الفصل الثالث عشر

فكرة الأدب وأدب الفكرة

جاءتني الرسالة الآتية من الصديق الفاضل الأستاذ أحمد بهاء الدين، أرسلها من لندن، شفاه الله وعافاه، ورسالته تعليق على المقالة التي نشرتُها في الأهرام بتاريخ ٢٥ / ٢ / ١٩٨٥م، بعنوان «تلك هي القضية»، وهذه هي: قرأت كلمة الزميل الأستاذ أنيس منصور عن الحوار مع الشاعر الروسي المعروف إيفنتوشينكو، وقرأت مقالكم الذي جاء تعليقًا على هذا الحوار، ويهمني أن أوضح لكم أمرين الأول: هو أني لم أكن داعيًا للشاعر إيفنتوشينكو والزملاء الأصدقاء أنيس منصور، وكامل الزهيري، ورجاء النقاش إلى أسوان بصفتي الشخصية، ولكن بصفتي رئيسًا لمجلس إدارة دار الهلال في ذلك الوقت، ولم يكن من حظي أن أسافر معهم، وبالتالي لم أكن موجودًا، عندما سأل إيفنتوشينكو — كما قرأت في مقال الأستاذ أنيس منصور — ما هي القضية التي تشغل بال الكتَّاب المصريين، وأجابه من أجابه من الزملاء: إنها قضية الواقعية الاشتراكية.

الأمر الثاني: إنني أتصور أن السؤال كان في نطاق الأدب فقط، وليس سؤالًا فكريًّا، كما علقتم في مقالكم، فإنني أذكر أن بعض نقاد الأدب كانوا مشغولين — في ذلك الوقت — بمذهب الواقعية الاشتراكية، كمذهب في الأدب، وليس كمذهب في الفكر بمعناه الشامل.

وهنا أستأذنكم في أن أضيف أني لم أفهم، ولم أعترف يومًا حتى في مجال النقد الأدبي، بشيء اسمه الواقعية الاشتراكية، فإنني أجد أن إلحاق تعبير «الواقعية» بوصف مذهبي سياسي اجتماعي تناقض شديد يلغي المعنى تمامًا، فإذا انتقلنا إلى الدائرة الأوسع، التي انصبَّ عليها مقالكم البليغ كالعادة وهي دائرة «الفكر»، فقد كانت عقيدتي — ولا تزال — أن السؤال الفكري الأكبر المطروح على العقل المصري والعقل العربي عامَّةً، منذ أكثر من قرن هو بالضبط السؤال الذي طرحتموه، وهو موقفنا من العصر، سؤال هجس به خاطر رفاعة الطهطاوي، ومن قبله الجبرتي بعد أول زيارة له لمعامل البعثة العلمية الفرنسية، في أثناء حملة نابليون، وأثاره بجرأة ووضوح الشيخ محمد عبده ومن تبعه، وما زال السؤال مطروحًا منذ أكثر من قرن دون إجابة، أو بالأحرى أن هناك إجابات شتَّى، ولكن دون إجابة تصبح محل اعتناق الكتلة الكبرى من مثقفينا وشعوبنا، وتسمح لنا بالانطلاق، وفي السنة الماضية وحدها، عُقد ما يقرب من خمسة عشر مؤتمرًا في العالم العربي، تحت عنوان «الأصالة والمعاصرة»، وهي كما ترى، تدور كلها حول محاولة الإجابة على هذا السؤال.

وقد أضيف أن العقل العربي يريد أن يواكب العصر بغير شك، ولكن البعض يخشى أن يكون في مواكبتنا للعصر، وقبولنا للتحدي ما يفقدنا هويتنا وتراثنا وأصالتنا، ومذهبي غير ذلك، ذلك أن الأساس الصميم والصحيح والنقي، من تراثنا وهويتنا، قادر على اقتحام العصر والاكتساب منه، دون أن يتأثر، وهذا بالضبط ما فعله عصر النهضة الإسلامية الأول، وبنى حضارة الإسلام وإمبراطوريته دون خوف ولا وجل.

أما الخوف الكامن في بعض النفوس، فسببه ما خلفته عصور الانحطاط والظلام والاستبداد، التي تلت ذلك، والتي لا صلة لها بمعدن تراثنا الأصيل إنما هي التراب الذي تراكم على هذا المعدن، فأطفأ لمعته، وأخفى جوهره، وخلط الإيمان بالخرافة.

وماذا نقول أكثر من قولة النبي منذ أربعة عشر قرنًا: «اطلبوا العلم ولو في الصين.» وأي وصية أبلغ من هذه الوصية، في الانفتاح على كافة علوم العصر وفنونه، بكل الثقة في النفس، ثقة يعرفها من يشعر أنه ممسك بالأصل المتين والجوهر الثمين، ولا يعرفها المتعلق بالقشور الغريبة، وبالفروع الطارئة.

انتهت رسالة الأستاذ أحمد بهاء الدين، وإني لأشكر له هذا الاهتمام وهذه السرعة التي رد بها، فذلك وحده دليل على حدة وعيه وشدة يقظته للأحداث الثقافية في حياتنا، مما جعله منارة هادية، وأما دوري في هذا الموضوع؛ فأحسبه قد انتهى بما كتبته في مقالتي التي علقت بها على ما كنت قرأته للأستاذ أنيس منصور فيما رواه عن لقائه مع الزملاء للشاعر الروسي بأسوان في أواسط الستينيات، إلا أنني أود أن أذكر نقطتين وردتا في ذهني، في أثناء قراءتي لرسالة الأستاذ أحمد بهاء الدين، أما أولاهما فهي أنه أدار تعليقه على عبارة «الواقعية الاشتراكية»، مع أن العبارة كما وردت في مقالة الأستاذ أنيس منصور، وهو يذكر لقارئه ما كانوا قد أجابوا به على سؤال إيفنتوشينكو هي «الاشتراكية الواقعية»، فهذه العبارة تجعل الحديث منصبًّا على الاشتراكية، في حين جاءت عبارة الأستاذ أحمد بهاء الدين معكوسة، فجعلت موضوع الحديث هو «الواقعية»، وكان من نتائج هذا الاختلاف أن ربط الأستاذ بهاء الدين إجابة الزملاء ﺑ «الأدب» لا ﺑ «الفكر» بمعناه الشامل، قائلًا إنه يتذكر بأن تلك الفترة (أواسط الستينيات) قد شهدت في دنيا الأدب اتجاهًا نحو «الواقعية».

وأما النقطة الثانية مما ورد إلى ذهني في أثناء قراءتي لرسالة الأستاذ أحمد بهاء الدين؛ فهي التفرقة بين ما هو «أدب»، وما هو «فكر»، ولا شك في أن بينهما فرقًا، إلا أنه — فيما أعتقد — مغلف بكثير من الغموض عند أدبائنا ونقادنا معًا، مما أدى بهم في أغلب الحالات إلى الظن بأنه لا أدب إلا في الشعر والرواية والمسرحية، وجمعوا هذه الفروع تحت كلمة «إبداع»، مما يوهم بأنه لا إبداع في دنيا الأدب، إلا إذا وقع الكلام تحت فرع من تلك الفروع، وهو ظن بالغ الخطورة؛ لأننا إذا أخذنا به أسقطنا من الأدب كل ما كتبه الأقدمون مما نسميه بالنثر الفني، فلا الجاحظ ولا التوحيدي ولا المعري (في نثره) ولا أضرابهم يكون لهم الحق في دخول عالمهم الذي هو وحده عندهم عالم الأدب، فاعتزمت — وأنا أقرأ رسالة الأستاذ بهاء الدين — أن أخصص ما يبقى لي من فراغ في هذه المقالة لعرض محاولة سريعة قد تساعد على إقامة شيء من التحديد الذي يضبط الفواصل بين ما هو أدب، وما هو فكر، وما هو علم.

•••

لنترك الآن ما قد يطلق عليه اسم «الفكر» وعلى صاحبه اسم «المفكر»، ولنحصر انتباهنا بادئ ذي بدء، في «الأدب» من جهة، و«العلم» من جهة أخرى، فهما متضادان كامل التضاد في الخصائص الجوهرية لكل منهما، فما هو أدب لا يكون علمًا، وما هو علم لا يكون أدبًا، ولعل أوسع اختلاف بينهما هو في أن العلم ينظر إلى موضوع بحثه وكأنه ليس في الوجود «إنسان»، في حين أن الأدب ينظر إلى موضوع بحثه وكأنه ليس في الوجود إلا الإنسان، إن العلم حتى وهو يبحث في جانب من جوانب الإنسان يتجاهل أنه إنسان، وينظر إلى الجانب الذي يبحثه وكأنه مجرد ظاهرة من ظواهر الطبيعة، فلا فرق في تشريح أعضاء الجسم بين أن يكون ذلك التشريح منصبًّا على جسم إنسان أو على جسم حيوان، ولا فرق في معامل علم النفس بين دراسة ردود الفعل — وأعني ما يسمُّونه في علم النفس بالأفعال المنعكسة — التي قد تكون، من إحدى وجهات النظر العلمية، هي الأساس الذي تبنى عليه عملية التعلم كلها، أقول: إنه لا فرق في معامل علم النفس بين أن تكون الكائنات موضوع الدراسة التجريبية آدميين أو من الفئران، وهكذا نرى أنه بينما العلم «يطبعن» الإنسان إذا كان هذا الإنسان موضوعًا لبحثه (إذا صح لنا استخدام هذه الكلمة، بمعنى أن العلم يحول الظاهرة الإنسانية التي يجعلها موضوع تجاربه العلمية وأبحاثه، يحولها إلى مجرد ظاهرة طبيعية.) وأما الأدب فهو على عكس ذلك تمامًا، «يؤنسن» الطبيعة، مرة أخرى نقول (إذا صح لنا استخدام هذه الكلمة، لتعني أنه يحول الظاهرة الطبيعية في خياله إلى إنسان.) فكلنا يعلم كيف يتعامل الأديب مع أجزاء الطبيعة التي يختارها ليربط الصلة بينه وبينها، فترى الشاعر — مثلًا — ينفخ من حياته هو حياة في الجبل أو النهر أو الزهرة أو القمر أو ما شاءت له نوازعه الشاعرة أن تختار من كائنات طبيعية ليعايشها، فهو في كل حالة من تلك الحالات لا يتصور إلا أنه إنما يخاطب كائنًا حيًّا، يبادله شئونه وشجونه وخواطره ونشواته، وإنه لمن أجمل ما قرأته في كل ما قرأت من شعر عربيٍّ وغير عربيٍّ، عن طبيعة الشعر نفسه، وكيف أنه هو الذي يبثُّ الحياة في الوجود بكل كائناته، ثم هو اللسان الذي تتحدث به الحياة إلى الحياة، بغض النظر عن اختلاف الكائنات الحية، وجميع الكائنات في قلب الشاعر وخياله إنما هي من الأحياء، أقول: إن من أجمل ما قرأته لشاعر في هذا المعنى هو ما ورد في قصيدة طويلة للعقاد، بعنوان «الحب الأول»، ومما يقوله في ذلك، هذه الأبيات الثلاثة:

والشعر ألسنة تفضي الحياة بها
إلى الحياة بما يطويه كتمان
لولا القريض لكانت — وهي فاتنة —
خرساء ليس لها بالقول تبيان
ما دام في الكون ركن للحياة يرى
ففي صحائفه للشعر ديوان

فتلك إذن هي أولى الخصائص، وأوسعها، مما نميز به بين الأدب في ناحية، والعلم في ناحية أخرى، فبينما العلم — كما أسلفت القول — «يطبعن» الأحياء ليجعلها عنده طيعة من الطبيعة، نرى الأدب — والشعر خاصة — «يؤنسن» الطبيعة حتى لكأن كل ما فيها إنس يخاطبهم ويخاطبونه.

وأول ما يتفرع لنا من تلك الخصيصة الشاملة، فارق هام بين ما هو علم وما هو أدب، فالعلم ينشد القوانين العامة للظاهرة التي يبحثها، فإذا كان موضوعه — مثلًا — جانبًا من جوانب النبات وكيف يمكن إنماؤه لينتج محصولًا أوفر، فهو لا تهمه هذه الشجرة المعينة دون أخواتها، بل كل الشجر عنده سواء، ما دامت من نوع واحد، وفي ظروف واحدة؛ لأن المهم عنده هو استخراج القاعدة العامة المشتركة بين أفراد النوع المعين، ولذلك فهو خلال بحثه العلمي يُسقط من حسابه كل المميزات الفردية التي تتميز بها كل شجرة على حدة ليستبقي ما هو مشترك وعام، وأما الأدب فهو على ضد ذلك تمامًا؛ إذ الأديب وهو يصور شخصية في رواية، أو في مسرحية، أو وهو يرسم موقفًا معينًا تتفاعل فيه عدة شخصيات، فهو إنما يبحث عن جانب التفرد الذي يجعل الشخص المعين فريدًا بين سائر الأشخاص، أو الذي يجعل الموقف المعين متميزًا، بما يبرز طبيعته دون سائر المواقف، وهكذا ترى أن الأدب — على عكس العلم — يُسقط من حسابه ما هو مشترك وعام بين أفراد النوع الواحد، ليستبقي الجوانب التي تجعل من الفرد فردًا فريدًا، فبينما العلم يبحث عن الحقيقة العلمية في تعميمها وتجريدها، ترى الأدب يبحث عن اللحظات المشخصة المجسدة المتعينة المتميزة المتفردة.

وقد تصادفنا في الأدب حالات نقف أمامها حيارى: أهي تعميم كالذي يبحث عنه العلم؟ أم هي تفريد كالذي يصوِّره الأدب؟ ومن أهم الأمثلة على ذلك «الحكمة» حين ترد في بيت من الشعر أو في جملة من النثر الفني، فالحكمة بطبيعتها حكم عام، لكنها كذلك ضرب من الصياغة مما يندرج في الأدب، إلا أن الخاصية التي تجعل تعميم الحكم فيما هو «حكمة» لا ينفي عن القول طبيعته الأدبية ليدخله في زمرة القوانين العلمية؛ لأن الفرق هنا هو أن التعميم في الحكمة نابع من خبرة الأديب أو الشاعر، وليس هو نتيجة بحث موضوعي أجراه الباحث على أشياء خارج نفسه، فإذا قال زهير — مثلًا — «رأيت المنايا خبط عشواء، من تصب تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم»، أو إذا قال المتنبي: «وإذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم»، فكل منهما إنما ينضح بحكمته من خبرته، وفي ذلك ما يبعد به عن منهج العلم في استخراج تعميماته.

وكذلك هناك حالات في الأدب، نصادف فيها أقوالًا تحتوي على ما يصح أن يكون من الحقائق العلمية، لكنك هنا أيضًا، إذا دققت النظر في أمثال تلك الحالات وجدتها قد كُسيت بما يربطها بخبرة الإنسان الخاصة، فتتميز بهذا عن مثيلاتها من التعميمات العلمية، خذ مثلًا لذلك هذا البيت من قصيدة أبي العلاء المعري المشهورة التي مطلعها: «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي، نوح باكٍ ولا ترنم شاد»، وأعني ذلك البيت الذي يقول فيه: «خفف الوطء لا أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد»، فقد تقول: أليست حقيقة كون أجساد البشر تتحلل بعد موتها فتعود ترابًا من تراب الأرض، حقيقة يمكن هي نفسها أن يقولها العلم؟ والجواب هو: نعم، لكن انظر إلى قوله في أول البيت: «خفف الوطء»، أي إن الشاعر يخاطبك قائلًا لا تطأ الأرض بقدميك في ثقل وغلظة؛ لأنك إنما تدوس على ما كان ذات يوم أجسادًا بشرية، فهذه اللفتة الإنسانية هي التي خلعت على الحقيقة التي تشبه حقائق العلم روح الشعر، أو انظر إلى بيت آخر في القصيدة نفسها، يقول فيه: «والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد»، فها هنا كذلك قد تجد في البيت حقيقة هي نفسها مما يقوله العلم، وهي أن الكائنات الحية إذا كانت يخرج بعضها من بعض، فإن الخلية الحية الأولى، التي منها تسلسل سائر الخلايا — وبالتالي سائر الكائنات الحية — لا بد أنها قد استحدثت من جماد؛ إذ لم يكن سبقها إلا الجماد، لكن — مرة أخرى — انظر إلى أول البيت؛ إذ يقول فيه الشاعر ما يدلنا على «حيرة الإنسان» إزاء هذا اللغز الكوني العجيب، وهو أن تخرج خلية حية من جماد موات، فكذلك هنا جاءت تلك الإشارة إلى الإنسان ومشاعره لتخلع روح الشعر على حقيقة كان يمكن أن تندرج في زمرة الحقائق العلمية.

أظن في هذا الذي ذكرناه للتفرقة بين طبيعة العلم وطبيعة الأدب، ما يكفي، وننتقل الآن إلى أشد الأقسام غموضًا، وأصعبها تحديدًا، وهو ما نطلق عليه اسم «الفكر» ونطلق على صاحبه اسم «المفكر»، فما هو ذاك؟

هنالك مجموعة من المعاني لها طابعٌ متميزٌ، تقع وسطًا بين الطرفين المتضادين اللذين هما العلم في طرف والأدب في طرف آخر، وتلك المجموعة من المعاني التي أشير إليها، لا هي من العلم ولا يمكن أن تكون؛ لأنها تستعصي على التعريف الدقيق الذي يحدد معالمها وحدودها تحديدًا قاطعًا، كالذي تخضع له مصطلحات العلوم، ولا هي كذلك تنتمي إلى الأدب؛ لأنها على درجة من التعميم والتجريد، مما يتنافى مع طبيعة الأدب التي تأخذ نفسها بالتخصيص والتفريد، ومع ذلك فتلك المجموعة من المعاني لها في حياة الإنسان من الأهمية والخطورة ما يجعلها هي وحدها — دون طرفي الأدب والعلم — التي يمكن أن تثار الحروب بين الدول إذا هي اختلفت في شأن يمسها، كما قد تنشب المعارك القاتلة بين الأفراد إذا دب بينهم خلاف في مجالها، فمن هذه المجموعة — على سبيل المثال — هذه المعاني: الحق، العدل، الحرية، المساواة، التقدم، الخير، الثقافة … إلى آخر هذا القبيل إذا كان لهذا القبيل آخر، ويمكن تجميع هذه المعاني تحت اسم واحد شائع بين الناس هو: «القيم»، والقيم لا حصر لعددها، لكنها تندرج تحت ثلاثة رءوس هي: الحق، والخير، والجمال، فأما «الحق» فمعيار تقاس به معلوماتنا وعلومنا من حيث الصواب والخطأ، وأما «الخير» فمعيار يقاس به السلوك الذي نتصرف به في تعامل الإنسان مع الإنسان، أو مع مختلف المواقف، من حيث المشروعية أو نفيها، وأما «الجمال» فيقصد به ذلك المعيار الذي يُقاس به درجة السواء أو النشاز في الأشياء، طبيعية كانت أو من صنعة الإنسان.

وعلى الرغم من أنه يستحيل أن تستقيم حياة لإنسان، منفردًا أو مجتمعًا، إلا إذا كان يملك قدرًا من المقاييس التي تميز له بين ما يجوز وما لا يجوز في جوانب حياته، فإنه لا سبيل إلى اتفاق الناس على تعريفات محددة لتلك المقاييس التي هي «القيم»، فكل واحدة منها كأنها البئر الغزيرة الماء، يستطيع كل من شاء أن يغترف منها أي معنًى أراد، ومن هنا كانت أهميتها، ومن هنا كذلك كانت خطورتها، لماذا؟ لأنه ما من تغير في حياة الإنسان، إلا وهو آخر الأمر مرتكز على استبدال قيمة معيارية بقيمة أخرى، فإذا أراد كاتب أن يدعو إلى «التقدم» فربما وجد بين الناس من يزعم له بأن التقدم المطلوب إنما يتحقق بالرجوع إلى الزمن الماضي في أوضاعه وأحكامه، فمن الذي يستطيع أن يفضَّ الخلاف بين رجلين، كلاهما يريد التقدم، إلا أن أحدهما يراه في الماضي ويراه الآخر في مستقبل لم يُصنع بعد؟ وقل شيئًا كهذا في كل قيمة من تلك القيم المهمة جدًّا، الضرورية جدًّا، الغامضة جدًّا في حدودها … وفي هذا الميدان العسير يكون «الفكر» والمشتغل بالدعوة إلى تغيير الحياة نحو الأفضل هو الفكر.

على أن تلك القيم عندما يعالجها المفكر، ابتغاء أن يغير من حياة الناس عن طريق تغيير ما هو قائم منها مما يعرقل حركة الحضارة، ليقيم مكانها بديلًا آخر يمكن أن يكون أقوى دفعًا للموقف الحضاري، قد يلجأ إلى وضعها في مركب فيه بعض صفات التركيب الأدبي، وعندئذٍ تجيء كتابته جزءًا من الأدب أو في هوامشه، وكذلك قد يلجأ في عرضها إلى الاتجاه المضاد، فيقربها من دقة العلم، وعندئذٍ تجيء كتابته مطبوعة بطابع فلسفي، فمن أعلام الأدب من جاء أدبه مثقلًا بنقد القيم، حتى يختلط الأمر على الناس فيقول بعضهم عن شعره — إذا كان شاعرًا — إنه فلسفة وليس شعرًا، كما هي الحال مع أبي العلاء المعري، وكذلك من أعلام الفلسفة من جاءت فلسفته في قالب يشبه الأشكال الأدبية، فيختلط الأمر على الناس أيضًا، قائلين إنه أدبٌ أكثر من فلسفة، كما هي الحال في بعض المحاورات الأفلاطونية، وعلى أية حال فكثير جدًّا مما ينتج في هذا المجال، يمكن أن نسميه بأدب الأفكار؛ لأنه متميزٌ من أدب الشعر والرواية والمسرح.

على أن الشعر والرواية والمسرح، إذا جاء أدبها رفيع المستوى كتلك الآيات التي خُلِّدت على طول الزمان، تحتم أن ينطوي كل ناتج منها على مضمون فكري، مضمر في ثناياه كالدر في أصدافه، وتكون مهمة الناقد الأدبي في هذه الحالة هي إخراج ذلك الدر الفكري المستتر، إلى علانية تراها الأبصار.

فعالم «الفكر» الذي هو عالم «القيم» بصفة أساسية؛ قد يعرض الفكرة المعينة في عناصرها العارية المجردة، وعندئذٍ تكون فلسفة، والفلسفة تقع مع العلم في امتداد واحد، نصف منه يكمل النصف الآخر، وشرح ذلك يطول وكذلك قد يعرض الفكرة في صورة من صور الأدب، كما فعل سارتر حين جسَّد بعض أفكاره في مسرحياته.

فلكل قطعة من الأدب الرفيع فكرتها، ولكل فكرة وسائل تتجسد بها في أدب رفيع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤