احترام مخاطبه، وتتابعت البنات، فجثت كل منهن على ركبتيها، ورددت عليهن التحية بالجملة العربية المألوفة: «عليكن السلام ورحمة الله وبركاته.» وكانت كل منهن إذا قامت عن الأرض تلفتت بحياء إلى من كان معي من البدو المعجبين بهن.

وضربنا الخيام في نهاية الوادي على مقربة من البئر، وجاءنا شيخهم بعد ساعة يحيينا، فتناقشنا معه في أمر الطريق إلى الفاشر والاتجاه الذي يجب اتخاذه، وهنا غشي هريًّا التفكير والحزن لاقترابنا من بلاده؛ إذ كنا قد قطعنا حدود واداي الفرنسية، وكان هري قد أبى الخضوع للفرنسيين، وهرب منهم تاركًا أملاكه وأقاربه، وانفرد بالإقامة في العوينات يعيش عيشة النفي المختار، وتغيرت معالم الأرض، فكثرت فيها أنواع الطيور، وكان فيها الغراب والبوم والببغاء واليمام وغير ذلك من الطيور الأخرى التي لا أعرف أسماءها، وفتكت لبؤة أثناء الليل بحمارين، فقبض بعض سكان الناحية على شبل من أشبالها وسلخوه، ثم أرسلوا جلده إلى «فدا» يبيعونه، وفي «باو» عدد غير قليل من قبائل الجرعان والبديات.

ونساء هذه القبائل هيف القدود بسيطات الملبس، ولباسهن إما شملة من القماش يلتحفن بها ويتمنطقن بشريط من القماش يحملن فيه سكينًا صغيرة، وإما يتدثرن بجلد الماعز حول الجزء الأسفل من أجسامهن، وشعورهن مضفورة جدائل صغيرة، ويلبسن حُليًّا من الفضة والعاج، ويتحلين في شعورهن بأطواق سميكة منها، ويتخذن عقودًا من الخرز والكهرمان وصغار البنات لا يلبسن إلا مئزرًا من القماش أو الجلد.

والرجال متينو البناء، عارون إلا مما يستر عوراتهم، ويحمل كل منهم حربتين أو ثلاثًا وسيفًا وسكينًا، ولا يلبس العمائم الكبيرة والثياب البيضاء إلا أشياخهم، وأعطينا النساء والأطفال مكرونة، ولكنهم أبوا أن يأكلوها ونظموا قطعها في خيوط، ثم اتخذوا منها عقودًا لبسوها معجبين، ولما رأى ذلك رجال قافلتي ظهر فيهم ميل البدو الغريزي إلى المتاجرة، فصنعوا عقودًا عديدة، من قطع المكرونة واستبدلوا بها سمنًا وجلودًا.

واضطر محمد وهري أن يفارقانا في هذه الناحية؛ لأنهما لم يجسرا على التوغل جنوبًا أكثر من ذلك، ولقيت صعوبة في العثور على دليل يقودنا إلى «فوراويه»، ولكني وجدته أخيرًا، وأُهدِيَتْ إلينا شاة فتعشينا في ساعة مبكرة في يوم الثلاثاء، عازمين على أن نُسرع بالسير في الصباح، ولم يحضر الدليل، فبدأت أشعر أن البديات يرتابون في قافلتنا، ثم حضر في الساعة الحادية عشرة مساء، فأيقظت الرجال عند حضوره وأمرتهم أن يحمِّلوا الجمال قبل أن تحين له فرصة فيغير رأيه.

الأربعاء ٣٠ مايو

قمنا الساعة الواحدة صباحًا ووقفنا في منتصف الساعة التاسعة صباحًا، واستأنفنا السير الساعة الرابعة وربعًا مساء، وحططنا الرحال الساعة السابعة وربعًا مساء، فقطعنا ٤٠ كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ٣٦. الجو صحو جميل، وهبت ريح قوية من الجنوب الشرقي وتغير مهبها بعد الظهر، فصار من الشمال الشرقي. وقرت عند المساء، ولم تتغير معالم الأرض إلا أنها كانت أكثر انبساطًا، ولم يكن فيها أودية كبيرة أو أشجار عظيمة، وقطعنا في الساعة الثامنة وربع صباحًا واديًا صغيرًا يمتد شرقًا وغربًا، وسرنا الساعة الواحدة صباحًا في قمر ضاح خلق من الظلام نهارًا. وسار معنا محمد وهري قصد أن يوهما أهل «باو» بمرافقتنا إلى الفاشر، وخوف أن يسطو عليهما أحد في الطريق.

وبعد ساعة خرجنا من الوادي ووقفنا نودع الدليلين اللذين كان في عزمهما أن يعودا إلى العوينات بالاقتصار على السفر ليلًا خشية العيون.

figure
غادة من قبيلة البديات.

وكنت واقفًا على مسافة من القافلة حين دنت ساعة التوديع، فشعرت باتصال قلوبنا بعد الذي قاسيناه معًا في الطريق، وكان محمد منسرح القامة، منتصبها، ذا عينين نافذتين، وكان في هيئته ما يدل على خصلتي الاعتماد على النفس والرضا بالأقدار، وهما شيئان يميزان سكان الصحراء.

وكان هري شيخًا لطيف العِشرة، متواضعًا، ذا ابتسامة رقيقة وشمائل غراء، وكان في حركاته ما يدل على الوقار والجلال، رغم قدمه اليسرى الموجعة، التي كان يجرها جرًّا إذا مشى، ولا أغالي إن قلت: إنه كان أميرًا بفطرته.

ولم يكن افتراقنا ذلك الفراق الذي يحدث بين رفقاء السفر فحسب، ولكنه كان يحوي معنى انتهاء الأستاذ من تدريب تلميذه على الشيء، وتركه بعد ذلك يسترشد بآرائه في سبل الحياة، فقد نسينا جميعًا أني كنت رئيس القافلة وأنهما لم يكونا إلا دليلين. وألقى هري يديه على كتفي، ثم قال وفي صوته رنة تأثر شديد: «أسأل الله أن يرعاك ويهبك القوة، هاك الطريق بارك الله فيك.»

ثم أشار إلى منفسح بين التلال البعيدة، وتمتمت بضع كلمات بصوت لم أستطع أن أملك فيه رنة المتأثر، ثم انثنيت عنه ولحقت بالقافلة، والتفت بعد ذلك فرأيت ذينك الرجلين الجليلين اللذين يبعثان الأسى بما قُضي عليهما من النفي، يذوبان في ضوء القمر.

ووقفنا عند الفجر لأداء صلاة الصبح، ثم حططنا الرحال في منتصف الساعة التاسعة، وكان في تلك النواحي آثار أسود، واستأنفنا السير بعد الظهر بقليل، ولكن الرجال كانوا متعبين؛ لأنهم لم يناموا طويلًا في الليلة الماضية، فلم نَسِرْ إلا ثلاث ساعات، وقد هربت منا الشاة التي أُهدِيَتْ لنا، فتبعها حامد وسعد في ضوء القمر، وهما يقلدان ثغاء الشاة، ولكنهما لم يفلحا في استجلابها.

الخميس ٣١ مايو

قمنا الساعة الرابعة إلا ربعًا صباحًا، ووقفنا الساعة الثامنة مساء، فقطعنا ٣٦ كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ٣٧ وأقلها ٥ درجات، وكان الجو صحوًا جميلًا هادئًا وهبت ريح من الجنوب الشرقي بعد الظهر، ثم غيرت اتجاهها، فهبت من الشمال الشرقي، وقرت عند المساء. وكان الليل ساكنًا والبدر كاملًا، والسماء تحوي صبيرًا، وحدث لنا حادث ذلك اليوم، فإن الدليل أغفى في الطريق وطاحت رأسه بعد سيرنا في بكرة الجمعة أول يونية، فسار جنوبًا بدل أن يسير إلى الجنوب الشرقي. ولم أتدخل في الأمر حتى وقفنا نؤدي صلاة الصبح في الساعة الخامسة، فسألته عما إذا كان مقصده الأول أن يسير صوب الجنوب، فدُهِش كثيرًا ولكنه أقر بخطئه بصراحة.

ولم نكن حدنا طويلًا لحسن الحظ عن الطريق السوي، ومررنا في منتصف الساعة السابعة بتل يُدعَى «طميره»، وكان عليه شجرة ذاوية تعيِّن الحدَّ بين واداي والسودان.

وانحدرنا عند ملتقى الحدود إلى وادي «هور»، وهو وادٍ فسيح كثير الأشجار، يقال: إنه يمتد غربًا إلى واداي وشرقًا إلى السودان، واسمه في واداي وادي «حوش»، وأرض الوادي شديدة الخصوبة، يقصد مراعيها في الخريف أهل واداي ودارفور.

وحططنا الرحال عند الظهر في ذلك الوادي ووجدنا آثار زراف، واخترقنا بعد الظهر مساحة كبيرة من الحشيش الطويل الجاف، فكأنا نسير في غيط من القمح الناضج، وازداد تهلهل ثياب الرجال ودب البلى في أحذيتهم، وزاد همنا ما لقينا من «الحسكنيت»، وهو شوك صغير صلب أعقف ينمو في شجيرة صغيرة ويعلق بكل ما يمسه فيصعب استخراجه منه.

figure
شيخ قبيلة زغاوة يستقبل الرحَّالة في أم برو.

وسمعت بوكاره يصف الزرافة والفيل لحامد، فقال: إن للزرافة رأس الجمل، وحوافر البقرة، وكفل الجواد. ولكنه بالغ في وصف الفيل حتى جعله أعجوبة في مخيلة رجل الشمال.

وسرنا في بكرة السبت ٢ يونية حتى نتمكن من الوصول إلى «فوراويه» ذلك اليوم، ومررنا في الساعة الخامسة صباحًا بعلم «حجر كمرارا» على بعد عشرة كيلومترات عن يميننا، وبعد ذلك بساعة مررنا بعلم آخر يُدعى «حجر أدرو»، وهو تل يبلغ ارتفاعه ٨٠ مترًا وطوله ٢٠٠ مترٍ — وحجر لفظ سوداني معناه تل صغير، ثم بدأنا بعد ذلك ننحدر إلى وادي «فوراويه»، وكان أكبر الأودية التي مررنا بها وأعمرها بالسكان، وقطان هذا الوادي من الزغاوة والبديات.

وحططنا الرحال في الساعة التاسعة بالقرب من خيام بعض أفراد البديات، وسمعنا بعد قليل أخبارًا غير سارة عن استحالة الحصول على مؤن في فوراويه، وكان ذلك عكس ما كنا ننتظره، فأسرعت في البحث عن رسول أحمله خطابًا إلى حاكم دارفور في الفاشر أسأله فيه أن يرسل إلينا أطعمة وقماشًا لرجالي الذين كانوا في ثياب مهلهلة، وزارنا شيخ من شيوخ الزغاوة القاطنين بالقرب منا، وإنما رضي بالمجيء مدفوعًا بحب الاستطلاع، بعد تردد طويل سببه الخوف من رجالي، وكان خاضعًا للحكومة السودانية فاستفدت من ذلك، وعرضت عليه ثلاثة جنيهات إن حمل خطابًا مني إلى سافيل باشا حاكم دارفور.

وكان الأجر باهظًا، وزدت على ذلك أن هددته بشدة إذا تردد أو رفض، وأمرته أن يسير في فجر اليوم التالي، فتمتم بضع كلمات يشكو فيها عدم وجود دابة تحمله، ثم مضى وعاد بعد قليل فأخبرني أنه سيحمل خطابي إلى الفاشر، وأنه سيسافر على ظهر جواد.

وسرَّنا هذا الخبر؛ لأن السُّكَّر كان قد فرغ منا منذ ثلاثة أسابيع، فاضطررنا إلى تحلية الشاي على قدر الاستطاعة بالبلح المطحون، ونفد منا الدقيق والأرز، وسئمت نفوسنا ما كنا نأكله من المكرونة القليلة المسلوقة بالماء الرديء.

ونقلت خيامنا على مقربة من بعض آبار الوادي، وحاولت أن أشتري شاة أُدخِل بها السرور على نفوس الرجال، ولكن الظلام أخذ ينتشر فلم يقرب خيامنا أحد من سكان الوادي. ودُهِشْتُ فجأة لسماع الرجال يغنون طربين، كأنهم تناولوا طعامًا شهيًّا، فناديت السيد الزروالي وبكاره، وسألتهما عن سبب غناء الرجال والسكر معدوم والغذاء قليل والحالة لا تبعث على الرضى، فأجابني الزروالي: «لقد هدأ بالنا الآن، قد دخلنا السودان وشعرنا آخر الأمر بالأمان والطمأنينة.» فسألته: «أكنتم خائفين إلى هذا الحد من الرحلة التي قمنا بها؟» فقال بوكاره: «إن جميع أهلنا في الكفرة كانوا يقولون إنا سائرون إلى حتفنا بسلوك هذه الطريق، وكانوا يقولون لنا: المقدر لا بد واقع، ولكن الله يلحظكم بعين رعايته. فداخلنا الشك في السلامة وخفنا أن يكون مودِّعونا صادقين.»

figure
الرسول الذي أرسله الرحَّالة من فوارديه لمدير دارفور بالفاشر لإسعاف القافلة بالزاد.

وقال الزروالي: «لقد رأيت بنفسك كيف شجعك بعض رجال الكفرة على أخذ هذه الطريق، وكيف نصحك بتركها الكثيرون، وأكبر ظني أن مشجعيك أرادوا بك سوءًا ورجوا أن لا يروك أبد الدهر.» وهكذا صارحني السيد الزروالي وقد قربنا من نهاية الرحلة، فأخبرني أن بيوت «السدايده» «والمجلولات» من قبائل الزوي في الهواري والكفرة كرهوا زيارتي الثانية كراهية شديدة، وعقدوا اجتماعًا تناولوا فيه أنجع الوسائل للقضاء على القافلة أو منعها من العودة. وهنا وضحت لي مروءة الرجال الذين رضوا مصاحبتي في تلك الطريق المخوفة المجهولة بدون تذمر أو ممانعة، فداخلني الزهو بهم جميعًا.

وأيقظني حامد في الساعة الثانية صباحًا وكان ديدبان الليلة، ثم أخبرني أن الرسول وصل وأنه مستعد لحمل رسالتي إلى الفاشر، وكان تحت وسادتي خطابان أحدهما لسافيل باشا والآخر إلى حاكم «كتم»، وهي محطة في طريق الفاشر، أسأله فيه أن يتحقق من وصول خطابي إلى الحاكم في الفاشر. وسرني مجيء الرسول في هذه الساعة المبكرة؛ فإن سرعة وصول المؤن والملابس التي طلبتها تسر جميع رجال القافلة، ووعدت الرسول بزيادة بضعة ريالات عن الأجر إذا أمكنه أن يُوصل الخطاب إلى الفاشر في بحر أربعة أيام، وتمنيت له السلامة، ثم وقفت أنظر إليه وهو ينطلق في ضوء القمر على جواد قوي العضلات، وإن كان بادي الهزال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤