الفصل التاسع

نار ولا نور

خرجت من عند إيفون والغيرة تلتهم فؤادي والغيظ يغلي في صدري، وصرت أفكر في السبب الذي حملها على مجافاتي، فلم يخطر لي أني أتيت ما يغضبها أو يسوءها قطُّ، خطر لي مرارًا أنها لا بد أن تكون مشغولة بحب جديد لم يظهر بعد، ولكن ضميري كان يغالطني في هذا الظن.

رأيت أن الواجب عليَّ في تلك الحالة أن أحملها على إلغاء الحانة، فأرسلت إليها في ذلك المساء ورقة مالية ورسالة هذه صورتها:

عزيزتي إيفون

لا أطيق أن يكون منزلك حانة عمومية للرائح والغادي، ضمن رسالتي هذه ورقة مالية بقيمة زهيدة تغنيك عن ذلك العمل المكروه، ومتى أنفقتها يكون في يدك غيرها، ولي الأمل أن أزورك قريبًا وقد تغير شكل منزلك.

موريس كاسيه

أرسلت الرسالة مع خادمي وبعد برهة عاد إليَّ بظرف قائلًا: «تقول لك: مارسي.» فضضت الظرف فوجدت فيه الورقة المالية مردودة وحدها ولا حرف معها من إيفون. ففار دم الغيظ حتى تدفع في رأسي وكاد يجنني.

صممت أن أغفلها لظني أنها لا تصبر على إعراضي طويلًا، فلا بد أن تستدعيني وإلا فيكون حبها قد فتر، وفي هذه الحالة يجب أن أنساها.

لم أزرها في ذلك المساء ولا في اليوم التالي، فكنت هائمًا كالمجنون، ولكني أعلل النفس بأنها لا بد أن ترسل إليَّ رسولًا أو رسالة، فكنت أذهب إلى البيت فأسأل: «هل أتى أحد فسأل عني؟» فلا أسمع غير «لا» جوابًا، ثم أنتظر البريد فأفتشه رسالة رسالة فلا أجد فيه رقعة منها، كنت أطوف الملاعب كل مساء آملًا أن أراها في واحد منها فأعود خائبًا، ثم أذهب حول منزلها فأرى النور شاعًّا من نوافذه، مرة واحدة رأيت اثنين يصعدان إليه فكدت أذوب من الغيرة، وهممت أن أتبعهما وأدهورها عن الدرج، ولكن عاد إليَّ صوابي فاسترددت حلمي.

مضي عليَّ يومان بعد المساء الذي زرتها فيه وأنا أتوقع خبرًا، أو كلمة أو رسولًا منها فخاب رجائي ونفذ صبري، ولم أعد أطيق الإعراض عنها، فخطر لي أن أذهب وأرتمي عند قدميها وأتوسل إليها أن تفعل بي ما تشاء غير إقصائي عنها، ولكن نفسي الشماء أبت عليَّ هذا الهوان، بل خفت أن تذللي هذا يطعمها بي لا يشفقها عليَّ.

وأخيرًا آثرت أن أستفزها إلى استدعائي لأجل مناقشتي، فكتبت رسالة هذا نصها:

حضرة السيدة إيفون

لم يبقَ عندي شكٌّ بأنكِ كنتِ تموهين عليَّ في بيان السبب الذي حملك على مجافاتي، وقد أفقت من جهلي وفطنت إلى أن عهد أمثالك أثبت من الندى في أيام الهجير، وأبقى من الظلمة أمام النور، وأن أقوالهن أصدق من كلام المنجمين، وأحق من دعوى الجاهلين، وددت أن أرفعك من وهدة هوانك فأبيتِ، ورغبتُ أن أجدِّد هناءك فرفضتِ، فعودي إلى الحمأة التي انغمست فيها فإنكِ أجدر بها.

موريس

وبعد إذ ألقيت الرسالة في صندوق البريد راجعتُ مسودة ما كتبت، فعضضت أصابعي ندمًا؛ لأني رأيته عنيف اللهجة جدًّا فهممت مرارًا أن أسبق الرسالة إلى إيفون، واعتذر لها عنها سلفًا، ولكني تذكرت جفاءها وفتور مقابلتها الأخيرة لي فحمي غضبي.

ورأيت أن لي عذرًا فيما كتبته، وتوقعت أن تستدعيني؛ لكي تقابلني وتستدعيني إلى حبها فلم تفعل، مللت هذا التوقع حتى لم يعد لي صبر عن زيارتها، ولكن في مساء اليوم التالي ورد إليَّ ظرف معنون بخط يدها، وما تهللت إلا بقدر أن فضضته فوجدت رسالتي نفسها مردودة إليَّ فقلَّبتها لعلي أجد فيها كلمة منها، فخاب مؤملي فتشت الظرف ثانية فوجدته خاليًا، كاد مرجل غيظي ينفجر، وأخذت غيرتي على إيفون تتحول إلى بغضاء شيئًا فشيئًا، وصارت نفسي تحدثني أن أسعى إلى الانتقام منها ونكايتها، بيد أني صبرت بضعة أيام آملًا أن تسأل عني فلم تفعل.

لما عيل صبري ذهبت إليها مع صديق لي ذات صباح حين لم يكن عندها زائرون فاستقبلتنا فانتين، وقالت: إن المدموازيل إيفون لم تزل نائمة.

فقلت: لم نأتِ لأجلها وإنما أتينا لكي نشرب، وحسبنا أن تكوني أنتِ معنا.

فترددت فانتين في قبولنا فقلت لها: ما بالك لا تفتحين المقصف؟ أما هي حانة هنا لكل زائر؟

ففتحت قائلة: تفضَّلا.

ثم دخلت أمامنا إلى القاعة المعدَّة للشرب وجلسنا إلى مائدة، وطلبنا أشربة مختلفة وأجلسناها بيننا، وطلبنا إليها أن تشرب فتمنعت في أول الأمر فأحرجناها، وجعلنا نشرب ونمرح ونثرثر ونقهقه حتى ملأنا المنزل ضحكًا وجلبةً، وكان لغطنا يدوي في جميع غرفه، ولما لعبت الخمر في ألبابنا جيدًا سألتُ فانتين: أين إيفون؟ لماذا لا تجيء؟

– لم تزل نائمة.

– يستحيل أن تبقى نائمة إلى الآن والساعة قد بلغت الحادية عشرة.

– سهرت حتى الثانية أمس.

– هل كان لها عشَّاق كثيرون؟

اكفهرَّ وجه فانتين لهذا السؤال وأجابت: كان بعض الزوَّار.

– مَنْ بقي منهم إلى هذا الصباح؟

امتقع وجهها ولاحظت أن غضبها كان ينفض عضلاتها وغيظها يتدفَّع مع كلامها: أأنت المسيو موريس كاسيه تسأل هذا السؤال!

– أَمَا هي حانة هنا! فادعي إيفون.

– قلت لك: إنها نائمة.

– أيقظيها، يجب أن تأتي إلى هنا لتنادم الزبائن.

فأوجست فانتين شرًّا منى ونهضت إلى غرفة إيفون، وبعد قليل عادت قائلة: إنها ترتدي ملابسها.

– لا بأس أن تأتي بثوب غرفتها فاستدعيها حالًا.

– أَلَا تمهلها هنيهة؟

فضربت بيدي على المائدة قائلًا: كلا بل يجب أن تأتي حالًا.

فجزعت إذ رأت شرر الغضب يورَى من عيني، ونهضت إلى غرفة إيفون؛ لكي تستعجلها ثم عادت قائلةً: أمهلها دقيقة فقط لكي ترتدي أبسط ملابسها.

– يجب أن تحضر حالًا.

وعند ذلك هاج غضبي فتناولت الزجاجة التي أمامنا، وقذفتها إلى الخزانة التي تحتوي زجاجات الأشربة فتكسر بعضها، ثم أردفتها بالطبق وما عليه من الأقداح، ثم دفعت المائدة التي أمامي برجلي فانقلبت، وكان للمنزل رجَّة منها، وعند ذلك دخلت إيفون بثوب النوم، ونظرت إلى الخزانة وما أمامها من الزجاجات المكسرة وإلى المائدة المقلوبة، فلم تنبس ببنت شفة سوى أنها نادت الخادم، وأمرتْه أن يلم الزجاج المكسر، ويمسح السوائل التي جرت على الأرض.

رأيت أمارات الحزن في محياها تتغلب على أمارات الغضب، ثم التفتت إلينا وقالت: لا بأس، تفضلا اقعدا.

فقلت: قعدنا طويلًا ولم تحضري والآن حان أن نمضي، ومشيت آملًا أن تمسك بيدي وتستوقفني وتقعدني بالرغم مني، ولكني خرجت من غير أن تقول كلمة أو تخطو خطوة، وكنت كلما بعدتُ يعزُّ عليَّ أن أقف أو أن أعود إليها، وبقيَت أنفتي تدفعني إلى الخارج حتى صرتُ في عرض الشارع، فشعرتُ أن قلبي ذاب وجدًا، وجعلت أعضُّ أصابعي ندمًا لنزولي العاجل بهذا الحمق من غير أن أعاتب إيفون، أو أوبخها أو أغيظها بأمر من الأمور أو أن أصالحها.

وقبل أن يتلاشى النهار كان غيظي قد خمد، فجعلت أندم على كل ما فعلت وشعرت أن عملي يخجل من إتيانهِ الهمج والمتوحشون، وأخيرًا قررت أن أنزل عن ذروة كبريائي وأعتذر لإيفون، ولكني استصعبت مشافهتها بالاعتذار، فتناولت القلم والورق، وكتبت لها هذا الكتاب المختصر:

عزيزتي إيفون

لا بدَّ أنكِ تؤكدين أن الغيرة هي التي دفعتني إلى ذلك الجنون، والغيرة بنت الحب العميق، فهل تسامحينني يا إيفون؟ لا تزال سعادتي بين يديك ألا تزالين تحبينني؟

موريس

ألقيت الكتاب في صندوق البريد، وأنا شديد الأمل بأن إيفون تجاوبني جوابًا أتذرع به إلى زيارتها ومعاتبتها، وتجديد عهد الحب بيننا، ولكن مرَّ يوم ويوم ويوم، وأنا أتجرَّع مرَّ الصبر وإيفون لم تجب، خطر لي أن يكون كتابي قد فُقد في دار البريد، فأرسلت خادمي يسأل فانتين سرًّا عما إذا كان قد وصل ليد إيفون، فقالت: إنه وصل وإنها قرأته.

وعند ذلك تأكدت أني فرغت من قلب إيفون، وإلا لما أصرت على مجافاتي من غير أن تُبَيِّن السبب إن كان ثمت سبب مني، فكرت طويلًا في سبب تغير قلبها، فرجَّحت أنها شُغِلت بسواي ولا سيما؛ لأنها كانت تستلذ عشرة شاب يُدعى المسيوف، فخامرني الظن بهما.

تغير نظري في حقيقة إيفون، لم أعد أتخيلها دائرة في الفلك الذي كنت أرصدها فيه، ولا أستجليها في العرش الذي بوأتها عليه، ولا أرى روحها بعين بصيرتي شفافة متألقة كما كنت أراها قبلًا، صرت أقول في نفسي: أما هي مومس؟ إذا عمر حب المومس عاصر وردة الربيع، ومهما طال عهدها فلا يطاول مطلها، وإذا وفت مرة قال الناس: نحن في عصر العجائب.

ولكن هذه الظنون كانت تصدق عليَّ لا على إيفون.

عقدت النية أخيرًا أن أنتهج أي المناهج لسلوها فرحت أستشفي من داءٍ بداء، عثرت في تلك الأثناء على غادة من رصيفاتها تُدعى المدموازيل «ميراي»، فعمدت إلى التحبب إليها فما كلفتني أن أسعى وراءها خطوتين حتى صرنا عشيقين، لم أمل إليها من قلبي في بدء الأمر؛ لأني لم أكن قد شفيت من حب إيفون بيد أني جالدت قلبي في هواها، كما يجالد العليل نفسه في تجرع الدواء، وبعد بضعة أيام أصبحت أسكن إلى عشرتها وأطمئن لمجلسها، ولكني كنت إذا تذكرت أيامي القصيرة مع إيفون شعرت أني كنت ممتعًا منها بقلب حي، ومن ميراي بتمثال أصم، فأين الجماد من الحياة.

كانت ميراي تبشُّ لي وتلاطفني وتضاحكني، وتغار إذا جاملت غيرها وتغاضبني إذا تأخرت عن ميعادي بلقائها، ولكنها كانت تجود بعديم الثمن لتنال الثمين، تتاجر بلا رأس مال.

ميراي باعتني جمالها بالمال، وقايضتني دلالها بالحلي، وأما إيفون فأهدت إليَّ عواطفها ووهبتني قلبها فكنت كنودًا.

إيفون مستثناة بين زميلاتها؛ ولهذا أروي لك قصتي معها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤