الفصل الثاني عشر

النظريات الموحدة العظمى الخاصة بالدماغ

مبدأ الطاقة الحرة ونظرية الألف دماغ ونظرية المعلومات المتكاملة

في القرن التاسع عشر، شهد مجال الفيزياء واحدًا من أكبر الأحداث الفارقة في تاريخ العلم التي زلزلت المجال. نشر جيمس كلارك ماكسويل، عالم الرياضيات الاسكتلندي، ورقته البحثية المكوَّنة من سبعة أجزاء تحت عنوان «النظرية الديناميكية للمجال الكهرومغناطيسي» عام ١٨٦٥. من خلال هذا الماراثون من المقارنات والمعادلات الثاقبة، أظهر ماكسويل علاقةً عميقةً ومهمةً بين شكلَين مهمَّين بالفعل من التفاعل المادِّي: الكهرباء والمغناطيسية. على وجه التحديد، بتعريف نظرية المجال الكهرومغناطيسي، وضع ماكسويل البِنية التحتية الرياضية اللازمة للنظر إلى معادلات الكهرباء والمغناطيسية، باعتبارهما وجهَين لعملةٍ واحدة. في هذه العملية، خلص إلى أن عنصرًا ثالثًا مهمًّا — أي الضوء — يُعد موجة في هذا المجال الكهرومغناطيسي.

درس العلماء بالفعل كُلًّا من الكهرباء والمغناطيسية والضوء لقرون قبل ماكسويل. كما أنهم اكتسبوا قدرًا معقولًا من المعلومات عن هذه العناصر، وعن كيفية تفاعلها والتحكم فيها واستخدامها. إلا أن توحيد ماكسويل لهذه القوى قدَّم شيئًا مختلفًا تمامًا؛ طريقة جديدة كليًّا لتفسير العالَم المادي. كان ذلك نقطة الانطلاق التي حفزت إطلاق سلسلةٍ من الاكتشافات في الفيزياء التأسيسية، كما أنه مهد الطريق للعديد من التقنيات الموجودة في يومنا هذا. فعلى سبيل المثال، بُنيت أبحاث أينشتاين على نظرية المجال الكهرومغناطيسي، كما أنه، حسبما ورد، نسب الفضل في نجاحه إلى «الوقوف على أكتاف ماكسويل».

لكن بعيدًا عن تأثير نظرية ماكسويل المباشر على المجال البحثي، رسَّخت النظرية في عقول علماء الفيزياء الذين جاءوا بعد ذلك فكرةَ وجود علاقات أعمق بين القوى الفيزيائية. بات التنقيب عن هذه العلاقات واستكشافها أحد الأهداف الرئيسية للفيزياء النظرية. وبحلول القرن العشرين، كانت هناك مساعٍ حثيثةٌ للبحث عما يُعرف باسم النظريات الموحدة العظمى. على رأس قائمة المهام المطلوبة، جاء إيجاد نظريةٍ موحدةٍ عظمى يمكنها توحيد الكهرومغناطيسية مع قُوَّتَين أُخرَيَين: القوة الضعيفة (التي تتحكم في الاضمحلال الإشعاعي)، والقوة القوية (التي تربط أَنْوية الذرات معًا). شهد هذا الاتجاه خطوةً كبيرةً في سبعينيات القرن العشرين، باكتشاف أن القوة الضعيفة والكهرومغناطيسية تصبحان شيئًا واحدًا في ظل درجات الحرارة المرتفعة. إلا أنه حتى بعد دمج القوى القوية والضعيفة معًا، ظلت هناك قوة كبيرة وهي الجاذبية. وعليه، ظل علماء الفيزياء يواصلون السعي نحو إيجاد نظرية موحدة عظمى شاملة.

تستفيد النظريات الموحدة العظمى من التفضيلات الجمالية التي وضعها العديد من علماء الفيزياء، والتي تتمثل في البساطة والأناقة والشمول. ويمكنها توضيح كيف يمكن أن يصبح الكل أكبر من مجموع أجزائه. قبل أن يتوصل العلماء إلى نظرية موحدة شاملة كانوا كالرجال المكفوفين الذين يحاولون التعرُّف على فيل، من خلال لمس أجزائه المختلفة في الحكاية الرمزية القديمة. يعتمد كُلٌّ من هؤلاء المكفوفين على المعلومات الطفيفة التي يحصل عليها من لمس الخرطوم أو الرجل أو الذيل. ومن خلال ذلك، توصلوا إلى حكايات منفصلة وغير كاملة حول وظيفة كل جزء. لكن بمجرد رؤية الفيل بالكامل، يُوضع كل جزء في مكانه ويُفهم في سياق الأجزاء الأخرى. لا يمكن الحصول على الحكمة العميقة التي اكتُسبت، من خلال إيجاد نظريةٍ موحدةٍ عظمى بدراسة الأجزاء بشكلٍ منفصل. ومن ثم، فإنه بقدر ما يصعب الحصول على النظريات الموحدة العظمى، فإنها تُعتبر مسعًى جديرًا بالاهتمام في أوساط الفيزيائيين. وقد أوضح عالم الفيزياء ديميتري نانوبولوس عام ١٩٧٩، أي بعد أن ساعد على استحداث عبارة النظريات الموحدة العظمى: «النظريات الموحدة العظمى تعطي تفسيرًا رشيقًا ومعقولًا لمجموعة كبيرة من الظواهر المختلفة التي تبدو للوهلة الأولى غير متصلة ببعضها. وهي جديرة بأن تؤخذ على محمل الجد».

لكن هل لا بد من أخذ النظريات الموحدة العظمى للدماغ على محمل الجد؟ الفكرة التي تفيد بأن عددًا صغيرًا من المبادئ البسيطة أو المعادلات، من شأنه فَهْم كل شيء متعلق بتركيب الدماغ ووظيفته؛ تُعد جذابة للأسباب نفسها التي جعلت النظريات الموحدة العظمى مسعًى جديرًا بالاهتمام في الفيزياء. إلا أن معظم العلماء الذين يدرسون الدماغ يشكُّون في وجود مثل هذه المبادئ. في هذا الصدد، أوضح كُلٌّ من مايكل أندرسون وتوني كيميرو قائلَين: «ثمة العديد من الأسباب الوجيهة للاعتقاد بأنه لا يمكن أن تكون هناك نظرية موحدة عظمى لوظيفة الدماغ؛ وذلك لوجود العديد من الأسباب الوجيهة للاعتقاد بأن عضوًا معقدًا مثل الدماغ يعمل وفقًا لمبادئ متعددة.» لذا فإن وجود نظرية موحدة عظمى للدماغ يُعد أمرًا خياليًّا، على الرغم من كون الفكرة عظيمة.

في المقابل، ساعد الكثيرُ من جوانب علم الفيزياء — كالنماذج والمعادلات وطرق التفكير — التي استُعين بها في مجال علم الأعصاب في تطوير المجال بعدة طرائق. ونظرًا لكون النظريات الموحدة العظمى جوهرية بالنسبة للفيزياء الحديثة، كان من الصعب تجاهلها. يمكن أن تكون هذه النظريات جذابةً بالنسبة لهؤلاء الذين يدرُسون الدماغ، على الرغم من أنها تبدو غير محتملة، حتى إنها بالنسبة لبعض العلماء مُغرية جدًّا، لدرجة أنه لا يمكن تفويتها.

يُعد إيجاد نظرية موحدة عظمى للدماغ من المساعي التي تكون مخاطرها عالية وعوائدها كثيرة. وعليه، فإنها عملية تتطلب قيادة مميزة. معظم النظريات الموحدة العظمى للدماغ المقترحة يكون وراءها قائد بارز، ويكون عادةً العالم الذي صاغ النظرية من البداية، ويكون بمثابة ممثل لها. نجاح النظرية الموحدة العظمى يتطلب التفاني، يكون العلماء المؤيدون للنظرية على استعدادٍ للعمل على تنقيحها وتحسينها لسنواتٍ وحتى لعقود. ويبحثون أيضًا دائمًا بنشاط عن طرق جديدة لتطبيق نظريتهم على كل جانب من جوانب الدماغ يمكنهم إيجاده. التأييد مهم أيضًا؛ فحتى أعظم النظريات الموحدة العظمى لن يسعها شرح الكثير إن لم يسمع بها أحد. ومن ثم، كُتب العديد من الأوراق البحثية والمقالات والكتب، لنشر النظريات الموحدة العظمى، لا في الأوساط العلمية فقط، بل في العالم أجمع. ومن الأفضل للمتحمسين للنظريات الموحدة العظمى أن يتمتعوا بقوة التحمُّل وهدوء الأعصاب. فقد يُقابَل الترويج لهذه النظريات بالازدراء من جموع العلماء، الذين يؤدون عملًا أكثر موثوقيةً يتمثل في دراسة كل جزءٍ من الدماغ على حِدَة.

علَّق عالم الاجتماع موراي إس ديفيس على النظريات في مقالة له نُشرت عام ١٩٧١ بعنوان «هذا مثير للاهتمام!»، في هذه المقالة، أوضح ما يلي: «لطالما اعتُقِد أن واضع النظريات يُعد عظيمًا لأن نظرياته صحيحة، لكن هذا غير صحيح. يُعد واضع النظريات عظيمًا لا لأن نظرياته صحيحة؛ بل لأنها مثيرة للاهتمام … في الواقع، العلاقة بين صِحة النظرية وتأثيرها ليست علاقة وثيقة؛ فالنظرية يمكن أن تظل مثيرة للاهتمام، حتى لو كان هناك نزاعٌ على صِحتها، وحتى لو دُحضت!» تُعد النظريات الموحدة العظمى للدماغ مثيرة للاهتمام بصرف النظر عن مدى صِحتها.

•••

لم يكُن عالم الأعصاب البريطاني كارل فريستون، الذي عُرفت عنه البشاشة وعذوبة اللسان بشكلٍ عام، تنطبق عليه السمات المطلوب توفُّرها في قائد الحركة العلمية الطموحة والمثيرة للجدل. ومع ذلك، كان له أتباعٌ متفانون. وفي تقليدٍ أشبه بالشعائر، كان العلماء، الذين يتراوحون ما بين كونهم طلابًا وأساتذة، بما في ذلك هؤلاء الذين لهم خلفياتٌ مختلفةٌ لا تقع ضمن نطاق الحدود التقليدية لعلم الأعصاب؛ يتجمعون بانتظام في أيام الإثنين كي يتلقى كُلٌّ منهم بعضًا من أفكاره لبضع دقائق. كانوا يذهبون إليه يلتمسون حكمته فيما يتعلق بموضوعٍ واحدٍ بشكلٍ أساسي. هذا الموضوع هو إطار عمل شامل يبني عليه فريستون فَهْمه للدماغ والسلوك، وما هو أبعد من ذلك لأكثر من ١٥ عامًا: مبدأ الطاقة الحرة.

«الطاقة الحرة» مصطلح رياضي يُعرَّف عن طريق الاختلافات بين توزيعات الاحتمالات. إلا أنه في إطار عمل فريستون يمكن اختصارُه ببساطة على النحو التالي: الطاقة الحرة هي الفرق بين تنبؤات العقل عن العالم والمعلومات الفعلية التي يتلقاها. ينص مبدأ الطاقة الحرة على أنه يمكن فهم كل شيء يفعله الدماغ باعتباره محاولة لتقليل الطاقة الحرة، بمعنى جعل تنبؤات الدماغ تتَّسق مع الواقع بقدر الإمكان.

تأثُّرًا بطريقة الفهم هذه، واصل العديد من العلماء البحث عن الموقع الذي تحدث فيه التنبؤات في الدماغ، وكيفية مطابقتها بالواقع للتحقُّق منها. يستكشف مجالٌ محدود من الأبحاث المبنية على فكرة «التشفير التنبُّئِي» الآليةَ التي يمكن بها حدوث ذلك في المعالجة الحسية على وجه التحديد.١ في معظم نماذج التشفير التنبُّئِي، تُرسَل المعلومات بشكلٍ طبيعي من خلال نظام المعالجة الحسية. على سبيل المثال، المعلومات السمعية التي تَرِد من الأُذنَين، تُرحَّل أولًا عبر مناطق في جذع الدماغ والدماغ الأوسط، ثم تُمرَّر بالتتابع عبر العديد من المناطق في القشرة المُخِّية. سلَّم الباحثون على نطاقٍ واسع، حتى هؤلاء الذين لم تكن لديهم ثقةٌ كافيةٌ في التشفير التنبُّئِي، بأهمية المسار التصاعدي أو المتجه للأمام في عملية تحويل المعلومات الحسية إلى إدراك حسي.

ما يميز التشفير التنبُّئِي هو أفكاره المتعلقة بالمسار التنازلي أو المتجه للخلف، والتي تفيد بوجود وصلات تمتد من مناطق متأخرة لمناطق متقدمة (لنقُل من المنطقة السمعية الثانية في القشرة المخية للأولى). بشكلٍ عام، افترض العلماء العديد من الأدوار لهذه الوصلات. وفقًا لفرضية التشفير التنبُّئِي، هذه الوصلات تحمل التنبؤات. على سبيل المثال، عندما تستمع إلى أغنيتك المفضلة، قد تكون لدى جهازك السمعي معرفةٌ دقيقة بشأن النُّوتات الموسيقية والكلمات التي في طريقك لسماعها. وفقًا لنموذج التشفير التنبُّئِي، تُرسَل هذه التنبؤات للوراء وتُدمج بالمعلومات المتجهة نحو الأمام، حول الأصوات التي تسمعها الأذن بالفعل. بالمقارنة بين هذَين التيارَين، يمكن للدماغ حساب التعارُض بين ما تنبأ به الدماغ والواقع. في الحقيقة، في معظم نماذج التشفير التنبُّئِية، ثمة خلايا عصبية محددة تُدعى «الخلايا العصبية الخاصة بأخطاء التنبؤ» تُكلَّف بالقيام بهذه العملية الحسابية. مهمة هذه الخلايا توضيح مدى خطأ التنبؤ الذي قام به الدماغ؛ إذا أطلقت هذه الخلايا إشارات عصبية كهربية كثيرًا، فهذا يعني أن الخطأ في التنبؤ مرتفع، أما إذا كان الإطلاق منخفضًا، فهذا يعني أن الخطأ منخفض. بهذه الطريقة، فإن نشاط هذه الخلايا العصبية يُعد تجسيدًا ماديًّا للطاقة الحرة. ووفقًا لمبدأ الطاقة الحرة، لا بد أن يسعى الدماغ لتقليل الإشارات العصبية الكهربية التي تطلقها هذه الخلايا بقدر الإمكان.

هل توجد هذه الخلايا العصبية الخاصة بأخطاء التنبؤ في المسارات الحسية؟ وهل يتعلم الدماغ تقليل إطلاق هذه الخلايا، من خلال القيام بتنبؤاتٍ أفضل عن العالم؟ ظل العلماء يبحثون عن إجاباتٍ لهذه الأسئلة لسنوات. على سبيل المثال، وجدت دراسة أجراها باحثون في جامعة جوته، فرانكفورت، أن بعض الخلايا العصبية في الجهاز السمعي تقلل إطلاقها للإشارات العصبية الكهربية، عند سماع صوتٍ متوقَّع. على وجه التحديد، درَّب الباحثون الفئران على دفع رافعةٍ تُصدر ضوضاء. عندما سمعت الفئران الصوت المتوقع بعد دفع الرافعة، أطلقت خلاياها العصبية إشارات عصبية كهربية أقل من الإشارات التي كانت ستطلقها إذا شُغِّل الصوت بشكلٍ عشوائي، أو إذا أَصدرت الرافعة صوتًا غير متوقع. هذا يشير إلى أن دماغ الفئران تتنبأ بنغمة معينة، والخلايا العصبية في جهازها السمعي تُطلق مزيدًا من الإشارات العصبية الكهربية، عند مخالفة هذا التنبؤ. لكن، بشكلٍ عامٍّ، الأدلة التي تَدعَم الترميز التنبُّئِي ليسَت مُتَّسقة. فليسَت كل الدراسات التي تبحث عن الخلايا العصبية الخاصة بأخطاء التنبؤ تجدها، وحتى عندما تفعل، فإن هذه الخلايا العصبية لا تتصرف دائمًا تمامًا كما تتوقع فرضية التشفير التنبُّئِية.

قد يبدو أن جعل الدماغ آلةً أكثر قدرةً على التنبؤ أوضح طريقة لتقليل الطاقة الحرة، إلا أنها ليست الطريقة الوحيدة. فنظرًا لأن الطاقة الحرة تُشير إلى الفرق بين التنبؤ الذي يقوم به الدماغ، والمعرفة الحسية التي يتلقَّاها من العالم الخارجي، يُمكن التقليل من هذه الطاقة عن طريق التحكُّم في مدخلات العالم الخارجي. تخيَّلْ طائرًا اعتاد الطيرانَ حول غابة معينة، يمكنه التنبؤ بالأشجار التي تكون مناسبة لبناء العُش، كما أنه يعلم الأماكن التي يوجد بها أفضل الطعام، وما إلى ذلك. في يومٍ من الأيام، طار قليلًا بعيدًا عن نطاقه المعتاد ووجد نفسه في مدينة. نظرًا لأنه يختبر المباني الشاهقة والمرور للمرة الأولى، تكون قدرته على التنبؤ بأي شيءٍ تقريبًا منخفضة. هذا التعارض الكبير بين التنبؤ والعالم الواقعي معناه أن الطاقة الحرة مرتفعة. لتقليل الطاقة الحرة من جديد، يمكن أن يبقى الطائر في مكانه على أمل أن تتكيف أجهزته الحسية؛ لتكون قادرة على التنبؤ بملامح الحياة في المدينة. أو يمكنه ببساطة أن يعود أدراجه إلى الغابة من حيث أتى. ظهور هذا الخيار الثاني، أي اختيار الأفعال التي تنتج عنها معرفة حسية يمكن التنبؤ بها، هو ما يجعل مبدأ الطاقة الحرة نظريةً موحدةً عُظمى للدماغ مرشحة. بدلًا من مجرد شرح سمات المعالجة الحسية، يمكن أن يشملَ هذا المبدأ قراراتٍ بشأن السلوك أيضًا.

استُعين بمبدأ الطاقة الحرة بالفعل لتفسير الإدراك والفعل وكل ما بينهما.٢ يتضمن هذا عمليات؛ مثل التعلم والنوم والانتباه والاضطرابات؛ مثل الفصام والإدمان. قيل أيضًا إن هذا المبدأ يمكنه إيجاد تفسير لتركيب الخلايا العصبية ومناطق الدماغ، بالإضافة إلى تفاصيل حول كيفية اتصالها. في الواقع، لم يَقصُر فريستون مبدأ الطاقة الحرة على الدماغ. فقد اعتبره مبدأً توجيهيًّا لكُلٍّ من علم الأحياء والتطوُّر، حتى إنه اعتبره طريقةً لفَهْم أساسيات الفيزياء.

هذا الميل نحو محاولة تبسيط الموضوعات المعقدة لازَم فريستون طوال حياته. ففي مقالة كُتبت عن شخصه عام ٢٠١٨ تذكر فكرة كانت تُراوده أثناء المراهقة: «لا بد أن هناك طريقة تمكننا من فهم كل شيء عندما نبدأ دون أن تكون لدينا معرفة بأي شيء … إذا أتيح لي أن أبدأ من نقطة واحدة في الكون بأسره، فهل يمكنني استخلاص أي شيءٍ آخر من ذلك؟» في عالم فريستون، يُعدُّ مبدأ الطاقة الحرة في الوقت الحالي تقريبًا العدمَ الذي يمكنه وصف كل شيء تقريبًا.

لكن خارج عالم فريستون، لا تكون إمكانات مبادئ الطاقة الحرة واضحةً دائمًا. فنظرًا للوعود الكبيرة لنظرية فريستون، حاول عددٌ غير محدودٍ من العلماء فَهْم تفاصيل النظرية بالكامل. إلا أن القليل منهم فقط هم الذين اعتبروا محاولاتهم ناجحةً بالكامل (حتى هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم من محبِّي المبدأ). ليس بالضرورة أن ترجع صعوبة فَهْم المبدأ إلى أن المعادلات معقدةٌ للغاية؛ فالعديد من العلماء الذين حاولوا فهمه كرَّسوا حياتهم لفهم رياضيات العقل. لكن يرجع ذلك إلى أن كيفية استقراء مبدأ الطاقة الحرة وتطبيقه على كل التفاصيل المعقدة لوظيفة الدماغ؛ تتطلب نوعًا من الحدس القوي الذي يختصُّ به فريستون. في ظل عدم وجود وسائل واضحة وموضوعية لتفسير الطاقة الحرة في أي حالة معيَّنة، يظل فريستون الوحيد القادر على فهم المبدأ والتعامل معه، ناشرًا رأيه في تطبيقاته في عدد لا نهائي من الأوراق البحثية والمقابلات واللقاءات التي كانت تُجرى أيام الإثنين.

من المحتمل أن يكون الالتباس حول مبدأ الطاقة الحرة قد نتج عن سمة من سمات المبدأ، أقرَّها فريستون عن طيب خاطر: أنه لا يمكن دحضُها. يمكن دحض معظم الفرضيات حول آلية عمل الدماغ، أي إنها تقدِّم ادعاءاتٍ يمكن إثبات خطئها من خلال التجارب. أما مبدأ الطاقة الحرة، فيُعد طريقةً للنظر للدماغ أكثر من كونه ادعاءً قويًّا أو محددًا عن آلية عمله. في هذا الصدد أوضح فريستون: «يظل مبدأ الطاقة الحرة مبدأً كما هو … تطبيقاته العملية محدودة إلا إذا تساءلت عما إذا كانت الأجهزة القابلة للملاحظة تلتزم بهذا المبدأ.» بعبارةٍ أخرى، بدلًا من محاولة القيام بتنبؤاتٍ دقيقةٍ عن الدماغ باستخدام مبدأ الطاقة الحرة، لا بد أن يسأل العلماء عما إذا كان المبدأ يساعدهم في فَهْم الأشياء من منظورٍ جديد. هل تحاول معرفةَ آلية عمل جزء من الدماغ؟ تساءلْ عما إذا كان هذا الجزء يقلل الطاقة الحرة. إذا ساعدك ذلك على الفهم فهذا عظيم، وإذا لم يُساعِدْك فلا بأس أيضًا. بهذه الطريقة، يُفترض من مبدأ الطاقة الحرة أن يُقدم، في أفضل الأحوال، دعامةً نضع عليها حقائقَ عن الدماغ. بالقدر الذي يربط به المبدأ العديد من الحقائق، يكون من النظريات العظمى الموحدة، إلا أنه دون القدرة على دَحْضه، تُثار الشكوك حول وضعه كنظرية.

•••

شركة نومينتا هي شركة تكنولوجية صغيرة تقع في ريدوُود سيتي، كاليفورنيا. أُسِّست الشركة على يد جيف هوكينز، رجل الأعمال الذي أسس سابقًا شركتَين أنتجتا أسلاف الهواتف الذكية الحديثة. لكن نومينتا تُصنِّع برمجياتٍ لا أجهزة. تصمم الشركة خوارزميات لمعالجة البيانات تهدف إلى مساعدة سماسرة البورصة، وموزعي الطاقة، وشركات تكنولوجيا المعلومات، وما شابه ذلك؛ على التعرف على الأنماط في تدفقات البيانات الواردة وتتبُّعها. إلا أن هدف الشركة الرئيسي يتمثل في تطبيق طريقة الهندسة العكسية على الدماغ.

على الرغم من أن هوكينز شق طريقه لتحقيق مكانة مرموقة في مجال التكنولوجيا، فإنه كان يحمل دائمًا اهتمامًا بالدماغ. وعلى الرغم من أنه لم يحصل على شهادة في مجال علم الأعصاب، فقد أنشأ معهد ريدوود لعلم الأعصاب عام ٢٠٠٢. أصبح المعهد في النهاية جزءًا من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، كما أن هوكينز سيمضي نحو تأسيس شركة نومينتا عام ٢٠٠٥. قام نشاط نومينتا بشكلٍ أساسي على أفكارٍ عُرضت في كتاب ألَّفه هوكينز، بالاشتراك مع ساندرا بليكسلي تحت عنوان «عن الذكاء» عام ٢٠٠٤. يُلخِّص هذا الكتاب نظرية هوكينز حول آلية عمل القشرة الجديدة — أي الطبقة الرقيقة من نسيج الدماغ التي تغطي سطح أدمغة الثدييات — لإنتاج الإحساس والإدراك والتعلم والحركة وأكثر من ذلك. وهي مجموعة الأفكار التي تندرج تحت مُسمى «نظرية الألف دماغ الخاصة بالذكاء».

تتمحور نظرية الألف دماغ حول قطعة من البنية العصبية تُدعى العمود القشري. الأعمدة القشرية عبارة عن بُقع من الخلايا، يقلُّ قُطرها عن سُمك سن القلم الرصاص ويكون طولها أربعة أضعاف السن. ويُطلق عليها هذا الاسم لأنها تشكِّل أسطواناتٍ تمتدُّ من أعلى القشرة الجديدة حتى أسفلها، كمجموعةٍ من شرائط الإسباجيتي المتوازية. بالنظر إلى طول العمود، فإنه يشبه رقائق من الرواسب، فالخلايا العصبية تنفصل إلى ست طبقاتٍ يمكن التعرُّف عليها بوضوح. تتفاعل الخلايا العصبية في الطبقات المختلفة معًا، من خلال تكوين روابط تمتدُّ لأعلى أو لأسفل. عادة، تؤدِّي جميع الخلايا العصبية في العمود الوظيفة نفسها؛ على سبيل المثال، يمكنها جميعًا الاستجابة بالطريقة نفسها للمُدخلات الحسية. إلا أنه يتضح أن الطبقات المختلفة تخدم بعض الأغراض المختلفة؛ على سيبل المثال، بعض الطبقات تتلقى المدخلات من مناطق الدماغ الأخرى؛ بينما تُرسل طبقاتٌ أخرى المخرجات من الأعمدة القشرية.

اعتقد فيرنون ماونتكاسل، عالم الأعصاب الحسية الذي تعرَّف على هذه الأعمدة لأول مرة في منتصف القرن العشرين، أنها تُمثِّل الوحدة التشريحية الأساسية في الدماغ. على الرغم من أن اعتقاد ماونتكاسل كان يخالف العقيدة الراسخة آنذاك، فقد رأى إمكانية في فكرة وجود وحدة متكررة تغطي القشرة الجديدة بالكامل، ويمكنها معالجة مجموعةٍ كاملةٍ من المعلومات التي تتلقَّاها القشرة المخية. اتَّفق هوكينز مع ذلك. في كتابه، وصف العمل الذي قام به ماونتكاسل بأنه «أساس فَهْم علم الأعصاب» نظرًا لأنه عبارة عن «فكرة واحدة وحَّدت كل القدرات المتنوعة والمذهلة للعقل البشري».

لفهم ما يعتقد هوكينز أن وحدات المعالجة المصغرة هذه تفعله، يتعين علينا التفكير في كلٍّ من الزمان والمكان. أوضح هوكينز في حوار له عام ٢٠١٤ قائلًا: «إذا قبلت حقيقة أن الآلات الذكية ستعمل وفقًا لمبادئ القشرة الجديدة، يكون [الزمن] كل شيء.» تتغير المدخلات إلى الدماغ باستمرار، وهو ما يجعل أيَّ نموذجٍ ثابت لوظيفة الدماغ غيرَ كافٍ بشكلٍ مُؤسف. علاوةً على ذلك، تمتدُّ مخرجات الدماغ — أي سلوك الجسم — عبر المكان والزمان. وفقًا لهوكينز، تحريك الجسم بنشاط في مساحة، والحصول على تيارات ديناميكية من البيانات في المقابل يساعدان الدماغ على بناء فهم عميق للعالم.

يعلم علماء الأعصاب شيئًا يسيرًا عن كيفية حركة الحيوانات من مكان لآخر حول العالم. ترتبط هذه الكيفية ارتباطًا وثيقًا بنوع من الخلايا العصبية يُسمى «خلية الشبكة».٣ خلايا الشبكة هي خلايا عصبية تكُون نشطةً عندما يكون الحيوان في مواقع محددة. تخيَّلْ فأرًا يركض في أنحاء حقلٍ مفتوح. إحدى خلايا الشبكة ستكون نشطة عندما يكون الفأر في منتصف الحقل تمامًا. وقد تكون الخلية نفسها نشطة إذا تحرك الفأر مسافات قليلة تعادل طول الجسم لأعلى نقطة المنتصف، ثم يتحرك مرة أخرى مسافات قصيرة تعادل طول الجسد لأعلى من ذلك. سيُلاحَظ نمط النشاط نفسه إذا انتقل الفأر بزاوية ٦٠ درجة غرب الشمال بدلًا من ذلك. في الواقع، إذا صممت خريطة بجميع الأماكن التي تكون فيها هذه الخلية نشطة، فسينشأ عن هذا نمطٌ مُنقَّط في جميع أنحاء الحقل. هذه النقاط ستكون على مسافات متساوية عند رءوس شبكة مثلثية (ومن هُنا يأتي الاسم). تتباين خلايا الشبكة المختلفة في حجم هذه الشبكة واتجاهها، إلا أنها جميعًا تشترك في هذه السمة المشتركة.

ونظرًا لانبهار هوكينز بقدرة خلايا الشبكة، اعتبرها جزءًا لا يتجزأ من نظريته الخاصة بكيفية اكتساب القشرة الجديدة معلوماتٍ عن العالم. إلا أن ثمة مشكلة تتمثل في أن خلايا الشبكة لا توجد في القشرة الجديدة. بل توجد في جزء أقدم من الدماغ من الناحية التطورية يُعرف باسم القشرة الشمِّية الداخلية. على الرغم من قلة الأدلة التي تدعم وجود خلايا الشبكة خارج هذه المنطقة، افترض هوكينز أنها تختبئ بعيدًا في الطبقة السادسة من كل عمود من أعمدة القشرة الجديدة.

ما الذي تفعله هناك بالضبط؟ لشرح هذا، فضَّل هوكينز استخدام مثال تحريك أصابعك حول كوب من القهوة (أرجَع هوكينز جذور هذه النظرية بالفعل إلى لحظة إدراكٍ خطرت له وهو يتأمل كوبًا من القهوة، حتى إنه سيُحضر معه الكوب في المحادثات واللقاءات لتوضيح فكرته). ستحصل الأعمدة في جزء المعالجة الحسية على مدخلات من طرف الإصبع. وفقًا لنظرية هوكينز، ستتولى خلايا الشبكة الموجودة أسفل هذه الأعمدة تتبُّع موضع طرف الإصبع. بدمج المعلومات حول موضع وجود الإصبع والشكل الذي يبدو عليه الكوب، يمكن للعمود معرفة شكل الجسم الذي يتحرك حوله في المرة التالية التي نجد فيها الجسم نفسه، يمكن للعمود استخدام هذه المعرفة المخزنة للتعرف عليه.

fig26
شكل ١٢-١

ونظرًا لأن هذه الأعمدة القشرية تقع على امتداد القشرة الجديدة، يمكن لهذه العملية أن تحدث في أي مكان في آن واحد. على سبيل المثال، الأعمدة التي تمثِّل أجزاءً أخرى من اليد ستبني نماذجها حول كوب القهوة عند لمسه. والمناطق الواقعة في الجهاز البصري ستدمج المعلومات البصرية مع موضع العينين لتشكيل فهمها عن الكوب أيضًا. بشكلٍ إجمالي، الفَهْم المتماسك للعالم يُبنى من خلال توزيع المساهمات بهذه الطريقة، كآلافٍ من الأدمغة تعمل في انسِجام.

تُعد نظرية هوكينز دائمة التطور، ولا يزال هناك العديد من التفاصيل التي تخضع للدراسة والبحث، لكن آماله بشأنها عريضة. وفقًا لمنظوره، كما يمكن للأعمدة معرفة أشكال الأجسام الفعلية، يمكنها أيضًا معرفة أشكال الأشياء المجردة. يمكن التنقُّل في مساحة الفكر أو اللغة بنفس آليات التنقل في العالم الواقعي. إذا كان هذا صحيحًا، فإنه يفسِّر كيف يمكن استخدام نمطٍ متكررٍ في القشرة الجديدة، للقيام بالعديد من الأشياء المختلفة من الرؤية إلى السمع إلى الحركة إلى الرياضيات.

إلا أن مدى تماثل هذه الأعمدة يُعد موضوعًا للنقاش. للوهلة الأولى قد تبدو القشرة الجديدة مثل الفُسَيفساء المنتظمة، لكن عند فحصها عن كثب، تظهر الاختلافات. وَجدت بعض الدراسات أن حجم الأعمدة، وعدد الخلايا العصبية التي تحتوي عليها هذه الأعمدة ونوعها، وكيفية تفاعلها معًا؛ تختلف باختلاف مناطق القشرة الجديدة. إذا كانت هذه الأعمدة غير متطابقة في التركيب بالفعل، فقد تكون مختلفة في الوظيفة أيضًا. هذا يعني أن كل منطقةٍ من مناطق الدماغ يمكن أن تكون مخصصة للقيام بنوعٍ محدَّدٍ من المهام أكثر مما تفترضه نظرية الألف دماغ. إذا كان الأمر كذلك، فقد يتلاشى الأمل في إيجاد خوارزمية موحدة للذكاء.

كما لاحظنا على مدار الكتاب، الخطوة الأولى في تصميم النماذج الرياضية الخاصة بالدماغ، تتمثَّل عادةً في استخراج مجموعةٍ من الحقائق التي تبدو متصلةً من بين أكوام البيانات المتاحة. بعد ذلك، تُبسَّط هذه الحقائق وتوضع معًا، بطريقةٍ توضِّح آلية عمل جزءٍ من الدماغ نظريًّا. بالإضافة إلى ذلك، بتحديد كيفية بناء هذه النسخة المبسطة من العمليات والأنظمة البيولوجية، قد تلوح بعض التنبؤات الجديدة والمدهشة في الأفق. وعند مقارنة نظرية الألف دماغ بهذا الإطار المفاهيمي، نجد أنها نظريةٌ كأي نظريةٍ أخرى في علم الأعصاب. خضع العديد من المفاهيم المكوِّنة للنظرية — مثل الأعمدة وخلايا الشبكة والتعرف على الجسم — للدراسة بالفعل على نطاق واسع عن طريق الأبحاث التجريبية والحاسوبية. بهذه الطريقة، لا تُعد النظرية فريدةً من نوعها؛ فهي تخمينٌ قد يكون صحيحًا وقد يكون خطأ، أو مثل العديد من النظريات، قد يكون مزيجًا من هذا وذاك.

لعل ما يميز العمل الذي قام به هوكينز ونومينتا ببساطة هو الاعتقاد الراسخ بأن هذه النظرية مختلفة، وأن المفتاح الذي سيتمكن من فتح جميع الأبواب أمام فهم القشرة المخية بات قريب المنال لأول مرة. عندما سُئل هوكينز عام ٢٠١٩ عن مدى بُعدنا عن الفهم الكامل للقشرة الجديدة، قال: «أشعر أنني بالفعل قد قمت بقفزة كبيرة. لذا، إذا أديت وظيفتي بشكلٍ صحيح على مدار السنوات الخمس القادمة — بمعنى أن أتمكن من الترويج لهذه الأفكار، وإقناع الآخرين بصحتها، وتوضيح ضرورة انتباه المتخصصين في مجال التعلُّم الآلي لهذه الأفكار — فإن هذا معناه أن نتوقع إطارًا زمنيًّا أقل من ٢٠ سنة.» لم يكُن من المعتاد رؤية مثل هذه الثقة لدى العلماء، ونظرًا لأن هوكينز كان مدعومًا بتمويله الخاص، فإن هذه الثقة لم تحدَّ منها الضغوطُ العلمية التقليدية.

عُرف عن هوكينز ثقته بنفسه فيما يتعلق بادعاءاته حول الدماغ. إلا أن قدرته السابقة على الوفاء بوعوده بتقديم خوارزميات مستندة إلى الدماغ كانت موضعًا للشكوك. وصف جيفري هنتون، أحد الرواد في أبحاث الذكاء الاصطناعي، إسهامات هوكينز في المجال بأنها «محبِطة». وفي عام ٢٠١٥ قارن أستاذ علم النفس جاري ماركوس التقنيات التي وفرتها نومينتا بتقنيات الذكاء الاصطناعي الأخرى على النحو الآتي: «لم أجد أي حُجة قوية تثبت أن هذه التقنيات تقدم أداءً أفضل في أي جانب من جوانب التحديات.» ما فُرصة أن تُمدَّ نظرية الألف دماغ المجال بمجموعة من آليات الذكاء الشاملة بحق؟ الزمن وحده — الذي يُعد من المفاهيم المحورية في أفكار هوكينز — هو الفيصل في ذلك.

•••

وفقًا لبعض وجهات النظر، لا يمكن لأي نظرية من نظريات الدماغ أن تكون كاملة دون تفسيرِ أكبر الألغاز الغامضة وأكثرها استمرارًا، وهو الوعي. يُعد الوعي من الموضوعات الصعبة بالنسبة للعلماء، بسبب ارتباطه العميق بالأفكار والموضوعات الفلسفية لقرون. لكن، يرى بعض الباحثين أن إيجاد تعريف علمي دقيق لا يُستخدم لتعريف الوعي فحسب، بل لقياسه في أي سياق، الهدفُ الأسمى لعملهم. كما أن تعريف الوعي هو الوعد الذي قدمته «نظرية المعلومات المتكاملة».

نظرية المعلومات المتكاملة هي محاولة لتعريف الوعي باستخدام معادلة. وُضِعت هذه النظرية في الأساس على يد عالم الأعصاب الإيطالي جوليو تونوني عام ٢٠٠٤، ثم خضعت للتعديلات والمراجعات منه ومن غيره منذ ذلك الحين. صُممت نظرية المعلومات المتكاملة لقياس الوعي الموجود لدى أي شيء، بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر والصخور وحتى الكائنات الفضائية. بتقديمها ادعاءً شاملًا عن ماهية الوعي، تختلف نظرية المعلومات المتكاملة عن النظريات التي تتمحور حول علم الأحياء التي وَضعها بعض علماء الأعصاب.

يمكن لنظرية المعلومات المتكاملة تحريرُ نفسها من السمات المادية المحددة للدماغ؛ لأن الإلهام في هذه النظرية نابع من مصدر مختلف تمامًا، وهو: الاستبطان. بالتأمل في التجربة الواعية الذاتية، توصل تونوني إلى سمات مهمة أساسية للوعي، هذه السمات هي المسلمات التي تُبنى عليها نظرية المعلومات المتكاملة. المسلمة الأولى هي أن الوعي موجود. تشمل المسلمات الأخرى ملاحظة أن التجربة الواعية تتكون من العديد من الأحاسيس المختلفة، وأن التجربة محددة، كما أنها تبدو لنا كُلًّا متكاملًا، كما أن كل تجربة لها سمات فريدة، لا أكثر ولا أقل.

فكَّر تونوني في أنواع أنظمةِ معالَجة المعلومات التي يمكنها أن تُفضي إلى هذه المسلمات الخاصة بالتجربة. من خلال ذلك، تمكن من ربط المسلمات بالمصطلحات الرياضية. والنتيجة النهائية هي مقياس موحدٌ لما يُطلَق عليه «المعلومات المتكاملة»، وهي قيمة رَمَز لها تونوني بالحرف اليوناني فاي. في المجمل، يشير فاي إلى مدى اختلاط المعلومات في النظام. من المفترض أن يؤدي النوع الصحيح من الاختلاط إلى ثراء التجربة وكمالها. وفقًا لنظرية المعلومات المتكاملة، كلما كانت قيمة فاي للنظام أعلى، كان النظام أكثر وعيًا.

كما يتبين، حساب فاي لنظام يتسم بقدر معقول من التعقيد يستحيل تقريبًا. بالنسبة للدماغ البشري، سيتطلب الأمر في البداية إجراء عدد لا نهائي من التجارب تقريبًا، لاستكشاف كيفية تفاعل التراكيب الفرعية في الدماغ. حتى وإن كان فعل ذلك ممكنًا، فعندئذٍ ستبدأ سلسلة طويلة وشاقَّة من العمليات الحسابية. للتغلُّب على هذه الصعوبة، ابتُكر العديد من الصيغ التي تُعطي القِيم التقريبية لفاي. من خلال ذلك، من الممكن تخمين قيم فاي في نظامٍ ما بِناءً على المعرفة. وقد استُخدم ذلك لتفسير السبب وراء أن بعض أنماط النشاط في الدماغ تؤدي إلى تجربة أكثر وعيًا من غيرها. على سبيل المثال، في أثناء النوم، تتعطل قدرة الخلايا العصبية على التواصل بكفاءة. وهذا يجعل الدماغ أقل قدرة على تجميع المعلومات، وهو ما يؤدي لقيمة فاي منخفضة. وفقًا لنظرية تونوني، يمكن استخدام طريقةِ التفكير نفسها لتفسير حالة اللاوعي التي تلازم نوبات الصرع أيضًا.

قامت النظرية أيضًا ببعض التنبؤات التي ربما تكون مدهشة. على سبيل المثال، تكون درجة فاي لمنظم الحرارة العادي صغيرة، لكنها لا تصل إلى الصفر. هذا يفيد بأن الجهاز الذي ينظم درجة حرارة غرفتك يتمتع بمقدار من التجربة الواعية. علاوة على ذلك، يمكن أن يكون لبعض الأجهزة البسيطة جدًّا، إن صُنعت بطريقة صحيحة، قيمةٌ لفاي أعلى من قيمة فاي التقديرية للدماغ البشري. دفعت هذه النتائج المناهضة للحَدس بعض العلماء والفلاسفة للتشكيك في نظرية المعلومات المتكاملة.

استهدف نقدٌ آخرُ للنظرية مسلماتِها الأساسية. وفقًا لهذا الادعاء، المسلمات التي اختارها تونوني ليست المسلمات الوحيدة التي يمكن أن يُبنى عليها الوعي. يتضح أيضًا أن طريقته في ربط هذه المسلمات بالرياضيات ليست الطريقة الوحيدة، وليست أفضل طريقة. المشكلة هي: إذا كانت دعائم نظرية المعلومات المتكاملة تتسم بالعشوائية، فكيف يمكننا الوثوق في النتائج التي تنبثق عنها، لا سيما عندما تدهشنا؟

كشف استطلاع رأي غير رسمي أجراه العلماء عن الوعي عام ٢٠١٨ أن نظرية المعلومات المتكاملة لم تكن النظرية المفضلة بين الخبراء (جاءت في المرتبة الرابعة بعد نظريتَين أُخريَين والفئة «أخرى» الشاملة). في المقابل، وجد استطلاع الرأي نفسه أن نظرية المعلومات المتكاملة كانت تتمتع بحال أفضل بين غير الخبراء؛ فقد حصلت في الواقع على المرتبة الأولى بين غير الخبراء الذين شعروا بأن لديهم معرفة كافية للإجابة. شكَّ بعض واضعي استطلاع الرأي في أن يكون ذلك نتيجة لتأثير العلاقات العامة التابعة لنظرية المعلومات المتكاملة. ظاهريًّا، يبدو وكأن النظرية تتمتع بأساس جيد، وأحد أسباب ذلك هو أنها مدعومة بمبادئ الرياضيات الدقيقة الراسخة. كما أنها تتميز عن معظم النظريات العلمية حول الوعي بأنها ظهرت في الصحف الرائجة. يتضمن هذا كتابات كريستوف كوخ، عالم الأعصاب البارز الذي تعاون مع تونوني، وأصبح مناصرًا علنيًّا لنظرية المعلومات المتكاملة. في كتابه «الوعي: اعترافات مُختزِل رومانسي»، وصف كوخ رحلته الشخصية العلمية التي درس خلالها الوعي، بما في ذلك العمل الذي قام به مع الفائز بجائزة نوبل فرانسيس كريك، وآراءه حول نظرية المعلومات المتكاملة.٤ قد تكون هذه التفسيرات الموجهة للعامة فعالةً في إيصال النظرية إلى جمهور أوسع، لكنها لا تقنع بالضرورة العلماء المُلِمِّين بالأمر.

حتى العلماء الذين لا يثقون في تأثير نظرية المعلومات المتكاملة لا يزالون يُشِيدون بالمحاولة. يشتهر الوعي بأنه من المفاهيم التي يصعب استيعابها، وهو ما يجعل محاولة نظرية المعلومات المتكاملة لإخضاعه للبحث العلمي خطوة في الاتجاه الصحيح. كتب عالم الفيزياء سكوت آرونسون مُعبِّرًا عن نقده الصريح لنظرية المعلومات المتكاملة ما يأتي: «حقيقة أن نظرية المعلومات المتكاملة خاطئة — خاطئة بشكل واضح لأسباب تتعلق بجوهرها — جعلتها وكأنها ضمن أهم اثنَين في المائة من النظريات الرياضية الخاصة بالوعي التي اقتُرِحت على الإطلاق. كما يتضح لي، جميع نظريات الوعي المتنافسة تقريبًا كانت تفتقر إلى الوضوح والتحديد والدقة، لدرجة أنه لا يسعها سوى أن تكون خاطئة».

•••

يمكن أن تكون النظريات الموحدة العُظمى أمرًا يصعب تحديده بدقَّة. فلكي تكون عظمى وموحدة، لا بد أن تُقدِّم ادعاءات بسيطة حول كائن شديد التعقيد. من المؤكد أن أيَّ ادعاء عن «الدماغ» تقريبًا له استثناءات تكمُن في مكان ما. ومن ثم، فإنَّ جَعْل النظرية الموحدة العظمى شاملة يعني أنها لن تكون قادرةً على تفسير معظم المعلومات المحددة. في الوقت نفسه، عند ربطها أكثر ببيانات محددة، تصبح غير عظمى. وسواء أكانت النظريات الموحِّدة العظمى للدماغ غير قابلة للاختبار، أو لم تخضع للاختبار، أو خضعت للاختبار وفشلت، فإنها عند محاولتها تفسيرَ ما هو أكثر من اللازم تكون معرَّضةً للفشل في تفسير أي شيءٍ على الإطلاق.

وبينما يمثل ذلك معركة شاقة بالنسبة لعلماء الأعصاب الذين يسعَون لوَضْع نظريةٍ موحدة عظمى، فإنها تمثِّل تحديًا أقل في الفيزياء. السبب في هذا الاختلاف قد يكون بسيطًا: التطور. تطورت الأجهزة العصبية على مدى دهور؛ لتناسب احتياجات مجموعةٍ من الحيوانات المحددة في مواقع محدَّدة تواجه تحدياتٍ محددة. عند دراسة نتاج الانتقاء الطبيعي هذا، لا يمكن للعلماء توقُّع البساطة. تتخذ العمليات البيولوجية المسار اللازم لتكوين كائنات حية تؤدي وظائفها بكفاءة، دون النظر إلى مدى القدرة على فَهْم أي جزءٍ منها. ومن ثم، لا عجب أن نجد أن الدماغ مجردُ خليطٍ من العناصر والآليات المختلفة. هذا كل ما يحتاجه كي يؤدي دوره. في المجمل، ليس هناك ضمان — وربما ليس هناك أسباب مقنِعة — لتوقع أنه يمكن وَصْف الدماغ باستخدام قوانين بسيطة.

اختار بعض العلماء قبول هذه الفوضى. فبدلًا من اختزال الدماغ وتبسيطه لعناصره الأساسية، بنَوا شكلًا لنموذج موحد كبير يربط كل هذه الأجزاء معًا. وبينما تكون النظريات الموحدة العظمى في بساطة شريحة لحم مطهوَّة مع قليلٍ من الملح فقط، تكون هذه النماذج أقرب إلى قدرٍ كبيرٍ من الحساء. وعلى الرغم من أن هذه النماذج ليست أنيقةً ومنمقةً مثل النظريات الموحدة العظمى، فإنها مجهزة بشكلٍ أفضل لأداء مهمتها.

تُعد المحاكاة المفصَّلة للغاية التي صممها مشروع الدماغ الأزرق، كما تناولنا في الفصل الثاني، مثالًا على هذا المنهج الأكثر شمولًا. استخلص هؤلاء الباحثون تفاصيلَ لا حصر لها عن الخلايا العصبية والتشابكات العصبية، من خلال سلسلةٍ من التجارب المضنية. بعد ذلك، جمَّعوا كل هذه البيانات معًا ووضعوها في نموذج حاسوبي واضح يُمثِّل بقعة صغيرة من الدماغ. مثل هذا المنهج يفترض أن كل تفصيلة لها قيمة ثمينة، وأن الدماغ لن يُفهَم بتجريده من هذه التفاصيل. فهو احتضان صادق لكل التفاصيل الخاصة بالجوانب الحيوية، على أمل أنه بتجميع كل شيء معًا، سينتج فهمٌ كامل لما يجعل الدماغ يعمل. إلا أن المشكلة هنا تتمثل في النطاق. النهج التصاعُدي لإعادة بناء الدماغ يدرس كل خلية عصبية على حِدة، وهو ما يعني أن بناء نموذج كامل بعيدُ المنال.

تتناول «الشبكة الموحدة لبنية المؤشر الدلالي»، المعروفة باسم SPAUN، الأشياء من اتجاه مختلف. فبدلًا من تناول كل التفاصيل الدقيقة لبيولوجيا الأعصاب، فإن «الشبكة الموحدة لبنية المؤشر الدلالي»، التي طورها فريق يعمل تحت إشراف كريس إلياسميث في جامعة ووترلو في أونتاريو، على وَشْك تكوين نموذج ناجح للدماغ. هذا يعني الحصول على المدخلات الحسية نفسها وإنتاج المخرجات الحركية نفسها. على وجه التحديد، تحصل «الشبكة الموحدة لبنية المؤشر الدلالي» على صورٍ باعتبارها مدخلات، وتستخدم ذراعًا مقلدة لكتابة المخرجات. فيما بين المدخلات والمخرجات، ثمة شبكة معقدة مكونة من ٢٫٥ مليون نموذج من الخلايا العصبية البسيطة مرتبة، بحيث تحاكي بنية الدماغ بالكامل على نطاقٍ واسع. من خلال هذه الوصلات العصبية، يمكن ﻟ «الشبكة الموحدة لبنية المؤشر الدلالي» تنفيذ سبع مهام إدراكية وحركية مُهمَّة؛ مثل كتابة الأرقام، وتذكر قوائم الأشياء، وإكمال الأنماط البسيطة. بهذه الطريقة، تُضحِّي «الشبكة الموحدة لبنية المؤشر الدلالي» بالأناقة في سبيل الوظيفة. بالفعل يتكون الدماغ البشري من عشرات آلاف الأضعاف من الخلايا العصبية، ويمكنه فعل أكثر من سبع مهام. غير معروف ما إذا كانت المبادئ المتعلقة بفائدةِ «الشبكة الموحدة لبنية المؤشر الدلالي» ونطاقِها اللذين وضعاها في مكانتها الحالية؛ يمكن أن يقوداها إلى نموذج كامل للدماغ، أم يتعين إضافة مزيدٍ من تفاصيل الخلايا العصبية.

النظريات الموحدة العظمى تهدف إلى التكثيف. فهي تُبسِّط المعلومات المتعددة في شكلٍ موجز وسهل الفهم. هذا يجعل النظريات الموحدة العظمى تبدو مُرضية؛ لأنها تعطي شعورًا بأنه يمكن استيعاب آليات عمل الدماغ بالكامل. لكن نماذج مثل «الشبكة الموحدة لبنية المؤشر الدلالي» ومحاكاة مشروع الدماغ الأزرق موسَّعة. فهي تحصل على العديد من مصادر البيانات وتستخدمها لتفسير التركيب. ومن ثم، فإنها تُضَحي بقابلية التفسير في سبيل الدقة. فهي تهدف إلى تفسير كل شيء بتجميع كل شيء يمكن تفسيره.

لكن مثل جميع النماذج، هذه النماذج الأكثر اتساعًا ليست نسخة طبق الأصل من الواقع. واضعو هذه النماذج لا يزالون في حاجة إلى اختيار ما يتعين عليهم تضمينه وما لا يتعين عليهم تضمينه، وما يهدفون إلى تفسيره وما يمكنهم تجاهله. فعندما يسعون إلى وضع شيء مشابه لنظرية موحدة عظمى، فإنهم يأملون في العثور على أبسط مجموعة من المبادئ يمكن أن تشرح أكبر مجموعة من الحقائق. لكن في حالة تناول شيء في نفس مستوى تعقيد الدماغ، حتى هذه المبادئ البسيطة ستظل معقدة. تستحيل معرفة مستوى التفاصيل وحجم النطاق المطلوبَين لاستخلاص سمات الدماغ ذات الصلة. يمكن إحراز تقدم فيما يتعلق بهذه المسألة فقط من خلال بناء نماذج واختبارها.

إجمالًا، ارتبط علم الأعصاب بعلاقة مثمرة جدًّا مع العلوم ذات الطبيعة الأكثر صرامة ودقة وكمية. وقد حصل على العديد من الميزات من علوم مثل الفيزياء والرياضيات والهندسة. هذه التشبيهات والطرق والأدوات غيَّرت التفكير في كل شيء من الخلايا العصبية إلى السلوك. في المقابل، كانت دراسة الدماغ مصدر إلهام للذكاء الاصطناعي، كما كانت موضعًا لاختبار التقنيات الرياضية.

لكن علم الأعصاب مستقلٌّ عن الفيزياء. لذا لا بد أن يتجنَّب لعبَ دورِ الأخ الأصغر، فلا يحاول اتِّباع خطى المنهج الأقدم كما هي بالضبط. فالمبادئ التي تحكم علم الفيزياء والاستراتيجيات التي قادته إلى النجاح؛ لا تنجح دائمًا عند تطبيقها على علم الأحياء. ومن ثم، لا بد من توخِّي الحذر عند الاستلهام. عند بناء نماذج العقل، ينبغي ألَّا تكون جماليات الرياضيات هي المبدأ الوحيد الذي يوجهنا. بدلًا من ذلك، لا بد أن يوازَن هذا التأثير مع الحقائق الفريدة للدماغ. عند الموازنة بشكلٍ صحيح، يمكن اختزال تعقيدات علم الأحياء والتعبير عنها بلغة الرياضيات بطريقةٍ تنتج عنها رؤًى حقيقية، ولا تكون متأثرةً بالمجالات الأخرى بشكلٍ مفرط. بهذه الطريقة، تسعى دراسة الدماغ إلى إيجاد منهجٍ خاصٍّ بها يستخدم الرياضيات لفَهْم العالم الطبيعي.

١  طُوِّر مخطط التشفير التنبُّئِي بعيدًا عن تأثير فريستون والطاقة الحرة؛ فقد ظهر لأول مرةٍ في ورقةٍ بحثيةٍ لراجيش راو ودانا بالارد عام ١٩٩٩. لكن محبِّي الطاقة الحرة استكشفوها بلهفةٍ منذ ذلك الحين.
٢  حين امتد نطاق مبدأ الطاقة الحرة شمِل العديد من الموضوعات التي تناولناها في هذا الكتاب. فقد تطور من فكرة أن الدماغ يعمل وفقًا لنظرية بايز (الفصل العاشر)، كما أنه ثمة علاقات متبادلة بين هذا المبدأ وبين نظرية المعلومات (الفصل السابع)، واستخدم أيضًا معادلات من الآليات الإحصائية (الفصلان الرابع والخامس) كما أنه شرح عناصر المعالجة البصرية (الفصل السادس).
٣  حصل كلٌّ من إدوارد موسر وماي بريت موسر وجون أوكيف على جائزة نوبل في عام ٢٠١٤؛ نظير اكتشافهم هذه الخلايا، بالإضافة إلى خلايا أخرى وثيقة الارتباط بها تُعرف باسم «خلايا المكان».
٤  كتب تونوني بنفسه كتابًا يهدف إلى شرح نظريته لشريحة أكبر من الجمهور. في كتابه «فاي: رحلة من الدماغ إلى الروح»، روى تونوني حكاية خيالية عن استكشاف العالم جاليليو جاليلي، أحد علماء القرن السابع عشر، معلومات عن الوعي من خلال التعامل مع شخصيات مستوحاة من شخصية تشارلز داروين وآلان تورينج وكريك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤