الفصل الثالث

أسلحة جديدة

الإلكترونات والبروتونات كأساس لبناء المادة

منذ نحو عشر سنوات ألقيت في المؤتمر السادس للمجمع المصري للثقافة العلمية محاضرة عنوانها: «الجسيمات التي كشف عنها حديثًا في علم الطبيعة»، وصفتُ فيها طرق الكشف عن هذه الجسيمات المستحدثة، وذكرت علاقتها بتركيب الذرة، وقد كنت أشعر — كما يشعر غيري من العلماء في ذلك الوقت — أن الكشف عن هذه الجسيمات أمر له خطره في البحوث الذرية، ثم أعدت نشر محاضرتي على صورة مقالة في كتابي «مطالعات علمية» الذي سبقت الإشارة إليه، وقد حققت الحوادث منذ ذلك الوقت ما كنا نترقبه من نتائج هامة للكشف عن هذه الجسيمات.

فإلى أوائل سنة ١٩٣٠ كان الإلكترون والبروتون هما الجسيمان الأساسيان في علم الطبيعيات الذرية، أحدهما يحمل كهرباء سالبة والآخر موجبة، وكان الرأي متجهًا إلى اعتبار هذين الجوهرين أساسًا لتركيب الذرة بحيث يتصور أن النواة مبنية من إلكترونات وبروتونات، فنواة الهيليوم مثلًا التي هي جسيم ألفا كان يُنظر إليها على أنها مركبة من أربعة بروتونات واثنين من الإلكترونات، وكذلك الحال في نوى العناصر الأخرى، ومع أن هذا الرأي لا تزال له وجاهته إلا أنه مما لا شك فيه أن الكشف عن الجسيمات الجديدة قد نفى عنه كثيرًا من بساطته.

النيوترون أو البروتون المتعادل

وأول هذه الجسيمات هو النيوترون، وهو مساوٍ للبروتون في وزنه، إلا أنه غير مكهرب، ويرجع الكشف عنه إلى البحوث التي قام بها بوث وبيكير١ عام ١٩٣٠، وكانا يجريان تجاربهما على أشعة ألفا الصادرة عن عنصر البولونيوم فيسلطانها على عناصر مختلفة لمعرفة نتائج اصطدامها مع نوى ذرات هذه العناصر، وقد وجدا أن بعض العناصر لا سيما الليثيوم والبورون والفلور يصدر عنها في هذه الظروف أشعة تمر من خلال سنتيمترين من النحاس، وأن عنصر البريليوم على وجه خاص غني بمثل هذه الأشعة، ولما كانت هذه الأشعة عديمة الكهرباء، فقد افترض بوث وبيكير — بدون مناقشة — أنها أشعة جاما، أي إنها أشعة من نوع أشعة الضوء وليست جسيمات متحركة، وتابع جوليو وزوجه إيرين كورى جوليو٢ هذه الأبحاث مستخدمين مصدرًا أقوى من البولونيوم، فوجدا أن الأشعة المشار إليها تخترق عدة سنتيمترات من الرصاص، كما وجدا أن هذه الأشعة تطرد البروتونات عن شمع البارافين، إلا أن مدى هذه البروتونات لا يتفق مطلقًا وافتراض أن هذه الأشعة هي أشعة جاما، وفي ظرف يوم أو يومين من ظهور بحث جوليو وزوجه بيَّن تشادوك٣ أن كل الصعوبات القائمة في سبيل تفسير هذه الأشعة تنمحي إذا افترضنا أنها مؤلفة من جسيمات عديمة الكهرباء سميت نيوترونات.

ومنذ ذلك الحين قد استحدثت النيوترونات بطرق مختلفة أخرى، أهمها طريقة استخدام بروتونات تزداد سرعتها بوساطة مجال كهربائي.

وقد وجد أن كتلة النيوترون تعادل كتلة البروتون، وقدَّر لها تشادوك ١٫٠٠٦٦ من كتلة البروتون.

البوزيترون أو الإلكترون الموجب

ويرجع الكشف عنه إلى بحوث أندرسن٤ من بايزينا بأمريكا عام ١٩٣٢، وكان يشتغل في البحث عن الجسيمات التي تفصلها الأشعة الكونية عن جزئيات الغازات، وكان أندرسن يستخدم مجالًا مغناطيسيًّا يعادل نحو ١٥٠٠٠ جاوس، لمعرفة مقدار طاقة الجسيمات، وقد عثر أندرسن على جسيمات يمكن أن تخترق لوحًا من الرصاص سمكه ٦ مليمترات، وبمقارنة انحناء مسار الجسيم في ناحيتي اللوح يمكن معرفة اتجاه حركة الجسيم، وقد وجد أن الجسيم يحمل كهرباء موجبة، وأن كتلته أقل بكثير من كتلة البروتون، وفي نفس الوقت كان بلاكيت وأوتشياليني٥ يجريان مثل تجارب أندرسن بجهاز يمتاز عن جهاز أندرسن بأن التمدد في الغاز لا يحدث إلا عند مرور الأشعة الكونية، وقد أثبت هذان الأخيران عام ١٩٣٣ أن الكهرباء موجبة، وقد أمكن إحداث الإلكترون الموجب بطرق أخرى، أهمها:
  • (أ)

    أن الأشعة الصادرة عن عنصر البريليوم والناشئة عن وقوع أشعة من عنصر البولونيوم عليه، والتي تتألف من أشعة ألفا ونيوترونات، إذا وقعت على عنصر الرصاص صدر عن هذا العنصر إلكترونات موجبة، وقد وجد هذا كل من تشادوك وبلاكيت وأوتشياليني وغيرهم.

  • (ب)
    أن أشعة جاما الصادرة عن (الثوريوم C) أو (الراسب الفعال للثوريوم) إذا وقعت على الرصاص صدر عن هذا الأخير إلكترونات موجبة. وقد اكتشف ذلك المذكورون وأندرسن.

الديبلون أو الأيدروجين الثقيل

كان الكشف عن هذا الجسيم ناشئًا عن الدقة الشديدة في قياس الفروق الصغيرة وملاحظتها كما حدث في الكشف عن عنصر الأرجون في الهواء الذي قام به لورد رايلي؛ فكثافة غاز الأيدروجين يمكن قياسها بالطرق الكيميائية، ويمكن مقارنتها بكثافة غاز الأوكسجين، كما أنه من الممكن أيضًا قياس هاتين الكثافتين ومقارنتهما بطريقة حركة البروتونات في جهاز ولسن، وقد لاحظ بيرج ومندل٦ أن بين الطريقتين فرقًا يعادل نحو ، ووجدا أن هذا الفرق أكثر من الخطأ المحتمل وقوعه، وقد فرضنا أن العلة في هذا الفرق ربما كانت راجعة إلى وجود أيدروجين ذرته أثقل من ذرة الأيدروجين العادي.
وقد حقق صحة هذا الزعم كل من يوري وبركودل وميرفي٧ بطريقة التحليل الطيفي بمشاهدة خط خافت في طيف الأيدروجين، وقد وجد يوري وواشيرن أن التحليل الكهربائي يزيد من نسبة الأيدروجين الثقيل في الماء، وحصلا على ماء ثقيل مركَّز بوساطة التحليل الكهربائي المتكرر، وهذا ما سبقت الإشارة إليه عند الكلام عن طريقة التحليل الكهربائي في فصل أصناف العناصر؛ إذ إن الأيدروجين الثقيل يمكن اعتباره أحد أصناف عنصر الأيدروجين، ويوجد نحو سنتيمتر مكعب واحد من الماء الثقيل في كل ٦ لترات من الماء العادي، وأول من حضر الماء الثقيل خالصًا تقريبًا هو ج. ن. لويس٨ من كاليفورنيا، وأرسل عينات منه لمعامل أوربا وأمريكا لدارسة خواصه.

وقد سمي الأيدروجين الثقيل باسم ديبلوجين، وتتألف ذرته من ديبلون وإلكترون، كما تتألف ذرة الأيدروجين الخفيف من بروتون وإلكترون.

والديبلون جسيم يحمل من الكهرباء قدر ما يحمله البروتون، ولكن كتلته تساوي ضعف كتلة البروتون.

جسيمات أخرى

وقد عثر على جسيم آخر يحمل كهرباء سالبة بقدر ما يحمل الإلكترون، ولكن وزنه يساوي وزن الإلكترون نحو مائتي مرة، وقد سمي هذا الكائن الإلكترون الثقيل أو الميزون، كما أن هناك أدلة على وجود جسيم غير مكهرب يساوي وزنه وزن الإلكترون، وقد أطلق على هذا الجسيم اسم (النيوترينو).

أثر الجسيمات الجديدة في البحث الذري

إن الجسيمات الجديدة، وخصوصًا النيوترون والديبلون، هي بمثابة أسلحة جديدة لمهاجمة الذرة وتحطيمها والكشف عن أجزائها وطريقة تركيبها، فاللورد رذرفورد لم يكن لديه من القنابل القوية إلا جسيمات ألفا يطلقها على ذرات العناصر، أما بعد سنة ١٩٣٢ فقد أضيفت قنبلتان أخريان هما النيوترون والديبلون، ويمتاز النيوترون بأنه غير مكهرب؛ ولذلك فإن مقدرته عظيمة على اختراق النواة والتغلغل فيها، فالنواة — كما تقدم — تحمل كهرباء موجبة، فيحدث تنافر بينها وبين الجسيمات التي تحمل كهرباء موجبة مثل جسيم ألفا، فخلو النيوترون من الكهرباء يجعله يتقدم نحو النواة ويصل إليها غير حافل بالمجال الكهربائي الذي يحيط به، وهو من أجل ذلك سلاح ماضٍ له خطره.

والديبلون سلاح جديد آخر يمتاز بأن وزنه يعادل ضعف وزن البروتون، فهو إذن أمضى وأشد فعلًا، أما إذا قارناه بجسيم ألفا؛ فإن وزنه يعادل نصف جسيم ألفا، فهو أقل منه فعلًا من هذه الناحية، ولكن الكهرباء التي يحملها نصف ما يحمل جسيم ألفا فأثره بالقوة الكهربائية للنواة يكون أضعف من تأثر جسيمات ألفا.

أسلحة من نوع آخر

من المعلوم أن مقدرة القذائف على الفتك والتدمير تتوقف على عاملين أساسيين؛ أولهما وزن القذيفة، والثاني سرعتها، فكلما زاد الوزن زاد الفتك، وكذلك كلما زادت السرعة زاد الفتك أيضًا، ولما كانت جسيمات ألفا — وكذلك البروتونات والديبلونات — تُستخدم كقذائف في تحطيم النواة والفتك بالذرة، لذلك كان من المهم أن تزاد سرعة هذه القذائف إلى أكبر حد ممكن، وقد شغلت هذه المسألة أذهان الباحثين، فقاموا باستحداث أجهزة مختلفة الغرض، منها إيجاد جسيمات مكهربة ذات سرعات عالية لاستخدامها كقذائف تُطلق على الذرة.

جهاز السيكلوترون

وأهم الوسائل المستحدثة لإحداث جسيمات مكهربة ذات سرعات عالية هو جهاز السيكلوترون الذي أنشأه العالم الأمريكي لورنس٩ الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، وقد أجرى لورنس أبحاثه الأولى في استحداث هذا الجهاز بالاشتراك مع ليفينجستون١٠ عام ١٩٣٢، وبهذه المناسبة نذكر أن هذا هو نفس العام الذي دَلَّ فيه تشادوك على النيوترون، وكشف فيه أندرسن عن البوزترون، فهو عامٌ مبارك في تطور البحوث الذرية.
وقد استخدم لورنس في أبحاثه الأولى تيارًا كهربائيَّا عالي التردد يصل إلى أربعة آلاف ڤولت، وحصل على جسيمات متحركة بسرعات تقابل ١٫٢ مليون ڤولت؛ أي تساوي نحو من سرعة الضوء مستخدمًا الديبلون كقذيفة، وتخرج هذه القذائف من الجهاز من نافذة صغيرة، ويمكن رؤية القذائف فتظهر على شكل شعاع متوهج أزرق اللون يتوقف طوله على كثافة الهواء الجوي، ويمكن معرفة سرعات الجسيمات المتحركة في هذا الشعاع بصفة تقريبية بالنظر إلى مدى طوله في الهواء، فكلما زادت السرعة زاد المدى.

وقد قام لورنس بنفسه ببناء سيكلوترونات مختلفة الحجم تتفاوت طاقة أشعتها من ٨٠ ألف ڤولت إلى ١٦ مليون ڤولت، ويمتد شعاع هذه الأخيرة في الهواء بعد خروجه من نافذة الجهاز إلى ما يقرب من مترين، ويقدر عدد السيكلوترونات المعلوم وجودها في العالم كله بنحو أربعين سيكلوترونًا مختلفة الحجم، وقد جاءت الأخبار منذ نحو سنتين بأنهم شرعوا في إقامة سيكلوترون هائل في مدينة بيركلي بالولايات المتحدة يصل الضغط الكهربائي فيه إلى ما يقرب من ثلاثمائة مليون ڤولت، وينفذ شعاعه في الهواء إلى مدى ٤٣ مترًا، وأغلب الظن أن هذا الجهاز قد تم إعداده واستخدامه.

شرح الجهاز وميزاته

وسأشرح للقارئ الأساس الذي بُني عليه طريقة استخدام السيكلوترون والأجزاء الرئيسية للجهاز، فمن المعلوم أنه إذا تحرك جسيم مكهرب في مجال مغناطيسي فإنه يتحرك في دائرة، ويتوقف قطر الدائرة على سرعة الجسيم، فكلما زادت السرعة كبرت الدائرة، فإذا بدأ جسيم في الحركة ثم ازدادت سرعته فإن الدائرة التي يتحرك فيها يكبر قطرها؛ وبذلك يتحرك الجسيم في شكل لولبي.

وقد استخدم لورنس في جهازه قطبين كهربائيين كل منهما على شكل نصف دائرة؛ بحيث ينتج من اجتماعهما دائرة كاملة، وتبدأ الجسيمات في الحركة بالقرب من مركز الدائرة، وتسير في أول الأمر في دوائر صغيرة قريبة من المركز بتأثير المجال المغناطيسي العمودي على مستوى الدائرة.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن نصفي الدائرتين متصلان بجهاز كهربائي يجعل أحد النصفين يختلف عن الثاني في جهده الكهربائي، ويجعل هذا الاختلاف يتغير تغيرًا دوريًّا سريعًا، أو بعبارة أخرى: يتردد ترددًا عاليًا على نحو ما يقال في علم الكهرباء.

والسر في المسألة كلها ينحصر في ضبط زمن هذا التغير أو هذا التردد، بحيث يتفق تمامًا مع زمن دوران الجسيمات في دوائرها، فإذا عبر جسيم القطر الفاصل بين نصفي الدائرتين ازدادت سرعته بفعل الفرق بين الجهدين الكهربائيين، فإذا أتم نصف دائرة من حركته وعاد يعبر القطر في الاتجاه المضاد كان اتجاه الفرق بين الجهدين قد تغيَّر بحيث تزداد سرعة الجسيم مرة أخرى، وهكذا كلما عبر الجسيم القطر الفاصل ازدادت سرعته بفعل الجهد الكهربائي المتردد، فتزداد سرعته مرتين في كل دورة كاملة، وينشأ عن ازدياد السرعة اتساع دائرة الحركة، فيقترب الجسيم تدريجيًّا من حافة الدائرة إلى أن يصل إلى النافذة الموجودة في حافة الجهاز، فيخرج منها وقد اكتسب سرعة هائلة. وما يحدث للجسيم الواحد يحدث لغيره من الجسيمات فتخرج جميعًا منطلقة على صورة شعاع أزرق، وفي التجارب الأولى التي أجراها لورنس وليفنجستون دار كل جسيم ١٥٠ مرة في الجهاز قبل خروجه منه، ولما كانت سرعة الجسيم تكتسب إضافتين أو «علاوتين» في كل دورة فيكون عدد العلاوات ثلاثمائة، وفي الأجهزة الكبيرة التي شيدت حديثًا يزداد عدد العلاوات عن ذلك كثيرًا.

والميزة الكبرى في السيكلوترون أنها لا تحتاج إلى ضغط كهربائي عالٍ، فالصعوبات العملية في إيجاد ضغط يساوي مائة ألف ڤولت مثلًا عظيمة، أما في جهاز لورنس فيكفي استخدام بضع عشرات الألوف من الڤولت لإحداث جسيمات تقابل طاقتها عشرات الملايين من الڤولت.

هوامش

(١) Bothe and Becker.
(٢) Joliot et Iréne Curie Joliot.
(٣) Chadwiek نشر بحثه في مجلة Natue في أوائل سنة ١٩٣٢.
(٤) C. D. Anderson.
(٥) Blaekett and Occhialini.
(٦) Birge and Mendel.
(٧) Urey, Birkweddle and Murphy.
(٨) G.N. Lewis.
(٩) E. O. Lawrence.
(١٠) M. S. Livingston.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤