الفصل الثالث

نزول العرب في بروفانس وغاراتهم من هناك على سافواي وبييمونت وسويسرة إلى دور إجلائهم عن فرنسة

قال رينو: إن الدور الأخير الذي سنتكلم عنه يشابه الدور الذي نقدمه في شدة المهاجمات وفي آثار السلب والعيث، جد المشابهة، وإنما الفرق هو في كون الحوادث السابقة لم تصب إلا سواحل فرنسة خاصة، على حين أن الحوادث التي نحن بسبيلها الآن ستمتد إلى بلاد دوفيني، إلى حدود ألمانية، وأن الحوادث السابقة كانت عبور سبيل، على حين أن هذه كانت راجعة إلى مركز ثابت مستقر، وكانت تُنذر بأن تستمر.

وقد بدأ هذا الدور في سنة ٨٨٩ إذ كان متوليًا على بروفنس ودوفيني رجل يقال له بوزون Boson وقد سمي نفسه ملك أرل، ولما كان بوزون المذكور غير منتسب إلى بيت شارلمان الإمبراطوري ثقلت إمارته على الناس، وشملهم القنوط، فكان المكان والزمان مساعدين على نزول غزاة العرب في تلك الديار.
وإليك تحرير خبر نزولهم واستقرارهم في بروفنس بحسب تاريخ ليوتبراند Liutprand في مجموعة موراتوري وبحسب تاريخ دير نوفاليز Novalese وبحسب مجموعة الدون بوكيه وتاريخ بروفنس تأليف بوش Bouche قالوا:
إن عشرين ملَّاحًا عربيًّا ركبوا مركبًا خفيف القلع من سواحل إسبانية، قاصدين سواحل بروفنس، فأخذتهم الريح العاصفة وألقت بهم في خليج غريمو Grimad الذي يقال له أيضًا: خليج سانتروبيز Sant-Tropes فصعدوا إلى البر، لم يبصرهم أحد، وكان حول هذا الخليج أجمة أشبة بلغ من اشتباك سرحها أن الإنسان لم يكن يجرؤ أن يدخل فيها، وإلى الشمال من الخليج كانت سلسلة جبال، بعضها أعلى من بعض، فإذا وصل الإنسان إلى قمتها أشرف على قسم كبير من بروفنس السفلي، فأغار العرب على أقرب قرية من البحر وذبحوا أهلها، وأخذوا يرودون في الجوار، ولما وصلوا إلى القمم التي كانت تشرف من جهة على البحر وتناوح من جهة أخرى جبال الألب، فهموا حالًا ملاءمة هذا المكان لاستقرارهم فيه، بصورة دائمة، فالبحر كان لهم بابًا لتلقي الإمدادات التي قد يحتاجون إليها في بعض الأحيان، والبر كان لهم منفذًا إلى النواحي التي يرومون الغارة عليها، والغابة المشتبكة التي ذكرناها تصلح لهم معقلًا يلجأون إليه عند الاضطرار.
فلم يطأ هؤلاء القرصان تلك الأرض حتى أرسلوا إلى إسبانية وإفريقية، يستمدون من إخوانهم الانضمام إليهم، وبدأوا هم بالعمل في مكانهم، فما مضت عدة سنوات حتى امتلأت تلك الأرض بالحصون والمعاقل، وكان أهم تلك الحصون المسمى فركسيناتوم Fraxinetum١ الذي يشتق من اسم شجر الدردار الكثير في تلك الجهات. والمظنون أن فركسيناتوم كانت في القرية الحاضرة التي يقال لها: غاردفرينه Garde-Frainet الواقعة في ذيل الجبل إلى جهة الألب، ومما لا جدال فيه أن مركز هذه القرية كان بغاية الأهمية؛ لأنها الطريق الوحيد من الخليج إلى الشمال، وإلى الآن يجد الناس في أعلى الجبل آثار خراب وبقايا عمران: جدرانًا متهدمة، وبنيانًا منحوتًا في الصخر وبئرًا منحوتة في الصخر أيضًا.
ولم يبقَ شيء من شجر الدردار إلى هذا الوقت، ولكن المسيو جرمون Germond كاتب العدل الحالي في سانتروبيز الذي بحث بحثًا دقيقًا في هذه المسألة يظن أنه كان توجد غابة دردار في قعر الخليج على شاطئ البحر، وأنه كان توجد قرية رومانية اسمها فركسينيتو احتلها العرب ثم هدموها، واختاروا قمة من الجبل لإنشاء معقل لهم سموه فركسينيت Fraxinet ومن رأي المسيو جرمون أن ذلك المعقل كان أشبه بمخفر يقصدون منه الإشراف على سهول بروفنس السفلى، وذلك لأن المكان لا يزيد محيطه على ثلاثمائة قدم ولا يتسع لأكثر من مائة رجل لا غير. ويظن المسيو جرمون أن المعقل الأصلي الذي كان العرب يعولون عليه هو على نصف فرسخ من هناك، بقرب البحر، فوق جبل يقال له اليوم: «سيدة ميرمار» Notre Dame de Miremar حيث توجد آثار مهمة وخنادق عميقة. وأما المسيو بوش صاحب تاريخ بروفنس فيظن أن العرب قد أطلقوا اسم فركسينيت على حصون كثيرة شادوها في دوفيني وسافواي وبييمونت، وإننا نرى رأي بوش هذا صوابًا لكثرة وجود هذا الاسم في هذه النواحي.
ولما انتهى العرب من بناء حصنهم بدأوا بشن الغارات في النواحي القريبة منهم وصادف ذلك تلك المحاربات الداخلية التي كان حاميًا وطيسها بين زعماء البلاد فصارت كل فئة تجتهد أن تجذبهم إلى نفسها، ثم عندما نمت شوكتهم عدُّوا أنفسهم سادة لتلك الأرض واستولى الرعب على قلوب الجميع من عاديتهم وأصبح لا يرتفع في وجههم رأس ولا ترتقي إلى مصارعتهم همة، ومن جملة الأدلة على ذلك أنه وجدت في قبر القديسة مادلينه في فيزلاي Vezelay من بورغونية كتابة تفيد أن جسد القديسة نُقِل من مدينة إكس في بروفنس إلى هناك، خوفًا من العرب. وكان وجود هذه الكتابة قد انكشف سنة ١٢٧٩. راجع في ذلك تاريخ هينو Hainut تأليف جاك دوغويز DeGuyse وتاريخ بروفنس تأليف بوش.

وكان العرب يتقدمون يومًا فيومًا نحو جبال الألب تعلقًا وتسلقًا حتى وقفوا في أعلاها، وكانت مملكة آرل خاضعة للويس بن بوزون المتقدم الذكر، وكان لويس هذا سار بجيش إلى إيطالية لمقاتلة بيرانجة ملك لونباردية فترك بلاده بدون حامية تقريبًا وصارت ثفوره عورة وكان النرمنديون يعيثون في قلب فرنسة وكادوا إحدى المرار يستولون على باريز، وجاءت فرقة من البرابرة الوثنيين من الشرق وهم المجر فعاثت وخربت جانبًا من ألمانية ثم من إيطالية وأوشكت أن تدخل إلى فرنسة.

وفي سنة ٩٠٦ اجتاز العرب مضايق دوفيني Dauphiné وقطعوا جبل سنيس Mont Cenis حتى انتهوا إلى دير نوفاليز على حدود بييمونت، في وادي سوزة. وكان رهبان الدير قد تمكنوا من الفرار إلى مدينة توزينو ومعهم ذخائر القديسين وما في الدير من أشياء ثمينة، ومن جملتها خزانة كتب نفيسة، فلما وصل العرب لم يجدوا في الدير إلا راهبين بقيا كحراس فيه، فنهب العرب الدير والقرية، وأحرقوا الكنائس.
جاء ذلك في تاريخ دير نوفاليز الوارد في مجموعة موراثوري: وفيه أنه كانت هناك كنيسة صغيرة باسم القديس هلدراد Heldrad من رجال أوائل القرن التاسع فأحرقوها وفر كثير من الأهالي إلى الجبال بين سوزة وبريانسون Briançon واعتصموا بدير أولكس Oulx فاقتص العرب آثارهم وقتلوا منهم عددًا كبيرًا حتى سمي ذلك المكان بساحة الشهداء (راجع مجموعة دير أولكس التي نشرها ريفانتلا في تورينو سنة ٧٥٣) وكان الأهالي قد اجتمعوا وثاروا بالعرب، وقبضوا على أناس منهم وساقوهم إلى تورينو، واعتقلوهم في دير القديس أندراوس. ولكن هؤلاء الأسرى حطموا الأصفاد التي كانوا مقيدين بها وأحرقوا الدير وأفلتوا وكادوا يحرقون جانبًا من المدينة، ثم إن العرب قطعوا المواصلات بين فرنسة وإيطالية، واحتلوا جميع مضايق جبال الألب، فصار مرور الناس عائدًا إلى أذنهم. وسنة ٩١١ كان رئيس أساقفة أربونة يريد السفر إلى رومة لمهم مستعجل فلم يقدر على السفر خوفًا من العرب، وكانوا لا يسمحون لأحد أن يمر بدون أن يأخذوا منه رسمًا معلومًا، ثم شرعوا يشنون الغارات على سهول بييمونت ومونفرات Montferrat. وفي سنة ٩٠٨ نزل بعض قرصان العرب في سواحل لنغدوق بقرب أيغمورط ونهبوا دير الترتيل الذي كانوا هدموه في زمان شارل مارتل ثم أعيد بناؤه.

وكان صعد على عرش قرطبة سنة ٩١٢ عبد الرحمن الثالث الملقب بالكبير والذى تولى الملك خمسين سنة وجمع تحت حكمه بلاد الأندلس قاطبة، وكان من أيمن ملوك الدهر نقية. أوصل الأندلس إلى أعلى ذرى الهناء والسعادة والمجد، وهو أول من تلقب من أمرائها بالخليفة أمير المؤمنين.

وكان حنشو غرسية ملك نابار وأوردونة ملك ليون تحالفا مع ابن حفصون الثائر على المسلمين، وبالاتحاد مع مقاتلة الفرنسيس وقفوا في وجه جيوش عبد الرحمن، إلا أن عبد الرحمن سنة ٩٢٠ أرسل عمه المسمى أيضًا عبد الرحمن، والملقب بالمظفر، فهزم جيوش الأعداء وقطع جبال البيرانه واكتسح جانبًا عظيمًا من غشقونية ووصل إلى أبواب مدينة طلوزة ثم أصيب في رجوعه بفشل؛ إذ هجم عليه غرسية بن حنشو أو سانجه كما يقول العرب واسترجع منه جميع الغنائم التي غنمها.٢
فامتد الصريخ في بروفنس ودوفيني وبلاد الألب، من أعمال غزاة العرب، وحاول بعضهم أن يقاوموهم بالسلاح فهلكوا لعدم اجتماع كلمتهم، وكانت مرسيلية أيضًا قد نالها عيثهم، وخرب العرب كنيستها العظمى، وكذلك أغاروا على إكس، وروى بوش في تاريخ بروفنس وغويز في تاريخ هيبو أن العرب سلخوا جلود بعض من وقعوا في أيديهم أحياء،٣ وفر مطران اسمه «أودول ريكوس» إلى مدينة «رنس» في الشمال، وكان العرب يسبون نساء البلاد ويبنون بهن بما نشر سلالتهم فيها، ولا شك أنه قد انضم إليهم أناس من أبناء البلاد ممن لا يبالون على أي جنبيه وقع الأمر.
وبلغ من شدة الذعر أن الأغنياء صاروا يجلون إلى جهة الشمال فرارًا من بطش العرب وجاء في سيرة القديس ميول Mayeul في مجموعة البولنديين أن القديس الذي كان أهله أغنياء من أبنيون فر من وجه العرب إلى برغونية، وأحرق العرب كنائس سيسترون Sisteron وغاب Gap وقتلوا في أنبرون Enbrun القديس ينديكتوس رئيس الأساقفة ومطرانًا آخر معه، وجاء في تاريخ خطط الألب العليا تأليف المسيو لادوسيت Ladoucete خبر ثلاثة أبراج محصنة في أنبرون كان العرب نزلوا بها وبواسطتها ملأوا تلك الناحية خوفًا، وكان القديس ليبرال قد انتخب خلفًا للقديس بندكتس فأراد أن يدخل أنبرون ولكنه لم يجرؤ على ذلك بسبب وجود العرب هناك ورجع من حيث أتى.

وكان من عادة أهالي فرنسة وإسبانية وإنكلترا أن يذهبوا إلى رومة، ولو مرة في العمر، لزيارة قبور الرسل، ولم يكن بد من علاقات الأساقفة والقسيسين برومة كما لا يخفى، ولكن معابر الألب صارت كلها إلى أيدي العرب، وصار هؤلاء يعتدون على السابلين، وبرغم أن الناس كانت تجتمع قوافل وتسير بالأسلحة لم تكن تمضي سنة بدون أن تحصل في تلك المعابر وقائع دموية حسبما جاء في مجموعة مؤرخي فرنسة.

وفي تلك الأيام وصل المجار إلى فرنسة، وملأوا البلاد عيثًا وتدميرًا، ورأى الأهالي فيهم تصديق نبوة حزقيال عن يأجوج ومأجوج، ولما كانت سنة الألف للمسيح ظن الناس أنها قد أزفت الساعة، وسأل مطران فردن Verdin أحد القسيسين عن صحة هذه المسألة وهل المجار هم يأجوج ومأجوج أم لا؟ فطمأن القسيس خاطر المطران قائلًا له: إن من أشراط الساعة أن يأتي يأجوج ومأجوج ومعهم شعوب أخرى، والحال أن المجار جاءوا وحدهم، فلا تنطبق هذه النبوة عليهم، على أنه من المحقق أنهم في العيث والتدمير بذوا الأولين والآخرين.
ثم إن بلاد بييمونت ومونفرات كانت ميدانًا لغارات العرب، روى مؤرخ دير نوفاليزه أن أحد أعمامه، وكان من قواد الجند، ذهب من «مويين» إلى «فارسل» فداهمته عصابة عربية في إحدى الحراج بقرب البلدة فتقاتل الفريقان وجُرح عدد منهما ووقع بعض المسيحيين أسرى فأخلى العرب سبيل بعضهم واستبقوا القادرين منهم على الفدية، وبقي عم الراوي وخادمه في أيديهم، وكان والد الأسير المذكور مارًّا من هناك فعلم بالخبر والتزم أن يجول في المدينة وأن يقترض مبلغًا من المال ليفك به ابنه مع خادمه، وروى هذا المؤرخ أن العرب كانوا وصلوا إلى حدود ليغورية (على خليج جنوة) وذكر المؤرخ الشهير ليوتبراند٤ الذي عاش في الثلث الأول من القرن العاشر أن العرب أغاروا على مدينة آكي Aqui إحدى مدن مونتفرات المشهورة بحماماتها المدنية ولكنهم انهزموا في تلك الواقعة، ويقول المؤرخ نفسه: إن بعض قرصان العرب دخلوا مدينة جنوة وقتلوا ونهبوا وسبوا كثيرًا من النساء والأولاد.
وكان الأساقفة الذين فروا من وجه العرب في بروفنس والرهبان وغيرهم قد لجأوا إلى بلاد فاليه Valais من سويسرا فجاء العرب ودخلوا هذا الوادي واكتسحوه.
وكان هناك دير على اسم الشهيد القديس موريس٥ كان الإمبراطور شارلمان وغيره من الملوك أولوه مزيد العناية فجعله العرب دكًّا، على ما في تاريخ غالية كرستيانية Gallia Christiana وذهب بعض المؤرخين إلى أن المسلمين كانوا هدموا هذا الدير سنة ٩٠٠.

وجاء في مجموعة الدون بوكيه أن العرب استولوا على ناحية تارنتيس وأن قافلة كانت ذاهبة من فرنسة إلى إيطالية، فوقعت في يدهم واضطرت إلى الرجوع بعد أن قُتل عدد منها.

ولما استولى العرب على فاليه تقدموا إلى أواسط كورة غريزون٦ وكان هناك دير شهير اسمه دير دي زانتيس Disentis بناه أحد تلاميذ القديس كولومبان فنهبه العرب وجردوه من كل حلاه، وكذلك فعلوا بكنيسة «كوار». روى ذلك المؤرخ أشبريخر Sprecher. وقيل: إن المطران فالدو Wualdo شكا سنة ٩٤٠ من غارات العرب المتواصلة وأن آثار تلك الغارات كانت باقية إلى سنة ٩٥٢ وأن الإمبراطور أوتون أقطع المطران المذكور أملاكًا على سبيل التعويض بموجب مرسوم مؤرخ في سنة ٩٥٦، ورد ذلك في مجموعة تاريخية ألمانية طُبعت في كوار، وكانت سويسرة يومئذ تابعة لمملكة بورغونية.
وكانت الحرب في تلك الأيام مشتعلة بين ملوك أشتورية وناباره من جهة، وخليفة قرطبة من جهة أخرى، وتواقف الفريقان عند زمورة، فانهزم المسلمون في تلك الواقعة وقُتل منهم نحو من مائة ألف٧ ولكن عبد الرحمن الناصر كان يقدر أن يجمع جميع قوى المسلمين في الأندلس فلم تكن هزيمة كهذه لتكسر من شوكته، وكان في استطاعته وقتئذ أن يفحش النكاية بالمسيحيين لولا اشتغاله بالفتوحات في إفريقية ولولا ظهور الدولة الفاطمية التي أخذت تجاذب الدولة الأموية الحبل، فكان هذا من حسن حظ المسيحيين.
وكانت مدينة فريجوس في مقاطعة الفار بلدة عامرة ومرسى عظيمًا للسفن، فأغار عليها العرب واجتاحوها اجتياحًا شديدًا حتى لاذ أهلها بالفرار وتركها كجوف حمار، وأخذ المسيحيون الذين في السواحل كلها ينسحبون إلى الجبال، وكان في ذلك الوقت الكنت هوغ Hugues ملكًا على بروفنس، فأعلن عزمه على طرد المسلمين من تلك الأطراف، ولما كان أهم معقل لهم هناك هو حصن فراسينت الذي منه كانت تنبعث غاراتهم إلى داخل البلاد، أجمع هوغ أن يهاجم هذا الحصن، ولما كان مصاهرًا لإمبراطور القسطنطينية أرسل إليه يطلب منه إنجاده بأسطوله، وكان الروم يملكون نفاطات يقال لها: النار الإغريقية، فكانت تحرق المراكب بمجرد ما تصيبها، ففي سنة ٩٤٢ زحف هوغ على حصن فركسينت بجيش جرار من البر. وجاء الأسطول الرومي من البحر فأحرق مراكب العرب التي في الخليج، كما أن جيش هوغ تمكن من الحصن والتجأ العرب إلى الجبال المجاورة، ولكن جاء الخبر إلى هوغ وهو في هذه الحرب مع العرب بأن بيرانجة Berenger الذي كان ينازعه مملكة إيطالية، وكان قد فر إلى ألمانية، رجع إلى إيطالية يحاول أن يتنسم ريح الدولة ثانية فنسي هوغ الخطر الواقع على بلاده من العرب وأسرع إلى مهادنتهم بشرط أن يقطعوا الطريق في معبر سان برنار وسائر معابر الألب على بيرانجة. روى ذلك المؤرخ ليوتبراند الذي بهذه المناسبة أفحش الطعن في هوغ وقال: إنه جاء بها صلعاء لا سبيل للعذر فيها، وبلغ من حدته أنه أخذ يخاطب معبر سان برنار فيقول له شعرًا معناه: إنك تسهل هلاك الأتقياء وتجعل نفسك حصنًا واقيًا للطغاة الذين يقال لهم المورو أفلا تخجل أيها التعس من أن تبسط ظلك على أناس يسفكون الدم البشري ويعيشون من قطع الطريق؟ وماذا أقول لك، لعمري جدير بك أن تنقض عليك صاعقة أو أن تكسر تكسيرًا أو أن تفنى فناء أبديًّا … إلخ.
ومن بعد هذه الحادثة ازدادت جرأة العرب ونفحوا عرفهم واستقرت قدمهم في البلاد وأصبحوا كأنهم سيلبثون أبديًّا في قلب أوربة فأخذوا يتزوجون من أنفس الأهالي ويحرثون ويزرعون كسائر الفلاحين، وكان أمراء النواحي يكتفون بأن يأخذوا منهم إتاوة خفيفة، وربما اعتضدوا بهم في بعض الأحايين، أما الذين كانوا في أعالي الجبال فقد كانوا يتقاضون المارين الأموال الفادحة، ويقتلون من يمتنع عن دفع ما يُطلب منه، وأما معبر سان برنار الكبير الذي كان يسمى من قبل بجبل المشترى فقد كان من قديم الدهر بموقعه بين فاله Valais ووادي أوسط Aoste هو واسطة الاتصال بين سويسرة وإيطالية، ولما استولى عليه العرب وعلى غيره من المعابر تمكنوا من سائر النواحي المجاورة.
وكانت مدينة نيس (أونيقة) تابعة لمملكة آرل وكانت أيضًا تحت طائلة العرب ويظهر أن جماعة من المسلمين كانوا يسكنون في نيس؛ لأن دورانت يذكر في تاريخ نيس أنه كان فيها ناحية للمسلمين Canton Des Sarrazins.
وقد احتل العرب أيضًا مدينة غرانوبل Grenoble مع الوادي المريع المسمى وادي غرازيفودان Graisivaudan وذهب مطران غرانوبل ومعه ذخائر القديسين وكنوز الكنيسة والتجأ إلى دير دونات Donat في فلانس إلى الشمال، ولا يعلم تمامًا في أية سنة دخلوا عرانوبل وإنما من المحقق أن العرب في سنة ٩٥٤ كانوا استولوا على هذه البلدة، لأنه وجدت كتابة منقوشة على حجر تاريخها سنة ٩٥٤ تدل على وجود المسلمين في غرانوبل، والغالب على الظن أن مسلمي بيمونت كانوا قد اتخذوا لأنفسهم عدة معاقل كانوا يعتصمون بها عند الحاجة، وقد ذكر مؤرخ دير نوفاليزة حصنًا من هذا النمط كان يحتله العرب باسم فراسنيدلوم Frascenedellum وهو مكان بقرب كازال على نهر البو Po وكان هذا المحل يسمى أيضًا فركسيناتوم، وقيل: بل هذا الحصن هو الذي يسمى الآن فنسترال Fenestralle.
وعلى كل حال فلينظر القارئ إلى مؤرخ معاصر شاهد الحوادث بعينه وهو مؤرخ دير نوفاليزة، فقد قال: إن العرب كانوا يسبون النساء والأولاد والخيل وغير ذلك، وكان قد دخل معهم أفَّاق من أهل البلاد اسمه أيمون Aymon طمعًا في الغنائم فوقعت في أيديهم مرة امرأة بارعة في الجمال فاستأثر بها أيمون لنفسه فجاء أحد زعماء العصابة العربية وانتزع تلك الحسناء من يد أيمون بالقوة فغلت مراجل الغضب في صدر أيمون وثار للانتقام فذهب إلى الكنت روتبلدس٨ الذي كان صاحب السيادة في بروفنس العليا وكالمه بالسر الخفي في قضية طرد العرب من البلاد، وكان للعرب سعاة وجواسيس في كل محل فاجتهد أيمون أن يكتم مسعاه بكل ما أمكنه حتى تمكنوا من استنفار الناس بدون أن يشعر العرب، واجتمع الأمراء والزعماء وقادوا الأهالي وهاجموا العرب وأخمدوا جمرتهم ورفعوا نيرهم عن أعناق الأهلين. قال هذا المؤرخ: وإن عائلة أيمون هذا كان لا يزال منها بقايا إلى زمانه.
وفي سنة ٩٥٢ كان المجار قد اكتسحوا الإلزاس، وصارت جميع بلاد جبل جوراه Jura تحت خطر احتلالهم، ففكر كونراد الذي كان أميرًا على بورغونية وسويسرة وفرنشكونتي ودوفيني في تدبير حيلة للتخلص من المجار والعرب معًا، فكتب إلى العرب كتابًا يقول لهم فيه: إن لصوص المجار قد سمعوا بخصب الأراضي التي في أيديكم وهم عامدون إلى انتزاعها منكم، فتعالوا إليّ لنزحف إليهم معًا ونبيدهم، وفي الوقت نفسه كتب إلى المجار قائلًا لهم: لماذا ينازع بعضنا بعضًا؟ إن المسلمين هم الذين بأيديهم أخصب البقاع، فتعالوا إليّ لنزحف إليهم ونطردهم وحينئذ أنا أجعلكم في مكانهم. قال: هذا وعين للفريقين مكانًا للقاء، فحضر الفريقان والتحمت الحرب بينهما من نفسها، وكان الكنت قد حشد عساكره وكمن لهم جميعًا، فلما اشتبكوا في الملحمة انقض عليهم بجيشه فذبحهم ولم ينجُ منهم إلا القليل فأرسل بقية السيف إلى آرل وبيعوا في أسواقها أرقاء.
جاء هذا الخبر في مجموعة الدون بوكيه ولم نعلم تمامًا في أي مكان حصلت هذه المعركة، وكان مركز العرب الأصلي في بروفنس وكان المجار في الألزاس وفرنشكونتي فالمظنون أن هذه الوقعة حصلت في نقطة متوسطة كأن تكون مثلًا في السفواي وقد ثبت أن العرب أقاموا طويلًا في السفواي وكانت تسمى موريين Maurienne حتى ذهب بعضهم إلى أن هذه اللفظة مشتقة من لفظة المورو التي تطلق على المسلمين المغاربة، ولكن هذا الزعم هو خطأ؛ لأن هذه اللفظة معروفة منذ القرن السادس للمسيح، وكيف كان الحال فقد أقام العرب طويلًا بسفواي، وقد علمنا أن المطران بيلية Billiet أسقف سان جان دومورين قام بمباحث دقيقة فيما يتعلق بتاريخ بلاد سفواي، فعثر على أسماء كثيرة تدل على وجود العرب هناك لا سيما في جوار مودان Modane إذ يوجد واد يقال له: وادي السرازين وقرية اسمها فريناي Freney وقد ذكر بوش مؤرخ بروفنس ما يؤيد هذا القول.
وكان المسلمون يجولون في جميع أنحاء سويسرة بلا معارض كأنهم في دياراتهم وقد تقدموا إلى أن صاروا على أبواب مدينة سانغال وعلى ضفاف بحيرة كونستنز، وكانوا يعتدون على الرهبان الذين كانوا هناك فلا يخرج منهم أحد إلا رشقوه بسهم، وكانوا قد ألفوا سكنى الجبال والسير في الأوعار، حتى قال أحد الكتاب المعاصرين: إنهم صاروا أشبه بالمعزى في خفة أقدامهم وسهولة سيرهم في حروف الجبال، وكانوا قد بنوا أبراجًا في أماكن متعددة يقال: إن آثارها لا تزال موجودة. وكانوا قد ألحقوا أضرارًا لا تحصى بالمسيحيين. وذكر مؤرخ دير سان غال Saint-Gall في كتاب داخل في مجموعة برتز أنه كان يوجد رئيس للدير المذكور اسمه «فالتون» قد جمع عصابة من الرجال الأشداء وسلحهم بالحراب والفؤوس وهاجم هؤلاء البرابرة بغتة، فقتل أكثرهم ومن نجا منهم قبض عليه، وساقوا الأسرى إلى الدير، فأبى هؤلاء أن يأكلوا أو يشربوا، فماتوا جوعًا!
وفي أثناء ذلك تغلب الألمان على المجار، وكسروا شرتهم، فنشقت سويسرة نسيم الفرج، ولكن البروفانس والدوفيني وجانبًا من جبال الألب بقيت تحت طائلة العرب الذين كانت ترد إليهم الإمدادات من البحر، وكانت هذه البلدان لا تستريح ما داموا فيها، وكان الرجل العامل المدبر إذ ذاك بين ملوك أوربة، أوتون ملك جرمانية الذي لقب فيما بعد بالإمبراطور والذي استحقت له خلاله المجيدة لقب «الكبير» فدخل أوتون في علاقات مع خليفة قرطبة الذي كان أشبه بالحامي لمستعمرة فراكسينية العربية، فعزم أوتون لأجل الدفاع عن حقوق النصرانية أن يبعث بسفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، وكان قد جاء إلى أوتون كتاب من عبد الرحمن لا يخلو من عبارات فيها غض من الدين المسيحي، بحيث اعتمد أوتون بخاصة أن يجعل في سفارته إلى قرطبة عالمًا لهوتيًّا يمكنه الاعتماد عليه في الأخذ والرد مع علماء المسلمين، فوقع الاختيار على راهب من دير غورز Gorse بقرب متس كان يقال له: جان وكان بلغ من تضلعه في علم اللاهوت أن حاول إقناع الخليفة عبد الرحمن بالتنصر.
وقد كانت هذه السفارة في سنة ٩٥٦ والمؤرخون من المسلمين ومن النصارى متفقون على ما بلغته قرطبة لذلك العهد من العظمة والمجد فقد كانت فيها العلوم والمعارف والصنائع والفنون والسياسة، والكياسة قد أدركت الأمد الأقصى في وقتها، وكانت أوربة المسيحية مدهوشة بعظمة قرطبة وكان عبد الرحمن مقصدًا لجميع ملوك العصر، وكان يراسله البابا وإمبراطور القسطنطينية وملوك إسبانية وفرنسة وألمانية وبلاد الصقالبة، وكان ملوك المسيحيين — بحسب قول مؤرخي العرب — يبسطون أيدي الخضوع للخليفة، ويعدون شرفًا عظيمًا لهم أن يرسل الخليفة يده لسفرائهم ليقبلوها؛ وذلك لجلالة قدره في أعينهم ولطف منزلته في أنفسهم، وكان عبد الرحمن الناصر عندما تقدم عليه وفود هؤلاء الملوك لا سيما وفد ملك الروم، يبالغ في الاحتفال ويتكلف الكلف الثقال ويأمر باستقبالهم بالعساكر والأعوان وبإظهار جميع عظمة الخلافة، فكانوا يفرشون لهم الشوارع التي يمرون بها بفاخر البسط والديباج، وكانت الألوف من حرس الخليفة الخاص وأمامهم الأمراء وعظماء الدولة يصطفون على الجانبين؛ ومنهم بطانة تحيط بعرش الخليفة وبعد ذلك يقوم الأئمة ويخطبون في هذا الحفل بما يناسب المقام من وصف عز الإسلام وإظهار مناقب الإمام ثم يتلوهم الشعراء بالقصائد الطنانة التي تزيد من ابتهاج الحاضرين وحماسة السامعين.٩

أما سفارة الراهب غورز من قبل ملك فرنسة، فإنها وإن لم تكن محفوفة بجميع تلك الأهمية فلم تكن خالية من الاحتفاء والاحتفال، ولقد بقي لنا عنها رحلة بقلم أحد تلاميذ الراهب المذكور يمكننا أن نلخص منها ما يلي:

سافر الراهب جان ومعه راهب ثان لا غير، وكانت الهدايا التي لا بد من استصحابها هي من مال الدير الذي ينتسب إليه الراهب، فسار الراهب ماشيًا على قدميه إلى «فيين» Vienne على نهر الرون، ومنها ركب في النهر إلى البحر، وركب فيه إلى برشلونة التي كانت إذ ذاك تابعة لمملكة فرنسة، وإنما كانت أول مدينة تخص الخليفة من الثغور هي طرطوشة١٠ فلما وصل سفراء ملك إفرنجة إلى طرطوشة وأذن لهم عاملها بالمسير إلى قرطبة تقدموا في البلاد، وقطعوا جانبًا عظيمًا من جزيرة الأندلس، وهم في ضيافة العرب بالمعهود من كرمهم، فوصلوا إلى قرطبة لم يتكلفوا إنفاق درهم واحد، وهناك استقبلوا برًّا وترحيبًا وأنزلوا في محل على مسافة ميلين من قصر الخلافة.
ثم إن الخليفة علم بمهمة الراهب، وما هو مكلف تبليغه من قِبل ملك فرنسة، فأراد أن يتجنب المباحثات الدينية، وقال: إنه لم يكن لائقًا بمقام اثنين مثل الخليفة والملك أن يدخلا في مجادلات كهذه وأنه لا يسع الخليفة أن يسمع كلامًا فيه نيل من الرسول ولا يجوز له ذلك بحسب الشريعة١١ واقترح الخليفة أن يعد كتابه إلى الملك أوتون كأنه لم يكن، ولكن جميع هذه الملاحظات لم يقبلها ذلك الراهب، وأصر على رأيه، وجاء مطران قرطبة ينصحه بترك هذا العناد، فأخشن له الجواب وأخذ يقرعه على هوادته وتساهله وتساهل جماعته في أمر الدين المسيحي، وكيف أنهم قد رضوا بختان أولادهم وبالامتناع عن أكل الخنزير مسايرة للمسلمين. ولما علم الخليفة بتصلب هذا الراهب وأنه راكب رأسه لا ينثني عن عزمه أَبَى أن يقبله وأرسل إليه قائلًا إنه كان قد بعث إلى الملك أوتون أحد الأساقفة سفيرًا عنه فانظره ثلاث سنوات ولذلك هو يريد أن يمسك سفير أوتون لديه لا ثلاث سنوات فقط بل تسع سنوات؛ لأنه يرى نفسه أكبر من أوتون بثلاث مرات، فأجاب الراهب بأنه لا يقدر أن يخرج عن الأوامر التي في يده من أوتون وتقرر عند ذلك أن يرسل الخليفة رسولًا آخر يسأله عما إذا كان لا يزال مصممًا على رأيه في كيفية سفارة الراهب وأخذ الخليفة ينتدب للرسالة إلى أوتون من عنده ممن يصلح لذلك، فكان المسلمون يستعفون من تلك السفارة؛ لأنه من المعلوم أن على المسلمين واجبات دينية يصعب عليهم القيام بها في بلاد النصارى، ومن أجل ذلك كان أكثر سفراء ملوك الإسلام إلى ملوك النصارى مسيحيين، وكثيرًا ما كانوا أساقفة أو قسيسين، ففي تلك النوبة انتدب لهذه السفارة رجل مسيحي اسمه «رسيموندس» كوفئ فيما بعد على المهمة التي قام بها بجعله أسقفًا وكان يحسن اللاتينية والعربية معًا، ويظن بعضهم أن الأسقف رسيموندس هذا هو نفس رمندس الذي كان مطرانًا إسبانيوليًّا وكانت بينه وبين المؤرخ ليوتبرند علاقة ومودة وقد جعل هذا تاريخه باسمه.

وفي تلك المدة كان أوتون مشغولًا بإطفاء فتنة أثارها عليه ابنه وصهره فلما وصل السفير الإسبانيولي من قبل الخليفة أجابه الملك إلى كل ما اقترحه، وقفل الرسول إلى قرطبة وقد دبر الأمور كما شاء الخليفة، ورضي الخليفة من بعدها أن يستقبل الراهب، وكان الخليفة يعلم تقشف الراهب ومذهبه في لبس الخشن وبُعده عن مظاهر الأبهة، فبعث إليه بأنه يريد أن يستقبله كسفير من قبل الملك، وأنه لا بد له إجلالًا لقدر مرسله من قبول حالة السفارة وأنه ينبغي له أن يدخل على الخليفة بملابس لائقة، فأجابه الراهب بأنه لا يجد لبسًا أبهى ولا أفخر من ثوب رهبانيته، فظن الخليفة أنه قد يكون الراهب عاجزًا عن شراء الملابس اللازمة، فبعث إليه بعشر أقات فضة، وكانت الأقة اثنتي عشر أوقية، ولكن الراهب تصدق بهذه الفضة على الفقراء. فأرسل الخليفة إليه قائلًا إنه يقبله ويحتفل به ولو جاءه في كيس خيش.

وفي اليوم المعين للاستقبال اصطفَّت العساكر على الجانبين، ووقف العبيد الصقالبة قابضين على الحراب، ووقف آخرون بالقسي، وكانت هناك الفرسان تلعب في الميدان وفي هذه الحالة دخل الراهب السفير، وقد فُرشت أمامه مداخل القصر بالبسط والديباج، فما زال يتقدم إلى أن وصل إلى البهو الذي فيه الخليفة، فوجد الخليفة جالسًا على سرير الخلافة متربعًا على عادة الشرقيين، فعند وصوله إليه أعطاه باطن يده تمييزًا له عن غيره فقبلها الراهب، ثم أمر له بالجلوس وبعد المراسم المعتادة في المجاملة شرع الخليفة يتكلم عن الملك آتون وما بلغه من المقام السامي بين الملوك وأثنى عليه مزيد الثناء.

ثم إنه لما كان عبد الرحمن قد بلغه كون ابن الملك أوتون ثار على أبيه أنحى بشيء من اللائمة على الملك قائلًا: إنه لا ينبغي للملوك أن تقبل أقل انتقاص من سلطتها ولا ترعى في ذلك عاطفة إشارة إلى شيء كان وقع مع عبد الرحمن نفسه، فإنه عصى عليه أحد أولاده فانتهى الأمر بأن أمر بقتله.

ثم دار الكلام على موضوع الرسالة التي جاء بها الراهب سفيرًا؛ فمؤرخو العرب أو بالأقل المؤرخون الذين عرفناهم، لم يكونوا يذكرون شيئًا عن قضية احتلال العرب لسواحل بروفنس وبثهم الغارات إلى الداخل، مما يدل على أنهم لم يكونوا يأبهون لهذه الحادثة١٢ على أن المؤرخ ليوتبرند الذي عاش في ذلك العصر يؤكد أن تلك المستعمرة العربية في جبال الألب كانت تحت حماية الخليفة نفسه، وصاحب الرسالة التي نحن بصددها عن رحلة الراهب سفيرًا من قبل الملك أوتون إلى الخليفة عبد الرحمن هو نفسه يقول: إن موضوع تلك السفارة لم يكن سوى التوسط لدى الخليفة لوضع حد لغارات العرب في فرنسة وإيطالية. ومن المؤسف أن الرسالة ناقصة والكلام منقطع في أهم نقطة من الموضوع ولم يُعثر إلى الآن على نسخة تامة لتلك الرسالة.
هذا وفي سنة ٩٦٠ تم طرد العرب من جبل سانبرنار وليس عندنا معلومات عن تفاصيل الوقعة، ويظهر أن القديس برنار دومنتون Dementhone الذي بنى ملجأ في أعلى هذا الجبل، حتى نُسبت إلى اسمه سلسلة تلك الجبال كلها، كان هو نفسه في هذه المعركة.
ومات عبد الرحمن الثالث (أي الناصر) سنة ٩٦١ فخلفه ابنه الحكم الثاني، وكان ملكًا محبًّا للعلوم والمعارف جانحًا إلى السلم، ففي أيامه ازداد عكوف الناس في الأندلس على العلوم والصناعات وبلغوا منها شأوًا مدهشًا وغلبت الكياسة والرقة ودماثة المدنية على أولئك الأقوام الذين كانوا في مبدأ أمرهم على جانب عظيم من الخشونة والجفاء، فأما في زمن الحكم فقد صارت الدولة للعلم وترقى به حتى النساء، اللائي كان منهن العالمات والفاضلات وصاحبات المكانة في دار الخلافة، وكان الحكم في أوائل أيامه، استجلابًا لثقة المسلمين به، قد غزا جليقية وأشتورية وكتلونية ودوخها ولكن المسيحيين طلبوا منه الصلح فأجابهم إليه، ولما أخذ وزراؤه وقواده يحثونه على نقض هذا الصلح لما عند المسلمين من حب الجهاد، أجابهم بهذه الآية البديعة من القرآن: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا نعم إنه اشترط على كنت برشلونة وسائر أمراء الكتلان دكَّ حصونهم القريبة من ثغوره وأخذ منهم موثقًا بأنهم لن يمالئوا أحدًا من ملوك المسيحيين الذين يدخلون معه في حرب.١٣

وكان العرب لا يزال منهم جماعات محتلة لبروفنس ودوفيني ولا تزال الناس هناك تخشى عاديتهم، وكان الملوك في منازعاتهم يستعينون بهم فيكون الترجيح بواسطتهم، وكان أوتون ملك الألمان بعد أن قهر المجار واستصفى جميع ألمانيا أجبر البابا على تتويجه بتاج الإمبراطورية وتغلب على برانجة ملك لونباردية، وخرج هذا من مملكته شريدًا فقام ابنه أدالبرت للمطالبة بملك أبيه، وروى بعض المؤرخين مثل البريك المنقول تاريخه في مجموعة لاينبتز أن أدالبرت استعان بمسلمي فركسينت.

وفي سنة ٩٥٦ تم إجلاء العرب عن غرينوبل، وقد تقدم أن أساقفة هذه المدينة كانوا هجروها إلى ساندوناث من جهة فالانس، فقام أحدهم إيزاردن وجمع أكابر البلاد وقوادها واستنفرهم لقتال المسلمين، وكان هؤلاء يملكون أخصب النواحي وأجود الأراضي فتقرر أن كل إنسان يكون نصيبه من هذه الأراضي بقدر بسالته وإقدامه، فلما تمكن الأهالي من إجلاء العرب عن غرينوبل ووادي غرازيفودان تقاسم المقاتلون للعرب تلك البقاع التي كانت بيدهم بحسب درجة انغماسهم في الحرب، ومن ذلك جاءت ثروة بعض العائلات القديمة في مقاطعة دوفيني ومن جملتها عائلة إينارد Aynard التي يقال: إن أصل ثروتها من تلك الحرب الصليبية، وبعد أن استصفى الأسقف إيزورن تلك البلاد ومحا آثار العرب فيها أعلن عن نفسه أميرًا على غرينوبل وعلى الوادي، وحفظ خلفاؤه تلك الإمارة مدة طويلة وبقي جانب من امتيازاتهم إلى زمن الثورة الإفرنسية.
فالقارئ يرى أن أمور المسلمين في تلك الأصقاع كانت قد أخذت تتراجع إلى الوراء، وأن ذلك التقهقر كان يزيد طمع الأهالي في التخلص منهم تمامًا، ففي سنة ٩٦٨ نادى الإمبراطور أوتون بهذه العزيمة وأجمع أن يستأصل شأفتهم من هذه النواحي، إلا أنه مات قبل أن يحقق وعده. وكان في ذلك العصر رجل لا يذكر اسمه إلا مقرونًا بالتجلة والإكرام سواء عند الملوك أو بين الشعوب وهو القديس مايول Mayeul الذي كان قسيسًا في بلدة كلوني Cluny في بورغونية، وكان قد بلغ من شهرته بالفضائل أن تحدث الناس بانتخابه لمقام البابوية، وكان هذا القديس ذهب إلى رومة لزيارة كنائسها وفي إيابه من رومة جاءت طريقه على بلاد البييمونت قاصدًا الرجوع إلى ديره من جهة جبل جنيفر Genevre وأودية دوفيني، وكان المسلمون إذ ذاك محتلين البلاد الواقعة بين غاب Gap وإمبرون Embrun ومركزهم في الأعالي المشرفة على وادي دراك Drac بإزاء جسر أورسيير (ولا يزال هذا المكان معروفًا إلى اليوم).

فلما وصل القديس مايول إلى ذيل الألب وجد هناك عددًا كبيرًا من الزوار القافلين من رومة والمسافرين قد علموا بمجيئه فانتظروه ليسيروا معه؛ إذ لم يكونوا يرجون أن تنتدح لهم فرصة خير من هذه لاجتياز جبال الألب، فتقدمت قافلة القديس وفيها هذا الجم الغفير، وما وصلوا إلى ضفاف الوادي سائرين في طريق منحصرة بين الجبل والنهر، حتى انهال عليهم العرب برشق من السهام من عل، وكان العرب نحوًّا من ألف مقاتل ولم يكن للمسيحيين مفر، فأحيط بهم ووقع أكثرهم في الأسر، وكان من جملة الأسرى القديس مايول، وقد جُرح في يده وهو يذب عن أحد رفاقه؛ فسيق الأسرى إلى مكان على حدة، وكان أكثرهم فقراء لا يطمع الإنسان من ورائهم في مغنم فدنا العرب من القديس وسألوه عن درجة يساره، فأجابهم القديس بأنه من قوم أغنياء ولكنه خرج من جميع أملاكه ووقف نفسه على عبادة ربه وهو الآن راهب في دير ذي أملاك وأراضٍ واسعة فتساوموا معه على فدية تبلغ ما يساوي ألف ليبرة من الفضة أو ثمانين ألف فرنك من المعاملة الحاضرة، وطلب العرب من القديس أن ينفذ رفيقه إلى دير كلوني ليحمل إليهم المال وضربوا له موعدًا قالوا له: إن فات هذا الموعد ولم يروا المال فإنهم يقتلون القديس وسائر الأسرى فكتب القديس إلى الدير قائلًا: إلى آباء كلوني والإخوان الذين فيه مايول المسكين أسير مكبل بالقيود … إلخ. فلما وصل هذا الكتاب ارتفع البكاء والعويل من كل جانب وأسرعوا بجمع الأموال واستجادوا أكف ذوي الحمية وجردوا الكنيسة من زخرفها، وأرسلوا كل ما وقع في أيديهم من المال لفكاك القديس ومن معه من الأسرى، فوصل المال قبل انقضاء الأجل وأطلق المسلمون سراحهم.

وكان القديس في أثناء وقوعه في الأسر قد حاول أن يرشد المسلمين قائلًا لهم: إن الذي يعتقدون به لا يقدر أن يخلصهم من العذاب ولا ينفعهم بشيء، فعندما سمعوا منه هذا الكلام هاجت حفيظتهم وشدوا وثاقه وصاروا به إلى أحد الكهوف وحبسوه فيه ثم إنهم عادوا فسكنوا ورجعوا إلى معاملته بالحسنى، وكان إذا اشتهى الطعام جاء أحدهم وغسل يديه وأصلح له طعامًا شهيًّا ووضعه بين يديه بكل أدب، وكان مع القديس نسخة من التوراة، فجاء أحد المسلمين ومد يده إليها بدون احترام، فلامه رفاقه وقالوا له: إن هذا كتاب مقدس ونحن معاشر المسلمين نقدس جميع الكتب السماوية، وبهذه المناسبة قال أحد كتاب ذلك العصر: إن المسلمين يحترمون مثلنا أنبياء العهد القديم ويرون المسيح نبيًّا كبيرًا وإنما يجعلونه على كل حال أصغر من محمد بقولهم: إن محمدًا كان خاتم الرسل وهم يقولون: إن محمدًا هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم.

وقد وقعت حادثة القديس مايول هذه في سنة ٩٧٢ فصار لها دوي عظيم في الأقطار وضج لها المسيحيون الصغار والكبار وهبوا طالبين الأخذ بالثأر وكان في نواحي سيسترون Sisteron في قرية يقال لها نويه Noyers رجل نبيل يقال له: بوبون Bebon كان قد استنفر الناس مرارًا لتخليص هذه البلاد من العرب فانتهز هذه الفرصة التي كان فيها الناس غضابًا من أجل حادثة مايول فجمع كلمة الفلاحين والأعيان وسكان البوادي والحواضر ممن يغضبون للدين والوطن ثم بنى حصنًا في نواحي سيسترون بإزاء حصن كان ينزله المسلمون يريد بذلك مراقبة حركاتهم حتى ينقض عليهم في أول غرة ويقتحم أول ثلمة. وحاول المسلمون أن يعرقلوا مساعي بوبون هذا فلم يفلحوا وكان الحصن الذي فيه المسلمون على رأس جبل يقال له: «بيترة انبيه» Petra-Empia وبينما الفريقان يداور كل منهما الآخر إذ اغتصب قائد حصن العرب امرأة الحرسي الموكول إليه باب الحصن فانتقم البواب المذكور عن هذه الفعلة بأن عرض على بوبون أن يفتح له الباب على حين غرة فيدخل إلى الحصن ويفتك بمن فيه، وهكذا تم وجاء بوبون ومعه رجاله فوجدوا الباب مفتوحًا فدخلوا وذبحوا المسلمين وهم غارون ومنهم من عرض على المسيحيين أن يتنصر فهؤلاء عفوا عنهم واستحيوهم ومن جملتهم القائد، وقد جعلت الكنيسة بوبون هذا في مصاف القديسين كما يستفاد من المجموعة البولندية.١٤
وفي الوقت نفسه كان أهالي غاب١٥ قد ثاروا بالعرب ووثبوا عليهم واستأصلوهم.

وجاء في كتاب قديم يتعلق بهذه البلدة أن الذي جمع كلمة الأهلين وثار بهم على العرب هو رجل يقال له: غليوم فكبسوا العرب بياتًا في جميع المواقع التي كانوا يحتلونها، واستأصلوا عرقاتهم وكانت مكافأة الذين قاموا بهذه الحرب أن أخذوا نصف البلدة ونصف الأراضي وتركوا النصف الآخر للمطران والكنائس، وهكذا تحررت بلاد الدوفيني وأصبح خلاص مملكة بروفنس بعد ذلك قريبًا.

وإن من المؤسف أن لا تكون لدينا على هذا الحادث المهم معلومات مفصلة، وغاية ما علمناه أن غليوم كونت بروفنس هو الذي تولى كبر تلك الحرب، ومن يدري فقد يكون هو نفسه غليوم الذي عفى آثار العرب في «غاب» فإن غاب كانت من توابع بروفنس، وكان غليوم كونت بروفنس محبًّا للعدل محافظًا على الديانة بِرًّا برعيته فأحبه رعاياه حبًّا جمًّا، ولما استنفر أهالي بروفنس ودوفيني السفلى ونيس لقتال العرب لبُّوا نداءه، فلما اجتمع إليه الجم الغفير منهم قصد أن ينهد إلى العرب في فركسينت، وعندما علم العرب أن أهالي البلاد ضيقوا عليهم من كل جانب نزلوا من جبالهم مجتمعين ودافعوا عن أنفسهم صفًّا، وأول معركة وقعت معهم وقعت في نواحي دراغينمان Dragengman في مكان يقال له: تورتور Tourtour حيث يوجد إلى الآن برج مبني منذ ذلك اليوم، تذكارًا لتلك المعركة، فانهزم المسلمون والتجأوا إلى حصن منيع، ولكن المسيحيين أخذوا بمخنقهم حتى اضطروهم أن يغادروا الحصن ليلًا ويلجأوا إلى الحراج المجاورة، فتأثرهم أهالي البلاد وتغلبوا عليهم، فقتل أكثرهم، وأخذ الباقون أسرى١٦ وجميع من وقع في الأسر أو استسلم من المسلمين عفوا عنه كما أنهم لم يقتلوا المسلمين الذين كانوا ساكنين وادعين في القرى المجاورة، ومن هؤلاء من تنصر واندمج في الأهالي، ومنهم من بقي مسلمًا ولكنه أصبح رقيقًا مستخدمًا إما في أراضي الأديار أو في أراضي الزعماء، وقد بقيت لهذه الأمة بقايا معروفة مدة طويلة كما سيأتي الكلام عليه.
أما سقوط حصن فركسينت فقد وقع في سنة ٩٧٥ وكانت مدة بقاء هذا الحصن في أيدي المسلمين أكثر من ثمانين سنة، ولما كان هو المركز الأصلي لجميع العرب المنتشرين في داخل فرنسة وشمالي إيطالية وفي سويسرة، فلابد من أن ذلك الحصن كان ملآن بالأموال والنفائس، فوزع الكونت غليوم صاحب بروفنس تلك الأموال على الذين امتازوا بقتال العرب، وأشهرهم «جيبلين غريما لدي» الذي كان من أهل جنوة فإنه كوفئ على إقدامه بالأراضي التي كانت في منتهى خليج سان تروبيز، وممن يذكر بين المشاهير الذين جالدوا حق الجلاد بهذه الحرب مسيحي آلت إليه السيادة على مدينة كاستلان Castallane في مقاطعة الألب السفلى، وربما كانت ثروة آل كاستلان الحاضرة راشحة عن تلك الفتوحات، ولا ينبغي أن ننسى أن العرب كانوا أيضًا قد أجلوا عن مدينة رييز في (الألب السفلى) فإنه في كل سنة يحتفل أهالي هذه البلدة بعيد خلاصهم منهم الذي يصادف يوم العنصرة.

وقد استولت الكنيسة أيضًا على كثير من الأراضي التي كانت بأيدي المسلمين، وذلك لأن رجال الدين المسيحي كانوا قد أصيبوا أكثر من سواهم بهذه الغارات العربية وتهدم كثير من أديارهم فلذلك كانوا هم دائمًا في طليعة الحركة لإجلاء العرب، فنال أساقفة فريجس ونيس نصيبًا كبيرًا من الأراضي التي كانت بأيدي المسلمين، وفي طولون وقع نزاع بين الأهالي على الأراضي التي كانت للمسلمين؛ لأنه كان قد طال حكم العرب لتلك البلدة فدثرت آثار التملك القديم وأصبحت الحدود مجهولة، فجاء الكونت غليوم من آرل وأجري التقسيم بين الأديار والأهالي والأمراء، وأَرْضَى الجميع، ولذلك بقي لغليوم هذا اسم كبير في التاريخ، وأطلقوا عليه لقب أبي الوطن.

فقد تقرر إذًا أن سقوط حصن فركسينت في أيدي المسيحيين وقع في سنة ٩٧٥ وأنه من ذلك الوقت لم يبقَ للمسلمين شيء في أرض فرنسة، نعم إن بعض المؤرخين ومنهم داليين المار الذكر يزعم بقاء المسلمين في جبال الألب مستمرًا إلى ما بعد سنة ٩٨٠ بل إلى ما بعد سنة الألف، ولكننا لا نثق بهذه الرواية، ونظن أنه إن كانت قد بقيت عصابات عربية في جبال الألب من بعد تاريخ سقوط فركسينت فلا تكون عصائب محاربة بل تكون عصائب مستسلمة وقد ارتدت عن الإسلام إلى النصرانية أو صار رجالها في حكم الرقيق، وبالاختصار فمن بعد ذلك العهد لم يبقَ على أتباع الإنجيل خطر من أتباع القرآن إلا إن كان من قبيل وقائع قرصانية كان لا بد لأجل التخلص منها من مطاردة البرابرة إلى نفس بلادهم.

وفي سنة ٩٧٦ مات الخليفة الحكم الثاني في قرطبة وكان ابنه بليدًا فتقلد الأمور الحاجب الملقب بالمنصور وكان آية باهرة في البسالة والإقدام وحسن التدبير بُلِي منه النصارى بباقعة لا نظير لها فأعاد للإسلام رونقه الأول وبث الغارات في أطراف بلاد النصرانية حتى أوقع الذعر في جميعها وعادت النصرانية على شفا خطر عظيم، وكان المنصور عندما تسلم الزمام قد بدأ بترتيب أمور الولايات الإفريقية، حيث أدخل في الطاعة جميع أهلها وجنَّد منهم الجيوش الجرارة، واستنفر أيضًا أهل الأندلس منتخبًا منهم أشجع الشبان وأخذ يشوقهم إلى القتال ويمرنهم عليه، وكانت غزوات المنصور كلها في فصل الصيف، ما عدا غزاة واحدة، وذلك لأن رجال إفريقية كانوا لا يتحملون برد الأصقاع الشمالية، وبلغ عدد غزواته في مدة سبع وعشرين سنة ستًّا وخمسين غزوة، لم تنهزم له فيها راية ولا ولَّى جيشُه مدبرًا.١٧

وكان المسلمون في الغالب فرسانًا فإذا قصدوا إلى بلاد النصارى وهزموا لهم جيشًا ذبحوا الرجال وسبوا النساء والأولاد وباعوهم رقيقًا، فكنت ترى بعد كل غزاة من غزوات المنصور أسواق قرطبة وأشبيلية وأشبونة وغرناطة مكتظة بالرقيق من ذكور وإناث، وكان تجار الرقيق يأتون بهذه الخلائق إلى إفريقية ومصر وسائر بلاد الإسلام فتنتشر فيها، وكان المنصور يرى جهاده في بلاد النصرانية أفضل قرباته إلى الله تعالى، وكان يستصحب في جميع أسفاره التابوت الذي يريد أن يوضع فيه عند موته، وكان من عادته أن ينفض الغبار الذي يعلق بثيابه في أثناء غزواته ويجعله في ذلك التابوت، ليصنع منه لبنة يضعها تحت رأسه عند الموت، فجال غزاة المسلمين تحت راياته المنصورة في قشتالة وليون وناباره وآراغون وكتلونية إلى أن وصلوا إلى غاشقونية وجنوبي فرنسة.

وجاست خيل المنصور في أماكن لم يكن خفق فيها علم إسلامي من قبل، وسقطت مدينة شانتياقب من جليقية وهي أقدس معهد مسيحي في إسبانية في أيدي المسلمين، وأحرقت تلك المدينة، وأخذت أجراس الكنيسة الكبرى المعروفة بكنيسة القديس يعقوب إلى قرطبة حيث عمل منها قناديل وعلقت في الجامع الأعظم، ولأجل أن يزيد المنصور من إذلال المسيحيين أجبرهم على حمل الأجراس المذكورة على ظهورهم من شانتياقب إلى قرطبة، وهي مسافة ثمانمائة كيلو متر، ولا ينكر أن المسيحيين عادوا عندما دخلوا قرطبة فاسترجعوا هذه الأجراس وحملوها على ظهورهم من قرطبة إلى شانتياقب، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

وفي أيام المنصور١٨ كاد الأمل ينقطع من بقاء النصرانية في إسبانية، فاتحد ملوك النصارى بأجمعهم أصحاب ليون ونابار وقشتالة وسائر المقاطعات المسيحية، ونبذوا كل ما كان بينهم من خلاف، وصاروا عصبة واحدة، وتسلح الأساقفة والقسيسون وساروا في مقدمة الجيوش بحسب رواية مؤرخي النصارى على ما في مجموعة الدون بوكيه، واجتمعت جيوش جرارة من المسيحيين على حدود قشتالة القديمة، وحشد المنصور جميع ما عنده من قوة وكانت الوقعة هي التي ستكون الفاصلة بين الفريقين، وتلاقى الجمعان على نهر دويره فكانت المعركة من أهول ما يتصور العقل وبقيت طول النهار وسالت الدماء كالأنهار ولم ترجح فئة على الأخرى، ولكن المسيحيين كان أكثرهم في زرد الحديد فكان التلف منهم أقل، ولما خيم الظلام رجعت كل فئة إلى مخيمها وانتظر المنصور مجيء قواده وأعوانه للتشاور معهم فلم يحضر منهم أحد فسأل عن سبب تأخرهم فقيل له: إنهم سقطوا صرعى في المصاف، فعلم المنصور أن العاقبة وبيلة والتاث جسمه وامتنع عن أخذ أي علاج، ومات بعد أيام قلائل، فدفنوه في الثياب التي كانت عليه يوم المعركة وفي التابوت الذي كان يحمله معه ليُدفن فيه، ولا يزال قبره معروفًا في مدينة سالم.١٩
وكان المنصور طول استيلائه على الدولة جامعًا بين مجد السيف ومجد القلم، فازدهرت في أيامه العلوم والصنائع وتقدمت الزراعة وازداد العمران وبلغت الأندلس لعهده من السعادة مبلغًا لم تعرفه من قبل، وفي أيام المنصور انتشرت مبادئ الفروسية “Chevallerie” والمبالغة في حفظ الشرف والرفق بالمرأة وبأي ضعيف ونجدة الملهوف أيًّا كان، وهذا أمر لا نزاع فيه إلا أن المسيو فياردو Veiredot في كتابه المسمى «مشاهد الأخلاق العربية في إسبانية في القرن العاشر» قد تجاوز الحد في زعمه أن العرب لعهد المنصور، هم الذين قرروا نظام الفروسية كما كان معروفًا عند فرسان المسيحيين فيما بعد، وقد كان واجبًا على المسيو فياردو أن يأتي بالبرهان على ما قاله لأن الذي بأيدينا من تواريخ الذين عاشوا في ذلك العصر ليس فيه شيء مما قرره المسيو فياردو.٢٠
وكانت وفاة المنصور سنة ١٠٠٢ فقام بالأمر بعده ابنه عبد الملك ولكنه مات سنة ١٠٠٨ وبموته انقضت أيام الإسلام الزاهرة في إسبانية.٢١
ثم نشبت الحرب الداخلية في قرطبة وأخذت الحكومات تهدم بعضها بعضًا وفترت الحمية الأولى وبدأ الإسلام يتقهقر ويستسرَّ بدره منذ ذلك الوقت، وقد كان في استطاعة المسيحيين من شمالي الأندلس أن يسترجعوا بلاد آبائهم وأجدادهم من ذلك الحين إلا أنهم هم أنفسهم أيضًا كانوا منقسمين وكانت العداوة بين نابار وغاليسية كما كانت بينهم وبين المسلمين، وكان المسيحيون يدخلون في حروب المسلمين بعضهم مع بعض منحازين إلى إحدى الفئتين المتقاتلتين حسبما تقتضي مصلحتهم، وربما كان مع كل من الفئتين فئة من المسيحيين؛ وكان الأساقفة بأنفسهم يخوضون غمرات هذه الحروب، وفي سنة ١٠٠٩ انضم المسيحيون في الفتنة التي وقعت في قرطبة إلى إحدى الفئتين ونصروها على الفئة الأخرى فاستعانت الفئة التي دارت عليها الدائرة بمسيحيي كتلونية الذين زحفوا إلى قلب الأندلس، ولكنهم فقدوا في أثناء الحرب ثلاثة من أساقفتهم ورجلًا من أبطالهم اسمه أرمانجو كونت إيرجل.٢٢
والحاصل أن مسلمي إسبانية كانوا قد أخذوا ينكصون وتنحصُّ أجنحتهم ولم يبقَ أدنى خطر منهم على فرنسة، وأخذت هذه المملكة تتقوى وتتقدم إلى الأمام، وسنة ٩٨٧ انتقل الملك إلى آل كابت Cabet فكانوا أجدر به من المتأخرين من سلالة شارلمان، ثم تنصر النورمنديون وصاروا عاملًا عظيمًا من عوامل القوة النصرانية وسكنوا وركنوا وتركوا العيث والدعارة، وكذلك تنصر المجار وأصبحت أوربة كلها مسيحية، وفي ذلك الوقت بدأت الناس تطالب الملوك بحقوقها وتنبهت الجماعات وناقشت السلطة الحساب وتأسس ما يسمى بالحرية البلدية مما أدى في آخر الأمر تدريجًا إلى الحالة الاجتماعية التي جعلت أوربة في مقدمة العالم المتمدن، وأورق من ذلك الوقت غصنها واخضر رعيها وأفلح سعيها، على أن سواحل فرنسة لم تسلم من غارات المسلمين إلى ما بعد ذلك بمدة طويلة ففي سنة ١٠٠٣ نزل مسلمون أندلسيون في أرض أنطيب أو عين الطيب Antibes وأخذوا بعض رهبان أسرى وفي سنة ١٠١٩ غزا منهم أناس مدينة أربونة فاجتمع عليهم الأهالي وكشفوهم ثم قتلوهم وأسروا منهم عشرين رجلًا كانوا في غاية الطول والعظم، فأرسلوهم إلى دير سان مارسيان في ليموج، فاستخدم منهم رئيس الدير اثنين وفرق الباقين على أصحابه، وجاء في مجموعة الدون بوكيه خبر يفيد أن هؤلاء لم تكن لغتهم عربية.
وفي سنة ١٠٤٧ نزل مسلمون أندلسيون في جزيرة لارين Lerins٢٣ واستاقوا عددًا من الرهبان أسرى فذهب رئيس دير سان فكتور في مرسيلية إلى الأندلس لافتكاكهم، وكان بعض أمراء الأندلس شرعوا يشنون الغارات البحرية على بلدان المسيحيين، وأشهر هؤلاء مجاهد العامري الذي استولى على دانية وجزر الباليار والإفرنج يسمونه موجيت Mujet أو موزكتوس Musectus وكان اسمه يلقي الرعب في سكان كورسكة وسردانية وبيزة وجنوة، وبقيت غارات المسلمين على سواحل فرنسة تتوالى ولا تغيب طويلًا إلى أن اشتدت قوة فرنسة البحرية ولم تنته تمامًا إلا بفتح فرنسة لجزائر الغرب،٢٤ وكانت مدينة ماغلون مقصدًا لغزاة المسلمين حتى أطلق عليها لقب بورسارازين port-Sarrazin ومن هذا القبيل مدينة مارتيخ عند مصاب نهر الرون التي فيها أبنية يقال: إنها من أيام العرب ومثلها جزر هييار Hyeres التي قبالة ساحل الفار وقد جاء في إحصاء لمقاطعة مصاب الرون — بقلم المسيو تولوزان — أنه وُجدت أوراق قديمة في مارتيغ تتعلق بإقامة المسلمين في تلك البلاد، وكذلك وجدت أوراق قديمة في فوس يظهر منها أن المسلمين سكنوا في جزائر هييار المارة الذكر، على أن المسلمين بدأوا بالتقهقر البحري في أواسط القرن الحادي عشر، ففي سنة ٩٦١ كان الروم استردوا جزيرة أقريطش، وفي سنة ١٠٥٠ أجلي المسلمون عن جنوبي إيطالية وفقدوا ملكهم في صقلية، وتجاوز المسيحيون البحر ونزلوا في بعض سواحل إفريقية حيث خفقت لهم أعلام مدة طويلة، ثم لم يلبث الإسبانيول أن استرجعوا طليطلة وقرطبة وأشبيلية وغيرها، ثم زحف من أوربة إلى آسيا الصليبيون بجيوش لا تحصى فوقفوا المسلمين عند حدودهم بل غزوهم في عقر دارهم وفقد المسلمون كل أمل في التجاوز على فرنسة والجنوب الغربي من أوربة، وفي سنة ٩٦٠ كان الكاتب العربي ابن حوقل يصف مسلمي الأندلس بالجبن والطيش وفقد الصلابة والحزم، وكذلك ابن سعيد الذي كان يكتب في القرن الثاني عشر قد تعجب كيف أن المسيحيين لم يطردوا مسلمي الأندلس تمامًا في ذلك الوقت.٢٥
ومما يدلك على ما وقع في نفوس المسلمين من هذه الجهة الشاهدان الآتيان: روى مؤرخو العرب أنه لما قفل موسى بن نصير إلى الشام بعد فتحه الأندلس، سأله الخليفة عن الشعوب المختلفة التي مارسها، فأجابه، أن الإفرنج فيهم العدد والشدة والإقدام والثبات، ويستغرب أن يكون موسى بن نصير وصف الإفرنج بهذا الوصف وهو لم يباشر معهم حربًا، وعلى فرض أنه وصل إلى جنوبي فرنسة كما يزعم مؤرخو العرب، فإنه لم يكن قد لقي الإفرنج بل لقي القوط الذين كانوا أصحاب الحكم في البلاد الجنوبية من فرنسة ولكن مسلمي الأندلس عندما تلاقوا مع رجال شارل مارتل وشارلمان علموا من هم الإفرنج في صلابة العود وعلموا من هم الفرنسيس في حب المجد والإقدام على الأخطار، وقد روى المؤرخ الإسبانيولي كوندي كلام موسى بن نصير هذا وأضاف إليه بزعمه قول موسى: إن الإفرنج إذا انهزموا فليسوا بشيء.٢٦
والشاهد الآخر هو ما يرويه العرب من وجود كتابة منقوشة على تمثال في مدينة أربونة معناها: يا أولاد إسماعيل لا تتجاوزوا هذا المكان فإنكم إن تجاوزتموه ولم ترجعوا على أعقابكم هلكتم. هكذا روى المقري في نفح الطيب في النسخة الخطية التي في المكتبة الملوكية.٢٧

هوامش

(١) اختلف المؤرخون في موقع فركسيناتوم التي شغلها المسلمون مدة طويلة، فمؤرخو الفرنسيس يضعون فركسيناتوم في خليج سانتروبيز Saint-Troppez وهو مكان فيه معبر بين فرنسة وإيطاليا وبقربه جبل يقال له: جبل المورو. ومؤرخو الطليان يخالفونهم في تعيين هذا الموقع، فالمؤرخ بونينو Bonino يضع فركسيناتوم في بروفنس بقرب آرل وهناك مؤرخ آخر اسمه مونبريزيو Monbrizio يضع فركسينا توم وراء جبال الألب البحرية، ومنهم من جعل هذا المكان بقرب آرل وقالوا: إن العرب نزلوا هناك وفي فريجوس وأنطيب (التي جعلها العرب عين الطيب) وامتدوا إلى قصر نيسة (التي يقول لها العرب نيقة والفرنسيس يسمونها نيس) إلى مدينة سانريمو التي قرأت في دليلها منذ بضع سنوات أن العرب احتلوها، ومن هناك امتدوا إلى مدينة البنغة Albenga.
هذه كانت رحلتهم الأولى، وأما الثانية فهي أنهم ذهبوا من أنبرون إلى جيوفني ديمورتانة Jiovanni Di Mortana ومنها تقدموا إلى الداخل ونهبوا وأحرقوا دير نوفاليز Novalesa ودير سانموريس في ڨاليزية.
والمؤرخون الطليان الذين تكلموا عن نزول العرب في تلك السواحل وهم: بينغوني Pingone و دي بيني Debene  ودلا شيزا Dellachiesa ودورندي Durandi وسيغبرتو Sigeberto يقولون في أصل مجيء المسلمين إلى هناك: إنه سنة ٨٩١ جاء قرصان من إسبانية فساقتهم زوبعة إلى سواحل بروفنس فنزلوا إلى البر ووجدوا غابة اسمها فراسينيتو وهو اسم مشتق من أسماء النبات الغالب على تلك الأرض، ثم قاموا هناك وتحصنوا في جبل تَسَمَّى باسمهم فيقال له اليوم: جبل «مورو» ثم التحق بهم آخرون وتكاثروا وصاروا قوة مذكورة وصار أمراء البلاد يستعينون بهم في قتال بعضهم بعضًا، وانتشر المسلمون في السڨواي ودالڨينيتيو وڨاليزيا وليغورية إلى جنوة، ومن حكام الطليان الذين دعوا المسلمين لمساعدتهم ووعدوهم بالمغانم لمبرتوديسنو ليتو وادالبرتو مركيز طوسكانة. اطلعت على ذلك في خزانة كتب عمومية بمدينة جنوة.
ومن أغرب الأمور أن جميع المؤرخين تكلموا عن نزول العرب في فركسينيت عدا مؤرخي العرب أنفسهم، فتوجد عن هذه الحادثة تواريخ بالإفرنسية والألمانية والإيطالية ولكنه لا يوجد تقريبًا شيء بالعربية، وإنما جاء في المسالك والممالك لأبي القاسم بن حوقل الذي كتب رحلته على أثر سفره من بغداد سنة ٣٣١ للهجرة وذلك قوله: وجبل القلال جبل قديم على مر الزمان فيه مياه وأراض وعمارة وحرث يقوت من نجا إليه فوقع إليه قوم من المسلمين فعمروه، وصاروا في وجوه الإفرنجة لا يقدر عليهم لامتناع مواضعهم ومقداره في الطول نحو ميلين.
ذكر ابن حوقل هذا في كلامه على بحر الروم، وذكر في محل آخر جزيرة ميورقة، وقال: وميورقة جزيرة لصاحب الأندلس وكذلك جبل القلال يضاف إلى ذلك العمل.
وورد ذكر جبل القلال في معجم البلدان لياقوت في أثناء كلامه على انكبردة قال: بلاد واسعة من بلاد الإفرنج بين القسطنطينية والأندلس تأخذ على طرف بحر الخليج من محاذاة جبل القلال، وتمر على محاذاة ساحل المغرب مشرقًا إلى أن تتصل ببلاد قلورية.
قلت: يعني بها بلاد إيطاليا اليوم التي تبتدئ من محاذاة جبال الألب وتنتهي بشبه جزيرة كلابرة.
وفي صبح الأعشى يقول: قلفرية نقلًا عن تقويم البلدان قال: ويقال لها قلورية بإبدال الفاء واوًا.
قلت: وكنت أفكر أن جبل القلال هذا بالأوصاف التي وصفه بها ابن حوقل وياقوت لا تنطبق إلا على الجبل المشرف في سواحل فرنسة على حدود إيطالية، ولكني لم أكن أرضى بمجرد التخمين وكنت أود لو وقفت على كلام لمستشرقي الإفرنج في هذا الموضوع وكنت تحدثت في هذه المسألة مع الشاب الأجلِّ الفاضل المدقق السيد محمد الفاسي من آل الجد الفهريين بفاس ومن جالية الأندلس، وتقدمت إليه في أن يبحث لي في المكتبة الوطنية في باريز لعله يهتدي إلى نص أو نصوص تكشف لنا الغامض ونقدر أن نعين بها ما يريده كتاب العرب بقولهم: جبل القلال فأجابني حفظه الله بالكتاب الآتي نصه بتاريخ ٩ ذي الحجة سنة ١٣٥٠ قال: أخذت كتاب الخزانة العربية الصقلية تأليف آماري Amari وهي كما لا يخفى مجموعة نصوص تتعلق بصقلية منقولة عما يقرب من مائة كتاب عربي فوجدته ينقل كلام ابن حوقل الوارد في جبل القلال فأخذت ترجمة الخزانة الصقلية إلى الإيطالية وهي مفيدة جدًّا بالتعاليق التي جعلها عليها آماري، ويوجد فيها طبعتان كلتاهما في سنة ١٨٨٠ واحدة في جزئين من الحجم الصغير والأخرى في جزء واحد من الحجم الكبير، وجبل القلال ورد في الصفحة السابعة من الطبعة الكبيرة أما في الترجمة فإن آماري اكتفى بكتابة جبل القلال بالحروف اللاتينية، وجعل بين هلالين ترجمة للفظة قلال بمعنى رؤوس الجبال جمع قلة وذكرها بالإفرنسية هكذا Cimes وجعل على هذا تعليقًا مضمونه تلخيص كلام المستشرق رينو الذي سأنقله لك بالحرف، وأحال عليه: نشر المستشرق جوين بول كتاب مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع في ثلاثة أجزاء مع أجزاء ثلاثة أخرى للتعاليق باللاتينية، وقد ورد فيه جبل القلال في صفحة ٢٣٩ من الجزء الأول وعلق جوين بول في صفحة ٢٥ من الجزء الخامس قائلًا: إنه كتب إلى رينو الشهير في هذا الباب فأجابه بما يلي سامحًا له بنشره. وقد نقل لي ولدنا السيد محمد الفاسي كتابة رينو بنصها الإفرنسي فآثرت ترجمتها بالعربي وهي هذه:
«في تأليف نشرته سنة ألف وثمانمائة وستة وثلاثين تحت عنوان غارة العرب على فرنسة ومن فرنسة على سفواي وبييمونت وسويسرة في القرون الثامن والتاسع والعاشر من التاريخ المسيحي قد ذكرت أنه في سنة ٨٨٩ دخل بعض قرصان من الأندلس في أرض فرنسة في خليج غريمنو الذي يقال له: سانتروبيز وأنشأوا لأنفسهم في آخر الخليج على قلة جبل معقلًا هائلًا وهذا المعقل يسميه المعاصرون لذلك الوقت فركسيناتوم، والآن تسمى القرية المبنية على سفح الجبل غاردفرينه Garde-Frainet، والغابة التي تحيط بالجبل اسمها الآن غابة الموراي العرب. كلما استقر هؤلاء القرصان في ذلك الموقع المتناهي في المناعة استدعوا إليهم أفاقين آخرين جاءوهم من سواحل الأندلس وإفريقية ثم انضم إليهم بعض الجياع من أهل البلاد، وساعدتهم الفوضى التي كانت ضاربة أطنابها فيها فتقدموا في البلاد وقطعوا جبال الألب وانتشروا في السڨواي وشمالي إيطالية وسويسرة، وعندما نشرت هذا الكتاب لم تكن النسخة المخطوطة من كتاب الاصطخري قد نُشرت، وكنت أظن أن وجود هذا المعقل الإسلامي في قلب النصرانية كان لم يزل مجهولًا عند كتَّاب المسلمين في الأندلس وإفريقية وآسية فأما الآن فقد تحقق عندي أن الاصطخري وابن حوقل قد سمعا في أثناء أسفارهما بخبر فركسيناتوم من سواحل بروفنس وأن كلًّا منهما لم يهمل ذكر ذلك في كتابه.
وأعظم من هذا أن خبر هذا المعقل الإسلامي في قلب أوربة وصل إلى أقاصي بلاد العجم.
فالاصطخري في صفحة ٣٩ من طبعة كتابه المخطوط يذكر بعض الجزائر مثل صقلية وأقريطش وقبرص ثم يذكر جبل القلال، فقد يظن القارئ أن مراده به إحدى الجزر التي يحيط بها البحر، وفي الأطلس الذي تحت نمرة ١١ مذكور هذا الجبل وموضوع في وسط البحر إلى الغرب من صيقيلية يقابله المهدية وتونس من جهة وطرطوشة من الأخرى، وكذلك الحال في الخارطة التي تحت نمرة ٥ ولا فرق بينهما سوى أن الجبل في الخارطة الثانية موضوع على مسافة أبعد إلى الغرب على علو مالقة والجزائر، ومن المعلوم أن الخرائط الملحقة بكتاب الاصطخري هي ناقصة جدًّا وفيها خطأ كثير نظير الأطالس العربية على وجه الإجمال.
ولا يجوز أن ننسى أن اسم جزيرة وشبه جزيرة هو واحد عند العرب كما عند اليونان وترى الاصطخري يقول عن جبل القلال ما يطابق موقع فركسيناتوم وإليك كلامه: وأما جبل القلال فإنه كان جبلًا خرابًا وفيه ماء وأرض فوقع إليه قوم من المسلمين فعمروه وثاروا في وجوه الإفرنجة لا يقدر عليهم لامتناع مواضعهم ومقداره في الطول يومان. ثم أتى على ترجمة هذا الفصل بالفارسية: جبل القلال كوهى بوده است خراب ودر انجا اب وزمين بسيار قومي از مسلمانان انجا مقام كرفتند وآبادان كردنك وڨغر فرنك است وفرنك برايشان دست نيايدودرازي اين كوه دو روزه راه باشد.
ومن عادة ابن حوقل في رحلته أن يعلق بعض الشرح على كلام الاصطخري إلا أنه في هذا المقام كانت عبارته مختصرة جدًّا، والملاحظة المهمة التي يلاحظها القارئ في كلامه أن جبل القلال هذا تابع للأندلس، وذلك أن علماء العرب يطلقون لفظة الأندلس على جميع بلدان الجنوب الغربي من أوربة التي دخلت في طاعة المسلمين (انظر إلى ترجمتنا لجغرافية أبي الفداء صفحة ٢٣٤ وصفحة ٣٠٨)، وهكذا كانت بلاد بروفنس في القرن الثامن وفيما بعده في القرن الذي نحن الآن بصدده معدودة من الأندلس.
وهكذا أمكنهم أن يجعلوا جبل القلال من الأندلس وفيه كان المسلمون واقفين في وجه الإفرنج، فالمكان الذي وصفوه لا ينطبق إلا على فركسيناتوم؛ إذ لو أردنا أن نقول: إن ابن حوقل والاصطخري أرادا بجبل القلال جزيرة صغيرة غفلًا من الاسم واقعة بإزاء سواحل تونس أو سواحل طرابلس لكان الوصف الذي وصفه هذان الرحالتان لهذا المكان خاليًا من كل معنى (ثم ذكر رينو كلام ابن حوقل بنصه).
بقي علينا أن نفسر كلمة قلال التي أضيف لها ذلك الجبل فهذه اللفظة تحتمل تأويلات مختلفة ففي الأطالس التي وجدناها في مخطوط الخزانة الإمبراطورية الحاوي للرواية الفارسية من كتاب الاصطخري نجد لهذا الجبل شكلًا هرميًّا وأما في الأطالس التي في المخطوط العربي فإننا نجد هذا الجبل يرتفع تدريجًا فيكون اسم جبل القلال مطابقًا له.
أقول: إن أخبار وقائع العرب الذين احتلوا هذا الجبل قد رأت في أقاصي آسية، فكتاب العجم سموه كولاقلال كلمة تفيد معنى جبل القلال، وإننا نجد تحت نمرة ٣٨٤ من المخطوطات الفارسية من الخزانة الإمبراطورية هذه الكلمات:

كولا قلال جزيرة است ودر كوهي است ودر روزكار قديم خراب بوده است ونامسكون جون إسلام قوت كرفت ازن مسلمانان انجا افادندانجا مقام ساختند وساكن شدند واكنون در روي فرنك باشند ومياه ايشان وكافران پيوسته جنك باشند.

ومعناه جبل القلال جزيرة أو شبه جزيرة واقعة في وسط سلسلة جبال كان هذا الجبل في الماضي مهملًا غير مسكون فلما انتشر الإسلام جاء بعض المسلمين إلى هذا المحل واستوطنوه وهم الآن هناك واقفون في وجه الإفرنجة الذين يحيطون بهم ولا يزالون معهم في جلاد مستمر.
ثم قد وجد في كتاب فارسي من قبل عجائب المخلوقات للقزويني واسمه وكاسمه وموضوعه كموضوعه الجملة الآتية: قلال كوهي است ميان دريان روم خراب بودا بادان كردند ودر وجه مصالح افرنجه نهادند واكراين كولا نبودي إسلام برنج امدي.
أي جبل القلال جبل واقع في وسط بجر الروم وكان خرابًا، ولقد سكن فيه أناس وأووا إلى هذا الجبل في جهادهم للإفرنج ولولا هذا الجبل لكان على الإسلام خطر عظيم.
هذا كلام رينو بنصه ويتلخص منه أن جبل القلال ليس بجزيرة بل شبه جزيرة، وإذا رجعنا إلى جزيرة مقاطعة الفار Le Var على حدود إيطالية وجدنا أن المحل الذي يجعل فيه هذا العالم جبل القلال شبه جزيرة، ثم إني قد راجعت ما قاله رينو في كتابه فتوح المسلمين بفرنسة من صفحة ١٥٧ إلى صفحة ٢١٠ فرأيت أن وصف جبل القلال في كتاب ابن حوقل من حيث امتناعه ينطبق تمامًا على فركسيناتوم وأما قوله: إن العرب يجعلون هذا الجبل من ضمن الأندلس؛ لأنهم يسمون بهذا الاسم كل البلاد الواقعة في جنوبي أوربة إلى الغرب، فأظن أنه غير مصيب بل السبب في ذلك هو أن جبل القلال كان تحت حماية خلفاء قرطبة وقد ذكر هذا رينو نفسه في كتابه الآنف الذكر صفحة ١٨٧ فقال: إن أوتون كان أنشأ علاقات مع أعظم ملوك عصره لا سيما خليفة قرطبة الذي كان هو الحامي للمستعمرة العربية في فركسيناتوم، ويظهر من كتاب رينو أن فركسينة كانت عاصمة الممتلكات الإسلامية في فرنسة وسويسرة وإيطالية الشمالية، وهذه الأهمية التي أشار إليها ابن حوقل والاصطخري لم تكن لجزيرة سردانة، وعلى كل حال فإني أظن الآن أن جبل القلال هو فركسيناتوم ويبقى مع هذا مجال للبحث للوصول إلى الاقتناع العلمي المبني على الحجج القاطعة. انتهى كتاب محمد الفاسي رئيس جمعية طلبة شمالي إفريقية في باريز.
(٢) جاء في نفح الطيب: وأخبار الناصر طويلة جدًّا وقد منح الظفر على الثوار واستنزلهم من معاقلهم حتى صفا له الوقت وكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء، فمن غزواته أن غزا سنة ثمان وثلاثمائة إلى جليقية وملكها أوردون ابن أذفونش فاستنجد بالبشكنس فهزمهم ووطئ بلادهم ودوخ أرضهم وفتح معاقلهم وخرب حصونهم، ثم غزا بنبلونة سنة اثنتي عشرة ودخل دار الحرب ودوخ البسائط وفتح المعاقل وخرب الحصون وأفسد العمائر وجال فيها وتوغل في قاصيتها والعدو يحاذيه في الجبال والأوعار ولم يظفر منه بشيء ثم بعد مدة ظفر ببعض الثوار عليه وكان استمد بالنصارى فقتل الناصر من كان مع الثائر من النصارى أهل ألبة وفتح ثلاثين من حصونهم.
وبلغه انتفاض طوطة (ملكة الباشكنس) فغزاها في بنبلونة ودوخ أرضها واستباحها ورجع إلى قرطبة، ثم غزا غزوة الخندق سنة سبع وعشرين إلى جليقية فانهزم وأصيب فيها المسلمون، وقعد بعدها عن الغزو بنفسه، وصار يردد البعوث والطوائف إلى الجهاد، وبعث جيوشه إلى المغرب، فملك سبتة وفاسًا وغيرهما من بلاد المغرب وطار صيته وانتشر ذكره.
ولما هلك سانجة بن فرويلة ملك الباشكنس قامت بأمرهم بعده أمه «طوطة» كفلت ولده، ثم انتقضت على الناصر سنة خمس وعشرين فغزا الناصر بلادها وخرب نواحي بنبلونة ورد عليها الغزوات وكان قبل ذلك سنة اثنتين وعشرين غزا إلى خشتمة ثم رحل إلى بنبلونة، فجاءته طوطة بطاعتها، وعقد لابنها غرسية على بنبلونة ثم عدل إلى ألبة وبسائطها فدوخها وخرب حصونها ثم اقتحم جليقية وملكها يومئذ ردمير بن أردون فتحامى عن لقائه ودخل خشتمة فنازله الناصر فيها وهدم برغش وكثيرا من معاقلهم وهزمهم مرارًا ورجع … إلخ.
وجاء في كتاب أخبار مجموعة: وأما عبد الرحمن بن محمد الأمير فإنه وُلي الخلافة والفتنة قد طبقت آفاق الأندلس والخلاف فاشٍ في كل ناحية منها، فاستقبل الملك بسعد، لم يقابل به أحدًا ممن خالفه أو خرج عليه إلا غلبه، واستولى على ما في يديه، فافتتح الأندلس مدينة مدينة، وقتل حملتها واستذل رجالها وهدم معاقلها، وضرب المغارم الثقيلة على من استبقى من أهلها، وأذلهم بعسف العمال غاية الإذلال، حتى دانت له البلاد وانقاد له أهل العناد، فمات ابن حفصون في حصاره، وقتل سليمان ابنه محاربًا له، واستنزل سائر بنيه وأهله وأمنهم، وساروا في جنده.
وملك «ببشتر» وبناها، وحصنها، وهدم كل حصن غيرها، وذكر أنه إنما استبقاها عدة لنفسه ولولده، ليلج إليها، لما كانوا يحدثون في الآثار من أن فتنًا تهيج في الأندلس بخوارج يخرجون على أهلها يخربون البلاد ويقتلون الرجال ويسبون النساء والأولاد حتى يعم الفساد جميع أقطارها فلا يبقى فيها إلا من اعتصم بالمعاقل أو لجأ إلى البحور، وهو عندهم الفساد المتصل بالبلاء الأعظم الذي لا صلاح بعده ولا بقاء معه والله أعلم. وهو المستعان. واتصل ملك عبد الرحمن خمسين سنة في عز منيع وسلطان قاهر. وافتتاح البلدان شرقًا وغربًا إلخ.
قلت: وسنأتي بخبر الخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي على أتم وجه إن شاء الله في الأجزاء التالية التي فيها الكلام عن نفس الأندلس.
(٣) نحن ننقل روايات مؤرخي الإفرنج في القرون الوسطى على علاتها وإن كنا نعلم ما فيها من المبالغات ولا سيما ما كان منها مكتوبًا بأقلام القسيسين الذين يخلطون التاريخ بالدعاية.
(٤) ليوتبراند Liutprand مؤرخ ألماني من أشهر المؤرخين وُلد سنة ٩٢٢ وهو من أسرة شريفة في لونباردية، نشأ في معية الملك هوغ في بافية وسنة ٩٤٥ بعد خلع الملك هوغ دخل في خدمة خلفه برنغار، وتوفي سنة ٩٧٠، وكتب كتابين باللاتينية أولهما يسمى معالي الإمبراطور أوثون الكبير.
(٥) سان موريس بلدة في وادي الفالة على السكة الحديدية المؤدية إلى نفق السپملون إلى إيطالية تبعد عن جنيف بالسكة الحديدية نحوًّا من ساعتين تُنسب هذه القصبة إلى دير القديس موريس الذي فيها وهذا الدير قد بناه سجيسموند دوق بورغونية في القرن السادس للمسيح حسبما روى لي القسيس القيم على مكتبة الدير وذلك عندما زرت هذا الدير مؤخرًا منقبًا عن آثار العرب هناك كما سيأتي الكلام عليه.
(٦) Grisons من مقاطعات سويسرة مركزها كوار.
(٧) هذه الوقعة شهيرة ويقول ابن خلدون: إن عبد الرحمن الناصر كان كثير الجهاد بنفسه والغزو إلى دار الحرب إلى أن هُزم عام الخندق سنة ٣٢٣ وأما ابن الأثير فيجعل هذه الواقعة سنة ٣٢٧ ويقول: إنه في تلك السنة عصى أمية بن إسحق بمدينة شنتري على عبد الرحمن الأموي؛ لأنه قتل أخاه فالتجأ إلى رودمير ملك الجلالقة وغزا عبد الرحمن بلاد الجلالقة فانهزمت الجلالقة وقتل منهم خلق كثير ثم خرج الجلالقة وظفروا بالمسلمين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأراد رودمير اتباعهم فمنعه أمية وخوفه ورغبه في الغنيمة وعاد عبد الرحمن فجهز الجيوش إلى بلاد الجلالقة فألحوا عليهم بالغارات وقتلوا منهم أضعاف ما قتلوا من المسلمين. انتهى.
أما في أخبار مجموعة فإنه يقول: إن عبد الرحمن الناصر في آخر أمره مال إلى اللهو واستولى عليه العجب واستمد بغير الكفاة وغاظ الأحرار بإقامة الأنذال كنجدة الحيرى وأصحابه الأوغاد فقلده عسكره وفوض إليه جليل أموره وألجأ أكابر الأجناد ووجوه القواد والوزراء من العرب وغيرهم إلى الخضوع له والوقوف عند أمره ونهيه وحال نجدة حال مثله في غيه واستخفافه وركاكة عقله فتواطأ أهل الحفاظ من رجاله ووجوه أجناده على ما كان من انهزامهم في الغزوة التي غزاها عام ستة وعشرين وثلاثمائة وسماها غزاة القدرة لاحتفاله فيها وعظيم مشهدها فهزم فيها أقبح هزيمة واتبعهم العدو أيامًا يأسرونهم ويقتلونهم في كل محلة فلم يكد ينجو منهم إلا قوم جمعوا أصحابهم على ألويتهم وتخلصوا إلى بلدانهم فلم تكن له بعدها غزوة بنفسه. أ.هـ. وذكر المسعودي في مروج الذهب هذه الغزاة فقال: وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون فكانت وقعة بينه وبين ردمير ملك الجلالقة في شوال سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر وكانت للمسلمين عليهم ثم أنابوا بعد أن حوصروا وأولجوا إلى المدينة فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفًا وقيل: إن الذي منع رودمير من طلب نجا من المسلمين أمية بن إسحق فقد خوفه الكمين ورغبه في ما كان في معسكر المسلمين من الأموال والعدد والخزائن ولولإ ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثم إن أمية بعد ذلك استأمن إلى عبد الرحمن وتخلص من رودمير فقبله عبد الرحمن أحسن قبول وقد كان عبد الرحمن بعد هذه الوقعة جهز عساكر مع عدة من قواده إلى الجلالقة، وكانت لهم معهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية ورودمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت وهو سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة انتهى كلام المسعودي المعاصر لتلك الوقائع.
(٨) Rotbaldus يقول رينو: إنه قد يكون روتبلدس الثاني كونت فوركالكية الذي كان يعيش في نواحي سنة ٩٤٥ على ما في تاريخ بروفنس للمسيو بوش.
(٩) وصف ابن خلدون كيفية استقبال عبد الرحمن لرسل صاحب القسطنطينية، قال: ركبت في ذلك اليوم العساكر بالسلاح في أكمل شكة، وزين القصر بأنواع الزينة وأصناف الستور، وحمل سرير الخلافة بين مقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة، ورتب الوزراء والخدمة في مواقفهم، ودخل الرسل فهالهم ما رأوه وقربوا حتى أدوا رسالتهم، وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك المحفل ويعظموا من أمر الإسلام والخلافة ويشكروا نعمة الله على ظهور دينه وإعزازه وذلة عدوه، فاستعدوا لذلك، ثم بهرهم هول المجلس فوجموا وشرعوا في القول فارتج عليهم، وكان فيهم أبو علي الفالي وافد العراق كان في جملة الحكم ولي العهد وندبه لذلك استئثارًا فعجز.
فلما وجموا كلهم قام منذر بن سعيد البلوطي، من غير استعداد ولا روية ولا تقدم له أحد بشيء من ذلك فخطب واستحضر وجلَّى في ذلك القصد، وأنشد شعرًا طويلًا ارتجله في الغرض، ففاز بفخر ذلك المجلس، وعجب الناس من شأنه أكثر من كل ما وقع، وأعجب به الناصر، وولاه القضاء بعدها وأصبح من رجالات المعالم، وأخباره مشهورة، وخطبته في ذلك اليوم منقولة في كتب ابن حيان وغيره.
ثم انصرف هؤلاء الرسل، وبعث الناصر معهم هشام بن هديل بهدية حافلة ليؤكد المودة ويحسن الإجابة، ورجع بعد سنتين، وقد أحكم من ذلك ما شاء، وجاءت معه رسل قسطنطين، ثم جاء رسول من ملك الصقالبة، وهو يومئذ دفوه، ورسول آخر من ملك الألمان ورسول آخر من ملك الإفرنجة وراء ألبرت، وهو يومئذ أوفوه، ورسول آخر من ملك الإفرنجة بقاصية المشرق، وهو يومئذ كلدة، واحتفل الناصر بقدومهم وبعث مع رسول الصقالبة ربيعًا الأسقف إلى ملكهم دوفوه، ورجع بعد سنتين.
وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة جاء رسول أوردون، بطلب السلم، فعقد له، ثم بعث في سنة خمس وأربعين يطلب إدخال فردالند قومس قشتيلة في عهده فأذن له في ذلك، وأدخل في عهده. وكان غرسية بن شانجة قد استولى على جليقية بعد أبيه شانجة بن فرويلة، ثم انتقض عليه أهل جليقية وتولى كبرهم قومس قشتيلة فردلند المذكور ومال إلى أوردون بن رودمير، وكان غرسية بن شانجة حافدًا لطوطة ملكة البشكينس، فامتعضت لحافدها غرسية ووفدت على الناصر سنة سبع وأربعين ملقية بنفسها في عقد السلم لها ولولدها شانجة بن رودمير الملك وإعانة حافدها غرسية بن شانجة على ملكه ونصره من عدوه، وجاء الملكان معها فاحتفل الناصر لقدومهم وعقد الصلح لشانجة وأمه، وبعث العساكر مع غرسية ملك جليقية فرد عليه ملكه، وخلع الجلالقة طاعة أوردون، وبعث إلى الناصر شكره على فعلته وكتب إلى الأمم في النواحي بذلك وبما ارتكبه فردلند (قومس قشتيلة) في نكثه ووثوبه ويعيره بذلك عند الأمم، ولم يزل الناصر على موالاته وإعانته إلى أن هلك، ولما وصل رسول كلده ملك الإفرنجة بالشرق — كما تقدم — وصل معه رسول ملك برشلونة وطركونة راغبًا في الصلح فأجابه الناصر ووصل بعده رسول صاحب رومة يخطب المودة فأجيب. انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار، وسنستوفي إن شاء الله وصف الناصر وأبهة خلافته وعظمة قرطبة في أيامه في الأجزاء التالية المتعلقة بالأندلس فإن محل ذلك هناك لا هنا وإنما نقلنا هذا الفصل عن ابن خلدون تأييدًا لما ذكره المستشرق رينو من هذا الباب.
(١٠) وهكذا ذكر المسعودي في مروج الذهب، وكان المسعودي من معاصري أيام الناصر عبد الرحمن.
(١١) قال رينو تحت هذه الجملة: إنه ورد في قانون الدولة العثمانية أن كل من يقذف بالله وصفاته أو بنبيه الكريم أو بكتابه العزيز يعاقب بالقتل ولا يستتاب ولا يمهل.
(١٢) قد تقدم لنا في حواشي هذا الكتاب ترجمة رسالة من قلم رينو يقول فيها: إنه لما حرر هذا التأليف لم يكن اطلع على رحلتي الاصطخري وابن حوقل فلما اطلع عليهما علم أن العرب لم يغفلوا هذه الحادثة بل كانت عندهم ذات بال.
(١٣) قال ابن خلدون: ولأول وفاة الناصر طمع الجلالقة في الثغور فغزا الحكم المستنصر بنفسه واقتحم بلد فردنرد بن غنتشاب فنازل شنت اشتايين San Estevan وفتحها عنوة واستباحها وقفل فبادروا إلى عقد السلم معه وانقبضوا عما كانوا فيه، ثم أغزى غالبًا مولاه بلاد جليقية وسار إلى مدينة سالم لدخول دار الحرب، فجمع له الجلالقة، ولقيهم فهزمهم واستباحهم، وأوطأ العساكر بلد فردلند ودوخها، وكان شانجة بن رومير ملك البشكنس قد انتقض فأغزاه الحكم التجيبي صاحب سرقسطة في العساكر، وجاء ملك الجلالقة لنصره فهزمهم، وامتنعوا بقورية وعاثوا في نواحيها، وقفل. ثم أغزى الحكم أحمد بن يعلى ويحيى بن محمد التجيبي إلى بلاد برشلونة، فعاثت العساكر في نواحيها. وأغزى هذيل بن هاشم ومولاه غالبًا إلى بلاد القومس فعاثا فيها وقفلا وعظمت فتوحات الحكم وقواد الثغور في كل ناحية، وكان من أعظمها فتح قلموية من بلاد البشكنس، على يد غالب، فعمرها الحكم واعتنى بها، ثم فتح قطوبية على يد قائد وشتة وغنم فيها من الأموال والسلاح والأقوات والأثاث وفي بسيطها من الغنم والبقر والرمك والأطعمة والسبي ما لا يحصى.
قال: وفي سنة أربع وخمسين سار غالب إلى بلد ألبه، ومعه يحيى بن محمد التجيبي وقاسم بن مطرف بن ذي النون، فابتنى حصن، عرماج ودوخ بلادهم وانصرف، وظهرت في هذه السنة مراكب المجوس في البحر الكبير وأفسدوا بسائط أشبونة، وناشبهم الناس القتال، فرجعوا إلى مراكبهم، وأخرج الحكم القواد لاحتراس السواحل، وأمر قائد البحر عبد الرحمن رماحس بتعجيل حركة الأسطول، ثم وردت الأخبار بأن العساكر نالت منهم من كل جهة من السواحل، ثم كانت وفادة أردون بن أذفونش ملك الجلالقة وذلك أن الناصر لما أعان عليه شانجة بن ردمير، وهو ابن عمه، وهو الملك من قبل أردون وحمل النصرانية على طاعته واستظهر أردون بصهره فردلند قومس قشتيلة توقع مظاهرة الحكم لشانجة كما ظاهره أبوه الناصر، فبادر إلى الوفادة على الحكم مستجيرًا به فاحتفل لقدومه وعى العساكر ليوم وفادته وكان يومًا مشهودًا، وصفه ابن حيان كما وصف أيام الوفادات قبله، ووصل إلى الحكم وأجلسه ووعده بالنصر من عدوه، وخلع عليه، وكتب بوصوله ملقيًا بنفسه وعاقده على موالاة الإسلام ومقاطعة فردلند القومس، وأعطى على ذلك صفقة يمينه ورهن ولده غرسية، ودفعت الصلات والحملات له ولأصحابه وانصرف معه وجوه نصارى الذمة ليوطدوا له الطاعة عند رعيته ويقبضوا رهنه، وعند ذلك بعث ابن عمه شانجة بن ردمير ببيعته وطاعته مع قوامس أهل جليقية وسمورة وأساقفتهم، يرغب في قبوله، ويمت بما فعل أبوه الناصر معه، فتقبل بيعتهم على شروط شرطها كان منها هدم الحصون والأبراج القريبة من ثغور المسلمين.
ثم بعث ملكا برشلونة وطوكونية وغيرهما يسألان تجديد الصلح وإقرارهما على ما كانا عليه وبعثا بهدية وهي عشرون صبيًّا من الخصيان الصقالبة، وعشرون قنطارًا من صوف السمور، وخمسة قناطير من القصدير، وعشرة أذرع صقلبية ومائتا سيف فرنجية، فتقبل الهدية وعقد على أن يهدموا الحصون التي تضر بالثغور، وأن لا يظاهروا عليه أهل ملتهم، وأن ينذروا بما يكون من النصارى في الأجلاب على المسلمين.
ثم وصلت رسل غرسية بن شانجة ملك البشكنس في جماعة من الأساقفة والقوامس يسألون الصلح، بعد أن كان توقف وأظهر المكر، فعقد لهم الحكم، فاغتبطوا ورجعوا.
ثم وفدت على الحكم أم لذريق القومس بالقرب من جليقية، وهو القومس الأكبر فأخرج الحكم لتلقيها أهل دولته واحتفل لقدومها في يوم مشهود مشهور، فوصلت وأسعفت، وعقد السلم لابنها كما رغبت، ودفع لها ما لا تقسمه بين وفدها دون ما وصلت به هي وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثقلين بالذهب وملحفة ديباج، ثم عاودت مجلس الحكم للوداع فعاودها بالصلات لسفرها وانطلقت.
ثم أوطأ عساكره أرض العدوة، من المغرب الأقصى والأوسط، وتلقى دعوته ملوك زناتة من مغراوة ومكناسة فبثوها في أعمالهم وخطبوا بها على منابرهم وزاحموا بها دعوة الشيعة فيما بينهم، ووفد عليه من بني الحرز وبني أبي العافعية، فأجزل صلتهم وأكرم وفادتهم وأحسن منصرفهم واستنزل بني إدريس من ملكهم بالعدوة في ناحية الريف وأجازهم البحر إلى قرطبة ثم جلاهم إلى الإسكندرية.
وكان محبًّا للعلوم مكرمًا لأهلها جامعًا للكتب في أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله، قال أبو محمد بن حزم: أخبرنى تليد الخصي، وكان على خزانة العلوم والكتب بدار بني مروان، أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربعة وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين لا غير، وأقام للعلم والعلماء سوقًا نافقًا جُلبت إليه بضائعه من كل قطر.
قال أبو محمد بن خلدون: ولما وفد على أبيه أبو علي الفالي، صاحب كتاب الأمالي، من بغداد أكرم مثواه وحسنت منزلته عنده، وأورث أهل الأندلس علمه، واختص بالحكم المستنصر واستفاد علمه، وكان يبعث في شراء الكتب إلى الأقطار رجالًا من التجار ويرسل إليهم الأموال بشرائها حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه، وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم وأمثال ذلك.
وجمع بداره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، إلا ما يُذكر عن الناصر العباسي ابن المستضيء، ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر وأمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور بن أبي عامر، ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم إياها عنوة.
انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار.
(١٤) هي مجموعة حياة القديسين منسوبة إلى راهب يسوعي اسمه بولاند، وقد بدأ هو بها وأكملها غيره فصارت تسمى مجموعة البولنديين.
(١٥) قصبة هي مركز مقاطعة الألب العليا كان العرب استولوا عليها طويلًا.
(١٦) نقل رينو هذا الخبر عن مجموعة مؤرخي فرنسة وقال: من الجائز أن يكون بعض المسلمين فروا إلى البحر وذهبوا إلى الأندلس أو إلى صقلية أو إلى سواحل إفريقية، وقد قال: دربلو D'Herbelot في «المكتبة الشرقية» تحت اسم المعز وكذلك كاردون Cardonne في تاريخ مغاربة إفريقية أنه في ذلك الوقت أي نواحي سنة ٩٧٠ كان المسلمون مالكين لجزيرة سردانية وأن الخليفة المعز قبل أن فتح مصر كان أقام بسردانية مدة سنة وقد وافق على هذه الرواية ميمو Mimaut صاحب تاريخ سردانية وزعم «دلبين» Delbene أن المسلمين كانوا استولوا على كورسكة أيضًا وهي التي يقول لها العرب: قوسقة.
ويقول دلبين إنه كان لهم أمير يقال له: «موجه» Mugat جرد عليه كونت بروڨنس جيشًا انضم إليه الجنويون، ولا شك أن دلبين يريد أن يتكلم عن الأمير مجاهد الذي كان أغار على سرادنية وكان البيزانيون أو البيازنة (كما يقول العرب) ولكن قصة مجاهد هذا وغارته على سردانية متأخرة عن هذا التاريخ بنحو من ثلاثين سنة. انتهى كلام رينو.
قلت مجاهد العامري من مماليك الملك الغازي الشهير المنصور بن أبي عامر، كان بعد ذهاب دولة المنصور قد تقلبت به الأحوال، فاستولى على دانية وشن الغارة على سردانية. ترجمه ابن عميرة في بغية الملتمس فقال: مجاهد بن عبد الله العامري. أبو الجيش الموفق، مولى عبد الرحمن الناصر بن المنصور محمد. كان من أهل الأدب والشجاعة والعلوم وأهلها، نشأ بقرطبة وكانت له همة وجلادة وجرأة، فلما جاءت أيام الفتنة وتغلبت العساكر على النواحي بذهاب دولة ابن أبي عامر قصد هو في من تبعه الجزائر التي في شرقي الأندلس، وهي جزائر خصب واسعة، فغلب عليها وحماها (يريد بهذه الجزائر ميورقة ومينورقة ويابسة)، ثم قصد منها في المراكب إلى سردانية (جزيرة من جزائر الروم كبيرة) في سنة ست أو سبع وأربعمائة فغلب على أكثرها وافتتح معاقلها.
ثم اختلفت عليه أهواء الجند وجاءت أمداد الروم، وقد عزم على الخروج منها طمعًا في تفرق من يشغب عليه، فعالجته الروم وغلبت على أكثر مراكبه، فأخبرني أبو الحسن نجبة بن يحيى قال: أنبأنا شريح بن محمد عن أبي محمد بن حزم قال: إن أبا الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني قال: كنت مع أبي الجيش مجاهد في سردانية فدخل بالمراكب في المرسى نهاه عنه أبو خروب رئيس البحريين، فلم يسمع كلامه، فهبت ريح فجعلت تقذف مراكب المسلمين مركبًا مركبًا إلى الريف، والروم وقوف لا شغل لهم إلا القتل والأسر للمسلمين، فكلما سقط مركب بين أيديهم جعل مجاهدًا يبكي بأعلى صوته، لا يقدر هو ولا غيره على أكثر من ذلك، لارتجاج البحر وزيادة الريح.
إلى أن يقول: قد كنت حذرته من الدخول ههنا فلم يقبل، قال فبجريعة الذقن ما تخلصنا في يسير من المراكب، هذا آخر خبر ثابت بن محمد.
ثم عاد مجاهد إلى الجزائر الأندلسية التي كانت في طاعته واختلفت به الأحوال حتى غلب على دانية وما يليها، واستقرت إقامته فيها، وكان من الكرماء على العلماء، باذلًا للرغائب في استمالة الأدباء، وهو الذي بذل لأبي غالب اللغوي تمام بن غالب ألف دينار على أن يزيد في ترجمة الكتاب الذي ألفه في اللغة مما ألفه لأبي الجيش مجاهد على ما ذكرنا في باب التاء، وفيه يقول أبو العلاء صاعد بن الحسن اللغوي وقد استماله على البعد بخريطة مال ومركب أهداهما إليه قصيدة أولها:
أتتني الخريطة والمركب
كما اقترن السعد والكوكب
وسط بمينائه قلعة
كما وضعت حملها المقرب
على ساعة قام فيها الثناء
على هامة المشترى يخطب
إلى أن قال:
مجاهد رضت إباء الشموس
فأصحب ما لم يكن يصحب
فقل واحتكم فسمع الزمان
مصيخ إليك بما ترغب
وقد ألف في العَروض كتابًا يدل على قوته فيه، ومن أعظم فضائله تقديمه للوزير الكاتب أبي العباس أحمد بن رشيق وتعويله عليه، وبسط يده في العدل وحسن السياسة، وكان موته بدانية في سنة ٤٣٦.
وجاء في معجم البلدان لياقوت: أن المسلمين غزوا سردانية في سنة ٩٢ في عسكر موسى بن نصير والذي قرأته في التواريخ أن عبد الله بن موسى بن نصير هو الذي فتح ميورقة وأخواتها ولعله غزا سردانية.
وجاء في تاريخ ابن عذارى المراكشي المسمى بالبيان المغرب، أن المسلمين غزوا سردانية في سنة ٢٠٦ وعليهم محمد بن عبد الله التميمي فأصابوا وأصيب منهم ثم قفلوا.
وقد اطلعت في مدينة جنوة على تاريخ بالطلياني لجمهورية جنوة لمؤلف يقال له: «فريدريسي دونافر» De Naver جاء فيه: إنه في سنة ١٠١٦ ذهب أسطول جنوي إلى سردانية وتقلب على قوة مجاهد الأمير العربي الذي كان استولى عليها، وأنه في سنة ١٠٣٤ وصل الأسطول الجنوي إلى إفريقية واحتل الجنوية عنابة، وأنه في سنة ١٠٨٧ ذهبت الأساطيل الجنوية والبيزانية، ومعها أسطول امالفي (بقرب نابولي) بأمر البابا فكتور الثالث، واجتاحت سواحل تونس وطرابلس واضطر أمير إفريقية أن يدفعهم عنها بفدية تبلغ نصف مليون بحسب المعاملة في زمن صاحب التاريخ وسلم إليهم الأسرى المسيحيين الذين كانوا عنده.
ومما جاء في تاريخ جنوة هذا أنه في مدة ١٣ سنة غزا الجنوية ثماني غزوات في بلاد الإسلام، وإن فتح الصلبيين لطرابلس الشام كان على أيدي الجنوية في ١٣ تموز سنة ١١٠٩ وأن أمير ياتشي قائد الجنوية تولى مدينة جبيل، ثم إنه في سنة ١١١٠ كانت له اليد الطولى في حصار بيروت وفتح الصليبيين لها. قال: واشترك الجنويون مع غودفروا دو بويون في فتح القدس وفتحوا صور وقيسارية.
هذا وجاء في تاريخ الخلفاء للإمام السيوطي أن الوليد بن عبد الملك تولى الخلافة في شوال سنة ست وثمانين وأنه في سنة ٨٧ فتح سردانية من جملة فتوحات عدها وأنه في سنة ٨٩ فتح جزيرتي ميورقة ومينورقة.
(١٧) لي من قصيدتي الأندلسية التي نظمتها بعد وصولي إلى قرطبة:
وسائل عن المنصور نجل ابن عامر
يجاوبك عنه كل قوس موتر
غزا في العدى ستًّا وخمسين غزوة
فآب بها طرا بنصر مؤزر
(١٨) سنأتي في الأجزاء التالية على كل ما يتصل بنا من أخبار المنصور بن أبي عامر الذي يقدر أن يضعه المؤرخون في الصف الأول من رجال العالم، لأن محل هذه الترجمة هو في تاريخ الأندلس لا في تاريخ فرنسة، ولكن من حيث إن المستشرق رينو أشار إلى غزوات المنصور الشهيرة لم نشأ أن نخلي هذا الجزء أيضًا من شيء من ترجمته، فنقول:
جاء في نفح الطيب ما يلي: ومن ذلك غزوة المنصور لمدينة شنت ياقب قاصية غليسية وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس وما يتصل بها من الأرض الكبيرة، وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا — وللكعبة المثل الأعلى — فبها يحلفون وإليها يجمعون من أقصى بلاد رومة وما وراءها، ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقب أحد الحواريين الاثنى عشر وكان أخصهم بعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهم يسمونه أخاه للزومه إياه وياقب بلسانهم يعقوب، وكان أسقفًا ببيت المقدس فجعل يستقري الأرضين داعيًا لمن فيها حتى انتهى إلى هذه القاصية، ثم عاد إلى أرض الشام فمات بها، وله مائة وعشرون سنة شمسية، فاحتمل أصحابه رمته فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره، ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها ولا الوصول إليها لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها وبُعد شقتها، فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيًا بالصائفة يوم السبت لستٍّ بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وهي غزوته الثامنة والأربعون، ودخل على مدينة قورية، فلما وصل إلى مدينة غليسية وافاه عدد عظيم من القوامس المتمسكين بالطاعة، في رجالهم وعلى أتم احتفالهم، فصاروا في عسكر المسلمين وركبوا في المغاورة سبيلهم، وكان المنصور تقدم في إنشاء أسطول كبير في الموضع المعروف بقصر أبي وانس من ساحل غرب الأندلس وجهزه برجاله البحريين وصنوف المترجلين وحمل الأقوات والأطعمة والعدة والأسلحة استظهارًا على نفوذ العزيمة، إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويرة فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل المنصور على العبور منه، فعقد هنالك من هذه الأسطول جسرًا بقرب الحصن الذي هنالك، ووجه المنصور ما كان فيه من الميرة إلى الجند فتوسعوا في التزود منه إلى أرض العدو، ثم نهض منه يريد شانت ياقب فقطع أرضين متباعدة الأقطار وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر، ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فرطارس وما يتصل بها ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر لا مسلك فيه ولا طريق لم يهتد الأدلاء إلى سواه، فقدم المنصور الفعلة بالحديد لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه، فقطعه العسكر وعبروا بعده وادي منية وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين، وانتهت مغيرتهم إلى دير قشان وبسيط يلنبو على البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت بلايه وغنموه وعبروا بساحته إلى جزيرة من البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل النواحي، فسبوا من فيها ممن لجأ إليها، وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط فتخللوا أقطاره واستخرجوا من كان فيه وحازوا غنائمه، ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليجًا في معبرين أرشد الأدلاء إليهما ثم نهر أبلة ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة كثيرة الفائدة، ثم انتهوا إلى موضع من مشاهد ياقب صاحب القبر تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل يقصد نساكهم له من أقاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنوبة وغيرهما، فغادره المسلمون قاعا، وكان النزول بعد على مدينة شانت ياقب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان، فوجدها المسلمون خالية من أهلها فحاز المسلمون غنائمها وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها وعفوا آثارها، ووكل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه، وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيمًا كأن لم تغن بالأمس وانتسفت بعد ذلك سائر البسائط، وانتهت الجيوش إلى مدينة شنت مانكش منقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم ولا وطئها لغير أهلها قدم، فلم يكن بعدها للخيل مجال ولا وراءها انتقال، وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقب وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله، فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أردون يستقريه عائثًا ومفسدًا حتى وقع في عمل القوامس المعاهدين الذين في عسكره، فأمر بالكف عنها ومر مجتازًا حتى خرج على حصن بليقية من افتتاحه، فأجاز هنالك القوامس بجملتهم على أقدارهم، وكساهم وكسا رجالهم وصرفهم إلى بلادهم وكتب بالفتح من بليقية.
وكان مبلغ ما كساه في غزاته هذه لملوك الروم ولمن حسن غناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسًا وثمانين شقة من صنوف الخز الطرازي وواحدًا وعشرين كساء من صوف البحر وكسائين عنبريين وأحد عشر سقلاطونًا وخمسة عشر مريشًا وسبعة أنماط ديباج وثوبي ديباج رومي وفروى فنك، ووافى جميع العسكر قرطبة غانمًا وعظمت النعمة والمنة على المسلمين ولم يجد بشنت ياقب إلا شيخًا من الرهبان جالسًا على القبر فسأله عن مقامه، فقال: أونس يعقوب. فأمر بالكف عنه. قال: وحدث شعلة قال: قلت للمنصور ليلة أطال سهره فيها: قد أفرط مولانا في السهر وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم وهو أعلم بما يحركه عدم النوم من علة العصب، فقال: يا شعلة الملك لا ينام إذا نامت الرعية ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة. انتهى ما نقلته من الكتاب المذكور.
(١٩) جاء في نفح الطيب نقلًا عن ابن سعيد أن المنصور رحمه الله توفي في غزاته للإفرنج سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وحُمل في سريره على أعناق الرجال وعسكره يحف به وبين يديه إلى أن وصل إلى مدينة سالم. انتهى.
وجاء في النفح من جملة مناقبه أنه خط بيده مصحفًا كان يحمله معه في أسفاره وغزواته يدرس فيه ويتبرك به، ومن قوة رجائه أنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله حتى اجتمع له منه صرة ضخمة عهد بتصييرها في حنوطه، وكان يحملها حيث صار مع أكفانه، توقعًا لحلول منيته، وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه وغزل بناته، وكان يسأل الله أن يتوفاه في طريق الجهاد فكان كذلك. انتهى.
قلت: وقبره معروف في مدينة سالم والإسبانيول يلفظونها مدينة سالي أو ثالي بالثاء.
(٢٠) ذهب كثير من المؤرخين إلى أن نظام الفروسية الذي كان معروفًا في أوربة في القرون الوسطى رشح إلى الأوربيين من عرب الأندلس ولنجيب بك غالي من أفاضل المصريين الأقباط كتاب نفيس في هذا الموضوع معزز بالأدلة والشواهد.
(٢١) جاء في النفح: ولما توفي المنصور قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك المظفر أبو مروان، فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو وكانت أيامه أعيادًا دامت مدة سبع سنين وكانت تسمى بالسابع تشبيهًا بسابع العروس ولم يزل مثل اسمه مظفرًا إلى أن مات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة في المحرم وثارت الطوائف في ممالكهم وتحركت الجلالقة لاسترجاع معاقلهم وحصونهم. انتهى.
(٢٢) بعد وفاة عبد الملك المظفر بن المنصور قام بالأمر أخوه عبد الرحمن وتلقب بالناصر لدين الله وجرى على سنن أبيه وأخيه، في الحجر على الخليفة هشام الأموي والاستبداد والاستقلال بالملك دونه، ثم بدا له الاستئثار بما يفي من رسوم الخلافة فطلب من هشام أن يوليه عهده، ولما لم يكن لهشام أدنى إرادة معه أجابه إلى ما طلب، وأحضروا لذلك الملأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد، فكان يومًا مشهودًا، فكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وكتب الوزراء والقضاة وسائر الناس شهاداتهم بخطوط أيديهم، وتسمى عبد الرحمن بن المنصور بولي العهد.
وكانت هذه هي الغلطة الكبرى التي بدأ بها انقراض دولة المنصور ودولة بني أمية ودولة الإسلام كلها في الأندلس لأن هذا الاعتداء أغضب الكثيرين، وبدأت به الحرب الأهلية التي شغلت المسلمين بعضهم ببعض وتركت الثغور عورة، وأوجدت ملوك الطوائف يقتتلون ليلًا ونهارًا بمشهد من عدو الأمة.
وجاء في النفح أن أهل الدولة نقموا على عبد الرحمن (ولي العهد) ما فعله مما كان فيه حتفه وانقراض دولته ودولة قومه وكان أسرع الناس كراهة لذلك الأمويون والقرشيون، فغصوا بأمره وأسفوا من تحويل الأمر جملة من المضرية إلى اليمنية، فاجتمعوا لشأنهم وتمشت من بعض إلى بعض رجالاتهم وأجمعوا أمرهم في غيبة من المذكور، في غزاة من صوائفه ببلاد الجلالقة، ووثبوا بصاحب الشرطة بقرطبة فقتلوه بمقعد من باب قصر الخلافة، وخلعوا هشامًا المؤيد الذي ولي عهده عبد الرحمن بن المنصور، وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر ولقبوه بالمهدي بالله، وطار الخبر إلى عبد الرحمن بمكانه من الثغر فانفض جمعه وقفل إلى الحضرة، وقد تسلل عنه جنده ووجوه البربر ولحقوا بقرطبة وبايعوا المهدي وأغروه بعبد الرحمن لسوء سيرته، فاعترضه من قبض عليه واحتز رأسه وحمله إلى المهدي، وذهبت دولة العامريين كأن لم تكن.
قال: وكان رؤساء البربر وزناتة قد لحقوا بالمهدي الخليفة الجديد لما رأوا من سوء تدبير عبد الرحمن، إلا أن الأمويين كانوا حاقدين عليهم لما كان من مظاهرتهم للعامريين، فلم يلبثوا أن سخطتهم القلوب وخزرتهم العيون ونهبت العامة دورهم وشكوا أمرهم إلى المهدي فلم تنفع شكواهم فتمشت رجالاتهم وأسروا نجواهم، وبايعوا هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر، فعوجلوا عن مرامهم ذلك وثار بهم السواد الأعظم وأزعجوهم عن المدينة، وتقبضوا على هشام وأخيه أبي بكر وأحضروهما بين يدي المهدي، وضربت أعناقهما.
وفر سليمان ابن أخيهما واجتمع في البربر في ظاهر قرطبة، فبايعوه ولقبوه المستعين بالله ونهضوا به إلى طليطلة فاستجاشوا بالنصارى، وزحف ابن أذفونش في جيش انضم إلى البربر ووصلوا إلى قرطبة وهزموا المهدي ومن معه، وقتل في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفًا، ودخل المستعين قرطبة ختام سنة أربعمائة، ولحق المهدي بطليطلة واستجاش هو أيضًا بابن أذفونش فزحف معه إلى قرطبة وهزموا المستعين والبربر أصحابهم، ودخل المهدي قرطبة وملكها ثانية.
وخرج المستعين مع البربر وتفرقوا في البسائط ينهبون ولا يبقون على أحد، ثم ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء، فخرج المهدي ومعه ابن أذفونش لقتالهم فكرُّوا عليهم وانهزم المهدي وابن أذفونش ومن معهما من المسلمين والنصارى، ودخل المستعين قرطبة ثاني مرة، ولكنه لم يدخلها هذه المرة خليفة بل أخرج هشامًا الخليفة القديم وبايع له وقام بأمر حجابته، ظنًّا منه أن ذلك يحسم الفتنة، وقام أهل قرطبة وأغروا أهل القصر بالمهدي وقتلوه، ظنًّا بأن قتله يحسم النزاع، وصار هشامًا هو الخليفة، وقام واضح العامري بحجابته، فعند ذلك بعث المستعين إلى النصارى يستعديهم لمظاهرته فبعث إليهم الخليفة هشام وحاجبه واضح يكفونهم عن ذلك بأن يسلموا إليهم الحصون والقلاع التي كان المنصور قد افتتحها من بلادهم وهكذا وقف الأذفونش عن مساعدة المستعين، ولكن المستعين والبربر تغلبوا على أهل قرطبة ودخلوها عنوة ونهبوها وأنزلوا المعرات في أهلها، وتولى البربر الأعمال واستقلوا بالبلاد مثل باديس بن حيوس في غرناطة، والبرزالي في قرمونة والغرني في روندة، وهزرون في شريش.
وافترق شمل الجماعة بالأندلس وسقطت هيبة الخلافة وبدأ دور الانحطاط بخمس دولة صغيرة كبني عباد بأشبيلية، وبني الأفطس ببطليوس، وبني ذي النون بطليطلة، وبني هود بسرقسطة، وابن أبي عامر ببلنسية، ومجاهد العامري بدانية والجزائر. انتهى نقلًا عن نفح الطيب.
وقال ابن عذارى في كتابه «البيان المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب»: إن عبد الملك المظفر بن المنصور عند وفاة أبيه كتب إلى أقطار المملكة بالأندلس والعدوة، فاستوثق له الأمر ولم يرد أحد طاعته، واجتمع الناس على حبه، وكان مع غلبة النبيذ عليه واستغراقه في لذاته مراقبًا لربه باكيًا على ذنبه، وكان من فرط الحياء مع الشجاعة في غاية بعيدة، وله في بلاد الروم آثار عظيمة، غزا سبع غزوات في مدته وفي السابعة توفي، قيل مات مسمومًا وقيل مات من علة الذبحة، وكان موته بمنزل أم هانئ بمقربة من أرملاط لأربع خلون من صفر سنة ٣٩٩ فكانت مدته في الملك ست سنين وأربعة أشهر وسبعة أيام، وكانت أول غزواته إلى بلاد الإفرنج سنة ٣٩٣ ودوخ بسائط برشلونة وفتح حصن ممقصر عنوة وأسكنه المسلمين.
وقال ابن عذارى: إنه لما ذهب عبد الملك إلى مدينة سالم واقاه هنالك عدة زعماء من وجوه النصارى وفرسانهم، أرسل بهم ملك القوط يومئذ أذفونش بن أردن المعروف بابن البربرية، ومعهم آخرون ممن أرسل بهم خاله شانجة بن غرسية زعيم الجلالقة وصاحب قشتيلة وألبة، وحضر هؤلاء الأرهاط للغزو بين يدي عبد الملك على ما تضمنه شرط سلمهم المنعقد صدر هذه الدولة، وافين بالعهد حافظين للحرمة، فأحسن عبد الملك قبولهم وأصعد عن مدينة سالم نحو الشفير الأعلى، قال نقلًا عن حيان بن خلف: إنه في غزاته لأرض برشلونة افتتح ستة حصون، ولكن الحصون التي دمرها للعدو خمسة وثمانون حصنًا.
قال: وفي سنة ٣٩٥ غزا جليقية، وكان مظفرًا، وسنة ٣٩٦ غزا بنبلونة وسار إلى سرقسطة ثم إلى وشقة ثم إلى بربشتر، ومنها دخل أرض العدو ودمرها تدميرًا، وسنة ٣٩٧ غزا بلاد قشتيلة من عمل الطاغية شانجة بن غرسية بن فرلند، وهي غزاة قلونية الخامسة من غزواته المعروفة بغزاة النصر التي لقي فيها شانجة بجميع النصرانية على اختلافها، فهزمه عبد الملك هزيمة عظيمة، رزق الله المسلمين فيها النصر المبين، وعلى أثرها تسمى عبد الملك بالمظفر، وصدر له بذلك منشور من الخليفة هشام، وأضاف إلى لقب المظفر لقب سيف الدولة، وسنة ٣٩٨ غزا عبد الملك بالشاتية، وهي السادسة من غزواته، واحتل شنت مرتين، ثم غزا غزاته السابعة سنة ٣٩٨ وقال فيها نقلا عن ابن حيان: ومن كبار علل عبد الملك ومنكراتها على الإسلام ومؤذناتها بما جرى عليه بعد من الانثلام، علته الشديدة بمدينة سالم، مخرجه إليها سنة ثمان وتسعين، محتفلًا لقصد عدو الله شانجة بن غرسية بن فرلند، فصدته عن الدخول إليه بجموع المسلمين واشتدت به مدة تفرق عنه فيها أكثر المطوعة، وصارت على الإسلام مصيبة بما أوهنت من بطش عضده ونقصت من حفيل عدده، ورام مع ذلك كله الاقتحام على أعداء الله في حال تفوهه طمعًا في إتمام غزوه فكانت آخر صائفة نفذت من الحضرة، إذ هلك عبد الملك وألقت بركها الفتنة.
قال: لما دفن المظفر رحمه الله تأهب أخوه عبد الرحمن الملقب بشنجول (اسم غلب عليه من قبل أمه بنت شانجة النصراني الملك تذكرًا منها لاسم أبيها فكانت تدعوه في صغره بشنجول وكان أشبه الناس بجده شانجة) فنظر في الأمور نظرًا غير سديد وأنفق الأموال في غير وجهها، ثم لما مضى لوقته شهر ونصف تصنع للخليفة هشام بن الحكم، وطلب منه أن يوليه العهد من بعده، وأن يتسمى بولي عهد المسلمين، ففعل ذلك هشام لضعفه وسوء نظره ونقصان فطرته، فولاه عهده، فكان ذلك سبب انحراف أكابر الأندلس عن عبد الرحمن، لما تبين لهم من سخف عقله وسرعته إلى نقل المملكة عن خلفائها إليه دون غزاة ولا نصرة في حرب.
وقد شرح ابن عذارى فتنة قرطبة التي أدت إلى انهيار الإسلام في الأندلس مع أسبابها وتفاصيلها بما لم يشرحه مؤرخ قبله ولا بعده، وسنأتي على ذلك في الأجزاء التالية، وقد ذكر في عرض كلامه على استجاشة مسلمي قرطبة بالإسبانيول بعضهم على بعض أن رجلًا نصرانيًّا وقف في أعظم شوارع قرطبة فقال قولًا نال منه ، فلم يكلمه أحد بكلمة، فقال رجل من المسلمين غيرة للنبي: ألا تنكرون ما تسمعون؟ أما أنتم مسلمون؟ فقال له جماعة من أهل قرطبة: امض لشغلك، وكان الإفرنج إذا سمعوا الأذان للصلاة قالوا قولًا لا يذكر فلا يعترض عليهم أحد بشيء. انتهى.
(٢٣) أمام سواحل فرنسة الجنوبية عدة جزر بهذا الاسم أشهرها سانت مارغريت وسان أونورا.
(٢٤) إن هذا الفتح وقع قبل نشر رينو كتابه بخمس سنوات.
(٢٥) قال ابن حوقل في المسالك والممالك: وأما الأندلس فجزيرة كبيرة فيها عامر وغامر، وطولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة، وتغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر والرخص والسعة في الأحوال من الرقيق الفاخر والخصب الظاهر، إلى أسباب التملك الفاشية في أكثرهم ولما هم به من رغد العيش وسعته وكثرته يملك ذلك أهل مهنهم وأرباب صنائعهم لقلة مؤنهم وصلاح بلادهم، ويسار ملكهم بقلة شغله وسقوط تكلفه بشيء يحذره وحال يخافه، إذ لا خوف عليه ولا رقبة لأحد من أهل جزيرته، مع عظم مرافقه وجباياته ووفور خزائنه وأمواله، ومما يدل بالقليل منه على كثيره أن سكة دار ضربه على الدنانير والدراهم ضريبتها في كل سنة مائتا ألف دينار، يكون عن صرف سبعة عشر بدينار ثلاثة آلاف ألف درهم وأربعمائة ألف درهم، هذا إلى صدقات البلد وجباياته وخراجاته وأعشاره وضماناته ومراصده والأموال المرسومة على المراكب الواردة والصادرة والجوالي والرسوم على بيوع الأسواق.
ومن أعجب أحوال هذه الجزيرة بقاؤها على من هي في يده، مع صغر أحلام أهلها وضعة نفوسهم ونقص عقولهم وبعدهم من البأس والشجاعة والفروسية والبسالة ولقاء الرجال ومراس الأنجاد والأبطال. انتهى.
وجاء في المسالك والممالك لابن حوقل عند الكلام على بحر الروم ما يؤيد قول رينو من إدبار أمر المسلمين منذ أوائل القرن الرابع للهجرة، وذهاب ما كان فيهم من حماسة في القرون الثلاثة الأولى، واستيلاء الرخاوة عليهم حتى أصبحوا لا يمنعون ذمارهم ولا يقدرون أن يحملوا جارهم.
قال ابن حوقل: وليس في البحار أعمر حاشية من هذا البحر؛ لأن العمارات في الجانبين ممتدة غير منقطعة ولا ممتنعة وسائر البحار تعترض في شطوطها المفاوز والمقاطع، وقد ألح الروم فقي وقتنا هذا على المسلمين الذين على سواحله بالغارات واختطاف مراكبهم من كل جهة ولا غياث لهم ولا ناصر، والملك فيهم حقير ذليل وهو جامع مانع والعالم يسرق ولا يشبع، ويفتي بالتأويل على ما يختار ولا يخاف معادًا ولا مرجعًا، والتاجر فاجر لا يعاف حرامًا ولا مطعمًا، والزاهد ذئب أدرع في كل بلية يشرع وبكل ريح يقلع، فالثغور والجزائر إلى الأعداء مسلمة، والأرض إلى الله من أربابها متظلمة. انتهى
قلت: كان هذا كلام ابن حوقل في الثلث الأول من القرن الرابع للهجرة مما يدل على أن المرض قديم، وإنه لا عجب إذا آلت الحال إلى ما آلت إليه فيما بعد، لكن المسلمين هبت لهم ريح في القرن التاسع للهجرة وعاد بحر الروم كما بدا تحت سلطتهم وذلك في أيام السلطان سليمان العثماني وخير الدين بربروس وعمال السلطان على جزائر الغرب، وبقيت لهم تلك الصولة مدة طويلة إلى ان انتكث حبلها في القرون الأخيرة، وما زالت الأيام مدًّا وجزرًا مذ خلق الله العالم.
(٢٦) قلت: إن كلام مؤرخي العرب عن الإفرنج هو أنهم مع شجاعتهم أقل صبرًا في الحروب من الجلالقة، أي من الإسبانيول سكان شمالي إسبانية، قال ابن حوقل: وثغور الجلالقة ماردة ونفزه ووادي الحجارة وطليطلة ومدينة الجلالقة مما يلي ثغور الأندلس يقال لها: سمورة وعظيم الجلالقة بمدينة يقال لها: ليون فيها سلطانهم وعدتهم بعد سمورة، ومدينة لهم يقال لها: أوبيط (Oviedo) وهي بعيدة عن بلد الإسلام وليس في أصناف الكفر الذين يلون الأندلس أكثر عددًا من الإفرنج، غير أن الذين يلون المسلمين منهم فئة ضعيفة شوكتهم قليلة، وفيهم إذا ملكوا طاعة وحسن نصيحة ومحاسن كثيرة، وإليهم يرغب أهل الأندلس عن الجلالقة، والجلالقة أصدق محاسن وأقل طاعة وأشد قوة وأكثر بأسًا وبسالة، وفيهم غدر، وهم في عرض طريق الإفرنجة. انتهى.
وجاء في صبح الأعشى عن الجلالقة أنهم أمة يغلب عليهم الجهل والجفاء، ومن زيهم أنهم لا يغسلون ثيابهم بل يتركونها عليهم إلى أن تبلى، ويدخل أحدهم دار غيره بغير إذن. وهم أشد من الفرنج.
ثم ذكر القلقشندي مدينة سمورة وقال: إنها قاعدة جليقية، وقال: إن المسلمين كانوا ملكوها ثم استرجعها الجلالقة زمن الفتنة، أي زمن فتنة شنجول العامري الذي باعتدائه على الخلافة مع عدم أهليته الشخصية جر على الإسلام من الفرقة ما انتهى أخيرًا بضياع الأندلس.
(٢٧) الذي وجدناه في نفح الطيب للمقرى هو هذا: وقيل: إنه أوغل (يعني موسى بن نصير) في أرض الفرنجة حتى انتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنمًا عظيمًا قائمًا كالسارية مكتوبًا فيه بالنقر كتابة عربية قرئت، فإذا هي: يا بني إسماعيل انتهيتم فارجعوا. فهاله ذلك، وقال: ما كتب هذا إلا لمعنى كبير فشاور أصحابه في الإعراض عنه، وجوازه إلى ما وراءه، فاختلفوا عليه فأخذ برأي جمهورهم وانصرف بالناس وقد أشرفوا على قطع البلاد وتقصي الغاية. انتهى.
قلت: وقد تقدم هذا الخبر وهو أشبه بالأساطير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤