تمهيد

دعم أركان الدولة

كان للأزمات العديدة التي وقعت بين عامي ١٨٠٥ و١٨٠٧ أثر عميق في تطور تفكير محمد علي باشا السياسي، وتعتبر هذه الفترة التي اصطلحنا على تسميتها بدور التجربة والاختبار من أحسم المراحل في حياة هذا العاهل الكبير، لا لأن محمد علي بتذليله الصعوبات التي أحاطت بولايته الناشئة قد أثبت أنه الرجل الذي بوسعه أن يحتفظ بباشويته، ولا لأن اجتيازه لهذه المرحلة بسلام قد نهض دليلًا على قدرته أن يبقى وأن يستقر في ولايته، ولكن لسبب آخر كذلك لا يقل في أهميته عن هذين، هو أنه قد تولدت من هذه الأزمات، العناصر التي رسمت برنامجه السياسي في صورته الكاملة والمحددة: وبالنمط الذي صار يسعى جادًّا لتحقيقه بعد ذلك، والذي كان العملُ من أجل استقرار الحكم ودعم أركان الولاية بين عامَي ١٨٠٧ و١٨١١ أولَ أهدافه، وبمثابة حجر الأساس في بناء الدولة الفتية التي شادها.

فقد كان لكل أزمة من الأزمات التي وقعت في سِنِي التجربة والاختبار هذه، ملابساتها وطابعها الخاص بها، وكان مبعث بعض هذه الأزمات أدواء مزمنة، بينما بدت غيرها عند وقوعها وكأنها أحداث طارئة عابرة، ولكنها اقتضت جميعها تفكيرًا في عللها واستقصاءً لأسبابها، وتدبرًا في طرائق معالجتها وتحرزًا من عواقبها ونتائجها، فبصرت هذه الأزمات الباشا بمسائل كثيرة، تتصل في جوهرها بالمحافظة على كيان الولاية، ودرء الأخطاء التي تهددتها. ولقد كان مبعث طائفة من هذه الأخطار داخليًّا، ثم كان مبعث بعضها الآخر خارجيًّا، فمن طراز الأخطار الداخلية تمرُّد الجند وعصيانهم، ومناصبة البكوات المماليك العداء إياه، ومن طراز تلك الخارجية مسعى الباب العالي لإخراجه من الولاية، واغتنامه كل فرصة سانحة لبلوغ هذه الغاية، ثم تعرُّض البلاد لغزو أجنبي يأتيها من ناحية إنجلترة — كما حدث فعلًا — أو يأتيها من ناحية فرنسا وهي الدولة التي سبق لها احتلال مصر، والتي ما فتئ عاهلها الإمبراطور يمني نفسه باحتلالها مرة أخرى.

وافتقر الباشا في سِني التجربة والاختبار إلى المال، ولم تنقطع يومًا حاجته إليه في أثنائها، ليدرأ به عن نفسه وباشويته كل هذه الأخطار، ولقد كانت الحاجة إلى المال أزمة مزمنة ومستحكمة، ودلت التجربة على أن توفر المال لديه عامل حاسم في التغلب على الصعوبات التي اكتنفت الحكم، فبالمال يدفع مرتبات الجند الذين يسيِّرهم لنضال البكوات، أو لدفع الغزو الأجنبي، وبالمال يسترضي الباب العالي ومندوبيه الموفدين إلى مصر، إما للنظر في تقريره في الحكم — كما حدث في عام ١٨٠٥ — أو لنقله من باشويته — كما وقع في العام التالي — وإما لإبلاغه تثبيته في الولاية، أو نقل أوامر السلطان العثماني إليه ومطالبه منه.

وتبين للباشا في سِني التجربة والاختبار أن هناك حقيقة واحدة لا مفر من التسليم بها وتدبر الرأي بشأنها، هي الاختيار بين البقاء في الحكم أو ترك الأمور تفلت من يده، والرضا بترك باشويته. وقد دلت الحوادث بين عامي ١٨٠٥ و١٨٠٧ على أنه لم يكن يفكر قط في التخلي عن تلك الباشوية التي ظفر بها بمؤازرة المشايخ ورؤساء القاهريين له، وليس عن طريق الباب العالي، حتى إنه عند حدوث أزمة النقل إلى سالونيك لم يلبث أن صرح بأنه لن يترك حكمًا ملكه بالسيف إلا إذا أُرغم على تركه بالسيف كذلك، ثم بذل قصارى جهده في مكافحة الإنجليز لإجلائهم عن الإسكندرية.

وأسفر تدبر الباشا في موقفه عن اقتناعه بتوفر عاملين لا محيص عنهما إذا شاء البقاء في ولايته، أولهما: النأي بباشويته عن نزوات الباب العالي وغدره، وتأمين حكومته من تدخل الديوان العثماني في شئونها، وسلب ذلك السلاح المسلَّط على عنقه دائمًا، سلاح العزل أو النقل الذي يستطيع الباب العالي أن يعمد إلى استخدامه في كل فرصة مواتية، وقد يجد من التطورات، بسبب خصومة أعدائه البكوات المماليك في مصر، أو اجتراء منافسيه عليه في الولايات المتاخمة لولايته، وعلى رأسهم سليمان باشا والي صيدا (والشام حديثًا)، أو بسبب قلقلة الموقف السياسي في أوروبا، ما يمكِّن الباب العالي في هذه الدفعة من إدراك غايته، ورأى محمد علي مخلصًا من هذا المأزق في التطلع إلى تقرير وراثة الحكم في أسرته، والاستقلال بباشويته في وضع مشابه لما كان لوجاقات الغرب وقتئذٍ، وكان أن ظهرت نواياه هذه أثناء سني التجربة والاختبار، ولم يفت الوكلاء الإنجليز والفرنسيين إدراك مراميه، ثم إنه لم يلبث أن حدَّد هذه المرامي في الصورة التي ذكرناها، ولم يكن غرضه من محاولة عقد محالفة مع بريطانيا — أثناء مفاوضات الجلاء عن الإسكندرية — إلا جذب هؤلاء لتأييد مشروعه هذا.

وأما العامل الثاني فكان الانفراد بالسلطة، وحمل معنى الانفراد بالسلطة الاستئثار بالحكم، فالباشا وحده هو الذي وقع على كاهله عبء النضال ضد القوى الداخلية المناوئة له، يجند الجيوش لمطاردة البكوات، ويوسط لديهم المشايخ أو الوكلاء الفرنسيين، أو منافسيهم الإنجليز — كما فعل عندما أراد توسيط «مسيت» لدى الألفي — وهو الذي داور وراوغ القبطان صالح باشا عند أزمة النقل إلى سالونيك، واستكتب المشايخ العرائض أو أوحى إليهم بكتابتها للدولة، سواء في هذه الأزمة أو في التي سبقتها عند المناداة بولايته، ثم إنه هو الذي كان عليه معالجة تمرد الجند وعصيانهم، وملاحقة الرؤساء العصاة، ومحاولة وقف اعتداءات الجند عمومًا على الأهلين، فكان ينجح في هذا الأمر الأخير تارةً ويفشل تارةً أخرى، ثم هو الذي أزعجه إزعاجًا شديدًا افتقار الخزينة إلى المال، وكان عليه أن يفسر للمشايخ والمتصدرين الأسباب والدواعي التي حملته على فرض الإتاوات والمغارم، أو تحصيل الضرائب في غير أوقاتها، أو عقد السلف والقروض التي انعدم كل أمل في سدادها، وذلك في كل مرة ألزمته حاجته إلى المال أن يفعل ذلك، ولم يكن هؤلاء المشايخ والمتصدرون ممن يتسم أفقُ تفكيرهم بالدراية أو الإلمام بالأغراض البعيدة التي هدف إليها الباشا من سياسته، بل إن منهم مَن رأى في مطالبه المالية المتكررة، أو في نشاطه السياسي عمومًا، مبعثَ شرٍّ أو أذًى لحقا بالبلاد وأرهقا أهلها. ثم إن هؤلاء المشايخ والمتصدرين، بسبب أحقادهم ومنافساتهم وانكبابهم على الدنيا، لم يكونوا أهلًا للاستشارة أو المساهمة في تدبير شئون الملك، ثم إن الباشا وحده هو الذي اضطلع بمسئولية النضال مع الإنجليز، والمسعى لإخراجهم من البلاد طوعًا أو كرهًا، وكان عليه أن يتدبر الوسائل التي تمنع تكرر وقوع الغزو من ناحيتَي الإنجليز والفرنسيين على السواء، ولقد كانت هذه وأضرابها مسائل تتطلب جمع أسباب السلطة في يد مَن يقدر على ممارستها بحزم وقوة؛ لوقاية البلاد من الأخطار التي تتهددها والمحافظة على كيانها.

وانطوى الانفراد بالسلطة كذلك على معنى يضارع في أهميته الاستئثارَ بالحكم إن لم يتفوق عليه، هو بسط سلطان الباشوية على جميع أنحاء القطر الذي نُصِّب عليه واليًا، ولقد دلت مناوأة المماليك له — ولا سيما خصومة الألفي — على أن الحكم لن يستقر في يده إلا إذا دان له هؤلاء بالخضوع واعترفوا بسلطانه، فيبطل تآمرهم عليه مع الدول الأجنبية أو مع الباب العالي أو أعدائه، ويطمئن الباشا إلى تسريح الجند المشاغبين أو المتمردين، فلا تغدو البلاد مسرحًا لفِتَنهم وشرورهم، ويتوفر مبلغ جسيم من المال، نتيجة لوقف التجريدات المرسَلة ضد المماليك، ولتسريح هؤلاء الجند، ويفرغ الباشا لمعالَجة ضروب الإصلاح اللازم لإنهاض البلاد من كبوتها، وإنعاش مواردها، ودعم بناء الدولة التي أراد إنشاءها.

ولم يكن هناك معدًى عن الانفراد بالسلطة، ثم بسط سلطانه الكامل على باشويته، وما يستتبع ذلك حتمًا من استقرار حكومته في القاهرة، إذا أراد الباشا تأمين باشويته بتقرير الحكم الوراثي في أسرته؛ ولذلك فقد ربطت بين هذه الأهداف جميعها روابطُ وثيقة، ومضى محمد علي في السنوات القليلة التالية (١٨٠٧–١٨١١) يعمل لتحقيق الولاية الوراثية والانفراد بالسلطة جنبًا إلى جنب، وهو وإن كان لم يوفَّق في الظفر بالولاية الوراثية في هذه الفترة، فقد استطاع من ناحية أخرى تحقيقَ ذلك البرنامج الذي رسمه لدعم أركان الولاية، والذي أتاح له نجاحه في تنفيذه الفرصةَ للدخول في كفاحٍ طويل فيما بعدُ من أجل تقرير الحكم الوراثي في مصر، لأسرته وبلوغ غايته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤