الفصل السادس

الزوَّار

بعد مرور أسابيع عديدة من الوحدة، وفي ليلة من الليالي، بعد أن بلغت سارا الخائرة القوى قمة السلم المؤدي إلى العلية، اندهشت لدى رؤيتها وميض ضوء شمعة يتسلل من تحت باب غرفتها.

فتحت سارا الباب لتجد إرمنجارد مرتدية ملابس النوم ومتدثرة في وشاح أحمر، وجالسة على مسند القدم المكسور. وعندما رفعت إرمنجارد رأسها، رأت سارا أن أنفها وعينيها تلونوا باللون الوردي من البكاء.

صرخت سارا: «إرمنجارد! لا يجدر بكِ أن تكوني هنا، ستعرضين نفسك لمشكلة.»

قالت إرمنجارد: «أعلم، لكنني لا أبالي.» ثم أغمضت عينيها بقوة فسقطت منهما دمعتان كبيرتان على وجنتيها الورديتين. ثم سألت: «سارا، أرجوك أخبريني، لِمَ لَمْ تعودي تحبينني؟»

شعرت سارا بالرغبة في البكاء.

ثم أجابتها: «لكنني أحبك بالفعل. لقد ظننت أنك أنتِ التي ما عُدتِ تحبينني!»

اندفعت الفتاتان وتعانقتا بقوة. ولأول مرة على الإطلاق تكون إرمنجارد هي من يبادر بالابتعاد أولًا، وعندئذٍ أدركت سارا كم كانت وحيدة دون أعز صديقاتها.

قالت إرمنجارد: «لم أعد أستطيع أن أتحمل هذا، لذا اضطررت أن أصعد إلى هنا وأترجاكِ كي نعود صديقتين من جديد.»

قالت سارا: «أنتِ أطيب مني، لقد افتقدتكِ أيضًا، لكن كبريائي منعني أن أقول أي شيء.» ثم قطبت سارا جبينها وأضافت: «كما ترين حالي الآن، وبعدما نفد ما لدي من حظ، اكتشفت أنني مع كل هذا لست طيبة.»

أدارت إرمنجارد بصرها في أرجاء غرفة العلية يخالجها شيء من الخوف والفضول في الوقت ذاته، ثم سألت سارا: «كيف تطيقين العيش هنا؟»

أدارات سارا بصرها أيضًا في أرجاء الغرفة، فرأت أنها بدأت تعتاد على المكان بالفعل.

أجابت سارا: «أحاول أن أتخيل أنني أقطن مكانًا آخر فحسب. لم أستطع بعض الوقت أن أمارس التخيل بصفة عامة أو أن أروي القصص، حتى بيني وبين نفسي.» أومأت سارا بطريقة جادة، ثم قالت: «لكن كل شيء آخذ في العودة إليّ الآن تدريجيًّا.»

أخبرت سارا إرمنجارد كيف أنها هي وبيكي وإيميلي سجينات في سجن الباستيل، فانجرفت إرمنجارد لتوها في بحر خيال سارا. لقد افتقدت كثيرًا القصص التي تقصُّها سارا على مسامعها.

فطلبت منها: «من فضلك أخبريني بالمزيد عن سجن الباستيل. أيمكنني أن أتسلل إلى هنا ليلًا من وقت لآخر عندما تكون الأجواء آمنة، وأزورك.»

أخبرتها سارا أنه بمقدورها فعل ذلك إذا توخت الحذر الشديد.

لكن فجأة رأت الفتاتان مقبض الباب يُدار. تساءلتا في قلق عمن يكون القادم. هل الآنسة منشن؟ أم الآنسة أميليا؟ هل واحدة من الفتيات الكبار، مثل لافينيا، التي ستشي بهما قطعًا؟ لكن عندما فُتح الباب، تبين أنها لوتي الصغيرة. يبدو أن هذا اليوم هو يوم مليء بالزوار.

ومع أن سارا كانت مرتبكة، فإن زيارة ابنتها «بالتبني» لم تثر دهشتها تمامًا. لكن لوتي، التي كانت في السابعة من عمرها فحسب، ارتبكت كثيرًا بسبب التغيير المفاجئ الذي طرأ على أمها التخيلية، وقد حاولت أن تصل إلى سارا كي تستفهم منها إلى أين أخذوها ولماذا.

رفضت سارا أن تخبرها، لكن لوتي كانت طفلة عنيدة. وكانت قد استرقت السمع إلى نميمة الفتيات الكبريات حول سارا. وفي هذه الأمسية شرعت في رحلة الاستكشاف؛ فارتقت سلمًا لم تكن تعلم بوجوده من قبل؛ صعدت درجات كثيرة للغاية حتى إنها ظنت أن رجليها سوف تنفصلان عن جسدها، إلى أن بلغت العلية ورأت الضوء المتسلل من تحت باب غرفة سارا.

في بادئ الأمر غمرتها الفرحة الشديدة لعثورها على سارا، لكن عندما وقعت عيناها على غرفتها الخاوية القميئة، عبس وجهها. صاحت لوتي في خوف: «سارا أمي!» وبدت وكأنها ستهم بالبكاء وضرب الأرض مجددًا، وهو ما لم تفعله منذ زمن. قالت لوتي: «حتمًا أنتِ لا تعيشين هنا؟»

توسَّلت سارا: «أرجوكِ يا لوتي، لا تثيري جلبة وإلا سأُعنَّف بلا شك، كفاني التعنيف الذي يحل بي طوال اليوم.» حملت سارا نفسها على الابتسام، ثم استطردت: «فضلا عن أن الغرفة ليست بهذا القدر من السوء.»

سألتها لوتي في استنكار وهي تحدق حولها مرة أخرى ويظهر عليها الارتياب: «ليست بهذا القدر من السوء؟ ولِمَ لا؟»

أضافت إرمنجارد، وهي تبدو مرتابة مثل لوتي تمامًا: «نعم، بالضبط.» وقد نسيت تمامًا قصة سجن الباستيل المثيرة.

قالت سارا: «مبدئيًّا، من حسن حظي أنني أقطن علية ذات نوافذ، فليست كل العليات لها نوافذ كما تعرفان، علاوة على أنه بمقدوركما أن تشاهدا عبر هذه النوافذ شتى أنواع الأشياء التي لا تستطيعان أن ترياها من الأدوار السفلى.»

سألتها لوتي: «أي أشياء هذه؟»

أجابت سارا: «الأسقف الساحرة، والأسوار التي يغطيها السخام، والمداخن التي يتصاعد منها الدخان مموجًا في أشكال رائعة، والعصافير الجميلة التي تشقشق وهي تبحث عن فتات الطعام. وقطرات المطر الكبيرة التي تنهمر من السماء وتتلاطم بالأسقف المغطاة بأحجار الأردواز وكأنها قطع من الحلوى، إضافة إلى مغيب الشمس الرائع بلونيه الأحمر القاني والذهبي المتلألئين! وأيضًا السحب الصغيرة التي تشبه كومة الصوف الأبيض الناعم والتي تسبح مهرولة عبر السماء الزرقاء تركب أمواج الرياح.» ثم أشارت سارا نحو الخارج على المبنى المجاور، فأخذت لوتي وإرمنجارد تنظران إليه، فاسترسلت سارا: «وكذلك نوافذ العليات الأخرى مثل هذه النافذة القريبة، حيث يمكن أن تطل منها رءوس أناس آخرين في أي لحظة.»

انقطعت سارا عن الكلام، وأخذت تنظر هي أيضًا نحو نافذة العلية المجاورة، فوجدتها شديدة القرب لا يفصلها عنها سوى امتداد سطح المنزل، حتى إنه قد يمكن لشخص يحفظ توازنه جيدًا أن يسير بسهولة إليها. ومع أنها تمنت كثيرًا أن يأتيها عبر هذا السطح من يؤنس وحدتها، فإن أحدًا لم يفعل هذا.

استرسلت سارا محاولة أن تسترجع نبرتها الباعثة على البهجة: «غرفتي صغيرة للغاية ومرتفعة فوق كل شيء، فهي أشبه بالعش الجميل الذي يسكن أحضان الشجر. وعندما أستلقي في فراشي وأطل عبر النافذة، أشعر وكأني أستطيع بالتأكيد أن ألمس السحب والنجوم.»

لم يساور الشك إرمنجارد في أن سارا تستطيع أن تفعل هذا.

همست لوتي: «وماذا أيضًا؟»

قالت سارا: «حسنًا، انظري إلى هذه المدفأة الصدئة، وتخيلي كم ستكون رائعة وجميلة إذا كانت مُلمَّعَة وموقدة بالنيران.» أطلقت سارا تنهيدة، وأغمضت عينيها، وقالت: «تخيلي أن هناك سجادة على الأرض ناعمة وزرقاء وسميكة على الطراز الهندي، وأريكة وثيرة مريحة في هذا الركن وعليها وسادات لنتكئ عليها. وتخيلي أن هناك مكتبة فوق الأريكة تعج بالقصص الرائعة، وسجادة من الفرو أمام المدفأة، ومصابيح، ورسومات على الجدار، وطعام دافئ شهي موضوع أمامنا كأننا في نزهة …»

أنهت سارا كلامها (إذ أصبحت منهكة للغاية): «وتخيلي لحافًا ناعمًا دافئًا على السرير، أستلقي عليه وأنعم بمثل هذه الأحلام الرائعة!»

قطع صوت نبش أظافر مرتفع آتي عبر الجدران رحلتهن الخيالية.

فقالت لوتي وإرمنجارد في صوت واحد: «ما هذا؟»

ابتسمت سارا وقالت: «لا تقلقن، هذا ملكيسيديك، فأري المدلل.»

سألتها إرمنجارد في توتر وهي تُحكم لفَّ وشاحها الأحمر حولها: «فأرك المدلل «التخيلي»؟»

قالت سارا: «لا.» وعندئذ أخذت تشرح لهما كيف أنها أقامت في الأسابيع الماضية علاقة صداقة مع أحد الفئران عندما تأكد لها أنه لم يتبق لها أي أصدقاء في العالم، وقد أطلقت عليه اسم ملكيسيديك. وقد اكتشفت سارا أنه في غاية الخجل واللطف. وعلى نفس قدر خوف سارا منه كان هو أيضًا مرتاعًا منها، ولم يتطلب الأمر منها سوى بعض الفتات الفائض من المطبخ كي تكسب وُدَّه.

همست لوتي: «هذا يشبه القصص تمامًا.»

أجابتها سارا: «بالطبع، فكل شيء في الحياة هو قصة!»

وفيما كان ثلاثتهن مفتونات بملكيسيديك، لم يلاحظن أن ثمة رأس أخرى قد أطلت أخيرًا من نافذة العلية القريبة منذ بضع دقائق. كانت الرأس لخادم هندي الأصل، أسود الوجه، يعصب رأسه بعمامة بيضاء.

ولمّا كانت نافذتا العليتين مفتوحتين، استطاع الخادم أن يسمع كل ما قيل. ولمّا كان يخشى أن ينسى ولو حتى أحد التفاصيل الصغيرة، انكب على مجموعة من الأوراق يدون كل ما يتطرق إلى أذنيه.

ومع أن زيارة لوتي وإرمنجارد إلى سارا شددت من عزمهما، لم تستطيعا أن تجازفا بالمكوث وقتًا أطول من ذلك. وبعد أن عانقتا صديقتهما لتوديعها، تسللتا عائدتين إلى الطابق السفلي.

لكن سارا أخذت تكرر على نفسها: «كل شيء هو قصة.» وأخذت تحدق في أرجاء العلية مرة أخرى، وإذ بسحر قصصها التي كانت ترويها من أجل الفتاتين الأخريين يزول تمامًا. وعاد كل شيء قاسيًا جامدًا مرة أخرى؛ فعادت إيميلي مجرد دمية، وحتى ملكيسيديك لم يكن بمقدوره أن يريحها. تنهَّدت سارا، وقالت: «يا له من مكان موحش، إنه أكثر مكان موحش في العالم!»

ما زال الخادم يسترق السمع من العلية القريبة، ولم يكن في حاجة لأن يدون قولها هذا، فهو لن ينسى أبدًا مدى الوحدة والحزن اللذين تعيش فيهما هذه الفتاة الصغيرة. بل إنها ذكَّرته بسيِّده الهندي الذي يرقد في الطابق السفلي، والذي يبحث عن فتاة صغيرة في عمر سارا. ورأى الخادم أن هناك الكثير من الأشياء التي تجمع ما بين هذه الفتاة وسيِّده، وفكَّر أنه ربما تكون هناك طريقة لمساعدتهما.

وقبل أن تأوي سارا إلى فراشها، طرقت برفق على الجدار ثلاث مرات؛ كانت هذه الشفرة السرية التي اتفقت عليها مع بيكي ومعناها: «أيتها السجينة، هل أنتِ موجودة؟»

وبعد دقيقة من المفترض أن ترد بيكي بثلاث طرقات مثيلة من الجانب الآخر من الجدار معناها: «أجل، أنا هنا، وكل شيء على ما يرام.» ولم تكن الفتاتان على ما يرام قط، لكنهما كانتا تقولان هذا على كل حال.

وعندئذ ترُدُّ سارا بطرقة رابعة معناها: «إذن لنخلد إلى النوم في سلام يا رفيقة الكفاح، طابت ليلتك.»

•••

في الصباح التالي، كانت سارا تطل من النافذة على أمل أن تلمح شروق الشمس عندما صدر صوت صرير طريف من مكان قريب. بدا كصوت فأر عملاق يلهو في مكان ما فوق السقف. لكن عندما أطلَّت سارا لم تر فأرًا وإنما رأت قردًا يطل برأسه من نافذة العلية المجاورة المفتوحة مثل عفريت العلبة.

وخلف القرد، ظهرت فجأة مفاجأة أخرى؛ الوجه المبهج الباسم للخادم المعصوب الرأس بالعمامة البيضاء. تعجبَت: «قرد وخادم هندي … لا بد أنني أحلم! هل وافتني المنية وعدت إلى السماء في الهند؟»

وقبل أن تستطيع الإجابة عن تساؤلاتها، شاهدت هي والخادم القرد المرح وهو يهرول فوق السقف ويفتح نافذة سارا، وما إن دخل غرفتها حتى أخذ يثب في جنون في كل أرجاء الغرفة.

لكن سارا لم تفزع من وجود القرد، فقد اعتادت أن تحيط بها العديد من القِرَدة في الهند، وقد أضحكها هذا القرد الصغير النشيط. كانت تعلم أيضًا أن القرد لا بد أن يرجع إلى صاحبه، فاستدارت تجاه الخادم مبتهجة بأنها لا تزال تتذكر بعض اللكنات الهندية التي تعلمتها أثناء وجودها في الهند مع والدها، وسألته باللغة الهندية: «هل سيدعني أمسك به؟»

لم تر سارا مثيلًا لأمارات الدهشة أو البهجة التي علت وجه الخادم في تلك اللحظة.

أجابها الخادم في لكنة إنجليزية جميلة: «ربما لا.» ثم قدَّم نفسه لها منحنيًا انحناءة مهذبة راقية: «اسمي رام داس.» ثم أضاف: «إنه قرد لطيف، لكنه عنيد وجامح كالطفل الصغير، ويصعب الإمساك به. لكن هل تأذني لي بأن أعبر السقف وأقف عند حافة نافذتك وأناديه؟ فلعله يقفز إلى ذراعي مباشرة.»

التفتت سارا إلى القرد الذي كان يقفز في أنحاء الغرفة كأنه خائف، وقالت للخادم: «من فضلك افعل هذا.» إذ كانت تخشى أن يؤذي القرد نفسه.

وكان رام داس على حق؛ فما إن لمح القرد وجه سيده الوسيم والعمامة البيضاء حتى قفز إلى كتف سارا أولًا ثم خرج من النافذة، وقبل أن يغيب عن النظر التفت إلى سارا وأطلق صرخة صغيرة يعبر فيها عن شكره لها.

ردَّت سارا وهي تضحك: «يسرني أن أكون في خدمتك.»

لكن رام داس لم يكن سعيدًا؛ إذ استطاع بعينيه أن يلمح في نظرة واحدة عبر النافذة كآبة غرفة سارا التي بلغت أوجها؛ فليس بالأمر المضحك أن تُترك فتاة صغيرة لتعيش بهذه الطريقة. لكنه لم يفصح عن مشاعره الحقيقية أمام سارا، فعندما تحدث إليها بدا وكأنه يتحدث إلى ابنة أمير هندي.

اعتذر الخادم إلى سارا عن أي إزعاج قد يكون القرد سببه لها، ثم شرح لها سبب وجود القرد: «سيدي سقيم للغاية، وهذا المشاغب الصغير يبعث في نفسه الكثير من البهجة.» وبعدها رفع يده ليحييها، وابتسم. ثم اجتاز السقف الأردوازي عائدًا إلى نافذته بخطى ثابتة كالقرد نفسه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤