الفصل السابع

فك الشفرة العصبية

نظرية المعلومات والتشفير الفعَّال

بينما يضُخ القلب الدمَ، وتؤثر الرئتان على تبادل الغازات، وفي حين يعالج الكبد المواد الكيميائية ويخزِّنها، وتصفي الكُلْيتان الفضلات من الدم؛ يعمل الجهاز العصبي على معالجة المعلومات.

ملخص جلسة عمل تابعة لبرنامج أبحاث العلوم العصبية، عام ١٩٦٨.

كان الهدفُ من اجتماع برنامج أبحاث العلوم العصبية عام ١٩٦٨؛ مناقشةَ الكيفية التي يمكن بها للخلايا العصبية المفردة ومجموعات الخلايا العصبية معالجةُ المعلومات. لم يدفع ملخص الاجتماع، المكتوب على يد عالِمَي الأعصاب ثيودور بولوك ودونالد بيركل، باتجاه أي استنتاجات صارمة أو سريعة. لكنه وضع مجموعة واسعة من الاحتمالات لتمثيل المعلومات في الدماغ، وتحويلها ونقلها وتخزينها بطريقةٍ لخَّصت حالةَ المجال.

كما يوحي الاقتباس المأخوذ من الملخص، يبدو أن إسناد دورِ معالجة المعلومات إلى الدماغ أمر طبيعي، تمامًا كما نقول إن القلب يضخ الدم. حتى قبل أن تصبح كلمة «معلومات» جزءًا من المفردات اليومية التي نستخدمها في القرن العشرين، تحدَّث العلماء ضِمنيًّا عن المعلومات التي تنقلها الأعصاب، مستخدمين مفردات مثل «رسائل» و«إشارات». على سبيل المثال، أوضحت محاضرةٌ ألقيت عام ١٨٩٢ لموظفي إحدى المستشفيات أن «هناك أليافًا توصِّل الرسائل من العديد من أجزاء الجسم إلى الدماغ»، وأن بعض هذه الألياف «تحمل أنواعًا معينة من الرسائل؛ كالأعصاب المتصلة بأعضاء الحواس الخاصة التي أطلِق عليها بوابات المعرفة». يصف أحد المؤلَّفات التي نُشرت عام ١٨٧٠ إطلاق الإشارات العصبية الكهربية في الخلايا العصبية الحركية بأنه «رسالة الإرادة للعضلة»، حتى إنه ذهب لأبعد من ذلك بمقارنة الجهاز العصبي بتقنية نقل المعلومات السائدة آنذاك: التلِغراف.

لكن دراسة آلية تمثيل الجهاز العصبي للمعلومات لم تبدأ بشكلٍ جادٍّ، إلا قبل تقرير بولوك وبيركل بنحو ٤٠ عامًا، أي مع عمل إدجار أدريان في أوائل القرن العشرين.

كان أدريان يمثِّل الصورة النمطية المثالية لرجل العلم بحق. قبل مولده في عام ١٨٨٩ عاشت عائلته في إنجلترا لمدة ٣٠٠ عام، وهو نسل تضمَّن أحد جراحي القرن السادس عشر، ورجال الدين المبجلين، وأعضاء الحكومة. حين كان طفلًا كان مُعلِّموه يُثنون على ذكائه باستمرار. بالإضافة إلى تركيزه على الطب أثناء دراسته الجامعية، أظهر براعة في الفنون، لا سيما التلوين والرسم. ونظرًا لكونه محاضرًا في كامبريدج، عمل لساعات طويلة في المختبر وفي الفصول الدراسية. خلال مسيرته المهنية، أظهر نجاحًا لا يمكن إنكاره. في سن ٤٢ فاز بجائزة نوبل، وفي عام ١٩٥٥ حصل على رتبة لورد من الملِكة إليزابيث الثانية، وأصبح يُطلق عليه اللورد أدريان.

لكن هذه الجوائز والأوسمة الرسمية كانت تُخفي وراءها رجلًا فوضويًّا لا يهدأ. كان أدريان باحثًا عن الإثارة، يحب تسلُّق الجبال وقيادة السيارات السريعة. كان يحب إجراء التجارب على نفسه، بما في ذلك إبقاء إبرة في ذراعه لساعتَين في محاولةٍ لقياس نشاط العضلات. كان معروفًا عنه لعب الألعاب المعقَّدة المفعَمة بالتفاصيل؛ مثل لعبة الغُمِّيضة مع زملائه في الصف في أودية منطقة ليك ديستريكت في إنجلترا. حين كان أُستاذًا كان مراوِغًا بالقدر نفسه. كان يتجنب المقابلات غير المُجَدوَلة بالاختباء في مختبره، وهو ما كان يُجبر الطلاب الذين لديهم استفسارات على محاولة اللَّحاق به، وهو يقود دراجته إلى البيت. كان متقلب المِزاج، وعندما كان يحتاج إلى التفكير كان يجلس في رفٍّ على خزانةٍ مظلمة. وصف زملاؤه في المختبر وعائلتُه خطواتِه بأنها سريعة ومتشنِّجة، ولا تتوقف تقريبًا. لم يكن عقله أقل من حركاته اندفاعًا وجيَشانًا. فعلى مدار مسيرته المهنية، درس العديد من المسائل المختلفة لدى العديد من الحيوانات المختلفة، كالرؤية والألم واللمس والتحكُّم في العضلات لدى الضفادع والقطط والقرود، وغيرها.

لعل عدم قدرته على البقاء ساكنًا، جسديًّا أو عقليًّا، كان مفتاح نجاحه. من خلال الدراسات العديدة التي أجراها على نشاط الخلايا العصبية المنفردة، تمكن من إيجاد مبادئ عامة ستُشَكل أساس فَهمنا للجهاز العصبي ككل. شرح أدريان في كتاب «أساسيات الإحساس» المنشور عام ١٩٢٨ الاستنتاجاتِ التي توصل إليها، والتجاربَ التي مكَّنته من الوصول إلى تلك الاستنتاجات. تخلل صفحات الكتاب حديثٌ عن «الإشارات» و«الرسائل» وحتى «المعلومات»، جميع هذه الكلمات ممزوجة بتفاصيل تشريحية حول الجهاز العصبي، والصعوبات الفنية التي كانت تحول دون تسجيل نشاطه. كان ذلك عبارةً عن مزيجٍ من التطورات التجريبية والرؤى المفاهيمية التي ستؤثر على المجال لعقودٍ لاحقة.

في الفصل الثالث، شرح أدريان تجربةً أضاف فيها ثقلًا إلى عضلة ضفدع؛ ليرى كيف ستستجيب مستقبلات «التمدد» التي تَتَتَبَّع موضع العضلة. دوَّن أدريان تسجيلاته من الأعصاب التي تحمل هذه الإشارة من المستقبلات إلى الحبل الشوكي. بعد وضع أثقال مختلفة، لخَّص أدريان النتائج التي حصل عليها على النحو الآتي: «الرسالة الحسية التي انتقلت من الجهاز العصبي المركزي عند تمدُّد العضلة … تتكون من تعاقب نبضات من النوع نفسه. يعتمد التردد الذي تتكرر به النبضات على شدة المثير، لكن حجم النبضات لا يتنوع.» أشار أدريان إلى هذا الاستنتاج — أي حقيقة أن حجمَ جهد الفعل الذي أطلقته هذه الخلايا العصبية الحسية، وشكلَه ومدتَه لا تتغير بصرف النظر، عما إذا كان الثقل المؤثر على العضلة ثقيلًا أو خفيفًا — باسم مبدأ «الكل أو لا شيء».

تظهر من جديد أمثلة على مبدأ «الكل أو لا شيء» الذي ينطبق على طبيعة النبضات العصبية على مدار الكتاب. في الأنواع المختلفة، ينطبق الأمر نفسه على الأعصاب المختلفة التي تحمل رسائل مختلفة. لا تتغير جهود الفعل بناءً على الإشارة التي تُرسلها، لكن ترددها يمكن أن يتغير. وبذلك تكون الإشارات العصبية أشبهَ بجيش من النمل؛ قد تكون كل إشارة مفردة مماثلة للإشارات الأخرى تقريبًا؛ ومن ثم فإن تأثيرها يعتمد اعتمادًا رئيسيًّا على أعدادها مجتمعة لا على كل إشارةٍ منفردة.

إذا كانت طبيعة جهد الفعل المفرد واحدةً، بصرف النظر عن مدى قوة أو ضعف المثير الحِسِّي المتسبِّب في حدوث جهد الفعل، فإن ثمة شيئًا واحدًا مؤكدًا: حجم جهد الفعل لا يحمل معلوماتٍ عن مدى شدة المثير. بالمساهمات التي قدَّمها أدريان، اطمأن علماء وظائف الأعضاء إلى فكرة الشُّروع في البحث عن مكان وجود المعلومات بالضبط في الأعصاب، وكيفية انتقالها.

كانت هناك مشكلة واحدة فقط: ماذا تعني المعلومات بالضبط؟ الدم الذي يضخُّه القلب، والغازات التي يجري تبادلها في الرئتَين مواد فيزيائية حقيقية. وهي مواد ملحوظة وملموسة ويمكن قياسها. على الرغم من شيوع استخدام كلمة «معلومات»، فإنها بالفعل تُعد من المفاهيم الغامضة والمُحيِّرة. التعريف الدقيق للكلمة لا يتبادر إلى ذهن معظم الأشخاص بسهولة، بل لسوء الحظ تقع الكلمة ضمن فئة الأشياء التي لا يمكن التعرُّف عليها أو فَهْمها إلا عند رؤيتها. دون وجود طريقةٍ لوزن المعلومات بالطريقة نفسها التي نَزِن بها السوائل أو الغازات، هل هناك أملٌ في أن يحقِّق العلماء الفَهْم الكمي للغرض الرئيسي للدماغ؟

ومع ذلك، في الوقت الفاصل ما بين كتاب أدريان وتقرير بيركل وبولوك، عُثر على تعريف كمِّي للمعلومات. خرج هذا التعريف من رحِم التحديات العلمية التي واجهت العلماء خلال الحرب العالمية الثانية، ومضى في طريقه نحو تحويل العالم بطرق غير متوقعة. وعلى الرغم من أن هذا التعريف بدا واضحًا، فإن تطبيقه على دراسة الدماغ في بعض الأوقات كان صعبًا.

•••

بدأ كلود شانون في مختبرات بيل بموجب عقد مقدَّم من الجيش الأمريكي. كان ذلك في عام ١٩٤١؛ حيث كانت لجنة أبحاث الدفاع الوطني ترغب في وجود علماء يعملون على تكنولوجيا لاستخدامها وقت الحرب. لكن جدية العمل لم تُخمِد طبيعة شانون المرحة. كان يستمتع بألعاب الخِفة، وفي أثناء وجوده في مختبرات بيل، عُرف عنه ممارسة ألعاب الخفة أثناء قيادته لدراجة أُحادية العجلة.

شبَّ شانون، الذي وُلد في وسط غرب الولايات المتحدة، على اتباع فضوله تجاه كل ما يتعلق بالعلوم والرياضيات والهندسة أينما يأخذه. خلال طفولته، لعب بأجزاء المذياع واستمتع بأُحجِيات الأعداد. وفي أثناء شبابه ابتكر نظرية رياضية لألعاب الخفة، وطَبَقًا طائرًا يعمل باللهب. كان يستمتع بلعب الشطرنج، وبناء آلات يمكنها لعب الشطرنج. نتيجة لكونه هاويًا للإصلاح، صنع العديد من الأجهزة والأدوات الصغيرة، بعضها أكثر إنتاجية من الأخرى. على سبيل المثال، احتفظ على مكتبه في مختبرات بيل ﺑ «جهاز عديم الفائدة»، وهو عبارة عن صندوق له مفتاح، يؤدي تشغيل المفتاح إلى جَعْل اليد الميكانيكية تصل إلى المفتاح كي تغلقه من جديد.١

لنيل درجة الماجيستير، كتب شانون أطروحة تبلغ ٧٢ صفحة، بعنوان «التحليل الرمزي لدوائر الترحيل والتبديل» ستُحدث ثورةً في الهندسة الكهربية. ولنيل درجة الدكتوراه، حوَّل اهتمامه إلى علم الأحياء؛ إذ عمِل على أطروحة «الجبر لعلم الوراثة النظرية». إلا أن الموضوع الذي عمل عليه في مختبرات بيل هو التشفير. كانت كيفية تشفير الرسائل التي يُفترض إرسالها بَرًّا أو جوًّا أو بحرًا، من الموضوعات التي من الطبيعي أن تُثير اهتمامًا لدى الجيش. كانت مختبرات بيل مركزًا لأبحاث التشفير، حتى إنه استضاف مخترِق الشفرات سيئ السمعة «آلان تورينج»، في الوقت الذي كان شانون يعمل هناك.

كل هذا العمل على الشفرات والرسائل هو ما دفع شانون إلى التفكير بشكل موسَّع في مفهوم الاتصال. في أثناء الحرب طرح طريقة لفهم إرسال الرسائل رياضيًّا. لكن بسبب السرية الإجبارية التي كانت تكتنف أبحاث التشفير، بقيَت أفكاره سرية. في عام ١٩٤٨ تمكن شانون أخيرًا من نشر أفكاره، وأصبحت ورقتُه البحثية «نظرية رياضية للاتصال» الوثيقةَ التأسيسية لمجال جديد هو: نظرية المعلومات.

تصف الورقة البحثية لشانون نظام اتصال عام جدًّا، يتكون من خمسة مكونات بسيطة. المكوِّن الأول هو مصدر المعلومات الذي يُنتج الرسالة التي يُفترض إرسالها. والمكوِّن الثاني هو المرسِل، وهو المسئول عن تشفير الرسالة في صورةٍ يمكن بها إرسالها عبر المكون الثالث، وهو القناة. على الطرف الآخر من القناة، يفكُّ المستلم شفرة المعلومات مرة أخرى ويعيدها إلى صورتها الطبيعية، ثم تُرسل إلى وجهتها الأخيرة.

fig16
شكل ٧-١

في إطار العمل هذا، وسيطُ الرسالة ليس له صلة. قد يكون الوسيطُ أغاني تُبث عبر المذياع، أو كلمات مكتوبة على تلِغراف أو صورًا عبر الإنترنت. كما قال شانون، تُعد مكونات نموذج إرسال المعلومات «الصورة المجردة أو المبسطة للمكونات الفيزيائية التي تقابلها في عملية إرسال المعلومات.» وهذا ممكن؛ لأنه في كل هذه الحالات تظل مشكلة الاتصال واحدة. هذه المشكلة هي مشكلة «نقل الرسالة من مكان إلى آخر؛ بحيث تكون الرسالة المرسَلة مطابقة للرسالة الأصلية تمامًا أو تطابقها تقريبًا».

بوضع نظام الاتصال البسيط هذا في الاعتبار، كان شانون يهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على دراسة إرسال المعلومات. لكن، لتناول مسألة كيفية انتقال المعلومات من الناحية الرياضية، تعيَّن على شانون أولًا تعريف المعلومات رياضيًّا. بناءً على الأعمال السابقة، ناقش شانون الخواص المرغوب بها التي لا بد أن تتوافر في مقياس المعلومات. بعض هذه الخواص عملية: يجب ألا تكون هذه المعلومات سالبة، على سبيل المثال، ولا بد أن يكون من السهل التعامل مع تعريفها رياضيًّا. لكن العقبة الحقيقية تأتي من الحاجة إلى فهم المعلومات، لا سيما أنها تعتمد على الشفرة.

تخيَّل مدرسة يرتدي كل طلابها زيًّا مُوحدًا. رؤية الطلاب يظهرون بالملابس نفسها كل يوم تعطيك معلوماتٍ ضئيلةً جدًّا عن مزاجهم وشخصيتهم، وعن الطقس. في المقابل، في المدارس التي لا تفرض زيًّا موحدًا، يلعب اختيار الملابس دورًا في نَقْل كل هذه المعلومات وأكثر. على سبيل المثال، بالنسبة لشخصٍ يتساءل عن درجة الحرارة الحالية، رؤية طالبة ترتدي فستانًا صيفيًّا بدلًا من ارتداء سترة ستجيب عن تساؤله وتُرضي فضوله. بهذه الطريقة، يمكننا اعتبار الملابس شفرةً؛ فهي مجموعةٌ من الرموز قابلةٌ للإرسال تنقل معنًى.

السبب في أن الطلاب الذين يرتدون زيًّا موحدًا لا ينقلون هذه المعلومات؛ هو أن الشفرة تتطلَّب أن يكون هناك خيارات. لا بد من وجود العديد من الرموز في مفردات الشفرة (في هذه الحالة، العديد من الملابس في خزانة ملابس الطالب)، كلٌّ منها له معنًى خاص، حتى يكون لهذه الشفرة معنًى.

لكن الأمر لا يتعلَّق فحسب بعدد الرموز في الشفرة، بل بكيفية استخدامها أيضًا. لنقُل إن أحد الطلاب لديه ثوبان: بنطال من الجينز وقميص بكمَّين قصيرَين، وبدلة. إذا كان الطالب يرتدي الجينز والقميص ٩٩ في المائة من الوقت، فلن تجني الكثير من المعلومات من اختياره للزي. حتى إنك لن تحتاج إلى رؤيته كي تتأكد مما يرتديه، فما يرتديه في الأساس عبارة عن زي موحد. لكن الواحد في المائة من الوقت الذي يظهر فيه ببدلة يخبرك بشيء مهم. فهو يخبرك أن هذا اليوم مميَّز. ما يوضحه هذا هو أنه إذا ندَر استخدام الرمز، فإن المعلومات التي يتضمنها تكون أكثر. في المقابل، لا تخبرنا الرموز الشائعة الاستخدام بالكثير من المعلومات.

أراد شانون تمثيل هذه العلاقة بين استخدام الرمز ومحتوى المعلومات الذي يحمله. ومن ثم، عرَّف محتوى المعلومات للرمز من ناحية احتمالية ظهوره. على وجه التحديد — كي يجعل كمية المعلومات تقل مع زيادة احتمالية استخدام الرمز — جعل معلومات الرمز تعتمد على الاحتمال العكسي. ونظرًا لأن معكوس العدد يكافئ ببساطة واحدًا مقسومًا على العدد، فإنه كلما زادت قيمة الاحتمالية، قلَّت قيمة «الاحتمال العكسي». بهذه الطريقة، كلَّما تكرر استخدام الرمز قلَّت المعلومات التي يحملها. وأخيرًا، لمواجهة القيود الرياضية الأخرى التي ظهرت أمامه، أخذ لوغاريتم هذه القيمة.

يُعرَّف اللوغاريتم عن طريق أساسه. لأخذ لوغاريتم عدد للأساس ١٠، على سبيل المثال، ستسأل نفسك: «لأي أسٍّ يتعيَّن عليَّ رفع العدد ١٠ كي أحصل على هذا العدد؟» ومن ثم، فإن لوغاريتم ١٠٠ للأساس ١٠ (الذي يُكتب على الصورة ) يساوي اثنَين، لأن ١٠ أُس اثنَين (أي ١٠ × ١٠) يساوي ١٠٠. إذن، لوغاريتم ١٠٠٠ للأساس ١٠ يُساوي ٣. ولوغاريتم عدد بين ١٠٠ و١٠٠٠ للأساس ١٠ يقع بين العددَين اثنَين وثلاثة.
قرر شانون استخدام الأساس اثنين من أجل تعريفه للمعلومات. إذن لحساب المعلومات الموجودة في رمز عليك أن تسأل نفسك: «لأي أُس يتعين عليَّ رفع العدد اثنين، للحصول على الاحتمالية العكسية لظهور الرمز؟» بافتراض أن لثيابِ الطالب المتمثلة في الجينز والقميص القصير الكمَّين رمزًا يظهر باحتمالية ٠٫٩٩، فإن محتوى المعلومات للرمز يساوي ، وهو ما يساوي حوالي ٠٫٠١٤. في المقابل، محتوى المعلومات التي تقدمها البدلة التي تكون احتمالية ظهورها ٠٫٠١ يساوي أو ببساطة ٦٫٦٤. مرة أخرى، كلما قلت الاحتمالية زادت المعلومات.٢

لكن اهتمام شانون لم يقتصر على المعلومات الموجودة في الرمز الواحد؛ بل أراد دراسة محتوى معلومات الشفرة. تُعرَّف الشفرة من خلال مجموعة الرموز التي تتكوَّن منها، ومدى تكرار كل رمزٍ منها. ومن ثم، عرَّف شانون إجمالي المعلومات في الشفرة بأنه ناتج جمع المعلومات الموجودة في كل رموزها. من الأهمية بمكانٍ ملاحظة أن هذا المجموع يُوزَن، بمعنى أن المعلومات من كل رمز تُضرب في عدد المرات التي يُستخدَم فيها هذا الرمز.

بموجب هذا التعريف، فإن إجمالي المعلومات التي تحملها الشفرة الممثلة في ملابس الطالب يساوي ٠٫٩٩ × ‏ ٠٫٠١٤ (المعلومات التي نحصل عليها من الجينز والقميص القصير الكمَّين) + ٠٫٠١ × ‏ ٦٫٦٤ (المعلومات التي نحصل عليها من البدلة) = ٠٫٠٨١. يمكن التفكير في ذلك باعتباره متوسط كمية المعلومات التي سنتلقاها كل يوم، برؤيتنا لملابس الطالب. أما إذا اختار الطالب أن يرتديَ الجينز ٨٠ في المائة من المرات ويرتدي البدلة ٢٠ في المائة من المرات، فسيكون الرمز الخاص بهذا مختلفًا. وسيكون متوسط المعلومات أعلى: .

أطلق شانون على متوسط معدل نقل معلومات الشفرة اسمًا. هذا الاسم هو الاعتلاج أو الإنتروبيا. السبب الرسمي الذي جعله يطلق هذا الاسم هو أن تعريفه للمعلومات يرتبط بمفهوم الإنتروبيا، أو القصور الحراري في الفيزياء؛ حيث يُعد مقياسًا للفوضى. في المقابل، كان من المعروف أيضًا عن شانون أنه ادَّعى — ربما على سبيل المزاح — أنه نُصِح بأن يُسمي مقياسه الإنتروبيا نظرًا لأنه «لا أحد يفهم الإنتروبيا»؛ ومن ثَم من المرجَّح أن يفوز شانون دائمًا في النقاشات الدائرة حول نظريته.

تمثل معادلة الإنتروبيا التي قدَّمها شانون عملية الموازنة التي تنطوي عليها محاولات زيادة كمية المعلومات التي نحصل عليها. فالرموز النادرة تحمل القدر الأكبر من المعلومات؛ ومن ثم فإنك ترغب في أكبر قدر ممكن من هذه الرموز في شفرتك الخاصة. إلا أنك كلما أكثرت من استخدام الرمز النادر أصبح أقل نُدرة. هذا الصراع يعرِّف معادلة الإنتروبيا بشكلٍ كامل، انخفاض احتمالية استخدام الرمز يجعل لوغاريتم الاحتمال العكسي يزداد، وهو ما يكون له تأثير إيجابي على المعلومات. إلا أن هذا العدد يُضرب بعد ذلك في الاحتمالية نفسها؛ هذا معناه أن تقليل احتمالية استخدام الرمز يجعل مساهمته في المعلومات تقل. إذن، للحصول على الحد الأقصى من الإنتروبيا، يتعيَّن علينا جَعْل الرموز النادرة شائعةَ الاستخدام بقدر الإمكان، بشرط ألَّا نجعلها عامةً أو عادية.

استخدام شانون للوغاريتم الأساس اثنين جعل وحدة المعلومات هي «البِت». مصطلح بِت (bit) في الإنجليزية يُعد اختصارًا لمصطلح binary digit الذي يعني نظام العدِّ الثُّنائي، وعلى الرغم من أن ورقة شانون البحثية شهدت أول استخدام معروف للمصطلح، فإنه لم يبتكرْه (نسب شانون الفضل في ابتكار المصطلح إلى زميله في مختبرات بيل جون توكي).٣ للبت، باعتباره وحدةَ قياس للمعلومات، تفسير مفيد وبديهي. لا سيما أن متوسط عدد وحدات البت في الرمز يساوي عدد أسئلة نعم أو لا، التي يتعيَّن عليك طرحُها لكي تحصل على كمية المعلومات تلك.
على سبيل المثال، هب أنك تحاول إيجاد الفصل الذي ولِد فيه أحدهم. قد تبدأ بطرح السؤال الآتي: «هل هو موسم انتقالي؟» إذا كانت الإجابة بنعم، فربما تسأل بعد ذلك: «هل هو الربيع؟» فإذا قيل: نعم، فستكون بذلك حصلت على الإجابة، أما إذا أُجيب بلا، فستكون حصلت على الإجابة أيضًا وهي الخريف. أما إذا كانت الإجابة عن السؤال الأول بلا، ستسلك طريقًا مختلفًا؛ إذ ستسأله عما إذا كان وُلد في الصيف مثلًا. وبصرف النظر عن إجابته، سيتطلب حصولك على الإجابة سؤالين من أسئلة نعم أو لا. تتفق معادلة الإنتروبيا لشانون مع ذلك. إذا كانت احتمالية أن يُولد الشخص في أي فصل من الفصول واحدة، فإن كل «رمز» من رموز الفصول هذه سيُستخدم ٢٥ في المائة من المرات. ومن ثم فإن المعلومات التي يحملها كل رمز تساوي هذا يجعل متوسط عدد وحدات البت للرمز يساوي اثنين، وهو نفسه عدد الأسئلة.

يُعد جزءًا من تصميم نظام اتصال جيد تصميمُ شفرة تحتوي على مزيد من المعلومات لكل رمز. للحصول على أقصى حد لمتوسط المعلومات التي يقدمها رمز في شفرة، يتعين علينا الحصول على أقصى إنتروبيا للشفرة. لكن، كما نرى، ثمة توتر متأصل في تعريف الإنتروبيا. للحصول على أقصى إنتروبيا، لا بد من أن تصبح الرموز نادرةُ الاستخدام عاديةً أو شائعة. ما أفضل طريقة لتحقيق هذا المطلب الذي يبدو متناقضًا؟ تَبيَّن أن هذا السؤال المعقَّد له إجابة بسيطة. للحصول على أقصى إنتروبيا للشفرة، لا بد أن تُستخدَم رموز الشفرة بنفس المقدار بالضبط. لديك خمسة رموز؟ إذن، استخدم كل رمز خُمسَ عدد المرات. لديك مائة رمز؟ لا بد أن تساوي احتمالية كل رمز واحدًا على مائة. جعل كل الرموز محتملة بنفس القدر يحقق التوازن بين الرموز النادرة والشائعة في الاتصال.

علاوة على ذلك، كلما احتوت الشفرة على رموز أكثر، كان ذلك أفضل. الشفرة التي تحتوي على رمزَين، كل منهما يُستخدَم نصف عدد المرات، له إنتروبيا يساوي بِت واحدًا لكل رمز (هذا يبدو منطقيًّا وفقًا لتعريفنا البديهي للبت؛ إذ إنه باعتبار أحد الرمزين يُمثل الإجابة بنعم والآخر يمثل الإجابة بلا، فإن كل رمز يجيب عن سؤال نعم أو لا واحد). في المقابل، الشفرة التي تحتوي على ٦٤ رمزًا — جميع الرموز مستخدمة نفس عدد المرات — لها إنتروبيا تساوي ستَّ وحدات بِت لكل رمز.

الحصول على شفرة جيدة أمر ضروري، إلا أن التشفير ليس إلا الخطوة الأولى في رحلة رسالةٍ ما. وفقًا لمفهوم شانون عن الاتصال، بعد أن تُشفَّر المعلومات يلزم إرسالها عبر قناة في الطريق إلى وجهتها. وهنا تحديدًا تلتقي الأهداف المجردة المتعلقة بعملية إرسال الرسالة، بالقيود الفيزيائية المتعلقة بالمواد.

لنفكِّرْ في التلِغراف. يرسل التلغراف الرسائل عبر نبضات قصيرة من التيار الكهربي المارِّ عبر الأسلاك. تُعرِّف أنماط النبضات، وهي عبارة عن توليفة من «النقاط» الأقصَر و«الشرطات» الأطول، الأحرفَ الأبجدية. في شفرة مورس الأمريكية، على سبيل المثال، نقطة متبوعة بشرطة تشير إلى الحرف A ونقطتان وشرطة تعني الحرف U. القيود الفيزيائية وأوجه قصور الأسلاك التي تحمل هذه الرسائل، لا سيما تلك الرسائل التي تُرسَل لمسافات طويلة أو أسفل المحيطات، تضع قيدًا على سرعة المعلومات. كان عُمال التلغراف الذين يكتبون بسرعة كبيرة معرضين لخطر إدغام النقاط والشرطات معًا، وهو ما ينتج عنه شفرة مورس غامضة وغير مفهومة ولا قيمة لها، بالنسبة إلى المتلقي. عمليًّا، يمكن لعمال التلغراف أن يرسلوا بأمانٍ نحو ١٠٠ خطاب في الدقيقة في المتوسط.

لقياس معدل المعلومات التي تُنقَل عمليًّا، دمج شانون بين معدل المعلومات التي تنقلها الشفرة في الأساس وسرعة نقل المعلومات عبر قناةٍ مادية. على سبيل المثال، الشفرة التي تقدِّم ٥ وحدات بت من المعلومات لكل رمز، وتُرسَل عبر قناة يمكنها إرسال ١٠ رموز في الدقيقة؛ سيكون لها معدل معلوماتٍ يساوي ٥٠ بت في الدقيقة. يُعرف الحد الأقصى للمعدل الذي يمكن به إرسال المعلومات عبر قناة باسم سعة القناة.

فرَض العمل الذي ألفه شانون هيكلًا واضحًا على المفهوم المعروف بغموضه. بهذه الطريقة مهَّد الطريق لزيادة تجسيد المعلومات في صورة ملموسة في العقود التالية. إلا أن الآثار الفورية لمجهود شانون على معالجة المعلومات في العالم الواقعي كانت طفيفة. استغرق ظهور التكنولوجيا، التي جعلت نقل المعلومات وتخزينها ومعالجتها جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية، عقدَين. كما استغرقَت معرفة المهندسين بكيفية تسخير نظرية شانون، لجعل هذه الأجهزة تعمل بكفاءة؛ وقتًا. في المقابل، جاء تأثير نظرية المعلومات على علم الأحياء أسرع بكثير.

•••

كان أول تطبيق لنظرية المعلومات في علم الأحياء في حد ذاته نتاجًا للحرب. كان الطبيب النمساوي هنري كويسلر يعيش ويعمل في الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية. أفزعه تطوير القنبلة الذرية وشرع في اتخاذ إجراءات فورية استجابة لذلك. فقد ترك عيادته الخاصة ليبدأ في إجراء أبحاث حول الآثار الطبية والجينية للقنابل النووية. لكنه احتاج إلى تحديد كيفية تغيُّر المعلومات المشفَّرة لدى الكائن الحي، عند التعرض للإشعاع. «يا لها من صيغٍ مُنزَّلة من السماء، عظيم! يمكنني المتابعة الآن.» يقال إن هذا ما عبَّر به كويسلر عندما علم بنظرية شانون. كتب ورقةً بحثية عام ١٩٤٩ — أي بعد عام واحد من نشر عمل شانون — تحت عنوان «محتوى المعلومات ومعدل الأخطاء لدى الكائنات الحية». كانت هذه الورقة البحثية نقطة انطلاق لدراسة المعلومات في علم الأحياء.

وما لبث أن تبِعه عِلم الأعصاب في ذلك. في عام ١٩٥٢ نشر العالم وارن ماكولك وعالم الفيزياء دونالد ماكي ورقةً بحثيةً بعنوان «الحد الأقصى لقدرة الوصلة العصبية على نقل معلومات». في هذه الورقة البحثية توصَّل الباحثان إلى ما اعتبراه التقدير الأكثر تفاؤلًا لمقدار المعلومات، الذي يمكن أن تحمله الخلية العصبية الفردية. استخدم ماكولك وماكي متوسط الوقت الذي تستغرقه الخلية العصبية كي تُطلق جهد فعل، والحد الأدنى للوقت اللازم بين إطلاق جهد الفعل والعوامل الفسيولوجية الأخرى، لإثبات أن الحد العلوي لما يمكن للخلية العصبية الفردية حملُه من المعلومات يساوي ٢٩٠٠ بت في الثانية.

سارع ماكاي وماكولك بالتأكيد على أن هذا لا يعني أن الخلايا العصبية تُطلق بالضرورة هذا القدر من المعلومات بالفعل، إلا في ظل أفضل الظروف الممكنة. تبِع بحثَهما المزيد من الأبحاث، وكلٌّ من هذه الأبحاث يهدف إلى اكتشاف سعة التشفير الحقيقية للدماغ. كان الباحثون في هذا المجال غارقين في محاولاتهم؛ لدرجة أنه في عام ١٩٦٧ كتب عالم الأعصاب ريتشارد شتاين ورقةً بحثية، اعترف فيها بدور نظرية المعلومات في قياس كمية المعلومات التي تُنقل عبر الجهاز العصبي، لكنه أيضًا عبَّر عن أسفه بشأن التفاوتات الهائلة التي نتجت عن تطبيقها. وبالفعل، في العمل الذي جاء بعد بحث ماكاي وماكولك، تراوحت التقديرات ما بين قيمةٍ أعلى من القيمة التي قدَّرها ماكاي وماكولك — أي ٤٠٠٠ بت لكل خلية عصبية — وقيمة أقل بكثير، تصل لثُلث بت في الثانية.

نتج هذا التفاوت جزئيًّا عن الأفكار المختلفة، حول كيفية ربط الأنماط والأجزاء المختلفة للنشاط العصبي بالمكونات البنائية في نظرية المعلومات لشانون. يتمحور السؤال الأكبر حول كيفية تحديد الرمز. ما جوانب النشاط العصبي التي تحمل معلومات بالفعل وما الجوانب الطارئة؟ ما الشفرة العصبية في الأساس؟

الاستنتاج الأصلي لأدريان — أن حجم الإشارة العصبية الكهربية الناتجة خلال جهد الفعل ليس العنصر الأهم — ظل راسخًا.٤ لكن حتى في ظل وجود هذا القيد، كثرت الخيارات. بالبدء بالمكون الأساسي المتمثل في جهد الفعل، كان العلماء لا يزالون قادرين على ابتكار العديد من الشفرات المعقولة. بدأ ماكاي وماكولك التفكير في الشفرة العصبية باعتبارها مكونة من رمزَين: إطلاق جهد فعل، أو عدم إطلاق جهد فعل. عند أي لحظة زمنية قد ترسل الخلية العصبية أحد الرمزين. لكن بعد حساب معدل المعلومات لهذه الشفرة، أدرك ماكاي وماكولك أنه كان بمقدورهما القيام بعمل أفضل. فالتفكير في الزمن الفاصل بين جهود الفعل باعتباره الشفرة بدلًا من ذلك، أتاح للخلية العصبية إرسال مزيدٍ من المعلومات. في نظام التشفير هذا، إذا كان هناك فاصل زمني مقداره ٢٠ ملِّي ثانية بين جُهدَي فعل، فإن هذا من شأنه أن يرمز إلى شيء مختلف عن فاصل زمني مقداره ١٠ ملِّي ثوانٍ. وقد أدى هذا النظام إلى تكوين عدد أكبر من الرموز الممكنة، كما أن هذا النمط من التشفير مكَّنهما من التوصل إلى التقدير البالغ ٢٩٠٠ بت في الثانية.

في محاولة من شتاين لتبسيط اكتظاظ الشفرات وترتيبها في ذلك الوقت، ركَّز على خيار ثالثٍ للتشفير العصبي، وهو الخيار النابع من أدريان نفسه. بعدما أكَّد أدريان على أن جهود الفعل لا تتغير بتغيُّر المثير، ادَّعى الآتي: «في الواقع، الطريقة الوحيدة التي يمكن بها جعل الرسالة تتنوع من الأساس، هي التنويع في إجمالي عدد النبضات ومعدل تكرار حدوثها.» يُعرف هذا النمط من التشفير — الذي يُعتبر فيه عدد جهود الفعل التي تُطلق خلال مدة زمنية محددة هو الرمز — باسم التشفير القائم على المعدل أو التردد. في ورقة شتاين البحثية، المنشورة عام ١٩٦٧، أيَّد وجود شفرة تقوم على المعدل، وسلَّط الضوء على فوائدها التي تشمل تسامحًا أكبر مع الخطأ.

لكن الجدل بشأن ماهية الشفرة العصبية الحقيقية لم ينتهِ مع شتاين عام ١٩٦٧. كما أنه لم ينتهِ باجتماع بولوك وبيركيل حول تشفير المعلومات في الدماغ، في العام الذي يليه. في الواقع، في تقريرهما عن الاجتماع، أرفق بولوك وبيركل مُلحقًا يستعرض عشرات من الشفرات العصبية المحتملة، وكيف يمكن تنفيذها.

في الحقيقة، لا يزال علماء الأعصاب يتصادمون ويتصارعون حول الشفرة العصبية إلى يومنا هذا. فقد استضافوا مؤتمرات تتمَحْور حول «فك الشفرة العصبية». وكتبوا أوراقًا بحثية بعناوين مثل «البحث عن الشفرة العصبية»، «هل حان وقت شفرة عصبية جديدة؟» وحتى «هل توجد شفرة عصبية؟» استمر العلماء في البحث عن دليل جيد، لتأييد فكرة أدريان الأصلية المتعلقة بالتشفير القائم على المعدل، إلا أن بعض الأدلة كانت تعارض الفكرة أيضًا. قد يبدو التعرُّف على الشفرة العصبية الآن هدفًا بعيد المنال أكثر مما كان عليه، عندما كتب ماكاي وماكولك تأمُّلاتهما الأولى بشأنه.

بشكلٍ عام، يمكن العثور على بعض الأدلة على وجود تشفير يقوم على المعدل في معظم مناطق الدماغ. فالخلايا العصبية التي ترسل معلوماتٍ من العين تُغيِّر معدل إطلاق الإشارات، بناءً على شدة الضوء. والخلايا العصبية التي تحمل شفرة الرائحة تُطلق إشاراتٍ عصبيةً كهربية، بما يتناسب مع تركيز الرائحة المفضلة لها. وكما أوضح أدريان، تُطلق المستقبلات الموجودة في العضلة والمستقبلات الموجودة في الجلد إشاراتٍ أكثر، عند التعرُّض لمزيدٍ من الضغط. لكن بعض الأدلة الأقوى المؤيدة لأنظمة التشفير الأخرى تأتي من مشكلاتٍ حسيةٍ تتطلَّب حُلولًا محدَّدة جدًّا.

عند تحديد موقع مصدر الصوت، على سبيل المثال، يكون التوقيت الدقيق مُهمًّا. نظرًا لوجود مسافة بين الأذنين، فإن الصوت القادم من الجهة اليسرى أو الجهة اليمنى سيصطدم بالأذن الموجودة في الاتجاه نفسه، قبل أن يصطدم بالأخرى. هذه الفجوة بين توقيتَي وصول الصوت لكل أذن — أحيانًا لا تتعدى بضعة أجزاء من المليون من الثانية — تُعطي تلميحًا لحساب مصدر الصوت. تُعد الزيتونة العلوية الوسطى (MSO)، وهي حزمة صغيرة من الخلايا تقع ما بين الأذنَين مباشرة، مسئولة عن تنفيذ هذه العملية الحسابية.

اقترح عالم النفس لويد جيفريس الدائرة العصبية التي يمكنها تنفيذ ذلك عام ١٩٤٨، وقد دعمها العديد من التجارب منذ ذلك الحين. يبدأ نموذج جيفريس بالمعلومات الواردة من كل أذن في صورة شفرة زمنية؛ أي إن التوقيت المحدد لإطلاق جهود الفعل أمر حاسم. في الزيتونة العلوية الوسطى، تقارِن الخلايا التي تستقبل المدخلات من كل أذن بين توقيت مدخلات كل أذن. على سبيل المثال، إحدى هذه الخلايا مصمَّمة لتحديد الأصوات التي تصل إلى الأذنَين كلتَيهما معًا. لحدوث هذا، لا بد أن تستغرق الإشارات القادمة من كل أذن نفس المقدار الزمني للوصول إلى خلية الزيتونة العلوية الوسطى. تُطلِق هذه الخلية إشارات عندما تستقبل مدخلَين في الوقت نفسه تمامًا، وهذه الاستجابة تُبين أن الصوت يصطدم بالأذنَين في الوقت نفسه.

أما الخلية المجاورة لها، فتتلقَّى مُدخلات غير متماثلة قليلًا. بمعنى أنه للوصول إلى هذه الخلية، يتعيَّن على النسيج العصبي الذي يحمل المعلومات من إحدى الأذنَين؛ أن ينتقل مسافةً أبعد قليلًا من المسافة التي يقطعها العصب الذي يحمل المعلومات من الأذن الأخرى. بسبب ذلك، تتأخر إحدى الإشارات الزمنية. وتحدد المسافة الإضافية التي تقطعها الإشارة مقدارَ الزمن الإضافي الذي تستغرقه. لنقُل إن الإشارة القادمة من الأذن اليسرى تستغرق ١٠٠ ميكروثانية إضافية، لتصل إلى خلية الزيتونة العلوية الوسطى. في هذه الحالة، فإن السبيل الوحيد لأن تتلقى هذه الخلية المُدخلَين في آنٍ واحد هو أن يصطدم الصوت بالأذن اليسرى، قبل أن يصطدم بالأذن اليمنى بنحو ١٠٠ ميكروثانية. ومن ثم فإن استجابة هذه الخلية (التي لا تحدث إلا عندما تتلقَّى مُدخلَين في آنٍ واحد، كما هي الحال في الخلية الأخرى) ستوضِّح وجودَ فرقٍ مقداره ١٠٠ ميكروثانية.

بالمتابعة على هذا المنوال، ربما تستجيب الخلية التي تليها لفرقٍ مقداره ٢٠٠، وربما تستجيب الخلية التي تقع بعد ذلك لفرق مقداره ٣٠٠، وما إلى ذلك. في المجمل، تشكِّل الخلايا الموجودة في الزيتونة العلوية الوسطى خريطةً تقع فيها الخلايا التي تُظهِر فروقًا طفيفة، في توقيت وصول الصوت على أحد الطرفَين، بينما تقع الخلايا التي تُظهِر فروقًا كبيرة في توقيت وصول الصوت على الطرف الآخر. بهذه الطريقة، تحوَّلت الشفرة الزمنية إلى شفرةٍ مكانية؛ إذ يحمل موضع الخلية العصبية النشطة في هذه الخريطة معلوماتٍ حول مصدر الصوت.

فيما يتعلق بالسؤال عن سبب كون الشفرة العصبية لغزًا، فإن الإجابة الأكثر احتمالًا هي — كما هي الحال في العديد من الأسئلة المتعلقة بالدماغ — أنها معقدة. بعض الخلايا العصبية في بعض المناطق، في ظل بعض الظروف، ربما تستخدم شفرة تعتمد على معدل إطلاق الإشارات العصبية الكهربية. قد تستخدم الخلايا العصبية الأخرى، الموجودة في أوقات ومناطق مختلفة، شفرةً تعتمد على توقيت حدوث جهود الفعل، أو الزمن الفاصل بين جهود الفعل، أو شفرة مختلفة تمامًا. نتيجة لذلك، فإن التعطُّش إلى فك الشفرة العصبية لن يُروى أبدًا. يبدو وكأن الدماغ يتحدَّث العديد من اللغات المختلفة.

•••

لم يزود التطورُ الجهازَ العصبي بشفرة عصبية واحدة، كما أنه لم يسهِّل على العلماء استيعاب العديد من الرموز المستخدمة في الشفرات العصبية. لكن وَفقًا لعالم الأعصاب البريطاني هوراس بارلو، أضاء التطور الدرب لفهم نظام التشفير في الدماغ لحسن الحظ. عُرف بارلو بأنه واحدٌ من مؤسسي فرضية التشفير الفعَّال، وهي فرضيةٌ تُفيد بأنه أيًّا كانت الشفرة التي يستخدمها الدماغ، فإنه يعمل على تشفير المعلومات بكفاءة.

fig17
شكل ٧-٢
كان بارلو مُتدربًا لدى اللورد أدريان. وعندما كان طالبًا في كامبريدج عام ١٩٤٧ كان يعمل معه كلما تسنَّى له إيجاده. لطالما كان بارلو مُولَعًا بالفيزياء والرياضيات، إلا أنه اختار دراسة الطب.٥ ومع ذلك، فقد أدرك خلال دراسته أن تأثير المزيد من الموضوعات الكمِّية يمكن أن يثير تساؤلات في علم الأحياء. وقد اعتبر هذه السمة تتناقض مع توجه معلمه: «لم يكن توجه [أدريان] نظريًّا؛ فقد تمثلت طريقته في أن لدينا الوسائل اللازمة للتسجيل من الألياف العصبية، وما علينا إلا مراقبة ما يحدث.»

قدَّم بارلو، الذي افتتن سريعًا بمعادلات شانون عندما ظهرت، العديد من الإسهامات المبكرة لدراسة المعلومات في الدماغ. إلا أنه بدلًا من أن يكتفي بحساب عدد وحدات البِت في الثانية، تعمق في استخدام نظرية المعلومات. في بعض الجوانب تكون قوانين المعلومات أساسية ومقيِّدة لعلم الأحياء؛ مثل قوانين الفيزياء. من منظور بارلو، هذه المعادلات يمكنها فعل ما هو أكثر من مجرد وصف الدماغ كما هو؛ بل يمكنها «تفسير» الكيفية التي تطور بها الدماغ لما هو عليه. ولأن بارلو كان متأكدًا من أهمية ذلك بالنسبة إلى علم الأعصاب، قارَن بين محاولة دراسة الدماغ دون التركيز على معالجة المعلومات، ومحاولة دراسة فَهم الجناح دون معرفة أن الطيور تطير.

توصل بارلو إلى فرضية التشفير الفعَّال، من خلال دَمْج التأملات حول نظرية المعلومات، وملاحظاته حول علم الأحياء. إذا تطور الدماغ بطريقة تتناسب مع نظرية المعلومات — والتطور يميل إلى إيجاد حلول لا بأس بها — فمن المنطقي استنتاج أن الدماغ يجيد تشفير المعلومات. كتب بارلو في ورقة بحثية عام ١٩٦١: «الخيار الآمن هُنا هو افتراض أن الجهاز العصبي كفء.» إذا كان هذا صحيحًا، فإن أي حيرةٍ بشأن سبب استجابة الخلايا العصبية بالطريقة التي تستجيب بها؛ قد يُتغلَّب عليها من خلال افتراض أن الخلايا العصبية تعمل بكفاءة.

لكن كيف يبدو تشفير المعلومات الفعال؟ لمعرفة هذا، ركَّز بارلو على ملاحظة التكرار. في إطار عمل شانون، تشير كلمة «تكرار» إلى حجم الفجوة بين الحد الأقصى للإنتروبيا الذي يمكن أن تحتوي عليه مجموعة محددة من الرموز، والإنتروبيا التي تحتوي عليه بالفعل. على سبيل المثال، إذا كانت الشفرة تحتوي على رمزَين، واستخدمت أحدَهما ٩٠ في المائة من المرات، واستخدمت الآخر ١٠ في المائة، فلن تكون الإنتروبيا عالية بالقدر المتوقع. إرسال الرمز نفسه ٩ مرات من أصل ١٠ يُعد تكرارًا. كما رأينا فيما سبق، الشفرة التي تكون بها إنتروبيا أعلى تستخدم كل رمز من هذه الرموز ٥٠ في المائة من المرات، وتكون قيمة التكرار أو الفائض بها مساوية لصفر. اعتقد بارلو أن الأدمغة الفعالة تقلل هذا التكرار بقدر الإمكان.

والسبب في هذا أن التكرار يُعد إهدارًا للموارد. كما يتضح، تتسم اللغة الإنجليزية بالتكرار بشكل لا يوصف. المثال الأوَّلي على ذلك هو حرف q الذي يليه بشكلٍ يكاد يكون دائمًا حرف u. ومن ثم فإن رؤية الحرف u بمجرد أن نرى الحرف q يضيف قدرًا ضئيلًا من المعلومات، هذا إن كان يضيف معلومات من الأساس، وبذلك فهو متكرر. التكرار في الإنجليزية يعني أنه يمكننا نظريًّا إرسال القدر نفسه من المعلومات بحروف أقل بكثير. في الواقع، في ورقة شانون البحثية الأصلية المنشورة عام ١٩٤٨، قدَّر شانون أن نسبة التكرار في اللغة الإنجليزية المكتوبة تبلغ نحو ٥٠ في المائة. ولهذا السبب، لا يزال بإمكان الناس قراءة الجُمل الإنجليزية التي أزيلت منها كل الحروف المتحركة؛ كهذه الجملة على سبيل المثال: ppl cn stll rd sntncs tht hv ll th vwls rmvd.٦
في الجهاز العصبي، يمكن أن يأتي التكرار في صورة خلايا عصبية متعددة تقول الشيء نفسه. تخيل وجود خلية عصبية تمثِّل الحرف q وأخرى تمثِّل الحرف u. رؤية qu سيجعل هاتَين الخليتَين كلتَيهما تُطلقان إشارات عصبية. لكن إذا ظهر هذان الحرفان معًا بشكلٍ متكرر في العالم، فسيكون من الأكفأ أن يستخدم الدماغ خليةً عصبيةً واحدةً للاستجابة لهما.

لماذا تُعد كفاءة الدماغ في التشفير أمرًا مُهمًّا؟ يتمثل أحد الأسباب في استهلاك الطاقة. ففي كل مرة تُطلق الخلية جهد فعل، يختل التوازن بين الجُسيمات المشحونة داخل الخلية وخارجها. استعادة هذا التوازن تتطلب طاقة؛ إذ يتعين على المضخات الصغيرة في الغشاء الخلوي طرد أيونات الصوديوم من الخلية، واستعادة أيونات البوتاسيوم إلى داخل الخلية مرة أخرى. تَخليقُ النواقل العصبية وإطلاقُها من الخلية مع كل جهد فعل يُطلَقُ يتطلَّبان طاقةً. في المجمل، فإنه وفقًا للتقديرات، يُخصص ما يصل إلى ثلاثة أرباع من الطاقة التي يستهلكها الدماغ، لصالح إرسال الإشارات واستقبالها. ويُعد الدماغ — الذي يستهلك ٢٠ في المائة من طاقة الجسم، في حين أنه يشكِّل اثنين بالمائة من وزن الجسم — هو أكثر عضو يستهلك طاقة كي يقوم بوظائفه. ونظرًا لهذا الاستهلاك المرتفع للطاقة، من المنطقي أن يكون الدماغ موفِّرًا في الكيفية التي يستخدم بها جهود الفعل التي يُطلقها.

لكنْ لمعرفة كيفية إرسال معلومات بكفاءة، يتعين على الدماغ معرفة نوع المعلومات التي يحتاج إلى إرسالها بشكلٍ طبيعي. على وجه الخصوص، يتعين على الدماغ تحديد متى تكون المعلومات التي يتلقاها من العالم مُكررة. وبهذا قد لا يكلف نفسه عناء إرسالها. هذا من شأنه أن يجعل الشفرة العصبية فعَّالة. هل الجهاز العصبي له القدرة على تتبُّع إحصاءات المعلومات التي يستقبلها، وربط نمط التشفير الخاص بهذه المعلومات بالعالم المحيط؟ أحد الاستنتاجات التي توصَّل إليها اللورد أدريان — وهو التكيُّف — يفيد بأن لديه القدرة على ذلك.

في تجاربه على مستقبِلات تمدد العضلات، لاحظ أدريان وجود «انخفاض تدريجي في تواتر تفريغ الشحنة في ظل وجود مثير ثابت.» على وجه التحديد، مع الإبقاء على الوزن المؤثر على العضلة كما هو، ينخفض معدل إطلاق الإشارات العصبية الكهربية إلى النصف خلال ١٠ ثوانٍ. أطلق أدريان على هذه الظاهرة «التكيُّف» وعرفها بأنها «انخفاض في الاستثارة التي يسببها المثير.» ونظرًا لأنه لاحظ هذا التأثير في العديد من تجاربه، فقد خصَّص فصلًا كاملًا لهذا الموضوع في كتابه الذي نُشِر عام ١٩٢٨.

ومنذ ذلك الحين، وُجِد التكيُّف في جميع أنحاء الجهاز العصبي. على سبيل المثال، «تأثير الشلال» هو خداع بصري تبدو فيه الأجسام الثابتة للشخص الذي يتحرك في اتجاه معين، وكأنها تتحرك في الاتجاه المعاكس. ويُسمى بذلك لأنه قد يحدث بعد التحديق في حركة الشلال المتجهة إلى الأسفل. يُعتقد أن هذا التأثير يكون نتيجة لتكيُّف الخلايا التي تمثِّل اتجاه الحركة الأصلي؛ فمع انخفاض نشاط هذه الخلايا نتيجة لتكيفها مع اتجاه الحركة الأصلي، يعتمد إدراكنا بشكلٍ أكبر على إطلاق الإشارات العصبية، بواسطة الخلايا التي تمثِّل الاتجاه المقابل.

في ورقة نُشرت لبارلو عام ١٩٧٢، تحمَّس للتكيُّف باعتباره وسيلة لزيادة الكفاءة: «إذا كانت الرسائل الحِسِّية ستُعطى أهمية تتناسب مع قيمة المعلومات التي تقدمها، فلا بد من وجود آليات لتقليل شدة الإشارات التي تمثِّل الأنماط التي تتواجد باستمرار، وهُنا يكمُن الأساس المنطقي للتأثيرات التكيفية».

بعبارة أخرى، وتحديدًا على حد تعبير نظرية المعلومات، في حالة إرسال الرمز نفسه عبر قناة مرارًا وتكرارًا، فإن وجوده لم يعد يحمل معلومات. ومن ثم، من المنطقي أن تتوقف عن إرساله. وهذا ما تفعله الخلية العصبية؛ فهي تتوقف عن إطلاق جهود فعل عندما ترى المثير نفسه مرارًا وتكرارًا.

منذ أن ادَّعى بارلو أنه يتعين على الخلايا أن تُطوِّع استجاباتها وفقًا للإشارات التي تستقبلها، طوِّر العديدُ من تقنيات تتبع كيفية قيام الخلايا العصبية بتشفير المعلومات، وهو ما أتاح المزيد من الاختبارات المباشرة والدقيقة لهذه الفرضية. في عام ٢٠٠١، على سبيل المثال، درس عالم الأعصاب الحاسوبي أدريان فيرهول، جنبًا إلى جنب مع زملاءَ من معهد الأبحاث التابع لشركة إن إي سي في برينستون في ولاية نيوجيرسي، القدرات التكيفية للخلايا العصبية البصرية لدى الذباب.

من أجل التجربة، عرض الباحثون على الذباب شريطًا يتحرك يسارًا ويمينًا على الشاشة. في البداية كانت الحركة غير متوقعة وغير منتظمة. في إحدى اللحظات كان من الممكن أن يتحرك بسرعة شديدة نحو اليسار، وفي اللحظة التي تليها كان من الممكن أن يتحرك بالسرعة نفسها نحو اليمين، أو قد يبقى في هذا الاتجاه أو قد يتباطأ تمامًا. في المجمل، يكون نطاق السرعات الممكنة كبيرًا. بعد ثوانٍ عديدة من هذه الفوضى يهدأ الشريط. وتصبح حركته مقيَّدة أكثر، فلا ينطلق بسرعة في أيٍّ من الاتجاهَين. على مدار التجربة، تأرجح الشريط ما بين فتراتٍ تكون فيها الحركة غير منتظمة، وفترات تكون فيها الحركة هادئةً لمرات عديدة.

بالنظر إلى نشاط الخلايا العصبية التي تستجيب للحركة، وجد الباحثون أن النظام البصري يكيف شفرته بسرعة مع معلومات الحركة التي يحصل عليها في الحال. على وجه التحديد، كي تكون الخلية العصبية مُشفِّرًا فعَّالًا، يتعين على الخلية العصبية أن تُطلق إشارات عصبية بأعلى معدل إطلاق، في حالة الحركة الأسرع غير المنتظمة، وتطلق إشارات بأقل معدل إطلاقٍ في حالة الحركة الأبطأ.٧ بالتفكير في معدلات الإطلاق المختلفة، باعتبارها رموزًا مختلفة في الشفرة العصبية، يضمن توزيع معدلات الإطلاق بهذه الطريقة أن هذه الرموز جميعها ستُستخدم بالتساوي تقريبًا. وهذا يرفع إنتروبيا الشفرة إلى الحد الأقصى.

تكمن المشكلة في أن أسرع حركةٍ خلال الفترة الهادئة أبطأ بكثيرٍ من أسرع حركة، أثناء الحركة التي يغلب عليها عدم الانتظام. وهذا يعني أنه يتعيَّن على السرعة الواحدة أن ترتبط بمعدلَيْ إطلاقٍ مختلفَين، بناءً على السياق الذي تظهر فيه. وعلى كون ذلك غريبًا، هذا ما رآه فيرهول وزملاؤه. في أثناء الفترة الهادئة، عندما كان الشريط يتحرَّك بأقصى سرعة، كانت الخلية العصبية تُطلق ما يزيد عن ١٠٠ جهد فعل في الثانية. لكن عندما تحرك الشريط بالسرعة نفسها في أثناء الحركة غير المنتظمة، لم تُطلِق الخلية العصبية سوى ٦٠ مرة في الثانية. لكي تعود الخلية العصبية لإطلاق ١٠٠ جهد فعل في الثانية مرةً أخرى، في أثناء فترة الحركة غير المنتظمة، تعيَّن على الشريط أن يتحرَّك بسرعةٍ أكبر من هذه السرعة بمعدَّل ١٠ مرات.

علاوة على ذلك، تمكَّن الباحثون من تحديد مقدار المعلومات التي يحملها جهد الفعل قبل وبعد التبديل بين نوعَي الحركة هذَين. خلال الفترة التي شهدت حركة غير منتظمة، كان معدل المعلومات نحو ١٫٥ بت لكل جهد فعل يُطلَق. وسرعان ما انخفض معدل المعلومات إلى ٠٫٨ بت لكل جهد فعل، بعد الانتقال إلى الحركة الهادئة مباشرة؛ فنظرًا إلى كون الخلية العصبية ما زالت لم تتكيَّف بعدُ مع مجموعة الحركات التي كانت تراها، كانت أداةَ تشفيرٍ غير فعَّالة. لكن بعد التعرض للحركة الأهدأ، لكسر من الثانية فحسب، يعود مقدار وحدات البت لكل جهد فعل إلى ١٫٥. لم تكن الخلية العصبية في حاجة إلا إلى قدر ضئيل من الوقت، لملاحظة السرعات المختلفة التي تراها، وتكييف أنماط إطلاق الإشارات الخاصة بها وفقًا لها. أظهرت هذه التجربة أن التكيُّف يضمن أن جميع أنواع المعلومات شُفِّرت بشكلٍ فعَّال، وهو بالضبط ما أشارت إليه نظرية التشفير الفعال التي قدمها بارلو.

اعتَقَد علماء الأعصاب أيضًا أن الدماغ مصمم لإنتاج تشفيرات على نطاقات زمنية أطول بكثير، من النطاقات الزمنية للتجارب الحسية، التي تتراوح ما بين ثوانٍ إلى دقائق. خلال كل من عمليتَي النمو والتطور، تكون لدى الكائن الحي فرصةٌ لتجميع معلوماتٍ من البيئة المحيطة، وتطويع شفرته الطبيعية وفقًا للأشياء الأكثر أهميةً بالنسبة له. بافتراض أن منطقةً محددة من الدماغ هي الأنسب لتمثيل المعلومات ذات الصلة بأكبر قدر ممكن من الفاعلية، يحاول العلماء إجراء عملية هندسة عكسية لفهم العملية التطورية.

على سبيل المثال، تستجيب الأعصاب البالغ عددها ٣٠ ألف عصب الممتدة من الأذن، لأنواع مختلفة من الأصوات. تفضل بعض الخلايا العصبية فترات قصيرة من الأصوات العالية الحدة والضوضاء، وأخرى تفضِّل أصواتًا منخفضة الحدة. بعض الخلايا تستجيب بشكلٍ أفضل عندما يرتفع الصوت الخافت، في حين تستجيب بعض الخلايا استجابة أفضل عندما يخفُت الصوت المرتفع، وبعضها يستجيب بشكلٍ أفضل عندما ترتفع الأصوات الخافتة تدريجيًّا، ثم تخفت مرة أخرى. بشكلٍ عام، لكل ليفة عصبية نمطٌ معقَّد من النغمات ودرجات الصوت التي تثير إطلاقها للإشارات بشكل أفضل.

يعلم العلماء، في الغالب، كيف تنتهي الألياف بهذه الاستجابات. تتحرك الشعيرات المتصلة بالخلايا في الأذن الداخلية استجابةً للأصوات. تستجيب كل خلية لنغمة مختلفة بناءً على موقعها داخل غشاء صغير حلزوني الشكل. تحصل الألياف العصبية التي تمتد من الأذن، على مُدخَلات من هذه الخلايا الشعرية. كل نسيجٍ يدمج نغماتٍ بطريقته لتكوين ملف الاستجابات الفريدة والمجمعة.

إلا أن الأقل وضوحًا هو السبب في أن الألياف لها هذه الاستجابات. يمكن لنظرية المعلومات أن تساعدنا في هذه النقطة.

إذا كان الدماغ يخفِّض التكرار كما أشار بارلو، فعندئذٍ لا ينشط سوى عدد قليل من الخلايا العصبية في كل مرة. يشير علماء الأعصاب إلى هذا النوع من النشاط باسم التشفير المبعثر.٨ في عام ٢٠٠٢ سأل عالم الأعصاب الحاسوبي مايكل لويكي، عما إذا كانت خواص الاستجابة للأعصاب السمعية ناتجةً عن قيام الدماغ بفرض شفرةٍ مبعثرة، تكون مصممةً خصوصًا للأصوات التي يحتاج الحيوان إلى معالجتها.

للإجابة عن ذلك، تعين عليه تجميع مجموعة من الأصوات الطبيعية المختلفة. صدرت مجموعة من الأصوات من قرص مدمج عليه أصوات تصدرها حيوانات الغابة المطيرة؛ مثل الخفافيش وخراف البحر وقرود القشة؛ بينما كانت مجموعة أخرى عبارة عن تجميع من ضوضاء «الخلفية» كصوت طحن أوراق الشجر وقطع الأغصان، وجاءت المجموعة الثالثة من الأصوات من قاعدة بيانات من أصوات بشرية تقرأ جُمَلًا إنجليزية.

بعد ذلك استخدم لويكي خوارزمية لتحليل هذه الأصوات المعقدة، ووضعها في قاموس من أنماط الأصوات القصيرة. تَمثَّل الهدف من هذه الخوارزمية في إيجاد أفضل تقسيم للأصوات؛ أي العثور على خوارزميةٍ يمكنها إعادة إنتاج كل صوتٍ طبيعيٍّ كاملٍ باستخدام أنماطٍ قليلةٍ بقدر الإمكان. ومن ثم، كانت هذه الخوارزمية تسعى نحو شفرة مبعثرة. إذا تطور النظام السمعي في الدماغ ليقوم بتشفير الأصوات الطبيعية بطريقة مبعثرة، فإنَّ أنماط الأصوات التي تفضلها الأعصاب السمعية لا بد أن تتوافق مع الأنماط التي أنتجتها الخوارزمية.

وجد لويكي أن إنشاء قاموس من أصوات الحيوانات فقط نتج عنه أنماط من الأصوات لا تحاكي الأصوات الفعلية للحيوانات. لا سيما أن الأنماط التي تنتجها الخوارزمية كانت بسيطة جدًّا؛ إذ تُمثِّل نغمات صافيةً بدلًا من خليط مركب من النغمات والأصوات التي تميل الأعصاب السمعية للحيوانات إلى تفضيلها. إلا أن تطبيق هذه الخوارزمية على مزيج من الضوضاء الحيوانية وأصوات الخلفية؛ نتج عنه محاكاة فعلية لأصوات الحيوانات. وهذا يشير إلى أن نظام التشفير للنظام السمعي يتطابق بالفعل مع هذه الأصوات البيئية، وهو ما يسمح له بتشفير هذه الأصوات بكفاءة. علاوة على ذلك، وجد لويكي أن القاموس المكوَّن من الكلام البشري أيضًا أعاد إنتاج الملامح الصوتية المفضَّلة في علم الأحياء. اتخذ لويكي من ذلك دليلًا على النظرية القائلة بأن الكلام البشري قد تطور، لتحقيق أقصى استفادةٍ من نظام التشفير الحالي للنظام السمعي.٩

•••

في عام ١٩٥٩ قدم بارلو أفكاره عن خواص معالجة المعلومات الخاصة بالدماغ، إلى مجموعةٍ من الباحثين المَعنيِّين بالحواس، المتجمِّعين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. عندما تُرجمت فعاليات هذا اللقاء إلى الروسية للجمهور السوفييتي، اقتُطعت مساهمة بارلو بشكل واضح. فقد اتضح أن السوفييت لديهم مشكلة مع استخدام نظرية المعلومات لفهم الدماغ. نتيجة للنظر إلى استخدام نظرية المعلومات لفهم الدماغ، بوصفه جزءًا من «علم السيبرانية البرجوازي الزائف»، فإن ذلك يتعارض مع الفلسفة السوفييتية الرسمية التي تتعارض مع مساواة الإنسان بالآلة. وقد انتقد القادة السوفييت — والعلماء الخائفون أحيانًا تحت حكمهم — هذا الموقف علانيةً، واعتبروه إحدى التبعات الحمقاء للرأسمالية الأمريكية.

على الرغم من أن نقدَهم كان نابعًا من دوافع سياسية، لم يكن الاتحاد السوفييتي الناقد الوحيد لنظرية المعلومات في علم الأحياء. ففي عام ١٩٥٦ حذرت مقالة قصيرة بعنوان «الانقياد» من التطبيق الحماسي المفرط لنظرية المعلومات، في مجالات مثل علم النفس والدراسات اللغوية والاقتصاد والأحياء. «من النادر أن يُرفع الستار عن الكثير من أسرار الطبيعة في آنٍ واحد. سيكون من السهل جدًّا أن ينهار ازدهارنا الذي يتسم ببعض التصنُّع ما بين طرفة عين وانتباهتها، عند إدراك أن استخدام القليل من الكلمات المثيرة التي على شاكلة المعلومات والإنتروبيا والتكرار؛ لن يحل جميع مشكلاتنا.» كُتبت هذه المقالة على يد شانون بنفسه، بعد ثماني سنوات فقط من إخراجه نظرية المعلومات إلى النور.

حتى إن المخاوف التي جاءت بشأن مدى التشابه بين إطار عمل شانون والدماغ؛ كان مصدرها العلماء الذين يقومون بالتشبيه. في مقالةٍ نُشرت عام ٢٠٠٠ حذر بارلو من «أن يستخدم الدماغ المعلومات بطرق مختلفة عن الطرق الشائعة في هندسة الاتصالات.» كما أوضح بيركل وبولوك أنهما لن يلتزما كل الالتزام بتعريف شانون للمعلومات، بل سيتعاملان مع مفهوم «التشفير» في الدماغ باعتباره استعارةً قد يكون لها درجات متنوعة من الفائدة.

الحذر مطلوب. تُعد وحدة فك التشفير أحدَ عناصر نظام شانون الشائكة التي يصعب تطبيقها على الدماغ. في نظام الاتصالات البسيط يحصل المستلم على الرسالة المشفرة من خلال القناة، ثم يقوم ببساطة بعكس عملية التشفير لكي يفكَّ شفرة الرسالة. فمستلم رسالة التلِغراف على سبيل المثال يستخدم الجدول المرجعي نفسه، الذي استخدمه المُرسِل لمعرفة كيفية ترجمة النقاط والشَّرطات إلى أحرف مرة أخرى. إلا أنه من غير المرجَّح أن يكون النظام في الدماغ متماثلًا إلى هذا الحد. ويرجع ذلك إلى أن «الخلايا العصبية» هي وحدات فك الشفرة الوحيدة، وليس من السهل التنبُّؤ بما تفعله هذه الخلايا بالإشارة التي تستلمها.

لنتناول التشفير في الشبكية على سبيل المثال. عند الكشف عن فوتون من الضوء، فإن بعض الخلايا الموجودة في الشبكية (الخلايا النشطة) تشفِّر هذا من خلال زيادةٍ في معدلات إطلاقها للإشارات، في حين تقوم المجموعة الأخرى من الخلايا الأخرى (الخلايا غير النشطة) بتشفير هذا من خلال تقليل معدلات إطلاق الإشارات فيها. إذا كان هذا التبديل المنسَّق في معدلات إطلاق الإشارات ما بين الزيادة والنقصان، هو الرمز الذي حدَّدته شبكية العين للإشارة إلى وصول الفوتون، فمن الممكن أن نفترض أن هذا هو أيضًا الرمز الذي قامَت المناطق اللاحقة في الدماغ بفك شفرته. إلا أن هذا لا ينطبق هُنا.

في عام ٢٠١٩ قام فريقٌ من الباحثين من فنلندا بالتعديل الوراثي للخلايا في شبكية عينِ فأر. على وجه التحديد، جعلوا الخلايا المنشطة أقل حساسية للفوتونات. ومن ثم، عندما يدخل فوتون إلى العين، ستظل الخلايا غير النشطة تُقلِّل من معدلات إطلاق الإشارات، في حين أن الخلايا النشطة قد تزيد معدلات إطلاقها وقد لا تزيدها. كان السؤال هو: إلى أي مجموعةٍ من الخلايا سيستمع الدماغ؟ كان من الممكن أن تكون المعلومات حول الفوتون متاحةً للاستخدام، إذا فُكَّت الشفرة المخزَّنة في الخلايا غير النشطة. إلا أنه لم يتضح أن الحيوانات تستخدمها. بتقييم قُدرة الحيوان على تحديد الإضاءات الخافتة، تبيَّن أن الدماغ كان يقرأ نشاط الخلايا النشطة فقط. لو لم ترسل هذه الخلايا ما يفيد بأنه اكتُشف فوتون، لما استجاب الحيوان. فسَّر العلماء هذا على أن الدماغ، على الأقل في هذه الحالة، لا يفكُّ شفرة جميع المعلومات المشفرة. فهو يتجاهل الإشارات التي ترسلها الخلايا غير النشطة. ومن ثم، أوضح الباحثون: «عند الوصول إلى حد حساسية الإبصار، لا تُنتج مبادئ فك الشفرة الخاصة بالدماغ الحل الأمثل الذي تنبَّأت به نظرية المعلومات.» فكَوْن العلماء بمقدورهم تحديد أنماط إطلاق الإشارات العصبية الكهربية؛ لا يعني أن هذا مُهِم بالنسبة للدماغ.

ثمة العديد من الأسباب المحتملة لذلك. أحد هذه الأسباب المهمة هو أن الدماغ عبارة عن آلة لمعالجة المعلومات. بمعنى أنه لا يسعى إلى إعادة إنتاج الرسائل المرسلة عبره فحسب؛ بل يُحوِّلها إلى فعل للحيوان. وهو يجري عمليات حسابية على المعلومات، ولا يكتفي بمجرد نقلها وحسب. وعليه، فإن التوقعات بشأن آلية عمل الدماغ وفقًا لنظام الاتصال الذي قدمه شانون تفتقر إلى هذا الهدف الحاسم. لا يشير الاستنتاج الذي يفيد بأن الدماغ لا ينقل المعلومات على النحو الأفضل بالضرورة، إلى عيبٍ في تصميمه. فقد صُمِّم لغرض آخر.

ليس من المتوقع أن تُطبق نظرية المعلومات، التي ابتُكِرت باعتبارها لغةً لأنظمة الاتصال الاصطناعية، تمامًا على الجهاز العصبي. الدماغ ليس مجرد خط تليفون. ومع هذا، تشترك أجزاء من الدماغ في مهمة الاتصال الأساسية. ترسل الأعصاب الإشارات. وتفعل هذا من خلال نوع من الشفرات يعتمد على معدلات إطلاق الإشارات، أو أزمنة إطلاق الإشارات، أو أنماط النشاط العصبي. يُعد إلقاء نظرة على الدماغ من وجهة نظر نظرية المعلومات مسعًى معقولًا، نتج عنه العديد من الرؤى والأفكار. لكن إذا حدَّقت طويلًا، فستجد ثغراتٍ واضحةً في هذه المقارنة. هذا هو سبب التحفُّظ. وعليه فإن مقارنة نظام اتصالٍ بالدماغ تكون مفيدةً عند عدم المبالغة فيها وتحميلها أكثر مما تحتمل.

١  كان مارفن مينسكي، أحد مؤلفي كتاب «بيرسيبترون» مُشار إليه في الفصل الثالث، يعمل تحت إشراف شانون في ذلك الوقت ويُنسب إليه تصميم الآلة العديمة الفائدة. يُقال إن شانون أقنع مختبرات بيل بإنتاج العديد منها، وتقديمها هدايا للمديرين التنفيذيين في شركة إيه تي آند تي.
٢  سنتعرف على المزيد حول الاحتمالات وتاريخها في الفصل العاشر.
٣  لم يكن لوغاريتم الأساسِ اثنين الخيارَ الوحيد للمعلومات. قبل العمل الذي قام به شانون، طرح زميله رالف هارتلي تعريفًا للمعلومات باستخدام لوغاريتم الأساس ١٠، وهو ما كان سيجعل التعبير عن كمية المعلومات من خلال «الأرقام العشرية» أو «الديت» بدلًا من «البت».
٤  إفصاح كامل؛ على الرغم من ذلك، لا يزال بعض علماء الأعصاب المعاصرين يستكشفون الفكرة القائلة بأن جهود الفعل تتغير حقًّا، بطرق معينة بِناءً على المدخلات التي تحصل عليها الخلية، وإن هذه التغيرات قد تكون جزءًا من الشفرة العصبية. فالعلم ليس جامدًا كالحجَر على الإطلاق.
٥  يُرجع بارلو الفضل في اهتمامه بالعلوم إلى والدته نورا، حفيدة شارلز داروين.
٦  في حالة أنك لم تتمكن من قراءة الجملة: people can still read sentences that have all the vowels removed. فهي تعني «لا يزال بإمكان الناس قراءة الجُمل التي أزيلت منها كل الحروف المتحركة». وتُعد كتابة الرسائل النصية والتغريدات من الطُّرق الرائعة، لمعرفة عدد الحروف التي يمكن إزالتها من الكلمة قبل أن تُسبِّب مشكلات.
٧  من الناحية الفنية، إذا كانت الخلية العصبية لها اتجاه حركة مفضَّل، بمعنى أنها تطلق إشارات بقوةٍ أكبر في حالة الحركة ناحية اليمين على سبيل المثال، فإنها ستُطلق إشارات بأقصى معدل إطلاق في هذا الاتجاه، وأدنى معدل إطلاق في حالة السرعة العالية في الاتجاه المقابل. لكن المبدأ ظل كما هو بصرف النظر عن التبديل بين هذَين النوعَين من الحركة.
٨  يعتبر علماء الأعصاب «خلية الجدة» تميمةَ التشفير المبعثر. من المفترض أن تكون هذه الخلية العصبية الخيالية الخليةَ الوحيدة التي تُطلق إشارات عندما ترى جدتك (ولا تُطلق إشارات استجابة لشيءٍ آخر). ابتكر جيروم ليتفين (الفتى صاحب الضفدعة الذي تناولناه في الفصل السابق) مثل هذا المثال المتطرف على التشفير الفعَّال، كي يعرض المفهوم على طلابه بطريقة مفعمة بالحياة.
٩  إذا سألت نفسك وأنت تقرأ في الفصل الأخير عن السبب في أن هذه الخلايا العصبية في النظام البصري تحدد الخطوط، فيمكن لنظرية المعلومات الإجابة عن ذلك أيضًا. في عام ١٩٩٦ طبَّق برونو أولشوزن وديفيد فيلد طريقة مشابهة لطريقة لويكي؛ من أجل إيضاح أن الخطوط هي التي يُفترض أن تستجيب لها الخلايا العصبية، إذا كانت تشفِّر الصور بكفاءة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤