الفصل الثامن

على الجانب الآخر من الجدار

في المطبخ كان أمرًا غريبًا أن الخدم يعرفون كل شيء وينهمكون في القيل والقال. وهناك عرفت سارا المزيد حول الرجل الهندي الذي انتقل للعيش في المنزل المجاور؛ لقد جاء من الهند، لكنه في حقيقة الأمر إنجليزي عاش في الهند فقط أثناء إدارته مشروعًا جديدًا هناك. وقد تدهورت حالته الصحية كثيرًا جرّاء إصابته بالحُمَّى الدماغية، ولم يتعاف تمامًا بعد. وقد بدا أنه فقد ثروته كلها، وكاد يموت من شدة الخزي، علاوة على مرضه.

بيد أن طالعه تبدَّل، وأُعيدت إليه كل ثروته، لكنه لا يستطيع أن يتحمل فكرة أنه كان السبب في خذلان رفيقه من المدرسة وابنته الصغيرة.

اقشعرَّ بدن سارا لدى سماعها تلك الكلمات.

كانت قصة الرجل الهندي تشبه كثيرًا قصة والدها، حتى إنها لو لم تره، لظنت أنهم يتحدثون عن أبيها. لكنها سُرَّت (على الأقل من أجل الرجل الإنجليزي) لأن قصته انتهت في النهاية إلى حال أفضل من قصة والدها. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، احتلَّ الرجل الهندي مكانة خاصة في قلبها.

وعندما كانت تُؤمر بالخروج ليلًا لجلب الأشياء، لم تعد تدمدم كما كانت من قبل، وإنما صارت الآن في قمة الحماس؛ إذ أتاح لها هذا فرصة أفضل لرؤية صديقها الخفي الجديد عبر نافذته المضيئة وهو يحدق في حزن إلى ألسنة النيران المضطرمة في المدفأة. وفي الليل كانت تستلقي في سريرها تتساءل حوله. تمنت أن يكون له ابنة صغيرة؛ «سيدة صغيرة» تدلِّلـه مثلما كانت تدلل والدها. آه، والدها العزيز! كأنَّ أزمنة قد مرت منذ أن كانت تجلس على ركبتيه تتحدث إليه في أمور هامة.

في نفس الوقت وعلى الجانب الآخر من الجدار في البيت المجاور، كان الرجل الهندي غارقًا في أفكاره أيضًا.

كان السيد كاريسفورد (كان هذا اسمه الحقيقي) يفكر في أنه يجدر به أن يكون أكثر سعادة؛ فهو رجل محظوظ على الرغم من كل شيء. فبعد فترة من النسيان الذي لحق به من جرّاء إصابته بالحُمَّى الدماغية، حيث ظن أنه فقد كل شيء، عادت إليه ثروته من جديد، وكان عقله يتماثل للشفاء أيضًا. وقد كوّن الكثير من الصداقات، من بينها صداقته بالسيد كارميشيل جاره (رب أسرة لارج وهذا اسمه الحقيقي). وكانت بنات السيد كارميشيل الصغريات، ولا سيما جانيت ونورا، مدعاة لسعادته. فكانتا تزورانه من حين لآخر، وتحضران له الحلوى، وتحكيان له القصص الممتعة حول يومهما.

وذات مرة قصَّت عليه جانيت ونورا قصة غريبة للغاية مع أنها كانت تخلو من المتعة؛ لقد أخبرتاه عن لقائهما بالفتاة الصغيرة التي لم تكن شحَّاذة. وحدث أن رام داس سمعهما، فأتى ليضيف إلى قصتهما.

قال رام داس: «لا بد أنها نفس الفتاة الصغيرة التي تعيش في علية المدرسة المجاورة!» وأخذ يصف غرفة سارا الخاوية بأرضيتها الخشبية المتآكلة، وطلائها المتساقط، ومدفأتها الصدئة الفارغة، وفراشها المتحجر الصغير.

سأل السيد كاريسفورد: «تُرى كم من خادمات صغيرات مسكينات في الخارج تنمن على مثل تلك الأسِرَّة المتحجرة المريعة فيما نتكئ نحن في سلام على الوسادات المصنوعة من الريش؟» بدا أن هذه الفكرة تغرقه في مستنقع أعمق من الحزن.

ناشده السيد كارميشيل الذي كان قد جاء لاصطحاب بناته: «صديقي العزيز، لا يجب أن تفكر في مثل هذه الأمور، فأنت لا تزال واهن الصحة. من فضلك حاول أن تنال قسطًا من الراحة وألا تزعج نفسك هكذا.»

لكن السيد كاريسفورد لم يستطع التوقف عن التفكير في سارا وغرفتها المزرية في العلية.

وبعد انقطاع قليل عن الكلام قال في هدوء: «أتظن أن الفتاة الأخرى …» (ثم أخذ يفكر في نفسه ويقول: «الفتاة التي لا أنفك عن التفكير فيها والبحث عنها.») «… يمكن أن تكون في مكان مشابه، وتعيش في مثل هذا البؤس والشقاء؟»

لم يعرف السيد كارميشيل بم يجيب. قطعًا كان يدرك ما الذي يقصده صديقه. لكن لم تكن هناك ردود شافية.

لقد أخبره السيد كاريسفورد قصة كابتن كرو وابنته بأكملها؛ فالسيد كاريسفورد كان قد ذهب إلى الهند كي يستهل العمل في مشرع تجاري مربح في منجم ماس، وعليه دعا رفيقه القديم في غرفة المدرسة، كابتن رالف كرو، ليشاركه.

سار كل شيء على ما يرام إلى أن خرّ كلاهما مريضًا بحُمَّى الأدغال التي تؤثر على الدماغ. وكانت الحمى قد أثَّرت أكثر في كاريسفورد، فأصابته بآفة الجنون حتى إنه كان على قناعة تامة أن عمله قد انهار. ووسط اضطراب عقله وخوفه الشديد من خسارة أمواله وأموال صديقه، لم يستطع أن يواجه صديق عمره، فولَّى الأدبار، وانتهى به الحال في إحدى المستشفيات حيث لم يفق من غشيته طيلة أسابيع، أو على الأقل كما قيل له.

وبالطبع عندما فاق من غيبوبته، كان أعز أصدقائه قد مات ودُفن بالفعل.

أخبر كاريسفورد السيد كارميشيل ووجهه مكسو بالألم: «مات وهو يظن أنني تسببت في فقره، ثم لذت بالفرار!»

لقد كانت قصة حزينة بالفعل، لكن هذا لم يكن أسوأ ما فيها، فكابتن كرو صديق كاريسفورد كان لديه ابنة صغيرة، ولقد دأب كرو على التحدث عن ابنته، وقد علم كاريسفورد أن الفتاة في مدرسة داخلية في الخارج تنتظر دعوة والدها كي تعود إلى الهند. كان هذا هو كل ما يعرفه عن الفتاة، فلم يكن يعرف المدينة أو حتى البلد التي تقع فيها المدرسة الداخلية. ربما تكون في باريس، أو لندن، أو أي مكان آخر في أوروبا.

والأدهى من كل هذا أنه لا يعرف حتى اسم الفتاة الصغيرة، فمتى أتى والدها على ذكرها أشار إليها باسم «السيدة الصغيرة». لا بد أن الفتاة في مكان ما تعاني البؤس والشقاء، وهو مكتوف الأيدي لا يستطيع أن يفعل شيئًا حيال ذلك.

قال السيد كارميشيل في محاولة للتخفيف عن صديقه: «أجل، من المؤسف والمخزي أن فتاة باريس لم تكن الفتاة المقصودة، لكننا لن نكف أبدًا عن البحث عنها. سوف نبحث عنها في كل الأرجاء، وسنعثر عليها. وفي غضون أيام معدودات سأتتبع الخيط الذي توصلتَ إليه وسأذهب إلى روسيا للبحث عنها في موسكو.»

صاح كاريسفورد المسكين وهو يمد يده ليمسك بيد صديقه: «أشكرك شكرًا جزيلًا، لو كنت صحيح البدن، لذهبت بنفسي … لا بد أن أعثر على «السيدة الصغيرة». لا بد أن أعثر عليها!»

قال رام داس ناصحًا: «وحتى ذلك الحين، ربما يمكننا أن نساعد «السيدة الصغيرة» التي تقطن المدرسة المجاورة، ما رأيك يا سيدي؟»

أضاءت عينا كاريسفورد واعتدل في جلسته، وسأل: «ماذا تقترح؟»

ابتسم رام داس وأخرج مفكرة صغيرة، واقترب بمقعده من السيد كاريسفورد وقال: «حسنًا، مبدئيًّا، قد نحاول إعادة طلاء الغرفة وإضافة القليل من التعديلات.»

•••

في ظهيرة اليوم التالي، وفيما كانت سارا تعمل بالخارج، كان ملكيسيديك مشغولًا هو الآخر، وكان عمله يتلخص في تمشيط غرفة سارا بحثًا عن أي فتات فائض سقط منها ليقتات به. وكان ملكيسيديك يدرك جيدًا أنه مهما كان قدر الطعام الذي تتناوله شريكته في الغرفة قليلًا، فإنها دائمًا تترك له قطعة صغيرة.

وربما لم تكن غرفة سارا ملائمة لفتاة صغيرة، لكنها كانت مناسبة تمامًا للفأر، إذ كانت الغرفة هادئة عادة.

لكن في هذا اليوم، كان هناك ضجيج وصخب شديدين؛ بدأ الأمر بصوت شيء يتحرك على السقف قادمًا من جهة النافذة، وبعدها صدر صوت عن فتح النافذة.

ركض ملكيسيديك خلف الجدار وأخذ يحدق من جحره الصغير، فرأى وجهين يطلان عبر النافذة تعلو كليهما أمارات الحذر والاهتمام. لقد كانا رام داس ومعه غلام آخر؛ سكرتير كاريسفورد. لكن بالطبع لم يكن ملكيسيديك يعرف ذلك. لذا سكن في مكانه بلا حراك، وأخذ ينتفض من الخوف كعادة الفئران!

لمح السكرتير، الذي تسلل عبر النافذة وراء رام داس، ذيل ملكيسيديك المرتجف، فهمس إلى رام داس في خوف: «هل هذا فأر؟»

رد رام داس: «أجل، لكن الطفلة لا تخشى منه، فهي صديقة الجميع.»

قال السكرتير: «يبدو أنك تعرف الكثير عنها.»

وافقه رام داس: «أعرفها تمام المعرفة؛ فعادة ما أراقبها من نافذتي كي أتأكد من أنها بخير، أراقبها في حزنها، وفي أفراحها المتواضعة، في بردها، وفي جوعها؛ أعرف متى يتسلل أصدقاؤها لزيارتها، ومتى يتركونها وحدها لتظل تبكي إلى أن تغط في النوم. ولأنني أستطيع أن أسمعها من حين إلى آخر عبر النافذة المفتوحة، فأنا أعرف الأشياء التي تتخيلها كي تتمكن من البقاء على قيد الحياة.»

حاول السكرتير جاهدًا أن يفهم فسأله: «وهل نحن هنا بسبب عالمها الخيالي هذا؟»

ابتسم رام داس، وقال: «بالضبط.»

ثم أخرج مفكِّرته مرة أخرى، وكان قد كتب بالفعل صفحات عديدة حول سارا منذ ذلك اليوم الذي استرق فيه السمع إليها وهي تخبر إرمنجارد ولوتي بكل شيء يمكن أن تئول إليه العلية إذا أطلقتا العنان لخيالهما فحسب.

وكان مما كتب: «سجادة ناعمة زرقاء سميكة على الطراز الهندي.» وكتب تحتها: «وأريكة وثيرة، وسجادة من جلد النمر أمام المدفأة، ومصابيح؛ ورسومات على الجدار.»

تعجب السكرتير وهو يجلس على فراش سارا، وقال: «يا له من فراش كريه! إنه صلب كالحجر، والبطانية تقيك بالكاد من البرد!»

رفع رام داس مفكِّرته، فكان مكتوبًا في نهاية إحدى الصفحات بالخط العريض: «فراش وثير؛ غطاء سرير حريري دافئ.»

سأل السكرتير: «أتظن حقًّا أن بمقدورنا أن نمنحها كل شيء تخيَلَته؟»

أجاب رام داس: «سوف نمنحها أكثر بكثير مما تتخيل أو تفكر، لقد وافق السيد كاريسفورد على أن يمول العملية السرية. لقد مرض حزنًا على ابنة كابتن كرو المفقودة حتى إنه مستعد أن يفعل كل ما بوسعه كي يساعد هذه الفتاة في الوقت الراهن.»

ابتسم رام داس لدى تذكره شعاع الأمل الذي عاد إلى عين سيده عندما كانا يتحدثان بشأن الخطة السرية، وقال: «سيكون هذا الأمر في مصلحة سيدي.»

سأل السكرتير: «وهل تظن أنه يمكنك فعل كل هذا وهي نائمة؟»

أكد له رام داس: «يمكنني أن أسير بخفة وكأن قدميّ مصنوعتان من القطيفة، علاوة على أن الأطفال ينامون نومًا عميقًا، حتى البائسين منهم.»

قال السكرتير: «عندما تستيقظ الفتاة ستظن أن ساحرًا قد زار غرفتها! مثل قصص «ألف ليلة وليلة»!»

وافقه رام داس الرأي، وبعدما دون بضع ملاحظات أخرى، تسلل كلاهما عائدين عبر النافذة في هدوء كما جاءا.

تنفس ملكيسيديك الصعداء، وبعدما تأكد له أن الغريبين قد رحلا، خرج من جحره مرة أخرى وأخذ يجري في أرجاء الحجرة على أمل أن يكون الغريبان المرعبان قد أسقطا بعض الفتات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤