سنة إحدى واثنتي عشرة ومائتين وألف (١٧٩٦م)

لم يقع فيهما من الحوادث التي تتشوف لها النفوس أو تشتاق إليها الخواطر، فتقيد في بطون الطروس سوى ما تقدمت إليه الإشارة من أسباب نزول النوازل وموجبات ترادف البلاء المتراسل، ووقوع الإنذارات الفلكية والآيات المخوفة السماوية، وكلها أسباب عادية وعلامات من غير أن ينسب لتلك الآثار تأثيرات فبالنظر في ملكوت السماوات والأرض يستدلون، وبالنجم هم يهتدون، فمن أعظم ذلك حصول الخسوف الكلي في منتصف شهر الحجة ختام سنة اثنتي عشرة بطالع مشرق الجوزاء المنسوب إليه إقليم مصر، وحضر طايفة الفرنسيس أثر ذلك في أوايل السنة التالية كما سيأتي خبر ذلك مفصلًا إن شاء الله تعالى.

ذكر من مات في هذين العامين ممن له ذكر وشهرة

مات العمدة العلامة والفقيه الفهامة الشيخ علي بن محمد الأشبولي الشافعي، كان والده أحد العدول بالمحكمة الكبرى، وكان ذا ثروة وشهرة، ولما كبر ولده المترجم حفظ القرآن والمتون، واشتغل بالعلم، وحضر الدروس وتفقه على أشياخ الوقت، ولازم الشيخ عيسى البراوي، وتمهر في المعقول، وأنجب وتصدر ودرس وانتظم في سلك الفضلا والنبلا، وصار له ذكر وشهرة ووجاهة، ومات والده فأحرز طريفه وتالده وكان لأبيه دار بحارة كتامة المعروفة بالعينية بقرب الأزهر، وأخرى عظيمة بقناطر السباع على الخليج، وأخرى بشاطي النيل بالجيزة، فكان ينتقل في تلك الدور ويتزوج حسان النسا مع ملازمته للإقرا والإفادة، وحدثته نفسه بمشيخة الأزهر وكان بيده عدة وظايف وتداريس مثل جامع الآثار والنظامية، ولم يباشرها إلا نادرًا، ويقبض معلومها المرتب لها، ولم يزل حتى تعلل وتوفي سنة إحدى عشرة وماية وألف.

ومات الأديب الماهر الصالح الجليس الأنيس السيد إبراهيم بن قاسم بن محمد بن محمد بن علي الحسين الرويدي المكتب المكنى بأبي الفتح، ولد بمصر كما أخبر عن نفسه سنة سبع وعشرين وماية وألف، وحفظ القرآن وجوده على الشيخ الحجازي غنام، وجود الخط على الشيخ أحمد بن إسماعيل الأفقم على الطريقة المحمدية، فمهر فيه وأجازه فكتب بخطه الحسن الفايق كثيرًا من المصاحف والأحزاب والدلايل والأدعية، وأشير إليه بالرياسة في الفن، وكان إنسانًا حسنًا متمشدقًا يحفظ كثيرًا من نوادر الأشعار وغرائب الحكايات وعجائب المناسبات وروايتها على أحسن أسلوب، وأبلغ مطلوب، وسمعت كثيرًا من إنشاده لم يعلق بذهني منها شي، وقد تفرد بمحاسن لم يشاركه فيها أهل عصره منها صحة الوضع وتكملة على أصوله بغاية التحرير، توفي سنة إحدى عشرة، رحمه الله تعالى.

ومات النبيه الأريب والفاضل النجيب الناظم الناثر المفوه إسماعيل أفندي بن خليل بن علي بن محمد بن عبد الله الشهير بالظهوري المصري الحنفي المكتب، كان إنسانًا حسنًا قانعًا بحاله يتكسب بالكتابة وحسن الخط، وقد كان جوَّده وأتقنه على أحمد أفندي الشكري، وكتب بخطه الحسن كثيرًا من الكتب والسبع المنجيات، ودلاليل الخيرات والمصاحف، وكان له حاصل يبيع به بن القهوة بوكالة البقل بقرب خان الخليلي، وله معرفة جيدة بعلم الموسيقى والألحان وضرب العود، وينظم الشعر وله مدايح وقصايد وموشحات، فمن ذلك قوله تهنئة للأمير حسن بك رضوان بقدومه إلى مصر من نفيته بالمحلة الكبرى وهي قوله:

تهن بعود الملك والجاه والنصر
وبالفوز والعلياء والعز والفخر
ومس ميس تيه في ملابس عزة
بعودك للأوطان منشرح الصدر
لئن ساء فعل الدهر قدمًا فطالما
أسر بأخرى من قبول ومن جبر
وأعطى بلا من وأخلف ما مضى
وأسعف بالحسنى وأذهب للضر
لقد ضحكت مصر إذا ما حللتها
وأضحت بها الأرجاء باسمة الثغر
وغنت بها الأطيار من فرح بها
وقهقهة قمريها على ساحة النهر
وغضت عيون النرجس الغض من حيا
وضرح فيها الورد خدًّا من التبر
وجر نسيم الروض ذيلًا مبللًا
ففاح عبير من شذاه الذي يسري
لك الله مولى لا نظير لمثله
تعلمني أوصافه النظم كالدر
أمير على كل الأنام بأسرهم
همام كريم مفرد الدهر والعصر
له عزمات في السماكين قدرها
تسير بها الركبان في المهمة القفر
وشدة عزم ذللت كل شامخ
وأدنت له ما يشتهي صحة الفكر
وأصبحت الأيام من جود كفه
مرنحة الأعطاف في الحلل الخضر
لقد كنت أبكي قبل هذا فراقه
كما بكت الخنساء يومًا على صخر
فلما أتى بين الأنام بشيره
وأذهب من بشراه لي غلة الصدر
جعلت مرامي نعته ومديحه
وكررته في النظم عندي وفي النثر
إليك عروسًا بالبديع تتوجت
وجاءتك تسعى في ملابسها الزهر
ممنعة إلا إليك، فإنها
أتت دون كل الناس بالحمد والشكر
فدم حسنًا في منزل العز راقيًا
مدى العمر ما غنى على العود من قمري
فقد جاء تاريخًا بمجدك كاملًا
هنيئًا بإقبال السرور مع الدهر

وكان بعض أدبا مصر ألف مجموعًا في الألغاز؛ ليعارض به بعض العصريين على طريق الإيجاز والإعجاز فما أجابه أحد لذلك، فطلب من المترجم تقريظًا على حواشيه ليصون طلعته من عاذله وواشيه فكتب عليه:

لله دَرُّكَ من بليغ ماهر
جمع المعاني في بديع كتابه
سحر العقول بلفظه وبلطفه
وأبان في معناه عن أنسابه
كلم كنظم العقد يحسن تحته
معناه حسن الماء تحت حبابه
أعددت للبلغاء تأليفًا غَدَا
في فنه يسمو على أترابه
وأراك نلتَ من الحجا حظًّا غدا
لا يستطاع وصوله من بابه
أوفت بك الهمم العلية منزلًا
مستصعبًا صعبًا على خُطَّابه
والله يرعى سرح كل فضيلة
حتى يروجه على أربابه
ألبست عصرك من بيانك حلة
فمشى اختيالًا في بَهَا أثوابه
يا من له قلم جرى من ثغره الشـ
ـهد الشهي سوى سواء لعابه
تربى على تلك المعاني أنها
أشفت فؤادًا ذاب من أوصابه
عرفت بلاغتك العميدة عندما اسـ
ـتذللْت صعب القول من أهضابه
وظلمت لغزك إذ صبوت رياضة
رجلًا تعطَّل من حلى آدابه
فلذا أجاب مقصرًا عن شأوه
إذ كان يعجز عن بلوغ ثوابه

فأجاب ذلك الشاعر بقصيدة وأطال فيها ومطلعها:

لله ثغر شفَّني برضا به
كيما أفوز بنشق عرف رضابه

فكتب إليه المترجم ثانيًا معرضًا له بقصيدته قوله:

هذا الأديب اللوذعي ترى به
جمل الفضائل وهي من أترابه
وله المقال المستجاد بأسره
وسواه نحثو وجهه بترابه
ولقد رشفت زلال معنى لفظه
والغير يقنعه لموع سرابه
فاعجبْ له من شاعر متقادر
سل المنام بلطفه وسرى به
أنسى البدائع من بديع نكاته
قسمت بلاغته على إعرابه
وأتى بكل غريبة في نظمه
منسوبة المعنى إلى أعرابه
لله أبيات أتت من نحوه
أشفت فؤادًا ذاب من أوصابه
قد كان أفناه النوى وأباده
مما يلاقي من مرارة صابه
وأتى بتنجيس يرق لطافه
وروى المعالي وهي من ألقابه
فاعجب لسحر كلامه كيف اغتدى
مستعذبًا عندي لما ألقى به
يا من إذا عد الورى قلنا لهم:
لا نرتضي أنَّا نرى ألفًا به
كيف الفداء وقد طربت عشية
من قربه لما بدا إلفي به
يا فاضلًا بعدت مرامي عزمه
وغدا تغزله ببدء خطابه
وبدأته بالماهر الندب الذكي
وأجابني ثغر شفى برضابه
إني أعيذك أن تعود لمثلها
إذ ذاك خلق لست من أصحابه
وإذا أتتك من القريظ مقالة
وأبيت عنها فلتكن من بابه
وله الإله يديم حظًّا شامخًا
ما حن مشتاق إلى أحبابه

وله موشحة على وزن موشحة الأديب العلامة ابن خطيب وأريا الأندلسي، وهي:

ليت شعري يا أخلاء الهوى
هل أرى بدري بحاني مؤنسي
أم أقاسي عن زمان قد قسا
ورمى أحشاي سهمًا عن قسي

دور

يا سقى الله زمانًا قد مضى
في مغالي مصر في عيش خصيب
حيث بدري قد قضى لي ما قضى
بالتداني إذا غفت عين الرقيب
شب من تذكارها نار الغضى
في فؤادي وتلافا في النحيب
واعترتني دهشة حين جرى
من دموعي سائلًا في الغلس
وغدا قلبي كليمًا مذ سرى
بارق في نحو ذاك المكنس

دور

يا رياضًا حسنها زاه يشيق
جاد في مثواك منهل السحاب
كم مضى لي فيك من معنى أنيق
حين كان اللهو مزهى الجناب
هل ترى عيني محياك الشريق
لابسًا برد التهاني والشباب
وأرى بدري يناجيني على
ذلك البسط الشهي السندس
وأحلى صبر دهري بالمنى
من معاه زاهيات الملبس

دور

قد شربنا الصد كأسًا مترعًا
حين صد الظبي عنا ونفر
غصن بان غصنه قد أينعا
مثمر بالدل حينا والخفر
وجهه الفتان أمسى مبدعًا
كل معنى رائق يسبي الفكر

دور

يثني ما إن تبدى معجبًا
بالعيون الفاتكات النعس
ينهب الأرواح منا لاهيًا
لم يراقب في ضعاف الأنفس

دور

كيف لي صبر إذا اللاحي لحى
في حبيب حسنه فاق الهلال
بدر تم مخجل شمس الضحى
جؤزري اللحظ ممشوق الدلال
ما سقى الصب هواه فصحا
من غرام قد عراه وخيال
يوسف العصر معسول اللما
كاحل الطرف شهي اللعس
ترك الصب كليمًا عندما
جال في النفس مجال النفس

وقال متشوقًا إلى مصر وكان بقرية أطواب من أعمال الصعيد:

سلام على مصر سلام شج حنا
تبلغها أيدي النسيم لها عنا
وأزكى تحيات على الروضة التي
عليها لسان الجون بالمزن قد أثنى
وحيا إلهي نيلها وظلالها
وخلجانها والقرط إذا شنقت أذنا
ومقياسها مني إليه رسالة
معنبرة الأرجاء عاطرة عرنا
وجبهتها والمنتهى ذكر أنه
فوالله لَهْيَ الخلد بل أشبهت عَدْنا
وفي مشتهاها تشتهي النفس لذة
ومن صدرها عين الرقيب همت مزنا
ميادين لذات وأقصى مآرب
وغايات آمال لمن هام أو أنا
فكم نلت فيها من سرور وبغية
إذ العيش طلق والهوى ضاحك سنا
وليلًا تنافيها وطيب حديثنا
وجيب الدجى ينشق عن بدرها دجنا
وقضبانها إذ هبت الريح ميلت
هياد بهاتيها فتزهى بها حسنا
وقمريها إذ قام في الدوح راقيًا
على منبر الأشجار في عوده غنا
أأيامنا ما كنت إلا منازها
بساحاتها والقصف إذ كان ما كنا
تنكرت يا أيام من ذا الذي وشى
إليك بسوء ما الذي قد جرى منا
لئن كان ذنبي عندك الفهم والحجا
فجهلي أحرى فارجعي لست أستغنى
إرادة حظي أتعبتني ومن يكن
يحاول حظًّا حال من دونه الأدنى
قلتني مصر وهي أرضي وشعبتي
وداري وشوقي والمآلف والمغنى
وأنزلني طول النوى دار غربة
بغربي مصر أشتكي الهم والحزنا
أقمت بأطواب ثلاثين ليلة
أقاسي بها الأوصاب واخترتها سجنا
كأن نبي الله يوسف قد بقت
عليه ليال رام يقتصها منا
فيعقوب أحزاني أقام بأضلعي
يراعي بشيرًا أو يحاوله أذنا
أردد عيني في خلال ديارها
فأنظر أهليها وقد ملئوا جبنا
فأقضي أسى يملا القلوب تحسرًا
على فائت قد مر خسر ولا أغنى
لك الله قلبًا ما أشدك قسوة
وأصبر في البلوى وأكرم في الحسنا
وأعدى إلى الأعدا وسلمًا إلى الرضا
وعبدًا إلى المعروف إن جاد أو ضنا
ولولا الذي لاقيت ما كنت أشتكي
ولكن ليالينا أساءت بنا الظنا

وقال أيضًا:

وجاد الحيا أطلالهم وربوعهم
وروى ثراهم من دموعي وعبرتي
ولا زال ثغر البرق مبتسمًا لهم
يبلغهم عني رسالة لوعتي
أأحبابنا هل تسألوا الركب إن سرى
عن الكبد الحراء أين استقرت
وما كيف حالي واللجاجة والهوى
وما للنوى حتى رمتني بغربتي
فهل سبقت مني إلى الدهر خطة
فلا توبة تمحو ذنوبي وعثرتي
أبى الله ما ذنبي إليه سوى الحجا
وذلك عند الدهر أكبر خطتي
رمتني أيدي البين عن سهم قوسها
أصابت فؤادي الهائم المتشتت
ولم ترع حقي للوداع بوقفة
أبث لها للربع جهد صبابتي
وقفت على ربع الأحبة خاضعًا
وفي رسمها أبكي ضحى وعشية
فلم أر فيها غير نؤيٍ مهدم
خلا من أهاليه لقلة عشقة
خليلي قومًا واسألا الروضة التي
بها اخضل نبت في عرار وزهرة
وأدوا بها حق البطالة والصبا
وميلوا إلى الخلخال والقرط بالتي
وفي المنتهى بالمشتهى لا تذكروا
حديث النقى شوقًا فليس بسنتي
وللرصد حيوه مع اللهو ساعة
فذلك أقصى ما يبرد غلتي
لقد بعث الأرواح من بعد موتها
نسيم سراياه بوفد أحبتي
فلله ما أحلى وأملح ليلها
إذ العيش طلق ضاحك بمسرتي
ومقياسها يا صاح لا تنس فضله
بدا مثل شيخ لابسًا لعمامتي
ويأتي إليه النيل كبرًا وعزةً
فيصغر ذلًّا من أصابعه التي
يكسب تلك الأرض حسنًا ونضرة
فتحكي عروسًا في ملابس خضرة
فوالله مذ فارقت مصر وأهلها
بكيت على أهلي وداري وجيرتي
وسودني طول النوى بعد صفرة
وبدلني بعد البياض بحمرة
وأنزلني حظي بأطواب قرية
أقمت بها ما بين يوم وحدأة
أقضي نهاري صامتًا ومكربًا
ويجمعني ليلي وهمي وفكرتي
ولم أر فيها حلة أستظلها
سوى زفرات من هجير بشعلة
ولم ألق فيها واحدًا أستجيره
ولا فاضلًا أمليه حسن شجيتي
لك الله قلبًا كيف يبقى على الأسى
وتعسًا على الضراء كيف استقرت
قضاء من الرحمن لا شك واقع
فأولى له التسليم في كل حالة
ومن يرعه مولاه يؤتيه سؤله
ويحظى بقرب من نعيم وجنة
وأزكى سلام يعبق الكون نشره
على السيد الماحي لكل ضلالة
كذا الآل والأصحاب ما دنف شدا
سلام على مصر ديار أحبتي

وقال — سامحه الله تعالى:

هل العيش إلا في اكتساب مآثم
أو العمر إلا في اقتناء محارم
أو الغنم إلا في ارتكاب كبيرة
أو السكر إلا في ارتشاف مباسم
سقى الله أيام البطالة أدمعًا
من العين تجري كالغيوث السواجم
زمان به كان السرور بخنصري
ختامًا وكان الظبي فيه منادمي
إذ العيش طلق والرياض بواسم
عن النور لكن من شفاه الكمائم
وسيري إلى تلك الدساكر سحرة
وغنمي بها من طيبات مواسم
وجرِّي ذيول التيه في عرصاتها
جهارًا وضمي للقدود النواعم
خليلي لو وافيتمو حق صحبتي
لكنتم رفاقي بين تلك المعالم
فحيا الحيا دار الأحبة ما شدا
على الدوح مطراب الأصائل هائم
لقد طال ما نازعت فيها زجاجة
تضمنت الأفراح من عهد آدم
معتقة صاغ المزاج لرأسها
أكاليل من در كدور دراهم
إذا ما جلاها مخطف الخصر في الدجا
وغنى عليها مثل شدو الحمائم
أبحت طريفي في هواه وتالدي
وصيرته مولى عليَّ وحاكمي

واتفق أن بعض الجهلة لبس عمامة ودخل على السيد عبد الرحمن العيدروس، فقال السيد: حمل الثور جوزة السرطان، فلم يتيقظ ذلك الشيخ لما أبداه السيد، وظن أن ذلك مدح له فضمن هذا الشطر بعض شعراء المحلة الكبرى يخاطب فيها السيد العيدروسي، فلما بلغ المترجم ذلك قال على روي ما قاله ذلك الشاعر المحلي:

يا أديبًا قد حاز رق المعاني
وبليغًا أبدى فنون البيان
وظريفًا يسمو بكل نكات
من بديع تزرى بعقد الجمان
فقت نعتًا وفي وصف شيخ جهول
أنفت منه أنفس الثقلان
يدعي الشيخ أنه صار فردًا
قلت صدقًا لكن على الصبان
وتراه مع الغباوة والجهـ
ـل كثير الفضول والهذيان
يتمادى على الضلال بوجه
أسود كالغداف بالبطلان
ليس يدري ماذا يقال إليه
أمن الشعر أم من القرآن
ورآه أديبنا العيدروسي
لابسًا عمة ككرب الزمان
فابتداه بنصف بيت لطيف
حمل الثور جوزة السرطان
فانثنى ضاحكًا وأظهر بشرًا
وغدا لائمًا لذاك البنان
ليته لو رمى العمامة بحرًا
ليرى الدلو بركة الحيتان
فهو عندي كعقرب أو كجدي
لا كليث في سنبل الميزان
وإذا ما نظرت يومًا إليه
قلت: كبش قد حل في كيوان

وله في اسم حسن:

أفديه من أهيف جلت محاسنه
عن الشبيه وأضحى قده غصنا
أقول لما أتاني زائرًا فرحًا
مستبشرًا باللقا: أحسنت يا حسنا

وله في مفن اسمه وفى:

أفدي الذي سحر الألباب منطقه
وفي جراح الهوى قلب الكليم شفى
أقول لما شجتني حسن نغمته:
يا ليت من كنت أهواه أتى ووفى

وله تشطير لبيتي بعض القدماء:

(بالله يا قبر هل زالت محاسنه)
أم كيف رونقه والحسن والجور
وحسن طرته ما شأن حالتها
(وهل تغير ذاك المنظر النضر)
(يا قبر لا أنت لا روض ولا فلك)
يشوقنا منك ما نرجو وننتظر
ولست في الحسن معشوقًا إلى أحد
(حتى تجمع فيك الحسن والقمر)

وله أيضًا تشطير على بيتين أنشدهما له الشيخ محمد الكراني الشاعر، رحمه الله وهما:

خبراني عن قهقهات القناني
أنا منها في غاية الإيهام
أترى ضحكها لبسط الندامى
أم بكاءً على فراق المدام

فقال مشطرًا:

(خبراني عن قهقهات القناني)
وابتهاج الربا بصوب الغمام
واهتزاز الغصون في الروض لينًا
(أنا منها في غاية الإيهام)
(أترى ضحكها لبسط الندامى)
أم سرور الجميع شمل الكرام
أم خطا بالبلبل الدوح غنى
بكاء على فراق المدام

وللمترجم مقامة وقصيدة يداعب الشيخ علي عنتر الرشيدي أعرضنا عنهما لما فيهما من الهجو والذم وله غير ذلك، توفي — رحمه الله تعالى — سنة إحدى عشرة ومايتين وألف.

ومات الأجل الأمثل والوجيه الأوحد المبجل حسين أفندي قلفة الشرقية والده الأمير عبد الله من مماليك داود صاحب عيار، وتربى المترجم عند محمد أفندي البرقوقي وزوجه ابنته، وعانى قلم الكتابة واصطلاح كتابة الروزنامة ومهر في ذلك، فلما تولى محمد أفندي كتابة الروزنامة قلده قلفة الشرقية ولم تطل مدة محمد أفندي، ومات بعد شهرين؛ فاستولى المترجم على تعلقاته وراج أمره واشترى بيتًا جهة الشيخ الظلام، وانتقل إليه وسكن به وساس أموره واشتهر ذكره، وانتظم في عداد الأعيان واقتنى السراري والجواري والمماليك والعبيد، وكان إنسانًا لا بأس به جميل الأخلاق حسن العشرة مع الرفاق مهذب الطباع لين العريكة، واقفًا على حدود الشريعة، لا يتداخل فيما لا يعنيه مليح الصورة والسيرة، توفي — رحمه الله — أيضًا سنة إحدى عشرة ومايتين وألف.

ومات العمدة العلامة النبيه الفهامة بضعة السلالة الهاشمية، وطراز العصابة المطلبية الفصيح المفوه السيد حسين بن عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن حمادة المنزلاوي الشافعي خطيب جامع المشهد الحسيني، وأم أبيه السيد عبد الرحمن السيدة فاطمة بنت السيد محمد الغمري، ومنها أتاه الشرف حضر على الشيخ الملوي والحفني والجوهري والمدابغي والشيخ علي قايتباي والشيخ البسيوني والشيخ خليل المغربي، وأخذ أيضًا عن سيدي محمد الجوهري الصغير والشيخ عبد الله إمام مسجد الشعراني والشيخ سعودي الساكن بسوق الخشب، وتضلع بالعلوم والمعارف وصار له ملكة وحافظة ولسانة واقتدار تام واستحضار غريب، وينظم الشعر الجيد والنثر البليغ وأنشأ الخطب البديعة، وغالب خطبه التي كان يخطب بها بالمشهد الحسيني من إنشائه على طريقة لم يسبق إليها، وانضوى إلى الشيخ أبي الأنوار السادات، وشملته أنواره ومكارمه ويصلي به في بعض الأحيان ويخطب بزاويتهم أيام المواسم، ويأتي فيها بمدائح السادات وما تقتضيه المناسبات وله منظومة بليغة في سلسلة السادة الوفائية سماها السيد حسن بن علي العوضي بعقد الصفا، في ذكر سلسلة ساداتنا بني الوفا، وذكرها في كتابه مناهل الصفا، يقول في أولها ما نصه:

سماء بها الزهر الأزاهر تشرق
بأنوارها قد نار غرب ومشرق
وزانت صفا مرآتها وهي حفظها
لمسترق قد جاء للسمع يسرق
إذا مد كف النحو نحو سمائها
يكف بشهب للمعاند تحرق
فما هي إلا عرش كنز حقائق
بها الحق مشهود لمن يتحقق
رياض معانيها بهن نوافح
لأزهار أسرار بها الطيب ينشق
فكم أورقت فيها غصون وكم حلت
بها ثمرات للمحقق ترزق
يلعلعها غنت فِصَاحُ بلابل
فأعربت الألحانَ والحانُ مطرق
رعى الله ما قد راق منها وما حلا
وأعلى سماء برقها متألق
حمى الله مرقاها ومعراج قدسها
بكوكبها السامي الذي ليس يلحق

إلى آخرها وهي طويلة وله غير ذلك سامحه الله تعالى، توفي في منتصف شهر شعبان من السنة، غفر الله لنا وله ولوالدينا وللمسلمين بمنه وكرمه آمين.

وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء ليلة الثلاثا المبارك عشرين خلت من شهر ذي الحجة الحرام، سنة ١٢٨٩ (١٨٧٢م) من الهجرة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والتحية، كاتبه محمد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤