الفصل الثاني

غارات العرب على فرنسة من بعد جلائهم عن أربونة إلى عهد استيلائهم على بروفانس سنة ٨٨٩ مسيحية

قال «رينو»: إن العهد الذي سنتكلم عنه الآن في هذا القسم من تاريخنا مختلف عن العهد الذي تقدمه والذي سردنا وقائعه، فقد ظهر لنا مما تقدم من الوقائع أن العرب في تغلغلهم في فرنسة لم يكونوا مقتصرين على نية الاستيلاء على هذه المملكة فقط، وإدخالها في الإسلام، بل كان هدف رميهم الاستيلاء على سائر أوربة وإضافة هذه القارة التي كادت في زمان الرومانيين تستولى على العالم، إلى سلطنة الإسلام كإحدى مقاطعاتها، ومما لا ينبغي أن ننساه أن قواد الجيش العربي الفاتح كان أكثرهم من الجزيرة العربية والشام والعراق، فكان مركز ديانتهم ومبعث قوتهم في الشرق، ومن الشرق، فكانت جميع أعراقهم تنزع بهم إلى هناك، ولم يكن في نظرهم عقبة كؤود بعد أن قاموا بتلك الفتوحات التي لا نظير لها، وكانوا كلما كانت مملكة أوسع رقعة وأكثر رجالًا وجدوها أصلح للغارة وأجدر بالفتح وبنيل المجد في الدنيا والثواب في الآخرة.

أما العهد الذي سندخل فيه الآن فلا يماثل العهد السابق؛ فإن الأمير الذي بدأ يتولى الأندلس كان بقية عائلة مالكة قد ثلَّ عرشها في الشام وأبيد رجالها بالسيف، ففر شريدًا وانسل وحيدًا إلى إسبانية، وأصبح لا يرى في إفريقية وفي سائر أقسام السلطنة الإسلامية إلا أعداء له ولأهله، ولم تكن الجزيرة الأندلسية بالقطر الذي يمكنه وحده أن يستقل بحملات عظيمة كفيلة بالاستيلاء على الأرض الكبيرة، بل كان المسلمون في ذلك القطر قد دبَّ في جوانبهم الوهن بسبب الفتن الداخلية المستمرة التي كانت بينهم، والتي كانت قد أبادت خضراءهم، وبما تأصل في طباع أهل الأندلس من غريزة حسب الانتقاض على كل سلطة مما اهتبل به المسيحيون، سكان المقاطعات الشمالية، الغرة لأجل الكرة على العرب.

وكانت فرنسة التي هي مرمى العرب في هذه الغارات تتأيد يومًا فيومًا ويغلظ أمرها، فإنها في عهد «ببين» و«شارلمان» خضعت بأجمعها لسلطة واحدة، وكان يمكنها لدى الحاجة أن تستعين بجيوش جرارة تأتيها من ألمانية وبلجيكا وإيطالية، فارتفع إذًا كل خوف من وجودها بعد ذلك عرضة لاعتداء المعتدين، ولم يعد مسلمو إسبانية هم المهاجمين لمسيحيي فرنسة، بل أصبح مسيحيو فرنسة هم المهاجمين لمسلمي إسبانية.١ وكان «ببين» و«شارلمان» قد أخذا يراسلان أهالي «كتالونيا» و«أراغون» و«نابار» ليوحدوا حركتهم مع الإفرنج، كما أنهما كانا دائمًا يمدان أيدي التحريك إلى أمراء العرب الثائرين على السلطان في قرطبة، وكثيرًا ما هم، ثم لم يلبث شارلمان وأولاده أن وطئوا بالفعل أرض إسبانية وأدخلوا بعضها في مملكتهم؛ لأن الولايات التي تشرب من نهر الأيبر٢ بقيت مدة من الزمن تابعة لفرنسة، ثم عندما أخذ المسيحيون سكان الشمال يكرون على العرب ويسترجعون بلاد آبائهم كان أهالي جنوبي فرنسة الذين أكثرهم والإسبان من أصل واحد يخفون لنجدتهم ويجيبون لصريخهم.

ومما يدلك على بعد المدى الذي تصل إليه أهواء النفوس إذا استحكمت العداوة أن أمراء قرطبة كانوا في نزاع دائم مع خلفاء بغداد، وكان وكد كل من الفريقين النكاية بالآخر، أكثر منه في الفتوحات في بلاد المسيحيين أنفسهم، وبينما كان ملوك قرطبة يراسلون قياصرة القسطنطينية الذين كانوا في حرب مع مسلمي الشام وفارس ومصر كان خلفاء الشرق يعقدون معاهدات مع ملوك الفرنسيس الذين كانوا في حرب مستمرة مع مسلمي الأندلس، وكانت لذلك العهد العلاقات التجارية قد بدأت بين الشرق والغرب وسارت السفن تختلف بين «مرسيلية» و«فريجوس» ومرافئ سورية ومصر؛ لأجل التجارة بالبهارات والطيوب والمنسوجات الحريرية، وانضمت إلى هذه العلاقات التجارية أسباب دينية كان يستهان لأجلها بجميع الأخطار، وذلك أن المسيحيين في الغرب كانوا في أثناء الحروب بينهم وبين المسلمين لا يتأخرون ساعة عن أن يزوروا البقاع المقدسة في فلسطين.

وفي سنة ٧٣٣ ذهب حجاج من الغرب إلى بيت المقدس والناصرة وكانوا يجولون آمنين في فلسطين والشام وزاروا قصر الخليفة نفسه في دمشق ولم يعترضهم أحد٣ ولا خافوا ولا حزنوا.

وكان الخلفاء العباسيون يعاملون الدولة الإفرنسية أحسن معاملة، ويتبادلون وإياها التحف والألطاف، وإن كان قد وجد من عمالهم في إفريقية من يشن الغارات على سواحلنا، في الأحايين، فما ذاك إلا لتباعد المسافات بين أولئك العمال وبين مركز الخلافة العباسية.

هذا ومنذ استرجع «ببين» القصير «أربونة» وأجلى العرب عنها سكنت الأمور بين مسلمي الأندلس والفرنسيس، وكان «ببين» يعد «البيرانه» هي التخم الطبيعي بين فرنسة وإسبانية، وكان عبد الرحمن مشغولًا حينئذ بمحاربة الأمراء الخارجين عليه، ولم يكن «ببين» يهمل شيئًا من الوسائل لإثارة نيران الفتن بين المسلمين، وسنة ٧٥٩ أي بعد استرداد الفرنسيس لأربونة دخل أمير برشلونة المسمى سليمان٤ في علاقات مع «ببين» وتعاهد معه.٥ ومؤرخو الفرنسيس يزعمون أنه انضوى تحت لواء «ببين» ولكن الأصح أن يقال: إنه ما قصد إلا أن يستعين به على الاستقلال عن سلطانه، ومن بعد ذلك أصبحت هذه خطة أمراء المسلمين في شمالي الأندلس، فيوم يضغط عليهم السلطان في قرطبة يلجأون إلى فرنسة، ينشدون عندها التنفيس من حناقهم، وإذا ظهرت لهم مطامع الفرنسيس بحق بلادهم عادوا إلى رئيسهم في قرطبة واعتصموا به، وكانت تساعدهم على الاستقلال طبيعة البلاد التي كانوا فيها فإنها بلاد جبلية كثيرة الأوعار صعبة المرتقى يسهل على المقاتلة بها، ولو كان عددها قليلًا، أن تشاغل الجيوش الجرارة، وكان العرب يسمون «قشتالة» القديمة و«ألبة» بلاد «البا» و«القلاع»٦ وكانوا يسمون النابار بلاد البشكنس، وربما أطلقوا هذا الاسم على البلاد التي وراء البيرانه إلى جهة فرنسة؛ لأن أصل الأهالي واحد سواء في السفح الجنوبي أو السفح الشمالي من البيرانه.
وكان العرب يسمون البيرانه جبل البورتات وهذه اللفظة مشتقة من الكلمة اللاتينية Portus وبالإسبانيولية Puerto ومعناها الممر؛ وذلك لأنه من هناك كان الممر من الأندلس إلى الأرض الكبيرة، وكان يوجد في البيرانه أربعة أبواب معروفة عند العرب: الأول طريق برشلونة إلى أربونة على مدينة «پربينيان»٧ الحاضرة. والثاني: طريق «بويسردا» على «سردانة».٨ والثالث: الطريق الذي يؤدي من «بنبلونة» إلى «سان جان بييه دوپور»٩ والرابع: طريق طلوزة إلى بايُّون.١٠ وكانت طرق البيرانه في القرون الوسطى أوعر مما هي الآن بلا نكير.
وكما كان ببين ملك فرنسة كثير التضريب بين أمراء المسلمين، لا يفتأ يغري بعضهم بالإيقاع ببعض، كان الخليفة العباسي المنصور بعد أن بنى بغداد مجتهدًا أيضًا في توحيد المملكة الإسلامية كما كانت لعهد بني أمية، ولذلك أرسل من سواحل إفريقية أسطولًا فيه عساكر لمقاتلة عبد الرحمن الأموي الملقب بالداخل١١ ووجد من أمراء المسلمين بالأندلس من مالأه على عبد الرحمن، ولما كان ببين لا يخشى عادية المنصور، بمكانه من البعد عن فرنسة، وكان يرجو نصرته لكون عدوهما واحدًا أسرع إلى الدخول في العلاقات مع المنصور، وأمَّل منه الجذب بضبعه.
وفي سنة ٧٦٥ أرسل رسلًا إلى بغداد لبثوا ثلاث سنوات حتى رجعوا إلى فرنسة ومعهم رسل الخليفة، فنزلوا في مرسيلية وصعدوا إلى مقر ببين فبالغ في الاحتفاء بهم وقضوا ذلك الشتاء في مدينة «متز» باللورين، ثم أمر بإقامتهم في قصر سلس Sels على ضفاف اللوار ثم أعيدوا إلى الشرق، عن طريق مرسيلية، ومعهم الهدايا إلى الخليفة.

هذا وقد اتبع شارلمان خطة أبيه «ببين» في هذا المعنى فما استوسق له الأمر حتى أخذ يداخل أمراء الأندلس، من مسلمين ومسيحيين، فكان يقول لهذا الفريق: إنه إنما يريد ليحررهم من طاعة أمير قرطبة ويساعدهم على استقلالهم ويخفض جناح الرحمة لهم، ولذلك الفريق أنه هو حامي النصرانية الطبيعي الناصر للنصرانية الحافظ للكنيسة الأصلية القامع للبدع … إلخ.

وكان العرب عندما فتحوا الأندلس أبقوا للمسيحيين حريتهم الدينية، فكان يوجد أساقفة في قرطبة وطليطلة والمدن التي من الدرجة الأولى١٢ وكان لهم قسيسون في كل مكان وجدوا فيه، إلا أنه لا يظهر أنه كان يوجد في المدن الثغرية التي كانت مترددة بين حكم المسلمين وحكم النصارى أساقفة ينظرون في شؤون المسيحيين الروحية وكان المسلمون في إحدى الحروب هدموا مدينة طرَّ كونة١٣ فلم يبقَ فيها مركز أسقفي فصارت أمور بلاد كتالونيا الروحية مربوطة برئيس أساقفة أربونة في فرنسة، وقد كان أيضًا رئيس أساقفة أوش من مقاطعة جيرس Gers في فرنسة ينظر في شؤون مملكة أراغون الروحية، وكان شارلمان يفصل خصومات المسيحيين الإسبانيين فيما بينهم، وكان يتوسط لهم عند الباب فيما إذا كانت لهم رغائب إليه أو قضايا عنده.
وسنة ٧٧٧ ثار أميران من أمراء المسلمين في مقاطعات نهر إيرة، وخرجا من طاعة السلطان في قرطبة، فاجتازا البيرانه قاصدين شارلمان في وستفاليا Westphalie١٤ حيث كان منعقدًا مجلس حافل، وكان أحد هذين الأميرين وهو المسمى سليمان، في أثناء وجوده أميرًا على سرقسطة، قد قاتل عساكر أمير قرطبة وأخذ قائدها أسيرًا وجاء به وقدمه كهدية إلى شارلمان، ويزعم مؤرخونا أن هذا الأمير دخل في طاعة الإمبراطور الإفرنسي.١٥
وكان شارلمان مترصدًا فرصة كهذه حتى ينقض على إسبانية ويملك ولو جانبًا منها، فأمر بالنفير العام وتوافت إليه المقاتلة من ألمانية وفرنسة ولمبارديه، وزحف بهم قاصدًا البيرانه، وكان ذلك سنة ٧٧٨ ولم يكن يشك في كون الأهلين سيهرعون من كل ناحية إليه، يجتمعون تحت لوائه، ولكن أخطأ حدسه هذا؛ لأن المسلمين عندما جاء بنفسه قاوموه بالسيف وظهر أنه لم يكن مقصد بعض أمرائهم من خطبة وده إلا الاستعانة به على استقلالهم، وأما المسيحيون في الجبال فقد آلوا هم أنفسهم أيضًا أن لا يخضعوا لحكم الأجنبي أيًّا كان، فما وصل شارلمان إلى البيرانه حتى وجد نفسه محاطًا بالأعداء فضيق الحصار على بنبلونه١٦ ولم يفتحها إلا بعد قتال شديد، وكذلك قاومته مدينة سرقسطة، ويقول المؤرخون المسيحيون: إنه استولى عليها ذلك اليوم وأنه أخذ أميرها أسيرًا وأرسله مكبلًا إلى فرنسة، وأما مؤرخو العرب فينكرون ذلك، ويقولون: إنه فشل في هجومه على سرقسطة فشلًا تامًّا، ولكن بعد ذلك جرى أن قتل أمير سرقسطة غيلة فالتجأ ابنه إلى فرنسة.١٧ أما أمراء برشلونة وجيرونة ووشقة فقد أرسلوا رهائن من قبلهم إلى شارلمان.
وبينما شارلمان يحارب في شمالي إسبانية إذ جاءه الصريخ بأن أمة الصكصون أبت بأن تترك ديانتها الوثنية وبأنها زحفت للقتال، فاضطر شارلمان إلى مغادرة إسبانية عائدًا إلى فرنسة، وبينما هو في طريق رجوعه وعند وصوله إلى وادي «رونسفو Roncevaux» انقض عليه المسيحيون الجبليون، وساعدهم في ذلك المسلمون، فأوقعوا بساقة جيشه واستأصلوها، وهلك ذلك اليوم كثير من أبطال الفرنسيس بينهم فيما يقال «رولان Roland» الفارس الشهير.

وبالاختصار كانت الجهات الشمالية من إسبانية أشبه بالثغور لفرنسة كما كانت بلادًا ثغرية للعرب، وكان العرب يسمونها إفرنجة لكونها طالما ألحقت بمملكة أكيتانيا، وكان شارلمان قد جعل أكيتانيا لابنه لويس الذي جعل كرسي ملكه طلوزة أو طولوز.

فبعد أن قفل شارلمان من إسبانية عادت فعصت عليه المدن التي كانت أطاعته قبلًا، وحنق المسلمون على المسيحيين وجعلوا ينتقمون منهم، بحجة أنهم كانوا السبب في مجيء الفرنسيس، فلجأ عدد من المسيحيين إلى الجبال وكانوا يتحملون شظف العيش ويلبسون جلود السباع، ولا يبالون بسكنى البراري، ولكن المترفين من المسيحيين الذين لم يكونوا يستطيعون السكنى في الأوعار، التجأوا إلى شارلمان، ووزع هذا عليهم أراضي في بسائط أربونة، ولم يُفرض عليهم من الضرائب شيئًا إلا الخدمة العسكرية، وقيل: إنه كان بين هؤلاء المهاجرين أناس مسلمون ارتدوا إلى النصرانية كما يظهر من أسمائهم١٨ وقد اشتهر أناس من هؤلاء المهاجرين ولا يزال من بقاياهم عائلات نبيلة ينتسبون إليهم مثل عائلة فلنوف Villeneuve.
ثم إن عبد الرحمن الأول أمير قرطبة توفي سنة ٧٨٨ وقد وصفه المؤرخون الفرنسيون بالقسوة، وقالوا: إنه كان سفاكًا للدماء جبارًا عاتيًا وأنه أوقع بكثير من رعيته العرب والبربر، وزعم الدون بوكيه أن النصارى واليهود قاسوا العذاب ألوانًا في أيامه، وأنهم اضطروا إلى بيع أولادهم ليتمكنوا من المعيشة، وأما نحن فنعتقد أن هذا الأمير الذي فتح بلاده فتحًا بقوة ساعده وبمجرد حسن تدبيره، وكان في جدال وجلاد دائمين لأجل توطيد سلطانه، لم يكن ليستغنى أحيانًا عن الإتيان بمثلات من الشدة يرهب بها أعداءه، والحقيقة أنه كان في نفسه حليمًا عاقلًا محبًّا للعلوم والصنائع، وأنه هو أول مؤسس للمدنية العربية الزاهرة في الأندلس، ولا يظهر أنه كانت له علاقات رأسًا مع شارلمان، وإن كان المقري يذكر ذلك ويقول: إنه أراد أن يخطب إحدى بناته١٩ والأرجح أنه لم يكن عبد الرحمن الأول هو الذي دخل في علاقات كهذه مع قارله، بل عبد الرحمن الثاني الذي كانت له علاقات مع شارل الأصلع، والذي كان عائشًا في عصر لم تكن فيه هذه المصاهرات وأمثالها مستنكرة. أ.هـ.

وقبل إكمال حديث «رينو» عن عبد الرحمن الأول وعبد الرحمن الثاني رأينا مناسبًا أن نذكر خلاصة تاريخ عبد الرحمن الثاني نقلًا عن نفح الطيب.

قال المقري: غزا عبد الرحمن بن الحكم لأول ولايته إلى جليقية وأبعد وأطال المغيب وأثخن في أمم النصرانية هنالك، ورجع، وفي سنة ٢٠٨ أغزى حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع، فخرب كثيرًا من البلاد وانتسفها، وفتح كثيرًا من حصونهم وصالح بعضها على الجزية وإطلاق أسرى المسلمين، وانصرف ظافرًا، وفي سنة ٢٤ بعث قريبه عبيد الله بن البلنسي في العساكر، لغزو ألبة والقلاع، فسار ولقي العدو فهزمهم وأكثر القتل والسبي، ثم خرج لذريق ملك الجلالقة وأغار على مدينة سالم بالثغر، فسار إليه فرتون بن موسى وقاتله فهزمه وأكثر القتل والسبي في العدو، ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكاية للمسلمين فافتتحه وهدمه، ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقية فدوخها وافتتح عدة حصون منها وجال في أرضهم ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم، وفي سنة ٢٦ بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة وانتهوا إلى أرض برطانية٢٠ وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل طليطلة٢١ ولقيهم العدو فصبر حتى هزم الله عدوه. وكان لموسى في هذه الغزوة مقام محمود، وفي سنة ٢٩ بعث ابنه محمدًا بالعساكر، فتقدم إلى بنبلونة، فأوقع بالمشركين عندها وقتل غرسية صاحبها وهو من أكبر ملوك النصارى.
إلى أن يقول: وفي سنة إحدى وثلاثين بعث العساكر إلى جليقية فدوخوها وحاصروا مدينة ليون٢٢ ورموها بالمجانيق وهرب أهلها عنها وتركوها، فغنم المسلمون ما فيها وأحرقوها، وأرادوا هدم سورها فلم يقدروا عليه؛ لأن عرضه كان سبعة عشر ذراعًا، فثلموا فيه ثلمة ورجعوا، ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم في العساكر إلى بلاد برشلونة فعاث في نواحيها وأجاز الدروب التي تسمى «البرت» إلى بلاد الفرنجة، فدوخها قتلًا وأسرًا وسبيًا، وحاصر مدينتها العظمى «جيروندة»٢٣ وعاث في نواحيها وقفل، وقد كان ملك القسطنطينية من ورائهم «توفيلس»٢٤ بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة ٢٥ بهدية يطلب مواصلته ويرغبه في ملك سلفه بالمشرق من أجل ما ضيق به عليه المأمون والمعتصم، حتى أنه ذكرهما له في كتابه إليه، وعبر عنهما بابني مراجل وماردة٢٥ فكافأه الأمير عبد الرحمن عن الهدية وبعث إليه يحيى الغزال من كبار أهل الدولة، وكان مشهورًا في الشعر والحكمة، فأحكم بينهما الوصلة وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند مناغيه من بني العباس، ويعرف الأمير عبد الرحمن بالأوسط؛ لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد الرحمن الناصر، ثم توفي عبد الرحمن الأوسط سنة ثمان وثلاثين ومائتين بربيع الآخر لإحدى وثلاثين سنة من إمارته، ومولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة.

وكان عالمًا بعلوم الشريعة والفلسفة وكانت أيامه أيام هدوء وسكون، وكثرت الأموال عنده، واتخذ القصور والمتنزهات وجلب إليها المياه من الجبال، وجعل لفضلها مصنعًا اتخذه الناس شريعة وأقام الجسور، وبُنيت في أيامه الجوامع بكور الأندلس، وزاد في جامع قرطبة رواقين، ومات قبل أن يستتمه، فأتمه ابنه محمد بعده، وبنى بالأندلس جوامع كثيرة، ورتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة. قال: وكان كثير الميل للنساء، وولع بجاريته «طروب» وكلف بها كلفًا شديدًا وهي التي بنى عليها الباب ببدر المال حين تجنت عليه وأعطاها حليًّا قيمته مائة ألف دينار. أ.هـ.

وجاء في النفح كلام طويل عن محبة هذا الأمير لطروب ولغيرها من الجواري، ولم يقل: إنه خطب ابنة شارل الأصلع ملك فرنسة، ولم أذكر أن «دوزي» الذي استقصى في الكلام عن عبد الرحمن الثاني وسيرته الشخصية ذكر شيئًا من هذا.

ونعود إلى سياق حديث «رينو» عن أمراء بني أمية ومغازيهم في إفرنجة، فهو يقول: إن عبد الرحمن الداخل كان استخلف ابنه هشامًا من بعده، وأن هشامًا لأول حكمه وجد الفتن مشتعلة في أكثر البلاد، فأراد أن يشغل الأمة عن الفتن الداخلية بجهاد العدو الخارجي؛ لأنه أجمع شيء للكلمة، وكان يريد أن يتلافى ما نقص من المملكة بغارات ببين وشارلمان الأخيرة ويخضد شوكة مسيحيي بلاد استوريش وشمالي الأندلس فأجمع على قتال المسيحيين في كل مكان، وفي أيامه كثرت القالة بأن المسلمين لا يقدرون إلا على قتال بعضهم بعضًا، وأفتى بعض الفقهاء بأنه لا يجب دفع الخراج لأمراء لا يعرفون أن يقاتلوا إلا أمة محمد وحدها، وكانوا يضربون الأمثال في خدمة الإسلام بخلفاء بغداد الذين كانوا يواصلون غزو مملكة القسطنطينية.

فبناء على هذا كله تحمس هشام وأعلن الجهاد، وأمر الناس كافة بأن ينفروا قاصدين جبال البيرانه، فمن لم يقدر على الجهاد بنفسه وجب أن يجاهد بماله، وقُرئ منشور الأمير في الجوامع، وفيه الآي القرآنية التي تحض على الجهاد٢٦ فلما تلى هذا المنشور نفر الناس للجهاد من كل فج، وانثالوا على الأمير من كل حدب، ولكن برغم هذا كله لم يكن المجاهدون بالأعداد التي كانت تجتمع في الغزوات الأولى لأول الفتح عندما كان المجاهدون كحصي الدهناء، ينفرون للجهاد في سبيل الله من إفريقية والشام وجزيرة العرب وغيرها، فإن هذه البلدان كلها كانت في أيام هشام موصدة الأبواب على من أراد الجهاد في الأندلس، فأصبح الغزو في الأندلس منحصرًا في أهلها، ولذلك لم يجتمع في هذا النفير سنة ٧٩٢ غير مائة ألف مقاتل، انقسمت إلى شطرين: زحف منها شطرٌ إلى قتال مسيحيي أشتوريش، فلم يظفروا بطائل يذكر، وزحف الشطر الآخر تحت قيادة الوزير عبد الملك٢٧ إلى كتالونيا، ومنها تأهب لاجتياح فرنسة.
وكان دخولهم إلى فرنسة سنة ٧٩٣ وشارلمان يومئذ مشغول على ضفاف الدانوب بحرب الآفاريين، ونخبة جنود مملكة أكيتانيا غائبة في إيطالية بصحبة لويس بن شارلمان، فنهد المسلمون من فورهم إلى أربونة، ولما وجدوها محصنة بادروا بإحراق أرباضها، وزحفوا إلى قرقشونة٢٨ وكان لويس ملك أكيتانيا قد عهد بالوكالة في غيابه إلى غليوم كونت طلوزة، فاستنفر غليوم أمراء المملكة ورجالاتها، وأقبل المسيحيون تحت السلاح من كل جانب، وتلاقوا مع المسلمين على ضفاف نهر «أوربيو»٢٩ في المكان المسمى «فيلدانيا»٣٠ بين قرقشونة وأربونة، وكانت المعركة من أحمى المعارك وطيسًا، وقاتل الكونت غليوم قتال الضواري، ولكن المسلمين ثبتوا كالأوتاد والفرنسيس انهزموا ذلك النهار وولوا الأكتاد وأصيبوا بخسائر فادحة، وغنم المسلمون غنائم فوق الإحصاء، غير أنه لم يكمل سرورهم وقُتل أحد كبار قوادهم، فلم يتعقبوا المسيحيين في هزيمتهم، واكتفوا بما أصابوه من السبي والمغنم، وقفلوا إلى الأندلس ظافرين، وكان لهذه الطائلة للمسلمين على المسيحيين، فرح عظيم عند المسلمين؛ لأنه كان قد طال عهدهم بالظفر٣١ وأصاب الأمير خمس الغنائم فبلغ خمسة وأربعين ألف مثقال من الذهب، فإذا حسبنا قيمة الذهب يومئذ بالنسبة إلى قيمته الحاضرة وجب أن نضرب هذا العدد بتسعة فيجتمع لنا سبعمائة ألف فرنك من معاملتنا الحاضرة٣٢ فبنى هشام بهذا المال في جامع قرطبة الذي كان أبوه لم يتمه٣٣ وكان عبد الرحمن الأول بدأ جامع قرطبة من غنائم الحرب، فزاد ذلك في حرمة الجامع في نظر المسلمين، فلما باشر ابنه هشام بناء القسم الجديد من الجامع وجد المسلمين ملتزمين الصلاة في القسم القديم، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إن هذا من أجل كون هذا القسم بُني من غنائم الجهاد، فأجابهم هشام بأن القسم الجديد أيضًا بُني من غنائم الجهاد، واستدعى القاضي ونفرًا من كبار القوم فأيدوا كلامه.٣٤ وقال بعضهم: إن أسس هذا الشطر الجديد من الجامع وضعت على تراب مجلوب من جليقية ومن جنوبي فرنسة، أي من مسافة مائتي مرحلة، حمله أسرى المسيحيين على ظهورهم، وقد تقدم هذا الخبر في الكلام على مدينة أربونة.
ولم يثبت أن المسلمين تمكنوا من أربونة في تلك الغزاة، ولو كانوا فتحوها لكان مؤرخو المسيحيين أشاروا إلى ذلك الحادث، واشتهر في تلك الحرب غليوم كونت طلوزة، من أمراء البلاد ومن أفرس فوارسها وأشدهم تحمسًا بالدين المسيحي؛ لأنه بعد أن قضى حياته في الحروب، وكان من جملة غزاة الفرنسيس الذين فتحوا برشلونة، أنهى حياته في دير جلون (Gellone) الذي بناه هو بنفسه في لوديف (Lodéve) ومات بذلك الدير منقطعًا للعبادة، وصار معدودًا في مصاف القديسين، ترجمه أحد معاصريه فقال: إنهم في القرن العاشر كانوا في الكنائس يرتلون دائمًا الأناشيد بذكر أعماله المجيدة ومواقفه في جهاد المسلمين، ولما أخذ شعراء الفرنسيس ينظمون القصائد على شارلمان ومشاهير رجاله ويترنمون بذكر وقائع، فيها ما هو صحيح وفيها ما هو خيال، كانوا يجعلون من ذلك قسطًا كبيرًا لغليوم ذي الأنف القصير، وكانوا يصورون مدينة نيم ومدينتي أورنج وآرل كأنها قد وقعت في أيدي المسلمين ولم يتم استخلاصها إلا على يد ذلك البطل الذي لا يغالب … وكذلك وجدت كتابة لاتينية بقيت محفوظة إلى زمان الثورة الفرنسوية في دير «مون ماجور» “Mont-Major” تفيد أن شارلمان جاء بنفسه إلى آرل لطرد المسلمين منها.

ومن المعلوم أن الشعراء لم يكن همهم التدقيق في المسائل التاريخية إذا أرادوا التغني بأحاديث أبطالهم وهاموا في أودية خيالهم، فأما الكتابة التي في دير «مون ماجور» فهي غير صحيحة؛ لأنها تتضمن أن شارلمان بنى ذلك الدير تمجيدًا لواقعة طرد المسلمين من آرل، والحال أن الدير قد بُني بعد ذلك بمئة وخمسين سنة.

وكان هشام ملك قرطبة قد توفي سنة ٧٩٦ وخلفه ابنه الحكم، فثار بعد عماه٣٥ فاضطر أن يقضي أوائل أيامه في قمع الثورة، وفي السنة التالية بينما كان شارلمان في مدينة أكسلاشابل Aix-la-chapelle جاء مستنجدًا به أمير برشلونة المسلم وعم الحكم أمير قرطبة.٣٦ وفي تلك السنة نفسها بينما كان لويس بن شارلمان ملك أكيتانيا عاقدًا مجمعًا في طلوزة، جاءه رسول من الأذفونش ملك جليقية وأشتورية، يلتمس حشد جميع القوات المسيحية وتجريدها لقتال العدو العام، ثم وفد أيضًا على هذا المجمع رسول من قِبل أمير مسلم في ناحية وشقة (Huesca) يقال له: «باهالوك» يريد أن يسالم المسيحيين.٣٧
فظهر أن الغرة كانت لائحة لأخذ الثأر من المسلمين وللدخول إلى إسبانية، وكان لويس ملك أكيتانيا وأخوه شارل (أو كارل) قد شنَّا الغارات في أطراف المقاطعات التي تشرب من نهر إيرة، ثم عاد لويس فأجاز البيرانه من جهة آراغون، وحاصر وشقة التي كان أميرها قد أرسل بمفاتيحها إلى شارلمان، ولكن لما جاء الفرنسيس لتسلم بلدته امتنع عليهم ولبس لهم جلد النمر، وفي ذلك الوقت كان عبد الله عم الحكم أمير قرطبة قد استولى على طليطلة، وعمه الآخر سليمان استقر في بلنسية، فسرح جيشًا لقتال عمه عبد الله في طليطلة، وسار هو بنفسه مع جيش من الفرسان قاصدًا البيرانه، فأدخل في الطاعة برشلونة وغيرها من المدن التي كانت أشرطت نفسها للعصيان، ومن هناك قصد الجبال وأوقع بالمسيحيين وسبى منهم كثيرًا نساء ورجالًا، واتخذ الحكم من أسراه حرسًا خاصًّا وهو أول أمراء قرطبة الذين اتخذوا حرسًا خاصًّا من الأسرى والأجانب، وقد رجع الحكم من تلك الغزاة مظفرًا منصورًا،٣٨ كما أن عمه سليمان قُتل في إحدى المعارك التي دارت بينهما، وعمه عبد الله فر إلى إفريقية وعادت طليطلة إلى الطاعة، ثم إن الأذفونش صاحب جليقية أغار في تلك الأيام على المسلمين في إشبونة، ووقع في يديه بعض أسرى منهم، فأرسلهم راكبين على البغال إلى شارلمان اعتزازًا بالنصر، ثم إن لويس ملك أكيتانيا الذي هو ابن شارلمان اكتسح نواحي وشقة٣٩ ولم يكن شيء من هذه الغارات، سواء من هذه الجهة أو من تلك الجهة، ليؤدي إلى نتيجة حاسمة يستفص منها أحد الفريقين ملكًا، بل كانت النتيجة الوحيدة هي خراب تلك النواحي، وكان أهم ما لقيه الفرنسيس في هذه الحرب هو أن أمراء المسلمين الذين كانوا أظهروا الطاعة لشارلمان، عندما جاءت جيوشه إلى بلادهم، أبوا أن يقبلوها وأصلوها نارًا حامية، وكان المسلمون لا يزالون أصحاب المدن الكبرى والمعاقل المنيعة مثل برشلونة وطرطوشة وسرقسطة، وكانت برشلونة بنوع خاص بحصانة موقعها وبقربها من فرنسة ووجودها على سيف البحر، من أشد البلاد نكاية بالفرنسيس، وكان الأمير الذي فيها والذي يسميه مؤرخونا «زاتون»٤٠ قد أوهم شارلمان أنه يريد الدخول في طاعته، ولكن عندما حضر الفرنسيس أمام بلدته امتنع من قبولهم وقلب ظهر المجنِّ فأجمع لويس ملك أكيتانيا بالاتفاق مع غليوم كونت طلوزة، وبرأي مجمع مؤلف من أمراء تلك البلاد أن يستولى على برشلونة في أول فرصة، وكان شارلمان يومئذ في رومة مشغولًا بقضية تتويجه إمبراطورًا على الغرب.

وكانت برشلونة كما قال الشاعر «أرلمولدوس نيجلوس»: قد أصبحت للمسلمين معقلًا متينًا، وكانت تصدر عنها فرسان تلك الخيل المشهورة بخفة الحركات، فتبث الغارات في بلاد النصارى وتعود أيديها ملأى بالغنائم، وكانت من المنعة بحيث إن الفرنسيس لبثوا سنتين يحصرونها ويضيقون عليها، ويكتسحون نواحيها، ولكنهم لم يقدروا على دخولها، وقد قسم الفرنج جيشهم إلى ثلاثة أقسام: قسم منهم كان يهاجم برشلونة، وقسم ثانٍ يقوده غليوم كونت طلوزة كان يرابط في الممر الذي تفيض منه جيوش المسلمين الآتية من قرطبة لنجدة برشلونة، وقسم ثالثٌ كان يقوده الملك لويس نفسه، وكان في أعالي جبال البيرانه، يحمل على المسلمين حيث وجد الفرصة ملائمة.

وكان الإفرنج قد تقاسموا أعمال الحصار، فمنهم من كان مشغولًا بوضع السلالم ومنهم من كان يجلب الميرة والعدة، ومنهم من كان موكولًا إليه الحفر والنقب، ومنهم من كان موكولًا إليه غير ذلك، فاشتد الحصار شدة غير معهودة، وجاءت جيوش المسلمين فلم تقدر على النفوذ إلى برشلونة فتحولت إلى بلاد أشتورية، وهزمت أهلها، فبقي أمير برشلونة منفردًا بقوته، وخرج في إحدى المعارك لقتال الإفرنج المحاصرين، فأخذ أسيرًا ثم حمل الإفرنج على البلدة الحملة الأخيرة وفتحوها.٤١

وكان فتح الإفرنج لبرشلونة سنة ٨٠١ مسيحية بعد أن بقيت تسعين سنة في أيدي المسلمين، فلما دخلوها حولوا جوامعها كنائس، وأرسل الملك لويس إلى أبيه شارلمان جانبًا من الغنائم، فيها دروع وخوذ، ومنها خيول مسرجة بأفخر السروج، وبعد ذلك أصبح لفرنسة منطقتان في شمالي إسبانية إحداهما كتالونيا وقاعدتها برشلونة، والثانية غشقونية ومن جملتها ناباره وأراغون.

وفي تلك السنة جاء وفد من قبل هارون الرشيد إلى شارلمان، وكان شارلمان قبل ذلك قد أرسل رسولًا يهوديًّا اسمه إسحق مصحوبًا باثنين من الفرنسيس لأجل السلام من قبله على الخليفة العباسي، وقد أمر شارلمان هذا الوفد بأن يمر بالقدس قبل ذهابه إلى بغداد، وأن يتعهد أحوال زوار المسيحيين لبيت المقدس، ويتوسط لدى الخليفة في تسهيل هذه الزيارة حتى يزداد عدد الزوار والتجار القاصدين إلى البقاع المقدسة، وكان الفرنسيس من عهد أنيبال لم يروا في بلادهم فيلًا، فكان من جملة مهمة هذا الوفد أن يأتوا من الشرق بفيل يبتهج برؤيته أهل فرنسة، فلما وصل الوفد إلى بغداد استقبلهم الخليفة برًّا وترحيبًا ووعد بتسهيل زيارة المسيحيين لبيت المقدس وترفيه مقامهم عندما يردون إليه، ولم يكن في دار الوحوش التي عند الخليفة عندئذ سوى فيل واحد فبعث به هارون الرشيد إلى شارلمان ومعه هدايا أُخَر من منسوجات حريرية وقطنية لم يكن يوجد منها في فرنسة، ومن طيوب ومعطرات وأشياء أخر، وكان من جملة الهدية شمعدان من نحاس أصفر، عظيم الحجم، وساعة من نحاس أصفر أيضًا تتحرك بالماء وتدق اثنتي عشرة مرة بعدد ساعات النهار.

ونزل الوفد في قدمته من الشرق، في مدينة بيزة، وحُملت الهدايا بابتهاج عظيم إلى «أكس لاشابل» مركز الإمبراطور شارلمان، ولما وصل الوفد قدَّموا للإمبراطور تحايا الخليفة، وأبلغوه ما قاله لهم من أنه يضع مودته فوق مودة جميع الملوك٤٢ وكان هذا الوفد قد صدر له الأمر من شارلمان بأن يتوجه إلى قرطجنة، في إفريقية، ويلتمس من إبراهيم الأغلبي (عامل الخليفة) الإذن بنقل رفات القديس فبريانس المدفون في قرطجنة وغيره من القديسين المدفونين هناك، فأذن لهم إبراهيم فيما طلبوه وبعث أيضًا رسولًا وراءهم إلى الإمبراطور يتودد إليه، وقد كان لذلك في هاتيك الأيام وقع عظيم، نظرًا لانقطاع العلاقات تقريبًا بين الأقطار المتباعدة، وكانت الناس تستدل به على عظمة شارلمان٤٣ وأن الله أعطاه في ذلك العصر صورة ترى كل ملك دونها يتذبذب، وفي تلك الأيام لم تكن الحرب تسكن بين المسلمين والإفرنج في بلاد أراغون وكتلونية وناباره، وكانت سجالًا بين الفريقين.
ولم يكن شارلمان ليقدر على النظر في جميع شؤون مملكته الواسعة، ففي سنة ٨٠٩ مسيحية مات الكنت أوريول “Aureole” قائد الجيوش الإفرنسية في أراغون، فجاء أمير سرقسطة المسلم، وكان يقال له: عمروس، واستولى على الأماكن التي كانت في حوزة الكنت زاعمًا أنه عندما يأتي شارلمان بنفسه يسلمها إليه، ولكن لما جاءت العساكر الفرنسية أَبَى إنزالهم فيها، فبقيت في يد المسلمين. هكذا روى مؤرخو الفرنسيس. وقد روى بعض مؤرخي العرب أن عمروس هذا كان أميرًا في وشقة، وكان أبوه مسلمًا وأمه مسيحية، وكان مثل هذا الزواج كثير الوقوع في إسبانية لذلك العهد، لا سيما في الأصقاع الشمالية، وكان يقال لهؤلاء الذين هم من أبٍ مسلم وأمٍّ مسيحية المولَّدون، وكان هذا الصنف من الناس لا يرجعون إلى مبدأ، ولا يتقيدون بذمام، وإنما يتبعون مصالحهم الخاصة، وكانوا كثيرين في مدينة طليطلة فثاروا على أمير قرطبة فرماهم برجل يقال له: عمروس، وكان داهية من الدواهي، فجاءهم عمروس وتظاهر لهم بالإخلاص لقضيتهم، وأوهمهم أنه في نفسه ممالئ لهم ينتظر أول فرصة للانتقاض معهم على السلطان، وأقنعهم بذلك بمكره وحيلته وصدقوا كلامه، واتفق معهم على بناء قلعة في أعلى البلدة تكون المعقل الأمين بزعمه لهم، بحيث لا تنالهم جيوش السلطان بسوء، فلما أكمل بناء هذه القلعة دعاهم فيها إلى وليمة، فكان كلما دخل منهم واحد قطع الجند رأسه، فقيل: إنه قطع رؤوس أربعمائة من أعيانهم، وقيل: إنه بلغ عدد القتلى خمسة آلاف، وهكذا تمكن عمروس من إدخال طليطلة في الطاعة. انتهى.

وقد ذكر دوزي الهولندي في «تاريخ الإسلام في إسبانية»: إن عمروس هذا كان من الإسبانيول الذين اتخذوا الإسلام دينًا، والحقيقة أنه لم يكن يهمه لا مذهب ولا مشرب، وإنما كانت تهمه مطامعه الدنيوية، فكاشفه الأمير الحكم بما في نفسه من أمر طليطلة التي كانت لا تنتهي من ثورة إلَّا إلى ثورة، وكانت تأبى الخضوع لوالٍ عربي، وقد أعيى الحكم أمرها، فدبر عمروس هذه المكيدة على أهالي طليطلة بالاتفاق مع الحكم، وكتب الحكم قبل ذلك إليهم قائلًا لهم: إن أعظم دليل على اعتنائنا بشأنكم أننا مرسلون إليكم الآن واليًا من أبناء جنسكم، وقد كان هذا القول صحيحًا لأن عمروس كان إسبانيوليًّا، مهتديًا للإسلام، وذهب عمروس فخدع أهالي طليطلة وتودد إليهم وزعم أنه كاشفهم سرًّا بما في نفسه من الحمية على جنسه، والاستعداد لخلع طاعة السلطان عندما تلوح أول بارقة أمل، وقال لهم: إن أكثر أسباب النزاع بينكم وبين السلطان كانت من قبل الولاة الذين كانوا يتولون طليطلة، فكانوا يضعون الجند في بيوتكم فيسلبون راحتكم، فلو بنينا في طرف من المدينة حصنًا تتخذه ثكنة للعساكر لانحسمت أسباب النزاع بينكم وبين السلطان، فوثق الأهالي بكلام عمروس، وبنوا الحصن واستقر به عمروس. وبعد ذلك أكمل عمروس المكيدة بأنه تواطأ مع السلطان على أن يرسل جيشًا إلى طليطلة بحجة أن العدو تحرك في الثغر فأرسل الحكم جيشًا تحت قيادة ولده عبد الرحمن — وكان في الرابعة عشرة من عمره — فلما وصل الجيش إلى طليطلة أشاعوا أن العدو انقبض إلى بلاده، وأن الجيش سيعود أدراجه إلى قرطبة، ولكن عمروس أشار على أعيان طليطلة بأن يأتوا للسلام على الأمير عبد الرحمن، قيامًا بواجب الحرمة للسلطان، فجاء منهم جمهور وسلموا عليه، واستقبلهم الأمير بالحفاوة والإكرام، وهم دعوه أن يطيل الإقامة عندهم، وتظاهر الأمير بادئ ذي بدء بأنه مضطر لسرعة الأوبة، ولكن أعيان البلدة ألحوا عليه بالتريث عندهم، وأمَّلوا فيه خيرًا كثيرًا، وكانوا مسرورين بكون واليهم الجديد إسبانيوليًّا من جنسهم، وبعد ذلك تقرر إعداد وليمة لأعيان طليطلة وجوارها ولكنها لم تكن مريئة المأكلة، وفي اليوم التالي جاء المدعوون أفواجًا أفواجًا ونزلوا عن ركائبهم وربطوها خارج الحصن، وصاروا يدخلون زرافات، وكان في ساحة الحصن خندق وقف بجانبه جماعة من الجلادين، فكانوا كلما أقبل جماعة يقطعون رؤوسهم ويرمون بها في الخندق، وتم كل هذا وأهل البلدة لا يعلمون بشيء مما جرى داخل الحصن.

وكان هناك طبيب من أهل طليطلة، عظيم الفراسة، لحظ عدم خروج أحد من المدعوين، فسأل الأهالي: هل رأيتم أحدًا من المدعوين إلى الحصن خرج منه؟ فأجابوه: يجوز أن يكونوا دخلوا من هذا الباب وخرجوا من الباب الآخر. فقال لهم الطبيب: بل أظن أنهم لن يخرجوا أبدًا وأنه أتى عليهم القتل. وقال ابن عذارى: إن عدد القتلى يوم الخندق هذا بلغ سبعمائة. وقال النويري وابن القوطية: إنهم أكثر من خمسة آلاف، ولكن من بعد هذه الواقعة سكنت الثورة في طليطلة مدة طويلة. انتهى كلام دوزي.

فهذه كانت عقبى غرام أهل طليطلة بالانتقاض، وعمروس الإسبانيولي هذا الذي دبر هذه المكايد هو الذي خدع أيضًا قواد الفرنسيس وتسلم منهم المواقع التي كانوا فيها، ولا يبعد على رجل كهذا، غدر ذلك الغدر بأهل وطنه، أن يغدر بالفرنسيس.

ولننظر الآن إلى رواية المؤرخ كوندى الإسبانيولي، قال: إن الحكم لم يتمتع طويلًا بالراحة التي كان وطد أطنابها بتعبه وجهاده، ففي سنة ٨٠١ مسيحية وفق ١٨٥ هجرية تحرك ملك أشتورية وأراد التجاوز على المسلمين، ولما كان يعلم نفسه أضعف من أن يقدر عليهم استنجد بشارلمان، وهذا أسرع لنجدته مؤملًا بذلك الاستيلاء على ولايات إسبانية الشمالية وضمها إلى مملكته، فجعلت أمداد شارلمان تثوب إلى الإسبانيول تحت قيادة ولده لويس ملك أكيتانية، فزحف لويس واستولى على مدينة جيرونة، وجاء فحاصر برشلونة، وانضم إليه بهلول بن مخلوق من عمال أمير قرطبة، وسار بالفرنسيس إلى طرطوشة، فزحف الحكم بنفسه ومعه عمروس ومحمد بن مفرج قائد الخيالة الذي كان عظيم الاعتماد عليه نظرًا لدهائه وإقدامه.

ولما وصل إلى سرقسطة ثارت الثورة في طليطلة بما أحرج الأهالي من عسف يوسف بن عمروس الذي كان قبض عليه الأهالي لسوء ملكته فيهم، فاستدعى السلطان والده عمروس، وعهد إليه نظرًا لدربته ودهائه بولاية طليطلة، وأرسل ولده يوسف قائدًا على تطيلة.

ثم أغار الحاكم على نابارة وبنبلونة ودخل وشقة، فخشي الأذفونش على بلاده وحشد عساكره، وزحف إليه يوسف بن عمروس فأوقعه الأذفونش في كمين وأخذه أسيرًا، فدفع عليه أبوه فدية جسيمة حتى أنقذه، وأما الحكم فكان يتوقد صدره إحنة على بهلول عامله الذي انحاز إلى الفرنسيس ومشى بين يديهم، ولما عرف أنه في جوار طركونة عمد إليه من فوره، ولم يزل في أثره حتى ثقفه في طرطوشة بعد أن هزمه، واحتزَّ رأسه، ورجع الحكم إلى قرطبة بدون أن يتعرض لبرشلونة، وذلك خوفًا من الفشل في حصارها.

أما حصار الإفرنج برشلونة فقد أجمع المؤرخون أنه كان من أندر ما عرف التاريخ شدة وصبرًا، وأن مسلمي برشلونة صبروا في هذا الحصار إلى الحد الذي تتحير فيه العقول، ولكن الخلاف وقع بين المؤرخين في الأطوار التي دخلت فيها تلك الحرب، فبعضهم قالوا، كما في تاريخ متس وتاريخ ريجينون وغيرهما: إنه في سنة ٧٩٧ قدم أمير برشلونة العربي على شارلمان، وبعد ذلك في سنة ٨٠١ أراد خلع طاعته، فأخذ أسيرًا ونفي. وهؤلاء المؤرخون يسمونه تارة «زاتون» Zaton وطورًا «زادو» Zaddo وأحيانًا «زاد» Zaad، ولعل اسمه سعدون أو سعد، وفي تاريخ الملك لويس الحليم ورد أن سعدون هذا وقع أسيرًا في سربونة، وأنه بعد أسره تولى إمارة برشلونة ابن عم له، اسمه عامر، فدافع عن البلدة دفاعًا يتقاصر عنه كل وصف مدة سنتين، تحمل في أثنائها مسلمو برشلونة من ضيق الحصار ما يعجز أي قبيلٍ عن تحمله.
وذهب مؤرخون منهم مارمول Marmol إلى أن الرواية الصحيحة هي أن سعدون أو سعدًا كان تابعًا لملك قرطبة فانتقض على سلطانه فأرسل إلى شارلمان يعده بالدخول في طاعته، وفي سنة ٧٩٧ و٧٩٨ دخل فعلًا في طاعة شارلمان، ولكن شارلمان بعد سنتين من هذا العهد شعر بأن أمير برشلونة نقض طاعته، فسرح إليه جيشًا تحت قيادة ولده لويس فحاصر برشلونة واستفتحها ثم انصرف عنها، فجاء أمير سرقسطة واستردها، ولكن لويس عاد ثانية سنة ٨٠٦ فاستولى عليها وعلى أعمالها، فالروايات تختلف في كيفية استيلاء الفرنسيس على برشلونة، ولكن خلاصتها واحدة وهي أن العرب خسروا بلاد كتلونية مذ ذلك الوقت، وأنه تولى عليها في البداية أمراء تابعون لفرنسة ثم لم يبرحوا حتى استقلوا عنها وعن العرب معًا.
وقد ذكر كوندي الإسبانيولي واقعة عمروس في طليطلة، وكيف غدر بأعيان تلك البلدة وكيف دعاهم إلى وليمة في القصر وقطع رؤوسهم غدرًا، ولكن رواية كوندي تختلف عن رواية دوزي بكون دوزي يوهم أن تلك المكيدة وقعت بتواطؤ عمروس مع سيده الحكم ومع ابنه الأمير عبد الرحمن الذي كان في الخامسة عشرة من عمره، وبأن كوندي يقول: إن صاحب ذلك الرأي إنما كان عمروس، وأن الأمير عبد الرحمن مع صغر سنِّه أوضح له فظاعة ذلك العمل وما يبقى بعده على الأعقاب من قبيح الذكر ولكنه تغلب عليه لحداثة سنِّه، وراجعه الأمير كثيرًا وأبدى وأعاد فلم يقنع عمروس إلا بتنفيذ ما بيته لأهل طليطلة، قائلًا للأمير: إن طليطلة قد ألفت العصيان من زمن طويل حتى صار لها خلقًا ملازمًا وأنه لا بد لسكونها من قطف عدة مئات من رؤوس أعيانها، ثم ذكر كوندي زحف ملك أكيتانية وحصاره لطرطوشة سنة ٨٠٧ وأن الأمير عبد الرحمن كان في سرقسطة فزحف لإنجاد طرطوشة ووافاه إليها وإلى بلنسية فطردوا الفرنسيس عنها، ثم يقول: إن عبد الرحمن عاد فاستولى سنة ٨١٢ على جيرونية من كتلونية، وأنه وصل بجيشه إلى أربونة وعاد بغنائم وافرة، ثم إن الفرنسيس استولوا على طرطوشة بعد حصار شديد وسار ملكهم لويس منها قاصدًا أخذ وشقة٤٤ فما كاد ينصرف عن طرطوشة حتى رجعت هذه البلدة إلى حكم العرب.

وقد علق «دومارليس» على روايات كوندي عن هذه الحرب حاشية معناها: أن مؤرخي الفرنسيس يزعمون أن ملك قرطبة بعث إلى شارلمان وفدًا بطلب الصلح، وأنهم وصلوا إلى «أكسلاشابل» وتقرر الصلح على أن ينزل العرب لشارلمان عن جميع البلاد الواقعة بين نهر إيرة والبيرانه، وإن هذه المعاهدة انعقدت سنة ٨١٠.

فدومارليس يستبعد وقوع هذه المعاهدة بكون العرب لم يذكروا عنها شيئًا في تواريخهم ثم بكون لويس بن شارلمان زحف إلى كتلونية عدة مرات من بعد هذا التاريخ، فيرى دومارليس أنه يجوز أن تكون حصلت مهادنة بين الفريقين إلى حد سنة٨٢٠ أو إلى ما بعد ذلك، وأما العرب الذين شوهدوا في أكسلاشابل فربما كانوا من بعض أولئك الولاة المسلمين الذين كانوا ينقضون على ملك قرطبة ويستعينون عليه بالأجانب من قبيل بهلول بن مخلوق الذي تلقى جزاء خيانته من يد الحكم نفسه.

أساطيل الإسلام في الأندلس وإفريقية

قال رينو: وفي تلك الأيام أخذت قوة الإسلام البحرية تزداد وتنبسط في البحر المتوسط بسبب رغبة المسلمين بإنشاء الأساطيل في مرافئ الأندلس وإفريقية، وقد كان لذلك تأثير عظيم في اجتياح المسلمين لجنوبي فرنسة، ولما اقتطع عبد الرحمن الداخل بلاد الأندلس عن خلافة بني العباس وأرسل هؤلاء جيشًا في البحر، أجاز إلى الأندلس لمطاردته، علم عبد الرحمن بأنه لا بد له من قوة بحرية في وجه قوتهم البحرية.

ففي سنة ٧٩٣ اتخذ عبد الرحمن الأول دور الصناعة٤٥ في مراسي طرَّكونة وطرطوشة وقرطجنة وأشبيلية والمرية وغيرها، وقبل ذلك كانت جزر الباليار — أي: ميورقة ومينورقة ويابسة وجزيرتا سردانية وكورسيكة — عرضة لغزوات المسلمين، بحيث إن أهالي هذه الجزائر وضعوا أنفسهم تحت حماية شارلمان، وورد في مجموعة الدون بوكيه أن هؤلاء كانوا تغلبوا على المسلمين في بعض الوقائع وأخذوا منهم بضع رايات، فأرسلوا بها إليه، وعلى أثر ذلك ازداد غزو المسلمين لهذه الجزائر، فكانوا يغادونها القتال ويراوحونها، ويسبون من أهلها النساء والأطفال ويقتلون المقاتلين ولم يكونوا يعفون إلا عن الشيوخ العاجزين والمرضى والمقعدين.
وسنة ٨٠٦ اكتسح المسلمون جزيرة كورسيكة٤٦ وكان ببين بن شارلمان ملكًا على إيطالية، فأرسل أسطولًا لمطاردتهم، فلما شعر المسلمون بدنو أسطول النصارى انسحبوا إلى الوراء، فطمع فيهم آدمر Admer كونت جنوة وتعقبهم بأسطول فرجعوا إليه وقتلوه وهزموا أسطوله وأسروا ستين راهبًا وباعوهم في الأندلس، وبلغ ذلك شارلمان ففكهم من الأسر بفدية أداها عنهم.٤٧
وسنة ٨٠٨ جاء قرصان من الأندلس، فنزلوا بسردانية فاجتمع أهلها ودحروهم فنزلوا بكورسيكة (أو قرسقة) فصادمهم القائد بورشارد Burchard فخسروا ثلاثة عشر مركبًا وانهزموا، ولكن المسلمين في السنة التالية جاءوا من إفريقية ونزلوا في سردانية، كما أن غزاة مسلمين آخرين جاءوا يوم عيد الفصح ونزلوا في كورسيكة وعاثوا فيها. وجاء في تاريخ كورسيكة لجاكوبي أن المسلمين خيموا في الجهة الشرقية من الجزيرة بين أطلال مدينة «آليرية Aleria» ولم يتمكن الفرنسيس من طردهم إلا بشق الأنفس، ثم في سنة ٨١٣ رجعوا إلى كورسيكة وأسروا وغنموا، وبينما هم راجعون أكمن لهم كونت أمبورياس Amporias بقرب مدينة برينيان قوة بحرية غنمت منهم ثمانية مراكب كان فيها أكثر من خمسمائة أسير، فانتقم المسلمون عن ذلك باجتياح سواحل نيقه Nice وبروفنس وسيفيتة فكشيا Civita-Vecchia بقرب رومة.٤٨

ورأى الإمبراطور شارلمان أن الخطر قد ازداد على بلاده، وأن لا بد له من تدابير بالغة في الشدة لرد غارات المسلمين البحرية، وقد كانت إمارة الأغالبة في إفريقية تابعة للخلافة العباسية في بغداد، فكان أمير القيروان مدة خلافة هارون الرشيد يتحامى سواحل مملكة شارلمان حرمة للعهد الذي كان بين هارون والإمبراطور، ولكن عندما مات الرشيد سنة ٨٠٩ ووقعت الحرب بين ولديه الأمين والمأمون تفصى الأمير الأغلبي من ذلك العهد، وصارت مراسي تونس وسوسة بؤرة قرصان تنبث منها الغارات البحرية. وقيل: إن أمير صقلية كان يشكو إلى رسول قادم من عند الأغالبة عيث القرصان في سواحله، فأجابه الرسول: نعم منذ مات أمير المؤمنين صار الذين كانوا عبيدًا يريدون أن يكونوا أحرارًا، والذين كانوا أحرارًا ولكنهم فقراء يريدون أن يكونوا أحرارًا أغنياء.

وكان القرصان أكثر ما يتعرضون للسفن التي تتردد بالبضائع بين فرنسة وإيطالية من جهة، ومصر والشام وآسيا الصغرى من أخرى، وكان قد انضم إلى قرصان المسلمين قرصان النورمانديين وأخذوا جميعًا يعيثون في السواحل الجنوبية، فأمر شارلمان ببناء الأبراج والحصون في السواحل وعند مَصَابِّ الأنهار، وأنشأ الأساطيل لدفع عوادي القرصان، وجميع هذه الروايات جاءت في مجموعة الدون بوكيه.

ولما طالت هذه المساجلات البحرية وتعب منها الفريقان داخل بعضهم بعضًا في عقد معاهدة سلم تأمن بها السفن البحرية غوائل متلصصة البحر، ففي سنة ٨١٠ انعقدت أول متاركة، ثم تجددت بعد سنتين، وجاء رسول من الأندلس يرجح أنه يحيى بن حكم أمير الماء٤٩ في الأندلس قاصدًا أكسلاشابل وعقد مهادنة مع شارلمان لثلاث سنوات، ولكن المسلمين نقضوها هذه المرة؛ لأنهم سنة ٨١٣ نزلوا في جزيرة كورسيكة وتقدم عبد الرحمن ابن أمير قرطبة إلى حدود فرنسة بجيشه، وفي تلك الواقعة قُتل القديس آفانتين “Saint Aventin” من أهالي بانيبر دولوشون Bagneres-De-Luchon في مقاطعة غارون العليا.
ومات شارلمان سنة ٨١٤ وخلفه ابنه لويس الحليم، وسار على أثره في السياسة، ولكن في أيامه استفحلت غزوات المسلمين البحرية، وجرت لذلك العهد حادثة في قرطبة تفاقم بسببها هذا الأمر، وذلك أن أهالي ربض قرطبة ثاروا على الحكم أميرهم فسار إليهم الحكم برجاله وحرسه وأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ونفى بقية السيف، وكانوا زهاء خمسة عشر ألفًا فأركبهم طبقًا عن طبق وأجازهم البحر إلى إسكندرية، وهناك خاف عاديتهم والي الإسكندرية فأدى إليهم مبلغًا من المال وأركبهم إلى جزيرة أقريطش التي يقال لها اليوم: كريت.٥٠
وفي سنة ٨١٦ توجه رسل من قِبل الأمير عبد الرحمن بن الحكم الذي كان بدأ يباشر الأشغال في حياة أبيه، وذلك إلى مدينة كومبيان Compiegne حيث كان يقيم الإمبراطور، ثم ذهبوا إلى أكسلا شابل حيث كان سينعقد مجلس شورى، وكان مراد رسل أمير الأندلس عقد متاركة، وانعقدت إلا أنها لم تطل، وفي سنة ٨٢٠ سار أسطول إسلامي من تركونة وغزا جزيرة سردانية فجاء أسطول مسيحي لأجل الدفاع عنها، فتغلب الأسطول الإسلامي وأغرق المسلمون ثمانية مراكب للمسيحيين وأحرقوا أيضًا مراكب كثيرة.
وفي تلك السنة مات الحكم، وتولى ابنه عبد الرحمن، وكان الحكم موصوفًا بالقسوة جبارًا وكان يلقب بأبي العاصي ومن هنا لقبه الإفرنج بلفظة أبولاز Abulaz فلما مات الحكم جاء عمه عبد الله يطالب بالإمارة كعادته، وهو الذي كان داخل شارلمان لأجل أن يساعده على ابن أخيه، فلما جاء هذه المرة وأهرج الأندلس وأمرجها اهتبل الفرنسيس الغرة ليزحفوا مجددًا إلى كتلونية وآرغون فعاثوا ودمروا وأحرقوا.
وفي سنة ٨٢٠ اتهم بيره Bera أمير برشلونة من قبل فرنسة بممالأة المسلمين سرًّا، وكان الواشي به أحد القوط، وكان بيره نفسه قوطيًّا أيضًا، وكان من عادة القوط أنه إذا تخاصم اثنان ولم يقدر أحدهما أن يثبت دعواه بالبينة تبارزا بالسلاح فالمغلوب منهما يعد مذنبًا، وفي ذلك اليوم كان المغلوب «بيره» فتقرر حينئذ أنه كان خائنًا للفرنسيس، وفي ذلك الوقت ثار نصارى ناباراه على الفرنسيس من شدة عسفهم وظلمهم، واتفقوا مع المسلمين، وسلموهم مدينة بنبلونة، فأرسل الإمبراطور الكنت أزنار Asnar والكنت أبل Eble لأجل تسكين الثورة، فانقض عليهما نصارى الجبال وثقفوهما، فأما أزنار فعفوا عنه لأنه كان من أصل غشقوني أي من أقارب الإسبانيول فأطَّت بهم رحم القرابة نحوه، وأما الكنت إبل فلكونه إفرنسيًّا صريحًا أرسلوه إلى الأمير في قرطبة، روى ذلك الدون بوكيه.
وفي سنة ٨٢٦ ثارت مدينة ماردة على عبد الرحمن، فكتب إليهم لويس بن شارلمان الكتاب الآتي نصه:

باسم ربنا الإله وباسم مخلصنا يسوع المسيح، من لويس الإمبراطور السعيد بالنعمة الإلهية إلى الأساقفة والشعب في ماردة، قد اتصل بنا ما تقاسونه من العذاب من جهة الملك عبد الرحمن الذي لا يزال يرهقكم عسرًا متبعًا في ذلك طريقة أبيه أبولاز الذي كان يبتزكم أموالكم والذي كان جعل أصدقاءه أعداء وجعل الطائع عاصيًا، فاليوم يريدون أن يحرموكم حريتكم وأن يثقلوا كواهلكم بالضرائب وأن يمسوا كرامتكم ويهينوكم، وقد علمنا أنكم أبيتم تحمل الإهانة ودفعتم عنكم ظلم ملوككم ووقفتم في وجه طمعهم وغدرهم، وقد جاءنا هذا الخبر من مصادر عدة، فرأينا أن نكتب هذا الكتاب لتعزيتكم على ما أنتم فيه ولتحريضكم على الثبات في خطتكم هذه، ولما كان هذا الملك البربري عدوًّا لنا، كما هو عدو لكم، فإننا حاضرون للاشتراك معكم في قتاله. ومرادنا في هذا الصيف بعون الله تعالى أن نرسل جيشًا يجتاز البيرانه ويكون حاضرًا للعمل بإشارتكم، فإن كان عبد الرحمن سيزحف إليكم فيكون جيشنا بالمرصاد له، وترانا نعلمكم من الآن أنكم إن كنتم تخلعون طاعة عبد الرحمن وتصيرون من رعايانا فنحن حاضرون أن نعيد إليكم حريتكم الأولى، بدون مساس بها وبدون أن نطالبكم بأدنى مال تؤدونه لنا، وأنتم تختارون القانون الذي تريدون أن تسيروا عليه، ونحن نعاملكم كأصدقاء يريدون أن يشتركوا في الدفاع عن سلطتنا ونسأل الله أن يسبغ عليكم أثواب العافية. انتهى.

وفي ذلك الوقت عقد الإمبراطور لويس ندوة عامة في أكسلاشابل، حضرها ابنه ببين وسائر أمراء البلاد المجاورة لإسبانية، وأعلن الإمبراطور عزمه على غزو الأندلس للأخذ بالثأر. وكان في أكسلاشابل قائد قوطي اسمه عيسون Aizon التجأ بزعمه إلى الإمبراطور، فما شعروا به إلّا وقد انسلّ من هناك خفية، وجاء وأثار الأهالي في كتلونية وآراغون، واستولى على مدينة أشونة Assuna واجتاح البلاد التي كانت تحت احتلال الفرنسيس، وأرسل يستنجد أمير قرطبة، ولما أبطأ عليه الإمداد ذهب بنفسه إلى قرطبة لأجل الاستعجال في التعبئة والنجدة فسرح عبد الرحمن جيشًا بقيادة عبيد الله أحد أبناء عمه، وسار هذا الجيش ومعه عيسون، وأغذّوا السير، بينما الجيش الإفرنسي يسير بطيئًا، فوصلوا إلى برشلونة وجيرونة واجتاحوهما، وتقدموا إلى سردانة وملأوا البلاد عيثًا وتدميرًا كما جاء في مجموعة بوكيه، وكان أهالي ماردة قد أعلنوا الحرب على عبد الرحمن، وانتظروا نجدة الفرنسيس لهم، ولكن عبد الرحمن ضيق عليهم الحصار وجرَّعهم أمرَّ كؤوسه ثلاث سنوات حتى دخلوا في طاعته صاغرين ورجعوا داخرين بعد أن كانوا فاخرين، وفي تلك الأيام ازداد عيث قرصان النرمندانيين في سواحل فرنسة وألمانية وإنكلترة وإسبانية، بينما قرصان إفريقية والأندلس تجعل في سواحل فرنسة وإيطالية غدوَّها ورواحها، فعيل صبر بونيفاس أمير كورسيكة وأرسل مراكب إلى إفريقية فاجتاحت ساحل قرطجنة للأخذ بالثأر.
وقد ذكروا أنه كان للمسلمين لذلك العهد بارجة متناهية في الكبر يظنها الرائي من بعيد سورًا عاليًا سائرًا في البحر غزت مرة جزيرة أوي Oye في بريطانية عند مصب نهر لوار ولكن لم نعلم من آثارها شيئًا غير هذا.

ولا يخفى أن هذه الوقائع كانت تتراكم كلها في أيام الإمبراطور لويس الحليم الذي كان هو بنفسه قائل الرأي ضعيف العزيمة سيئ الإدارة فاقد الإرادة، قسم مملكته بين أولاده الثلاثة، وسلم إلى كل حصته، ثم بدا له أن يعيد القسمة وأن يجعل نصيبًا لولده الرابع، فثار أولاده عليه وقاتلوه وخلعوه، ورجع إلى العرش، ولكن لم ترجع مهابته وامتلأت أيامه بالفتوق والآفات بحيث إنه أصدر سنة ٨٢٨ منشورًا يقول فيه: إن المجاعة والطاعون وسائر أصناف الآفات السماوية انقضَّت على شعوب سلطنتنا مما يدل على غضب الله تعالى من أعمالنا غير المستقيمة، ثم أمر الإمبراطور بصيام عام وباجتماع الأساقفة في أربع حواضر، منها مدينة طلوزة، وذلك لأجل المذاكرة في التدابير اللازمة لمعالجة هذه الحال.

أما العلاقات التجارية، بين مملكة شرلمان وبين مصر والشام، فلم تنقطع في وقت من الأوقات، وفي سنة ٨٣١ تجددت المواصلات بين الخلافة العباسية والسلطنة الغربية، وقد تقدم وفد من قِبل الخليفة المأمون إلى فرنسة مؤلَّف من ثلاثة، اثنان منهما مسلمان والثالث مسيحي، وجاءوا إلى الإمبراطور بهدايا منها منسوجات فاخرة ومنها أفاويه عاطرة.

وكانت الحرب لا تزال مشتعلة في جبال البيرانه، بين جيوش أمير الأندلس وجيوش فرنسة، فاجتاح الأمير عبيد الله ابن عم الأمير عبد الرحمن في سنة ٨٣٨ البلاد التي كانت تحتلها جيوش الفرنسيس، كما أن هؤلاء اجتاحوا من بلاد قشتالة ما كان تابعًا لملوك قرطبة، وسار أسطول للمسلمين من تركونة ومعه أسطول آخر من جزيرتي ميورقة ويابسة، وهاجم المسلمون مرسيلية وأنزلوا العساكر في نواحيها واستولوا على ضواحيها وساقوا جميع الرجال حتى الرهبان أسرى، والمظنون أنه في تلك الغزوة حصلت الحادثة المنسوبة إلى القديسة أوزيبيا Cusebia رئيسة دير الراهبات في مرسيلية والأربعين راهبة اللائي كنَّ في ذلك الدير، وذلك أنهنَّ خشين من أن الغزاة يتجاوزون على أعراضهن ويلحقون بهن المعرات فشوهن خلقة أنفسهم بجدع أنوفهن حتى يكن بمأمن من تجاوز غزاة العرب.
ومات الإمبراطور لويس سنة ٨٤٠ فوقع الخلف بين أولاده، واغتنم المسلمون هذه الفرصة فدخلوا من مصب نهر الرون، كما جاء في مجموعة مؤرخي فرنسة للدون بوكيه، وعاثوا في مدينة آرل ونواحيها، وفي الوقت نفسه أغار موسى أمير تطيلة في بلاد نابار وأوغل حتى بلغ أرض سردانة، واكتسح تلك البلاد.٥١
وكانت في تلك الأيام قد ساءت الأحوال في فرنسة إلى الدرجة القصوى بسبب الحروب الداخلية، وأصبحت قد انتثر سلكها وتعطلت حلاها وتقاسم جنوبي فرنسة ثلاثة ملوك: الإمبراطور لوطير Lothaire والملك شارل الأصلع والملك الشاب ببين بن ببين الذي كان ملكًا على أكيتانية، ثم ثار أمير اسمه فولكراد Folcrade على الإمبراطور وسمى نفسه كنت آرل وبروفنس، وقد بلغ حب الشقاق وفساد الأخلاق أن الكثيرين من سلالة شارل مارتل وببين القصير وشارلمان كانوا يستنجدون بالأعداء الأجانب بعضهم على بعض.
ولم تكن إيطالية بأحسن حالًا من فرنسة؛ لأن المسلمين كانوا استولوا على جزيرة صقلية، وكان اثنان من أمراء المسيحيين يتنازعان الإمارة في بلاد بينيفنتي بقرب نابولي، فاستنجد كل منهما بالمسلمين الذين كانوا في صقلية، فدخل المسلمون إلى الأرض الكبيرة واستولوا على قسم كبير منها.٥٢
وفي سنة ٨٤٦ جاء غزاة العرب إلى رومة وصعدوا في نهر الطير ونهبوا كنائس القديسين بطرس وبولس وغزوا أيضًا جنوة وعطلوا سدود نهرها، فنفر الأهالي وقاتلوهم وحمل الرهبان والقسيسون السلاح.٥٣

ولم تكن الأندلس بأسعد حالًا في تلك الأيام؛ لأن الفتن كانت تصطلمها، والآفات تنيخ عليها بكلكلها فانضم إلى الفتن المجاعة والقحط والجراد وغزو النورمنديين الذين أخذوا ينزلون في أشبونة وأشبيلية ويفسدون في أرضهما.

وفي سنة ٨٤٨ عاد المسلمون فغزوا مرسيلية وجميع الساحل إلى جنوة، كما جاء في مجموعة الدون بوكيه، وكان الملك ببين شابًّا، وكان في حرب مع عمه شارل الأصلع، فطلب ببين مساعدة المسلمين له وأرسل إلى قرطبة غليوم كونت طلوزة حفيد البطل غليوم الذي اشتهر في حروب المسلمين وتلقب بالقديس، كما سبق الكلام عليه، فنال غليوم ما أراده وأصحبوه بعساكر تمكن بها ببين من إخراج عمال شارل الأصلع من برشلونة ومن مدن أخرى من كتلونية، وكان قرصان المسلمين قد نزلوا في سواحل آرل، واضطروا لمعاكسة الريح أن يتأخروا في الساحل، فحمل الأهالي السلاح من كل جهة وذبحوهم، ولكن في تلك المدة زحف جيش من المسلمين يقوده موسى عامل سرقسطة وتقدم من جهة أورجل Urgel وريباغورسة Ribagorsa ولم يزل يثخن في أرض الفرنسيس ويقتل ويسبي إلى أن اضطر الملك شارل الأصلع أن يطلب من المسلمين الصلح ولم ينله إلا بتقديم هدايا ثمينة كما جاء في مجموعة الدون بوكيه.

وفي سنة ٨٥٠ وقعت نكبة على مسيحيي الأندلس، وحصلت حوادث في قرطبة وصل خبرها إلى فرنسة، وتحرير الخبر أن الشرع الإسلامي يطلق لأهل الذمة الحرية الدينية ولا يجبرهم إلا على أداء الجزية، ولكن إذا تزوج مسلم بمسيحية فالأولاد يجب أن ينشأوا على دين الأب، كذلك إذا أسلم مسيحي أو مسيحية فأولاده معدودون من المسلمين إذا كانوا قاصرين، فإذا بلغوا سن الرشد وأرادوا الرجوع عن الإسلام فلا يحق لهم، وكذلك إذا قذف أحد المسيحيين نبي الإسلام فليس أمامه سوى الإسلام أو الموت.

وقد كان الزواج المختلط كثير الوقوع في الأندلس، فطالما تزوج مسلمون بمسيحيات وقد كانت المرأة المسيحية المتزوجة بمسلم كثيرًا ما تلقن بناتها قواعد النصرانية فيحصل بسبب ذلك نزاع شديد في العائلات، وفي ذلك الوقت كان في قرطبة قسيس متضلع في اللغة العربية اسمه بهارفكتس، وكان قد شاع أن بهارفكتس في إحدى المرار تلفظ بالشهادتين وأسلم، فصادفه بعد ذلك أناس من المسلمين وسألوه عن رأيه في نبي الإسلام فامتنع أولًا عن الجواب فألحوا عليه في تبيين رأيه، فأجاب بجواب نال فيه من الرسول، وقيل: إن المسلمين ذلك اليوم لم يتعرضوا له بسوء، ولكنه بينما كان مارًّا فيما بعد في أحد الشوارع جاء أحد المسلمين وأغرى العامة بالهجوم على القسيس قائلًا لهم: إن هذا هو الذي قذف بالنبي، فهجمت العامة عليه، وذهبوا به إلى القاضي، فسأله عما عُزي إليه من القذف، فلم ينكر كلامه، بل أيده أمام القاضي فاضطر القاضي أن يحكم عليه بالقتل، وكان ذلك في شهر رمضان فلم ينفذ فيه الحكم إلى أن انسلخ الشهر وجاء العيد فقطعوا رأسه بمحضر من جم لا يحصى من الأهالي.٥٤

فكان لهذه الحادثة صدى بعيد وثارت من أجلها الخواطر، وكان المسيحيون كثيري العدد في الأندلس وفي نفس قرطبة مركز السلطنة وكان المسلمون تركوا لهم كثيرًا من كنائسهم وأديارهم، وكانت لهم أديار للرهبان وأخرى للراهبات، وكان من المسيحيين كثير من المستخدمين في القصر الملكي لا سيما أن القصر كان يحتوي عددًا عظيمًا من الصقالبة، فكثرت من أجل ذلك المنازعات الدينية وصارت تتقدم الشكايات على بعض المسيحيين بأنهم قذفوا بالرسول فيؤتى بهم إلى القاضي فيسألهم فلا ينكرون، فيحكم القاضي عليهم بالقتل، ولأجل أن لا يأخذ المسيحيون أجسادهم ويحنطوها ذخائر كان الحكام يحرقون أجساد المحكوم عليهم بالقتل ويرمون رمادها في النهر، وقيل: إنهم كانوا يطرحون بعضها للكلاب.

وقد كان تأثير هذه الشدة بعكس ما أمل رجال الحكم، فإنه وجد من المسيحيين من كان يتهافت على القذف بالرسول ليقتلوه ويصير شهيدًا، وقتل بهذا الشكل أناس كثيرون، ومن جملتهم رجل اسمه «سانشو» من فرنسة كان مستخدَمًا في القصر، واثنان من الخصيان في القصر أيضًا، وأكثر من تهافت على القذف بالرسول لنيل الشهادة المتحمسات من النساء المسيحيات.٥٥

وأخيرًا عقد أساقفة المسيحيين مجمعًا قرروا فيه أن التحرش بهذا الموضوع أي القذف بنبي الإسلام عمدًا، حبًّا بالقتل ونيل الشهادة، هو مخالف لروح الإنجيل، ثم إن الملك شارل الأصلع تدخل في هذه المسألة، بناء على التماس المسيحيين منه؛ لأنه قد أصابهم في البلدان الشمالية من إسبانية ما أصابهم في قرطبة.

ولما تفاقم هذا الأمر اشتد غضب عبد الرحمن الثاني على المسيحيين، وطرد من قصره جميع الذين كانوا مستخدمين فيه منهم، ثم مات عبد الرحمن سنة ٨٥٨ وخلفه ابنه محمد، وفي أولى أمره شدد أيضًا في معاملة المسيحيين حتى فكر في إخراجهم جميعًا من مملكته، ولكنه عاد فعدل عن فكره بسبب توالي الثورات وعدم مؤاتاة الوقت له، وكانت الحرب لا تزال مشتعلة في كتلونية، وكان موسى أمير سرقسطة قد ظفر بالمسيحيين في بعض الوقائع إلا أنه انكسر في آخر الأمر وتغلب عليه ملك أشتورية فعزله الأمير محمد من إمارة سرقسطة، فاستشاط غضبًا وانحاز إلى المسيحيين، وزوج ابنته بغرسية ملك ناباره، وثارت في أثناء ذلك مدينة طليطلة.

ثم إن المسلمين غزوا أيضًا جزيرتي سردانية وكورسيكة، واشتدت الفوضى وانتشر الحبل في بلاد فرنسة، فكنت ترى الكنائس مهدمة والمدن خرابًا واللصوص أسرابًا والناس يتركون ديارهم ويضربون في الأرض طلبًا للأمان، ومنهم من فضل الموت على ترك أرضه، ومن الأهالي من كان ينضم إلى الغزاة طمعًا في السلب.

وبينما الحال هكذا في فرنسة لم تكن الأندلس بأسعد منها، إذ ثار فيها رجل يقال له: عمر بن حفصون — كان مسيحيًّا فأظهر الإسلام — وأعصوصب حوله جيش من اللصوص وقطَّاع الطرق، فثار على الأمير محمد وجاذبه الحبل وصارت الأندلس في أمر مريج، واضطر الأمير إلى مسالمة ملك فرنسة شارل الأصلع ليتفرغ لأمر ابن حفصون، وجاءت رسل شارل إلى قرطبة وكان ذلك سنة ٨٦٦ وتقرر أن تبقى كتلونية بيد الفرنسيس، وعاد رسل شارل بهدايا ثمينة من قرطبة ومعهم إبل بحدائج مزينة، وهكذا تقضي حوادث الزمن على الملوك بمصافاة ذوي الشحناء ومهاداة الأعداء.

وفي سنة ٨٦٩ جاء غزاة العرب فنزلوا في بروفانس في محل يقال له كامرغ Camargua وهو جزيرة مشكلة من نهر الرون، وفيها أملاك للمطران رولان رئيس أساقفة آرل، فلما نزل المسلمون في هذه الجزيرة صادفوا المطران هناك يتعهد مزارعه فقبضوا عليه وقتلوا ثلاثمائة من رجاله وساقوه إلى أحد مراكبهم، فجاء المسيحيون لأجل أن يفكوه بفدية، فطلب المسلمون به مائة وخمسين ذهبًا و١٥٠ ثوبًا و١٥٠ سيفًا و١٥٠ عبدًا، فرضي المسيحيون بتقديم هذه الفدية، فجمعوها وقدموها لأجل إنقاذ المطران، وكان هذا في أثناء جمعها قد فارق الحياة بما أصابه من الرعب فكتم المسلمون موته حتى يقبضوا المال، ولما تسلموا جميع الأشياء التي اشترطوها أخرجوا جثة المطران إلى البر، وألبسوها الثياب التي كانت عليه عندما كان حيًّا، وانصرفوا وكان المسيحيون قد جاءوا جمعًا عظيمًا لتهنئة المطران بالخلاص، فلم يجدوا سوى جثة هامدة، وتحول فرحهم مأتمًا.

ومات شارل الأصلع سنة ٨٧٦ وكان ناويًا أن يذهب بجيش إلى إيطالية التي كان المسلمون قد استولوا على نواحيها الجنوبية وأصبح بسبب ذلك البابا في رومة تحت الخطر، وبرغم توالي غزوات المسلمين والنرمنديين كان الشقاق بين أمراء فرنسة لا يزال قائمًا قاعدًا، حتى نهكت قوى البلاد بأجمعها، ولم يبقَ إلا أمل ضعيف يمسك بحشاشتها، وبلغ اختلاف الكلمة وتشظى العصا أقصى ما يتصور العقل.

هوامش

(١) قد ظهر من هنا أن سقوط الدولة الأموية في المشرق وصدع الوحدة العربية بانسلاخ الأندلس عن دولة الخلافة هما العاملان في تأخر العرب في قارة أوربة، ومما لا نزاع فيه أن القوة المتحدة التي كان وراءها الأندلس وإفريقية ومصر والشام والعراق وجزيرة العرب وفارس وخراسان كانت أقوى على تجريد الجيوش وتسريب الأموال من القوة التي لم تكن تتجاوز جزيرة الأندلس وحدها.
(٢) Ebre هو النهر الذي يمر بسرقسطة، والإسبانيول والعرب يقولون له: أيبره.
(٣) نقل «رينو» هذا الخبر عن ترجمة حياة القديس «جيبو» Jubeau في مجموعة البولنديين، أي: تاريخ القديسين Recueil des Ballandistes.
(٤) هو سليمان الأعرابي الكلبي أمير برشلونة، وكانت بينه وبين شارلمان علاقات مذ كان أميرًا بسرقسطة. انظر إلى ما يقوله صاحب أخبار مجموعة: ثم ثار سليمان الأعرابي بسرقسطة وثار معه حسين بن يحيى الأنصاري، من ولد سعد بن عبادة، فبعث إليه الأمير (يعني: عبد الرحمن الداخل) ثعلبة بن عبد في جيش، فنازل أهل المدينة وقاتلهم أيامًا، ثم أن الأعرابي طلب الفرصة من العسكر فلما وضع الناس عن أنفسهم الحرب وقالوا: قد أمسك عن الحرب وأغلق أبواب المدينة، أعدَّ خيلًا، ثم لم يشعر الناس حتى هجم على ثعلبة فأخذه في المظلة فصار عنده أسيرًا وانهزم بجيش، فبعث به الأعرابي إلى قارله فلما صار عنده طمع قارله في مدينة سرقسطة من أجل ذلك فخرج حتى حل بها، فقاتله أهلها ودفعوهم أشد الدفع فرجع إلى بلده. انتهى.
قلت: إن العرب يسمون شارلمان قارله كما كانوا يسمون جده شارل مارتل وسيأتي ذكر قصة الأمير سليمان هذا — الذي ملأ شارلمان على قومه — وكيف انتهى أمره.
(٥) نقل «رينو» هذا الخبر عن مجموعة «الدون بوكيه».
(٦) يكثر في تواريخ العرب ذكر غزوات الجيوش الإسلامية لبلاد ألبا والقلاع  Le Pays D'alaba et des Chateaux ويقال أحيانًا: «ألفا» ولكن تلفظ الإسبانيول للفاء هو كلفظ العرب للباء.
(٧) Perpignan قاعدة ولاية روسيون أو البيرانه الشرقية.
(٨) Cerdagna.
(٩) Saint-Jean-Pied-de-Port.
(١٠) Tolosa a Bayonne وطلوزة هذه هي غير طلوزة الإفرنسية، والفرق بينهما أن طلوزة الإسبانية تكتب بحرف O فقط وأن طلوزة الإفرنسية تكتب بحرفين OU.
(١١) قال ابن خلدون: وفي سنة ست وأربعين ومائة سار العلاء بن مغيث اليحصبي من إفريقية إلى الأندلس، ونزل بباجة الأندلس، داعيًا لأبي جعفر المنصور، واجتمع إليه خلق، فسار عبد الرحمن إليه ولقيه بنواحي أشبيلية، فقاتله أيامًا ثم انهزم العلاء وقتل بسبعة آلاف من أصحابه، وبعث عبد الرحمن برؤوس كثيرٍ منهم إلى القيروان ومكة، فألقيت في أسواقهما سرًّا ومعها اللواء الأسود وكتاب المنصور للعلاء، فارتاع المنصور لذلك، وقال: ما هذا إلا شيطان والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر. أو كلامًا هذا معناه. انتهى
وجاء في كتاب «أخبار مجموعة» الذي تقدم ذكره في أخبار عبد الرحمن الداخل: ثار عليه العلاء بن مغيث اليحصبي، ويقال حضرمي وسود (يعني دعا لبني العباس الذين كان شعارهم السواد) ودعا إلى طاعة أبي جعفر، وكان قد بعث إليه بلواء أسود في سن قناة، قد أدخله في أهليجة وطبع عليه، فأخرجه العلاء فجعله في رمحه وقام به في جند مضر وساعده على غيه واسط بن مغيث الطائي وأمية بن قطن الفهري فأقبلت اليمانية حتى صاروا بأشبيلية فاتهموا أمية بن قطن فأخذوه وكبلوه، وخرج الأمير إليهم، واجتمعت إليه الحشود، وأقبل حتى نزل بقرية القوم بقلعة رعواق وأقبل غياث بن علقمة اللخمي من شذونة ممدًا لهم، فلما سمع بخبره الأمير بعث إليه بدرًا مولاه في قطيع من عسكره فقطع به فنزل في الولجة التي بين وادي إيره والنهر الأعظم، ونازله بدر فتراسلا حتى انعقد بينهما صلح، ورجع غياث بن علقة اللخمي إلى بلده، ورجع بدر إلى الأمير، فلما بلغ القوم الخبر قالوا: ليس لنا إلا مدينة قرمونة فعبوا على الخروج إليها ليلًا، وجاء الخبر إلى الأمير فبعث بدرًا، وقال له: ابتدر إلى المدينة، وارفع رأس قبتك على باب قرمونة واجمع إليك أهل الطاعة إلى أن نوافيك غدوة، وركب الأمير من سحر طويل فأصبح على ظهر وتباطأ القوم فأصبح القوم في الشعراء تحت قرمونة، فلما نظر إلى القبة مضروبة على باب المدينة علم أنهم قد بدروا إليها، فماجوا وتطلعت عليهم خيل العسكر، فانهزموا وقتلوا قتلا ذريعًا، وأصيب أمية بن قطن مكبلًا فمنَّ عليه الأمير وأطلقه وقطف من رؤوسهم سبعة آلاف رأس فميز رؤوس المعروفين ورأس العلاء ومثله، ثم كتب باسم كل واحد بطاقة ثم علقت من أذنه، ثم أجزل العطية لمن انتدب لحمل تلك الرؤوس إلى إفريقية فجمعها في أخرجة وركب فيها البحر حتى انتهى إلى القيروان، فطرحها ليلًا في السوق، فلما أصبح الناس وجدوها ووجدوا كتابًا مكتوبًا بالخبر في الخرج، فانتشر ذلك حتى بلغ أبا جعفر. انتهى
(١٢) جاء في نفح الطيب عند ترجمة الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الثالث ذكر وليد بن حيزون قاضي النصارى بقرطبة وعبيد الله بن قاسم مطران طليطلة. وجاء فيه عند ترجمة الناصر ذكر ربيع الأسقف الذي أرسله الخليفة إلى ملك الصقالبة رسولًا يرد بذلك زيارة رسول هذا الملك لبابه، ومن هذه الأسماء يعرف القارئ أن أهل الذمة في الأندلس كانوا قد استعربوا وتسموا بأسماء العرب، وإن كانوا بقوا على النصرانية، وكانوا في هذا أشبه بالمسيحيين من عرب الشرق.
(١٣) Tarragone مدينة في كتالونية على البحر المتوسط، قال ياقوت في معجم البلدان: بلدة بالأندلس متصلة بأعمال طرطوشة، وهي مدينة قديمة على شاطئ البحر منها نهر علان يصب مشرقًا إلى نهر إيرة وهو نهر طرطوشة، وهي بين طرطوشة وبرشلونة، بينها وبين كل واحدة منهما سبعة عشر فرسخًا. قال: وطرقونة موضع آخر بالأندلس من أعمال لبلة.
(١٤) وستفاليا هي اليوم من مقاطعات بروسية.
(١٥) استشهد «رينو» على ذلك بمجموعة الدون بوكيه وكذلك بتاريخ ابن القوطية، وأما مؤرخو العرب فلم يتفقوا على اسم هذا الأمير؛ لأن بعضهم يسميه سليمان بن قحطان العربي والآخرين يسمونه مطرف بن العربي، وقد تقدم أن هذا الأمير هو سليمان الأعرابي الكلبي، وأما أسيره الذي أرسله إلى شارلمان فهو ثعلبة بن عبد الذي أسره بحيلة كما تقدم.
(١٦) من مملكة نابار وهي قلعة حصينة.
(١٧) جاء في أخبار مجموعة: إن حسين بن يحيى الأنصاري رفيق سليمان الكلبي، الذي ثار بسرقسطة على الأمير عبد الرحمن الداخل، كان قد عدا على سليمان يوم جمعة فقتله في المسجد الجامع وصار الأمر لحسين وحده فنزل به الأمير عبد الرحمن، وكان عيسون بن سليمان الأعرابي قد هرب إلى أربونة فلما بلغه نزول الأمير بسرقسطة أقبل فنزل خلف النهر، فنظر يومًا إلى قاتل أبيه قد خرج عن المدينة وصار على جرف الوادي فأقحم عيسون فرسًا له كان يسميه الناهد فقتله، ثم رجع إلى أصحابه فسمى ذلك الموضع إلى اليوم «مخاضة عيسون» ثم استدعاه الأمير حتى صار في عسكره وحارب سرقسطة معه.
(١٨) نقل «رينو» هذا الخبر عن «الدون بوكيه» ولم نعلم شيئًا من هذا القبيل، أي: من تنصر جماعة من المسلمين في أوائل الفتح الإسلامي للأندلس سوى ما ذكره المؤرخون من العرب، وهو أنه عندما اشتدت الفتنة بين القيسية واليمانية اغتنم الفرصة أهالي شمالي إسبانية وأخرجوا المسلمين من بلادهم وبقي من هؤلاء بينهم بقايا تنصروا.
قال صاحب أخبار مجموعة: فثأر أهل جليقية على المسلمين وغلظ أمر علج يقال له: بلاي قد ذكرناه في أول كتابنا فخرج من الصخرة، وغلب على كورة وستورس ثم غزاه المسلمون من جليقية وغزاه أهل أستورقة زمانًا طويلًا حتى كانت فتنة أبي الخطار وثوابة فلما كان في سنة ١٣٣ هزمهم وأخرجهم عن جليقية كلها وتنصر كل مذبذب في دينه وضعف عن الخروج وقتل من قتل … إلخ، ولا مانع من أن يكون في الذين هاجروا من شمالي إسبانية إلى فرنسة أناس أصلهم من المسلمين.
(١٩) جاء في نفح الطيب (الجزء الأول صفحة ١٥٥) ما يلي: وخاطب عبد الرحمن قارله ملك الإفرنج وكان من طغاة الإفرنج بعد أن تمرس به مدة فأصابه صلب المكر تام الرجولية فمال معه إلى المداراة ودعاه إلى المصاهرة والسلم فأجابه للسلم ولم تتم المصاهرة. أ.هـ.
قلت: وأما كون عبد الرحمن فتح البلاد بنفسه ودوخها بصرامته، ولم يستغن في ذلك كما قال «رينو» عن إرهاف الحد، فلننقل في هذا الموضوع ما جاء في النفح عن ابن حيان: ولما ألفى الداخل الأندلس ثغرًا قاصيًا غفلًا عن حلية الملك عاطلًا أرهف أهلها بالطاعة السلطانية وحنكهم بالسيرة الملوكية، وأخذهم بالآداب فأكسبهم عما قليل المروءة، وأقامهم على الطريقة، وبدأ فدون الدواوين، ورفع الأواوين، وفرض الأعطية، وعقد الألوية، وجند الأجناد ورفع العماد وأوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته وأخذ للسلطان عدته، فاعترف له بذلك أكابر الملوك وحذروا جانبه وتحاموا حوزته.
ولم يلبث أن دانت له بلاد الأندلس واستقل له الأمر فيها، فلذلك ظل عدوه أبو جعفر المنصور بصدق حسه وبُعد غوره وسعة إحاطته، يسترجح عبد الرحمن كثيرًا ويعد له بنفسه ويكثر ذكره ويقول: لا تعجبوا لامتداد أمره مع طول مراسه وقوة أسبابه، فالشأن في أمر فتى قريش الأحوذي الفذ في جميع شؤونه وعدمه لأهله ونشبه وتسليه عن جميع ذلك ببعد مرقى همته ومضاء عزيمته حتى قذف نفسه في لجج المهالك لابتناء مجده، فاقتحم جزيرة شاسعة المحل نائية المطمع عصبية الجند، ضرب بين جندها بخصوصيته وقمع بعضهم ببعض بقوة حيلته واستمال قلوب رعيتها بقضية سياسته حتى انقاد له عصيهم وذل له أبيهم فاستولى فيها على أريكته ملكًا على قطيعته قاهرًا لأعدائه حاميًا لذماره مانعًا لحوزته خالطًا الرغبة إليه بالرهبة منه، إن ذلك لهو الفتى كل الفتى لا يكذب مادحه. انتهى.
قلت: وكان المنصور يلقب عبد الرحمن الداخل بصقر قريش وسنذكر في الجزء التالي كلامًا آخر للمنصور عنه في هذا المعنى.
(٢٠) برطانية هنا لا يظهر أنها التي يقال لها: بريطانية Bretagne من شمالي فرنسة إلى الغرب بل هي مقاطعة من كتالونية يقال لها اليوم: أمبردانية Ampurdania وكان أهل البلاد يقولون لها: «إمبروطانية» وهي لفظة مشتقة من «أمبورياس» اسم مدينة فينيقية قديمة ثم يونانية عمَّرها أهل صور وصيدا في أرض كتالونية.
(٢١) Tudela من مدن شمالي الأندلس.
(٢٢) Leon يريد بها مدينة ليون الإسبانية في شمالي إسبانية لا مدينة ليون الإفرنسية التي يكتب اسمها هكذا: Lyon.
(٢٣) Jironde يريد بمدينة جيروندة بوردو وكان العرب يقولون لها أيضًا: بورديل وهي مدينة بلاد جيرندة الإفرنسية.
(٢٤) هذا هو إمبراطور بيزانطية الذي قاتله المعتصم العباسي وفتح من بلاده عمورية، وورد ذكره في قصيدة أبي تمام الطائي التي يذكر بها وقعة عمورية والتي مطلعها.
السيف أصدق إنباءً من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
فإنه يقول فيها:
لما رأى الحرب رأي العين توفلس
والحرب مشتقة معنى من الحرب
إلخ.
(٢٥) كانت أم الخليفة المأمون أم ولد، اسمها مراجل ماتت في نفاسها به، وكانت أم المعتصم اسمها ماردة، وكانت أحظى النساء عند هارون الرشيد، ويظهر أن توفلوس إمبراطور الروم قصد أن يغري بني أمية أمراء الأندلس بغزو الشرق ليشغل بني العباس عن قتاله ويوهن قوتهم.
(٢٦) نقل «رينو» صورة هذا المنشور، وقال: إنه وجد في مجموعة مطبوعة في القاهرة قال: وليس بأكيد أن يكون هو نفس المنشور الذي تلي باسم الأمير هشام، ولكنه على كل حال لا يختلف عنه في المعنى.
(٢٧) عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث.
(٢٨) نقل «رينو» هذا عن تاريخ «موساك» في مجموعة «الدون بوكيه».
(٢٩) Orbieux.
(٣٠) Villedaigne.
(٣١) نقل «رينو» ذلك عن مجموعة مؤرخي فرنسة وعن النويري.
(٣٢) يعنى بالمعاملة التي كانت سنة ١٨٣٦ أي: منذ قرن تقريبًا.
(٣٣) ورد في نفح الطيب أن مِن محاسن الأمير هشام إكمال بناء الجامع بقرطبة وكان أبوه شرع فيه، وأما الغزاة التي ذكرها «رينو» فهي التي يقول عنها في النفح: إن هشامًا بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث في العساكر سنة ١٧٧ إلى أربونة وجيروندة فأثخن فيها ووطئ أرض برطانية، وتوغل عبد الملك في بلاد الكفار وهزمهم.
(٣٤) استشهد «رينو» هنا بتاريخ للعرب في إسبانية ملحق بجغرافية أبي الفداء التي طبعها «رينك» في «لايبسيك».
(٣٥) جاء في نفح الطيب: أنه تولى بعد هشام ابنه الحكم بعهد منه إليه، فاستكثر من المماليك وارتبط الخيل واستفحل ملكه وباشر الأمور بنفسه، وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عميه اغتنم العدو الكافر الفرصة في بلاد المسلمين وقصد برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين ومائة وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها، وقال أبو الفداء: ولما اشتغل الحكم بقتال عميه اغتنمت الفرنج الفرصة فقصدوا بلاد الإسلام وأخذوا مدينة برشلونة في سنة ١٨٥.
(٣٦) نقل رينو هذا الخبر عن الدون بوكيه.
(٣٧) نقل رينو هذا الخبر عن مجموعة مؤرخي بلاد الغال، ولم نعلم أصل الأمير المسلم الذي ذكره وهم يحرفون الأسماء العربية تحريفًا يبعد بها عن الأصل بعدًا كبيرًا بحيث تتنكر على الباحث تمامًا.
(٣٨) جاء في نفح الطيب: وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة جمع لذريق بن قارله ملك الفرنج جموعه وسار لحصار تراكونه فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن في العساكر فهزمه ففتح الله على المسلمين وعاد ظافرًا، ولما كثر عيث الفرنج في الثغور بسبب اشتغال الحكم بالخارجين عليه سار بنفسه إلى الفرنج سنة ست وتسعين فافتتح الثغور والحصون وخرب النواحي وأثخن في القتل والسبي والنهب وعاد إلى قرطبة ظاهرًا. انتهى.
قلت: لعل المقري يعني بلذريق بن قارله لويس بن شارلمان.
(٣٩) جاء في معجم البلدان لياقوت: وشقة بُليدة في الأندلس يُنسب إليها طائفة من أهل العلم منهم حديدة بن الغمر له رحلة وإبراهيم بن عجيس بن أسباط بن أسعد بن عدي الزيادي الوشقي كان حافظًا للفقه واختصر المدونة، له رحلة سمع فيها يونس بن عبد الأعلى ومات سنة ٢٧٥ وابنه أحمد سمع من أبيه وتوفي سنة ٣٢٢.
(٤٠) Zaton وهو من جملة تحريف الإفرنج للأعلام العربية، ولا يدرى ما أصل هذا الاسم.
(٤١) مؤرخو الإسلام ينسبون سقوط برشلونة إلى تأثير الفتنة التي أثارها سليمان وعبد الله عمَّا الحكم وشغلته عن إنجاد تلك المدينة كما تقدم من كلام المقري في النفح وكلام أبي الفداء.
(٤٢) نقل رينو هذا الخبر عن مجموعة الدون بوكيه من رواية «أجينار» Eginard.
(٤٣) ذكر رينو هذه الجملة نقلًا عن الدون بوكيه وقال: إن مؤرخي العرب لم يذكروا شيئًا من أخبار هذه العلاقات بين هارون الرشيد وشارلمان، وإنما ذكروا تبادل رسائل بين ببين القصير والمنصور العباسي، وبين لويس الحليم Le Debomiaire وبين المأمون، وأما المسيو بوكڨيل “Pouquevelle” فقد ذهب إلى كون هذه الأخبار كلها غير صحيحة.
(٤٤) Huesca وابن جوقل في المسالك والممالك يسميها وسكة.
(٤٥) سمى العرب المعامل التي كانت تُبنى فيها المراكب البحرية بدور الصناعة، وربما قالوا: الصنعة ومشى كتابهم على هذا الاصطلاح، فترى مؤرخينا يقولون: كانت الصنعة في صور أو أسس الأمير فلان دار الصنعة في تونس، أو كانت صنعة الأندلس بالمرية وما أشبه ذلك، وأخذ الإفرنج جملة «دار صنعة» فلفظوها «دارسنا» بحسب صعوبة إخراجهم لحرف العين كما لا يخفى، ثم قلبوها إلى «آرسنا» وأضافوا إليها حرف اللام المستعمل عندهم في النسبة والمقامات الظرفية فصارت «آرسنال» ثم جاء الترك فحرفوا «دار صناعة» أو «دار صنعة» إلى «ترسانة» فقالوا عن دار الصناعة التي في خليج إستانبول: «ترسانة عامرة».
(٤٦) أو قورسقة.
(٤٧) وقرأت في مدينة جنوة في تاريخ جمهورية جنوة لمؤلفه فريدريشي دونافار أنه في سنة ٩٣٤ جاءت قوة بحرية إسلامية من إفريقية فحصرت جنوة حصارًا شديدًا، لكن الجنويين تمكنوا من دفعها عنهم، فرجعت أدراجها وأصابها ضرر من زوبعة بحرية، ثم بعد سنتين من تلك الواقعة جاء أسطول إسلامي آخر وهاجم جنوة واشتد القتال فتغلب المسلمون ودخلوا البلدة وأصابوا مغانم كثيرة وأخذوا أسرى كثيرين وقفلوا، وكان أسطول جنوة في كورسيكا فلما جاء ورأى ما حصل بجنوة سار في أثر الأسطول اِلإسلامي فهزمه وفك الأسرى واسترجع الغنائم، وصار الجنويون من ذلك الحين يحصنون بلدتهم.
(٤٨) الذي عرفته في رومة من روايات بعض أدباء الطليان والمطلعين منهم على التواريخ أنه يوجد على مسافة ٤٠ كيلو مترًا من رومة قرية يقال لها: «سراسينشكو» Sarracinesco أصل أهلها من المسلمين كان سلفهم غزاة، وقعوا إلى تلك الأرض وأحاط بهم الأهالي فقتلوا جانبًا واستسلم لهم الباقي وتنصروا وعمروا تلك القرية، ويقال: إن سحنهم لا تزال تدل على أصلهم العربي وأن مآكلهم ومشاربهم وصنعة الغناء عندهم تدل على عروبتهم، وحتى هذا اليوم تراني أترقب الفرصة لمشاهدة تلك القرية والتنقيب عن صحة ما سمعته، وقيل لي: إنه يوجد في ولاية «غالياري» Gagliari من سردانية قرى أصل سكانها من العرب وأنه يوجد آثار عربية في «لوشيرة» بقرب نابلي، ولا يخفى أن الإمبراطور فريدريك الثاني إمبراطور ألمانيا وملك صقلية الذي عاش في أوائل القرن الثالث عشر المسيحي كان عنده جيش من العرب هم عمدة قوته، وكان متقنًا للغة العربية.
(٤٩) نقل رينو ذلك عن مجموعة مؤرخي فرنسة وعن تاريخ كوندي وحتى الآن لم أظفر بهذا الخبر في كتب العرب.
(٥٠) جاء في نفح الطيب في ترجمة الحكم: وكانت له الوقعة الشهيرة مع أهل الربض من قرطبة؛ لأنه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذاته فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وأحد رواة الموطأ عنه، وطالوت الفقيه وغيرهما، فثاروا به وخلعوه وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالربض الغربي من قرطبة وكان محلهم متصلًا بقصره، فقاتلهم الحكم فغلبهم وافترقوا وهدم دورهم ومساجدهم ولحقوا بفاس من أرض العدوة وبالإسكندرية من أرض المشرق، ونزل بها جمع منهم، ثم ثاروا بها فزحف إليهم عبد الله بن طلحة صاحب مصر للمأمون بن الرشيد وغلبهم وأجازهم إلى جزيرة أقريطش فلم يزالوا بها إلى أن ملكها الإفرنج من أيديهم بعد مدة. انتهى.
وقال كوندي عن هذه الواقعة: إن الحكم سار إلى العصاة بنفسه برغم رجاء ابنه وكبار قواده أن لا يغامر بنفسه وأوقع بالثائرين حتى امتلأت الشوارع بجثث القتلى، ولكن الذين لبثوا داخل البيوت لم يصبهم شيء، وقبض الحكم على ثلاثمائة من الثوار وصلبهم على النهر، ثم أمر بدك حارة الربض كلها بعد أن أمر بنهبها ولكنه أمر بعدم التعرض للنساء، وما زال السيف عاملًا في الثوار إلى اليوم الثالث فعفا عمن بقي منهم في الحياة بشرط أن يخرجوا من قرطبة مع عائلاتهم، فرحل جانب من هؤلاء المساكين إلى طليطلة، وأجاز نحو من ثمانية آلاف إلى بر العدوة حيث تقبلهم إدريس بن إدريس في فاس وبنوا حارة فيها هي مبدأ سكنى الأندلسيين بفاس، وسار منهم خمسة عشر ألفًا إلى الإسكندرية ودخلوا البلدة واستولوا عليها، فلجأ عامل الخليفة المأمون على مصر إلى مصالحتهم وأدى لهم جانبًا من المال على أن يذهبوا ويستعمروا إحدى جزر بحر يونان، فاختاروا أقريطش، وكان المعمور منها قليلًا فنزلوا بها وكان زعيمهم منذ برحوا قرطبة أبو حفص عمر بن شعيب فجعلوه أميرًا عليهم ثم انضم إليهم كثير من المصريين والشاميين والعراقيين، وأخذوا يغزون في البحر ويغنمون ثم كان بناؤهم مدينة «قنديا».
وروى المسيو شينيه chenier أن الذي بنى قنديا هو أحد قواد الأمير عبد الله بن عبد الرحمن وكان اسمه «كندش» Candax.
فإنه بعد موت سيده فارق الأندلس خشية انتقام الحكم منه وقد ذكر كوندي رواة هذه الحادثة الحميدي ومحمد بن هشام وغيرهما، وأما دوزي فقال: إن عدد الذين نزلوا من الربضيين بالإسكندرية كان ١٥ ألفا عدا النساء والأولاد، وكانت أمور مصر يومئذ مختلة فلم يقدر العامل على منعهم من النزول، واتفقوا أولًا مع قبيلة من عرب الضواحي إلى أن تمكنوا، فاقتتلوا مع هؤلاء العرب وهزموهم واستولوا على الإسكندرية، فأرسل الخليفة المأمون جيشًا قاتلهم فقاتلوه وثبتوا إلى سنة ٨٢٦ مسيحية إلا أن عمال الخليفة تغلبوا أخيرًا عليهم فخرجوا إلى جزيرة أقريطش التي كان منها جانبًا تابعًا للقسطنطينية فاستولوا عليها وأسس قائدهم أبو حفص البلوطي — من فحص البلوط — دولة استمرت في أقريطش (أو كريت) إلى سنة ٩٦١ إذ عاد الروم فافتتحوا الجزيرة. أ.هـ
وجاء في الأنسيكلوبيديا الإسلامية باللغة الإفرنسية أن المسلمين احتلوا جزيرة أقريطش سنة ٦٧٣ مسيحية، ولكن المعلومات قليلة عن هذا الدور الأول من احتلالهم، ثم إنه في سنة ٨٢٥ استولى على هذه الجزيرة أبو حفص عمر بن شعيب البلوطي وذلك على أثر وقعة الربض في قرطبة وإجلاء الحكم الأموي أهل الربض ومجيئهم إلى الإسكندرية، فجاءوا إلى جزيرة أقريطش فافتتحوها كلها ما عدا أرض سفاكيا، وأرسل ملوك بيزنطية مرارًا بالجيوش لطرد المسلمين من هناك فلم يتمكنوا من ذلك وبقيت هذه الإمارة الإسلامية في كريت ١٣٥ سنة ثم بنى المسلمون عند رأس «شاراكس» عاصمة لهم سموها قانديا وصار هذا الاسم عامًّا لأقريطش.
وسنة ٩٦١ جاء القائد البيزنطي نيقوفور فوكاس وحاصر قانديا واستفتحها بعد حصار عدة أشهر واستصفى الجزيرة وأخذ آخر أمراء المسلمين على الجزيرة عبد العزيز أسيرًا، ومات في القسطنطينية، ودخل في خدمة ملك الروم انبه أنماس وفارق الإسلام هذه الجزيرة إذ جلا المسلمون عنها، ومن اختار البقاء تنصر.
أما استيلاء الأتراك العثمانيين على كريت فبدأ سنة ١٦٤٥ وانتهى سنة ١٦٦٧ وبقيت للبنادقة بعض مدن فسقطت في أيدي الترك سنة ١٧١٥. أ.هـ.
وقال ياقوت في معجم البلدان: أقريطش بفتح الهمزة وتكسر، والقاف ساكنة والراء مكسورة وياء ساكنة وطاء مكسورة وشين معجمة اسم جزيرة في بحر المغرب يقابلها من بر إفريقية لوبيا، وهي جزيرة كبيرة فيها مدن وقرى وينسب إليها جماعة من العلماء، قال أحمد بن يحيى بن جابر (يعني البلاذري): غزا جنادة بن أبي أمية الأزدي جزيرة أرواد في سنة ٥٤ في أيام معاوية ثم غزا أقريطش فلما كان في أيام الوليد فتح بعضها ثم أغلق، وغزاها حميد بن معيوف الهمداني في خلافة الرشيد ففتح بعضها، ثم غزاها في خلافة المأمون أبو حفص عمر بن عيسى الأندلسي المعروف بالأقريطشي فافتتح منها حصنًا واحدًا ونزله ثم لم يزل يفتح شيئًا بعد شيء حتى لم يبق فيها من الروم أحدًا وخرب حصونهم، وذلك في سنة ٢١٠ في أيام المأمون (هذه رواية البلاذري في «فتوح البلدان» عند ذكر فتح الجزائر البحرية).
وقال غير البلاذري: فُتحت أقريطش في أول أيام المأمون، وقيل فُتحت بعد ٢٥٠ على يد عمر بن شعيب المعروف بابن الغليظ، وكان من أهل قرية بوطروح من عمل فحص البلوط من الأندلس وتوارثها عقبة سنين كثيرة، وقال ابن يونس: كان أول من افتتحها شعيب بن عمر بن عيسى، وكان سمع يونس بن عبد الأعلى وغيره بمصر، ثم ندب لفتحها فسار إليها حتى افتتحها، وكانت من أعظم بلاد المسلمين نكاية على الروم إلى أن أناخ عليها نقفور بن الفقاس الدمستق في خلافة المطيع، وتملك أرمانوس بن قسطنطين في آخر جمادى الأولى سنة ٣٤٩ في اثنين وسبعين ألفًا منهم خمسة آلاف فارس، ولم يزل محاصرًا لها حتى فتحها عنوة بالحرب والجوع في نصف المحرم سنة ٣٥٠ فقتل ونهب وسبى، وأخذ صاحبها عبد العزيز بن شعيب من ولد أبي حفص عمر بن عيسى الأندلسي وأمواله وبني عمه، وحمل ذلك كله إلى القسطنطينية، وقيل: إنه حمل إلى القسطنطينية من أموالها وسبى أهلها نحوًا من ثلاثمائة مركب وهدموا حجارة المدينة وألقوها في المينا الذي دخلت مراكبهم فيه، لئلا يدخل فيه بعدهم عدو، وهي إلى الآن بيد الإفرنج، ونسب إليها بعض الرواة منهم محمد بن عيسى أبو بكر الأقريطشي حدَّث بدمشق عن محمد بن قاسم المالكي روى عنه عبد الله بن محمد النسائي المؤدب. قاله أبو القاسم. انتهى
وقال ابن عميرة في بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس: عمر بن شعيب، أبو حفص، المعروف بالغليظ البلوطي من أعمال فحص البلوط المجاور لقرطبة، ذكره أبو محمد بن حزم وقال: إنه كان من عمل الربضيين وأنه الذي غزا أقريطش وافتتحها بعد الثلاثين ومائتين وتداولها بنوه بعده إلى أن كان آخرهم عبد العزيز بن شعيب الذي غنمها في أيامه أرمانوس بن قسطنطين ملك الروم سنة ٣٥٠ وكان أكثر المفتتحين لها معه أهل الأندلس. هكذا قال. وذكره سعيد بن يونس فقال: شعيب بن عمر بن عيسى أبو عمر صاحب جزيرة أقريطش كان تولى فتحها بعد سنة ٢٢٠، وقد كان كتب شعيب هذا بالعراق، وكتب عن جده يونس بن عبد الأعلى وغيره بمصر أيضًا. هذا آخر كلام ابن يونس، فقد اختلفا في اسمه أولًا فقال أحدهما: عمر بن شعيب. وقال الآخر شعيب بن عمر، ووصفاه بالفتح، ولولا ذلك لقلنا: إن أحدهما ابن الآخر، ويحتمل أن يكونا حضرا الفتح. انتهى.
وجاء في صبح الأعشى أن عبد الله بن أبي سرح أمير مصر كان افتتح أقريطش وبقيت بأيدي المسلمين حتى تغلب عليها النصارى في سنة ٣٤٥.
وقال ابن حوقل: وكانت أقريطش وقبرص للمسلمين وأبناء المجاهدين، فداخل أهلها من الحسد والنكد ما داخل أهل الثغور الجزرية والشامية وأهل ذلك البلد من الفسق والفساد والشح والعناد والغيلة والسفاد فجعلوا عبرة للمعتبرين وموعظة للناظرين، ولا يصلح الله عمل المفسدين ولا يضيع أجر المحسنين.
وقال في محل آخر: وكان للمسلمين في بحر الروم غير جزيرة جليلة وناحية مشهورة فاستولى العدو عليها مثل قبرس وأقريطش، وكانتا جزيرتين كثيرتي الخير والمسير والتجارة الوارد منها والصادر عنها، وكانوا يغزون بلاد النصرانية وينكون فيها النكاية الظاهرة يوجلها لهم قربهم من مطالبهم ومجاورتهم بمساكنهم فصمدت النصارى صمدها ووكدت وكدها إلى أن ملكتها جميعًا، وكانت قبرص على غير ما كانت عليه أقريطش من موافقة كانت بينهم وبين المسلمين فيها، وذلك أنها قسمان، فكانت نصفًا للمسلمين ونصفًا للنصرانية، وكان للمسلمين بها أمير وحاكم، وجزيرة أقريطش حرة مذ كانت فتحت، لم يكن للنصرانية فيها مدخل ولا مخرج إلا على طريق الجهاد أو في حين الهدنة والمسالمة يدخلونها على شرائط بينهم. انتهى
ثم إنه قد ذكر المسعودي في مروج الذهب أن الخليفة المستعين بالله نفى أحمد بن الخصيب إلى أقريطش سنة ٢٤٨.
ومما يتعلق بجزيرة أقريطش عبارة لابن جبير الأندلسي في كلامه على جزيرة صقلية فقد ذكر أنه صادف رجلًا مسلمًا في مدينة أطرابونش كان قد تحول إلى النصرانية وذكر أنه قد يعرض للمسلمين هناك من الفتنة في دينهم ومن أسباب النكال ما يدعوهم إلى فراق الإسلام، قال: فمنها قصة اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء المدينة التي هي حضرة الطاغية، ويُعرف بابن زرعة، ضغطته العمال بالمطالبة حتى أظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية، ومهر في حفظ الإنجيل ومطالعة سير الروم وحفظ قوانين شريعتهم، فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية، وربما طرأ حكم إسلامي فيستفتى أيضًا فيه لما سبق من معرفته بالأحكام الشرعية، وكان له مسجد بإزاء داره أعاده كنيسة نعوذ بالله. ومع ذلك فأعلمنا أنه يكتم إيمانه فلعله داخل تحت الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.
قال ابن جبير: ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين القائد أبو القاسم بن حمود المعروف بابن الحجر، وهذا الرجل من أهل بيت توارثوا السيادة كابرًا عن كابر، وهو مع ذلك من أهل العمل الصالح كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسرى وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج فارتجت هذه المدينة لوصوله، وكان في هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه أحاديث مزورة نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين — أيدهم الله — فكادت تقضي عليه لولا حارس المدة، وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفًا على الثلاثين ألف دينار مؤمنية ولم يزل يتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه حتى بقي بدون مال، فاتفق في هذه الأيام رضى الطاغية عنه وأمره إياه بالنفوذ لمهم من أشغاله السلطانية، فنفذ لها نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وصدرت عند وصوله إلى هذه البلدة رغبة منه في الاجتماع بنا فاجتمعنا به فأظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة ما يبكي العيون دمًا، فمن ذلك أنه قال كنت أورد لو أُباع أنا وأهل بيتي لعل البيع كان يخلصنا مما نحن فيه ويؤدي بنا إلى الحصون في بلاد المسلمين، فتأمل حالًا يؤدي بهذا الرجل مع جلالة قدره إلى أن يتمنى مثل هذا التمني مع كونه مثقلًا عيالًا بنين وبنات، فسألنا الله عز وجل له حسن التخليص مما هو فيه ولسائر المسلمين من أهل هذه الجزيرة وفارقناه باكيًا مبكيًا، واستمال نفوسنا لشرف منزعه وخصوصية شمائله وكنا أبصرنا له ولأخوته بالمدينة ديارًا كأنها القصور المشيدة، وشأنهم بالجملة كبير، وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج أصلحت أحوالهم ويسرت لهم الكراء والزاد والله ينفعه بها ويجازيه الجزاء الأوفى.
قال ابن جبير: ومن أعظم ما مني به أهل هذه الجزيرة أن الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجته أو تغضب المرأة على ابنتها فتلحق المغضوب عليه أنفة تؤديه إلى التطارح في الكنيسة، فينتصر ويتعمد، فلا يجد الأب للابن سبيلًا ولا الأم للبنت سبيلًا، فتخيل حال من مني بمثل هذا في أهله وولده يقطع عمره متوقعًا لوقوع هذه الفتنة فيهم وأهل النظر في العواقب منهم يخافون أن يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة أقريطش في المدة السالفة، فإنه لم تزل بهم الملكة الطاغية بالاستدراج الشيء بعد الشيء، حالًا بعد حال حتى اضطروا إلى التنصر عن آخرهم، وفر منهم من قضى الله بنجاته.
قال: ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور، في نفوس النصارى، أنهم يزعمون أنه لو تنصر لما بقي في صقلية مسلم. قال: ومن أعجب ما شهدناه من أحوالهم التي تذيب القلوب رأفة وحنانًا أن أحد أعيان هذه البلدة وجه ابنه إلى أحد أصحابنا الحجاج راغبًا في أن يقبل منه بنتا بكرًا صغيرة السن قد راهقت الإدراك فإن رضيها تزوجها وإن لم يرضها زوجها ممن يرضاه من أهل بلده؛ وذلك طمعًا في التخلص من هذه الفتنة ورغبة في الحصول في بلاد المسلمين، وطال عجبنا من حال تؤدي السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة وإسلامها إلى يد من يغربها واحتمال الصبر عنها ومكابدة الشوق إليها، كما أنا استغربنا حال الصبية ورضاها بفراق أهلها رغبة في الإسلام واستمساكًا بعروته الوثقى، وكان استشارها الأب في ما همَّ به فقالت: إن أمسكتني فأنت مسؤول عني. انتى باختصار.
وقد أوردنا هذه الأماثيل ليعلم القارئي كيفية تلاشي الإسلام من أقريطش وصقلية وغيرهما من جزائر البحر المتوسط وبعد ذلك من الأندلس، وذلك بعد فقد المسلمين استقلالهم وسلطانهم السياسي، والدين لا يمكن حفظه بلا دنيا كما قلنا ذلك مرارًا.
(٥١) أشار رينو إلى هذا الخبر نقلًا عن المقري، وقد راجعنا كلام المقري في النفح، فرأيناه يقول: إنه في سنة سبع وعشرين ومائتين بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة وانتهوا إلى أرض برطانية، وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل تطيلة ولقيهم العدو فصبر حتى هزم الله عدوه، وكان لموسى في هذه الغزاة مقام محمود.
(٥٢) جاء في فتوح البلدان للبلاذري تحت عنوان «فتح جزائر في البحر» ما يلي:
قالوا: غزا معاوية بن حديج الكندي أيام معاوية بن أبي سفيان صقلية، وكان أول من غزاها، ولم تزل تغزى بعد ذلك فقد فتح آل الأغلب بن سالم الإغريقي منها نيفًا وعشرين مدينة، وهي في أيدي المسلمين (أي في القرن الثالث للهجرة) وفتح أحمد بن محمد بن الأغلب منها في خلافة أمير المؤمنين المتوكل على الله قصريانة وحصن غليانة. وقال الواقدي: سبى عبد الله بن قيس بن مخلد الدرقي صقلية فأصاب أصنام ذهب وفضة مكللة بالجوهر فبعث بها إلى معاوية فوجه بها معاوية إلى البصرة لتحمل إلى الهند فتباع هناك ليثمن بها. قالوا: وكان معاوية بن أبي سفيان يغزي برًّا وبحرًا فبعث جنادة بن أبي أمية الأزدي إلى رودس، وجنادة أحد من روي عنه الحديث، ولقي أبا بكر وعمر ومعاذ بن جبل ومات في سنة ٨٠ ففتح رودس عنوة وكانت غيضة في البحر وأمره معاوية فأنزلها قومًا من المسلمين وكان ذلك في سنة ٥٢.
قالوا: ورودس من أخصب الجزائر وهي نحو من ستين ميلًا فيها الزيتون والكروم والثمار والمياه العذبة. قال البلاذري: وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: أقام المسلمون برودس سبع سنين في حصن اتخذ لهم، فلما مات معاوية كتب يزيد إلى جنادة يأمره بهدم الحصن وبالقفل، وكان معاوية يعاقب بين الناس فيها وكان مجاهد بن جبر مقيمًا بها يُقرئ الناس القرآن، وفتح جنادة بن أبي أمية في سنة ٥٤ أرواد وأسكنها معاوية المسلمين وكان ممن فتحها مجاهد، وتبيع ابن امرأة كعب الأحبار وبها أقرأ مجاهد تبيعًا القرآن. ويقال: إنه أقرأه القرآن برودس. وأرواد جزيرة بالقرب من القسطنطينية (إن جزيرة أرواد هي قبالة طرطوس بالقرب من طرابلس الشام فإما أن يكون وقع خطأ من البلاذري في تعيين موقع أرواد وإما أن يكون المقصود بأرواد هذه جزيرة أخرى في الأرخبيل الرومي كان العرب يسمونها أرواد) وغزا جنادة أقريطش فلما كان زمن الوليد فتح بعضها ثم أغلق وغزاها حميد بن معيوف الهمداني في خلافة الرشيد ففتح بعضها، ثم غزاها في خلافة المأمون أبو حفص عمر بن عيسى الأندلسي المعروف بالأقريطشي وافتتح منها حصنًا واحدًا ونزله ثم لم يزل يفتح شيئًا بعد شيء حتى لم يبقَ فيها من الروم أحد وأخرب حصونهم. انتهى. وهذه الرواية قد تقدمت بحرفها.
ثم قال البلادزي: وبالمغرب أرض تُعرف بالأرض الكبيرة وبينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يومًا أو أقل من ذلك قليلًا أو أكثر قليلًا، وبها مدينة على شاطئ البحر تدعى باره، وكان أهلها نصارى وليس بروم غزاها جبلة مولى الأغلب فلم يقدر عليها ثم غزاها خلفون البربري، ويقال: إنه مولى لربيعة ففتحها في أول خلافة المتوكل على الله وقام بعده رجل يقال له: المفرج بن سلام ففتح أربعة وعشرين حصنًا واستولى عليها وكتب إلى صاحب البريد بمصر يعلمه خبره وأنه لا يرى لنفسه ومن معه من المسلمين صلاة إلا بأن يعقد له الإمام على ناحيته ويوليه إياها ليخرج من حد المتغلبين وبنى مسجدًا جامعًا، ثم إن أصحابه شغبوا عليه فقتلوه، وقام بعده سوران فوجه رسوله إلى أمير المؤمنين المتوكل على الله يسأله عقدًا وكتاب ولاية، فتوفي قبل أن ينصرف رسوله إليه، وتوفي المنتصر بالله وكانت خلافته ستة أشهر، وقام المستعين بالله أحمد بن محمد بن المعتصم بالله فأمر عامله على المغرب، وهو (أوتامش) مولى أمير المؤمنين، بأن يعقد له على ناحيته فلم يشخص رسوله من سر من رأى حتى قتل أوتامش وولي الناحية وصيف مولى أمير المؤمنين، فعقد له وأنفذه. انتهى.
قلت: إن الأرض الكبيرة هذه هي أرض إيطالية التي تقابل صقلية، ومدينة باره التي ذكرها البلاذري هي قاعدة مقاطعة اسمها باره وهي على بحر الأدرياتيك والطليان يقولون لها: باري Bari.
وجاء في تاريخ ابن الأثير في الجزء السابع في حوادث سنة ٢٢٨ ما ملخصه: أن الفضل بن جعفر الهمداني سار في البحر فنزل مرسى مسيني وبث السرايا فغنموا غنائم كثيرة واستأمن إليه أهل نابل وسنة ٢٢٩ خرج أبو الأغلب العباس بن الفضل في سرية فبلغ مدينة «شره» فقاتله أهلها قتالًا شديدًا، ولكنهم انهزموا وقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف، وفي سنة ٢٣٢ ضيق الفضل بن جعفر الهمداني على مدينة مسيني وأكمن لهم في بعض الوقائع، فوقعوا في الكمين ولم ينجُ منهم إلا القليل، فسألوا الأمان على أنفسهم وأموالهم وسلموا المدينة إلى المسلمين، وفي تلك السنة أقام المسلمون بمدينة طارنط من أرض أنكبردة وسكنوها وسنة ٢٣٤ استولى المسلمون على مدينة راغوس وهدموها وأخذوا منها ما أمكن حمله وسنة ٢٣٥ غزا المسلمون مدينة قصريانة.
وكان الأمير على صقلية محمد بن عبد الله بن أغلب وكان مقيمًا بمدينة بلارم لا يخرج منها إلا للغزو وتوفي سنة ٢٣٦، وكانت إمارته تسع عشرة سنة، ثم ذكر ابن الأثير فتح قصريانة بعد ذلك، وقال: إنه سنة ٢٤٤ فتح المسلمون قصريانة على يد العباس بن الفضل بن يعقوب الذي تولى إمارة صقلية بعد محمد بن عبد الله بن الأغلب المتوفى سنة ٢٣٦، وأن العباس هذا كان غزا نواحي قصريانة ونهب وأحرق ليخرج إليه البطريق فلم يفعل، وأنه سنة ٢٣٨ خرج العباس في جمع عظيم وأتى قطانية وسرقوسة ونويطس وراغوس فغنم من جميع هذه البلاد وفي سنة ٢٤٢ سار العباس في جيش كثيف ففتح حصونًا جمة، وسنة ثلاث وأربعين نزل على القصر الجديد وحصره وما زال يضيق عليه حتى تسلمه وأنه في سنة ٢٤٤ أرسل جيشًا في البحر فلقيهم أربعون شلنديًا للروم فاقتتلوا أشد قتال فانهزم الروم وأخذ منهم المسلمون عشرة شلنديات برجالها ثم غزا العباس قصريانة ووقع في يده رجل من هناك دله على أماكن من سور المدينة دخل منها ووضع السيف في الروم ففتحوا الأبواب وتسلم البلدة، وغنم منها ما يفوق الوصف وكان ملك القسطنطينة أرسل ثلاثمائة شلندي ملأى بالعساكر فوصلت إلى سرقوسة (سيراكوزا Syracusa) فخرج إليهم العباس وقاتلهم فهزمهم وغنم منهم مائة شلندي.
قال: وفي سنة ٢٤٦ نكث كثير من قلاع صقلية وهي سطروابلة وأبلاطونو وقلعة عبد المؤمن وقلعة البلوط وقلعة أبي ثور فخرج العباس إليهم فاقتتل مع الروم فانهزم الروم ثم سار إلى قلعة عبد المؤمن، وقلعة بلاطونو فحصرهما فجاءه الخبر بأن كثيرًا من عساكر الروم قد وصلت فزحف إليهم، فتلاقوا بجفلودي، وجرى بين الفريقين قتال شديد فانهزمت الروم وعادوا إلى سرقوسة، وسنة ٢٤٧ سار العباس إلى سرقوسة، ثم إلى غيران قرقنة، فاعتل ذلك اليوم، ومات بعد ثلاثة أيام ثالث جمادى الآخرة فدُفن هناك فنبشه الروم وأحرقوا جسده وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وأدام الجهاد شتاء وصيفًا وغزا أرض قلورية وانكبردة وأسكنها المسلمين. انتهى.
قلت: إن مدينة طارنت التي مر ذكرها هي في الأرض الكبيرة في مقاطعة أوثرانتة وأن أرض قلورية التي يشير إليها ابن الأثير وانكبردة هما الآن كالبرة Calabra وقد جاء ذكرها في معجم البلدان لياقوت قال: قلورية بكسر أوله وتشديد اللام وفتحه وسكون الواو وكسر الراء والياء مفتوحة خفيفة وهي جزيرة في شرقي صقلية (العرب يسمون شبه الجزيرة جزيرة) وأهلها إفرنج ولها مدن كثيرة وبلاد واسعة ينسب إليها فيما أحسب أبو العباس الفلوري روى عن أبي إسحاق الحضرمي وغيره وحدث عنه أبو داود في سننه، ومن مدن هذه الجزيرة قبوة ثم بيش ثم تامل ثم ملف ثم سلورى، قال ابن حوقل: وهي جزيرة داخلة في البحر مستطيلة أولها طرف جبل الجلالقة وبلادها التي على الساحل قسانة وستانة وقطرونية وسبرسة واسلوحراحة وبطرقوقة وبوه، ثم بعد ذلك على الساحل جون البنادقيين وفيه جزائر كثيرة مسكونة وأمم كالشاغرة وألسنة مختلفة بين إفرنجيين وألمانيين وصقالبة وبرجان وغير ذلك، ثم أرض بلبونس واغلة في البحر شكلها شكل قرعة مستطيلة (قلت: يريد بلبونس Péloponése وهي شبه جزيرة المورة، وكان العرب يقولون لكلانرة قلفرة أيضًا).
قال المسعودي في مروج الذهب عند ذكرامة النوبرد ويريد بهم اللومبرديين: إن المسلمين ممن جاورهم كانوا غلبوهم على مدن كثيرة من مدنهم مثل مدينة باره وطارينتو ثم قال: إن مدينة طارينتو ومدينة سيرين وغيرهما من مدنهم الكبار سكنها المسلمون مدة من الزمان، ثم إن النوبرد أنابوا ورجعوا على من كان في تلك المدن من المسلمين فأخرجوهم عنها بعد حرب طويل، وما ذكرنا من المدن في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة في أيدي النوبرد. انتهى.
ومن هذا كله يُعرف أن المسلمين لم يقتصروا على فتح جزيرة صقلية، بل تجاوزوها إلى الأرض الكبيرة ولبثوا فيها زمنًا طويلًا إلى أيام فريدريك الثاني إمبراطور ألمانية وملك صقلية الذي عاش في أوائل القرن الثالث عشر للمسيح، وكان قد اتخذ جيشًا من المسلمين وكان يعرف العربية معرفة جيدة. انتهى.
وقال الأستاذ الشيخ محمد الخانجي البوسنوي من مدرسي المعهد العلمي الخسروي في مدينة سراي بوسنة في مقدمة كتابه «الجوهر الأسنى في تراجم علماء بوسنة» فُتحت جزيرة صقلية بتمامها سنة ٢١٣ على يد قاضي القيروان عالم زمانه أسد بن الفرات صاحب المدونة الأسدية وكان رجلًا صالحًا فقيها أدرك مالك بن أنس ورحل إليه، فبقيت صقلية بأيدي المسلمين مدة واهتدى أهلها فصاروا مسلمين وبنوا بها الجوامع حتى أنه كان في مدينة واحدة من مدنها وهي «بلرم» نيف وثلاثمائة مسجد، قال ابن حوقل: رأيت في بعض الشوارع من بلرم على مقدار رمية سهم عشرة مساجد، ودام مُلك المسلمين لصقلية إلى سنة ٤٦٤، وبعد زوال ملكهم منها بقي فيها الإسلام مدة مديدة، وقد ظهر من صقلية من أهل العلم عدد كثير تراجمهم موجودة، وكان الإسلام جاوز البحر من صقلية إلى أرض قلورية من بلاد إيتاليا واستولى المسلمون على عدة بلاد منها كريو وباره وطارنت وكانوا قرعوا أبواب رومية مقر البابا رئيس النصرانية، وبنى بمدينة «ريو» أبو الغنائم الحسن بن علي بن الحسين الكلبي مسجدًا كبيرًا في وسطها وذلك سنة ٣٤٠ وكل هذه البلاد التي ذكرناها خلت بمرور الزمان من الإسلام والمسلمين وعفت فيها آثارهم واندرست معالمهم وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. انتهى.
وقد مر ابن جبير الأندلسي بجزيرة صقلية وهو قافل من الحج سنة ٥٦٠، وكانت خرجت من ملك الإسلام، ولكن كان المسلمون لا يزالون يسكنون فيها، قال ابن جبير: خصب هذه الجزيرة أكثر من أن يوصف وكفى بأنها ابنة الأندلس في سعة العمارة وكثرة الخصب والرفه مشحونة بالأرزاق على اختلافها مملوءة بأنواع الفواكه وأصنافها، لكنها معمورة بعبدة الصلبان يمشون في مناكبها ويرتعون في أكنافها والمسلمون معهم على أملاكهم وضياعهم قد أحسنوا السيرة في استعمالهم واصطناعهم ضربوا عليهم إتاوة في فصلين من العام يؤدونها وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها والله عز وجل يصلح أحوالهم ويجعل العقبى الجميلة مآلهم. قال: وليس في مسيني إلا نفر يسير من ذوي المهن وذلك ما يستوحش بها المسلم الغريب، وأحسن مدتها قاعدة ملكها والمسلمون يعرفونها بالمدينة والنصارى يعرفونها ببلرمة وفيها سكن الحضرميين من المسلمين ولهم فيها المساجد وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها وسائر مدنها كسرقوسة وغيرها لكن المدينة الكبيرة التي هي مسكن ملكها غليام أكبرها وأحفلها.
وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين وكلهم أو أكثرهم متمسك بشريعة الإسلام وهو كثير الثقة بالمسلمين وساكن إليهم في أحواله حتى أن الناظر في مطبخه رجل من المسلمين، وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم، ومن عجيب شأن المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته على ما أعلمنا به أحد خدمته (الحمد لله حق حمده) وكانت علامة أبيه (الحمد لله شكرًا لأنعمه).
وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن، ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكور وهو يحيى بن فتيان الطرَّاز وهو يطرز بالذهب في طراز الملك أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة تعيدها الجواري المذكورات، وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك، فكان يتطلع في قصره فلا يسمع إلا ذاكرًا لله ولرسوله من نسائه وفتياته وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته فكان يقول لهم ليذكر كل أحد منكم معبوده.
وأما فتيانه الذين هم عيون دولته فهم مسلون ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوعًا ويتصدق تقربًا إلى الله ويفتك الأسرى ويربي الأصاغر منهم ويزوجهم، وهذا كله صنع من الله عز وجل لمسلمي هذه الجزيرة لقينا منهم بمسينة فتى اسمه عبد المسيح من وجوههم بعد تقدمة رغبة منه إلينا في ذلك فاحتفل في كرامتنا وبرنا وأخرج إلينا عن سره المكنون بعد مراقبة منه في مجلسه أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه فسألنا عن مكة قدسها الله وعن مشاهدها المعظمة وعن مشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام فأخبرناه وهو يذوب شوقا وتحرقًا واستهدى منا بعض ما استصحبناه من الطرف المباركة من مكة والمدينة، وقال لنا: أنتم مدلون بإظهار الإسلام فائزون بما قصدتم له ونحن كاتمون إيماننا خائفون على أنفسنا متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرًّا فغايتنا التبرك بلقاء أمثالكم من الحجاج والاغتباط بما نتلقاه منهم من تحف تلك المشاهد المقدسة لنتخذها عدة للإيمان وذخيرة للأكفان فتعطرت قلوبنا له إشفاقًا ودعونا له بحسن الخاتمة.
(٥٣) جاء ذلك في مجموعة البولنديين، وفي تاريخ مدينة نيس للمسيو لويس دورنت، وفي مخطوط لمؤلف اسمه أغيو فريدو محفوظ في مكتبة تورينو.
(٥٤) إن الكنيسة جعلت بهارفكتس هذا قديسًا وله عيد كل سنة في ١٨ أبريل.
(٥٥) سنذكر هذه الحوادث ونستوفي هذا الموضوع في الأجزاء التالية؛ إذ ليس له تعلق بما نحن بصدده الآن، وإنما ذكرنا ما قاله رينو بطريق الاستطراد؛ لأن فيه شيئًا مما يتعلق بملك فرنسة في علاقاته مع ملك الأندلس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤