الفصل الخامس عشر

«حادثتان»

رفع البائع المتجول يدَيه المرتعشتين، وقد تقلَّص وجهه.

توجَّه ليون إليه، وأخذ المسدس طراز براونينج من قبضته الرطبة وأدخله في جيبه.

قال بلطفٍ: «أصدقاؤك ينتظرون، أليس كذلك؟»

لم يُجب البائع.

«كوتشيني أيضًا أليس كذلك؟ ظننت أنني أعجزتُه عن الحركة لوقت طويل.»

قال البائع متذمرًا: «لقد رحلوا.»

تلفَّت جونزاليس حوله في ارتباك.

قال: «لا أريد أن أدخلك إلى المنزل. وفي الوقت نفسه، لا أريد أن أتركك هنا.» وأضاف في أسف قائلًا: «أتمنى لو أنك قد سحبت مسدسك. كان هذا من شأنه أن يحل الكثير من المشكلات العاجلة.»

حُلَّت هذه المشكلة في حدِّ ذاتها بعودة ألما الشعثاء واستعادتها مسدسها.

قال ليون في حماس: «أفضِّل أن تُطلِقي أنت الرصاصَ عليه لا أن أطلقه أنا». ثم أضاف: «إن الشرطة متشكِّكة جدًّا حيال حالات إطلاق الرصاص التي أفعلها أنا، ولم يُصدقوا مطلقًا أنها حدثَت دفاعًا عن النفس.»

أوثقَ الرجلَ بحبل، وثبَّتَه على نحوٍ غير مريح، حيث أوثقَ المعصمَين بالكاحلَين. وما إن فعل ذلك، حتى استجوب الرجل ثم ذهب بسرعة إلى الحظيرة؛ ثم عاد بعد بِضع دقائق بالحارس التعس.

قال ليون، مقاطعًا اعتذاراتِ الرجل: «ما باليد حيلة». وتابع: «السؤال هو، أين باقي الإخوة؟»

انطلق شيءٌ أمامه، كان له صوتُ أزيزٍ حادٍّ كصوت دبور غاضب، وبعد ثانية، سمع صوت «بلوب!» مكتومًا. وفي الحال، كان مستلقيًا على الأرض، ومسدسه طراز براونينج يُغطي السياج الذي يُخفي طريق هيفيتري لان.

صاح على الفور قائلًا: «أسرِع إلى المنزل». وتابع: «لن يهتمُّوا لأمرك.» فركض الحارس، طواعية، كي يحتميَ بالمنزل.

وفي الحال، حدَّد ليون موقعَ العدو، وعلى بُعد مسافةٍ قصيرة رأى الجزء العلويَّ المسطَّح من العربة المغطاة. سار أحد الرجال عبر الفجوة الموجودة في السياج، وأصبح في موضعٍ مُغرٍ لإطلاق الرصاص عليه، ولكن جونزاليس لم يُطلق عليه الرصاص، وفي الحال تكررت المناورة. من الواضح أنهم كانوا يُحاولون تركيز انتباهه على الفجوة أثناء تحركهم إلى مكان آخر. تفحصت عيناه حدودَ المرج العشبي … وظن أن ثمة جدولًا أو خندقًا يمتد بالتوازي من شأنه أن يصبح ستارًا ممتازًا.

مرة أخرى، مرَّ الرجل على مهلٍ عبر الفجوة. ثبَّت ليون مرفقه، وألقى نظرة خاطفة على المشهد. وبينما كان يفعل ذلك، ظهر الرجل مرة أخرى.

كراك!

حيث أطلق جونزاليس الرصاصَ على بُعد قدمٍ وراءه. رأى الرجل الوميض وقفز للخلف، كما توقَّع. وفي الثانية التالية، كان يتلوَّى على الأرض بسبب اختراق رصاصةٍ ساقَه.

برزَت أسنان ليون حين ابتسم والتفَّ بجسده ليُواجه نقطة الهجوم الجديدة. جاء الهجوم من المنطقة التي توقَّعها؛ ربوة لها أفضلية على موقعه.

اخترقت الرصاصةُ الأولى العشبَ الموجود على يمينه بأزيزٍ غاضب، لتطيرَ كتلةُ عشب نحو السماء، وارتدَّت لتصطدمَ بشجرة. وقبل أن يتمكن من خفض رأسه المرفوع ليحتميَ بساتر، أطلق جونزاليس الرصاص؛ وأطلق رصاصة أخرى إلى اليسار ثم إلى اليمين، وبعد ذلك نهض، وأسرع للاحتماء وراء الشجرة، ووصل إليها في الوقت المناسب ليرى ثلاثة رءوس تتمايلُ عائدةً إلى الطريق. فانتظر، ليُغطي الفجوة، بيد أن الرجال الذين سحَبوا الرجل الجريح بعيدًا عن مجال الرؤية اختفَوا، وبعد مرور دقيقة رأى العربة تتحرَّك بسرعة على طول الطريق الجانبي، فأدرك أن الخطر قد زال.

لفَت إطلاقُ النار الانتباه. ولم يَعُد إلى المنزل إلا قبل بضع دقائق من مجيء شرطيٍّ يمتطي حِصانه، كان في حالةٍ من الاهتياج، وهو يركض متجهًا إلى البوابة ونزل من على حصانه. لقد سمع أصحابُ مزرعةٍ مجاورة طلقاتِ الرصاص واتصلوا بمقرِّ الشرطة. ولمدة نصف الساعة، أخذ الشرطي ذو الحصان يُدوِّن ملاحظاته، وفي هذه الأثناء اجتمع نصفُ المزارعين في الحي، يتأبَّطون أسلحتهم، في رَدهة منزل ميرابيل.

لم تحظَ بقضاء وقتٍ كافٍ مع ليون المهيب بقدرِ ما كانت تتمنى، وحين حَظِيا ببضع دقائق بمفردهما انتهزَت الفرصة لتُخبره عن زيارة لي لها هذا الصباح. من الواضح أنه كان يعرف كلَّ شيء عنها؛ إذ لم تظهر عليه أيُّ مفاجأة، وإنما شعر بالإحراج عندما أبدت اهتمامًا شخصيًّا به وبصديقَيه.

لم تكن تجرِبةً مألوفة بالنسبة إليه، بل كان يتضايق من نفسه بسبب هذه النزعة الحماسية غير المتوقَّعة لتقديس الأبطال، ورغم أنها مقبولة، إلا أنه أدرك أنها نابعةٌ من شعورها القوي بالعدالة.

علَّق قائلًا: «لست واثقًا من أننا مثيرون للإعجاب حقًّا». وتابع: «ولكن تكمن الصعوبةُ في إصدار حكمٍ لحظي في حين لا ينبغي إصداره إلا بعد مرور سنوات. لقد ضحَّينا بكل شيء من شأنه أن يجعل الحياة جديرةً بالعيش بالنسبة إلى معظم الرجال، رغبةً منَّا في رؤية ميزان العدالة في وضعه الصحيح.»

«أنت لست متزوجًا، يا سيد جونزاليس، أليس كذلك؟»

حدَّق في العينَين الصادقتين. ثم قال: «متزوِّج! يا إلهي، كلا»، فضحكت.

«تتحدَّث وكأن هذا احتمال لم يخطر ببالك قط.»

قال معترفًا: «لم يخطر ببالي فعلًا». ثم أضاف: «بحكم طبيعة عملنا فإننا محرومون من تلك التجرِبة. ولكن هل من المهين قولُ إنني لم أشعر قط بأن عزوبيتي في حدِّ ذاتها حرمان؟»

قالت بصرامة: «إنها وقاحةٌ بالغة»، وظل ليون يضحك في سرِّه طوال طريق عودته إلى المدينة على النكتة الرائعة التي تحسنَت مع التَّكرار.

عند عودته إلى كورزون ستريت، أعلن: «أظن أنَّ بإمكاننا أن نتركَها في أمانٍ لمدة أسبوع». وتابع: «كلا، لم يحدث شيء. كنت محتجزًا في كمينٍ للشرطة بالقرب من نيوبري لتجاوز حدِّ السرعة. يقولون إنني كنت أقود على سرعة خمسين، ولكن في رأيي لقد كنت أقربَ إلى ثمانين. سيُخرجني ميدوز من تلك المشكلة. وإلا، فيجب أن أرسل الخطاب المحتوم إلى المأمور وأدفع الغرامة الحتمية. هل فعلت أيَّ شيء بخصوص جونسون لي؟»

أومأ مانفريد برأسه. وقال: «ذهب ميدوز والسيد واشنطن المتحمس لمقابلته. لقد طلبت من واشنطن أن يذهب لأن …» تردَّد قبل أن يُواصل، ثم قال: «الأفعى خطرٌ حقيقي، بقدرِ ما يعرف. ويَعِدُ إيليا واشنطن أن يكون عونًا حقيقيًّا. إنه لا يخشى شيئًا، ولقد تعهَّد أن يبقى مع لي وأن يوفِّر تلك العلاجات الخاصة بلدغة الأفاعي حسب معرفته.»

كان يلبس قفازيه أثناء الحديث، بينما ينظر ليون جونزاليس إليه بإعجاب ناقد.

«هل ستذهب إلى بلاط أحد النبلاء، أم ستحتسي الشاي مع إحدى الدوقات؟»

«لا هذا ولا ذاك. سأذهب لزيارة صديقنا أوبيرزون.»

قال ليون، وقد رفع حاجبَيه: «إنها مهمة محفوفة بالمخاطر!»

ردَّ مانفريد قائلًا: «لقد اتخذت الاحتياطات وأرسلت إليه رسالة موجزة، أطلب منه أن يحبسَ أفاعيَه، وقد أرسلت نسخة كربونية لأؤكد حقيقةَ أن هناك نسخةً أخرى موجودة وربما تخرج كدليلٍ ضده، أظن أنني سوف أغادر المكتب الرئيسي لشركة أوبيرزون آند سميتس دون أن يلحق بي أذًى. إن لم تكن مرهقًا جدًّا، يا ليون، فأنا أُفضِّل السيارة البويك على السيارة السبانز.»

قال ليون: «أعطني ربع الساعة»، وصعد إلى غرفته ليُهندم نفسه.

وبعد خمس عشرة دقيقةً بالضبط كانت السيارة البويك تقف عند الباب، وركب مانفريد بالخلف. لم يكن هناك فاصلٌ بين السائق والراكب، وكانت المحادثة ممكنة.

اقترح قائلًا: «كان من المستحسَن لو أن نيوتن موجود هناك.»

رد مانفريد قائلًا: «سيكون نيوتن في المكان المحدَّد؛ لقد اتخذت الاحتياطات وأرسلت إليه الرسالة نفسَها». وتابع: «لا أعتقد أنهما سيُخرِجان رجالهم المسلحين.»

قال جونزاليس وهو يبتسم إلى شرطي المرور الذي أشار إليه وهو يتَّجه نحو أوكسفورد ستريت: «أعرف اثنين منهم، وربما ثلاثة، لن يُخرجوهم. مسدسي طراز براوننج يُصوَّب لأعلى، يا مانفريد، لطالما كان يُساورني شك بخصوص ذلك. المسدسات أشياء غريبة، ولكن ربما يبلى هذا في يدي.» ظل يتحدث عن الأسلحة والذخيرة حتى ظهر في الأفق مبنى شركة أوبيرزون آند سميتس. «صيد موفَّق!» قالها، وهو ينزل من السيارة، ويفتح البابَ الخلفيَّ ويلمس قبعته تحيةً لمانفريد وهو ينزل من السيارة.

وعاد إلى مقعده، ودار بالسيارة الصغيرة في دائرة، وانتظر على الجهة المقابلة من الطريق، يُقلب عينَيه بين المدخل والمرآة التي تعكس له حركة المرور التي تأتي من الخلف.

لم ينتظر مانفريد في غرفة الانتظار أكثرَ من دقيقتين. وفي نهاية تلك المدة القصيرة، جاء شاب وَقور يلبس نظارةً طبية وربطةَ عنق صغيرةً على شكل فراشة، ليقوده عبر المكتب غير اللافت للانتباه إلى مكان الدكتور الشهير.

كان الرجل العجوز يجلس على مكتبه. ومن ورائه، وقف رَجله المبتهج، مونتي نيوتن، وعلى وجهه ابتسامة، وزهرة صفراء كبيرة في عُروة سُترته. وقف أوبيرزون وكأنه رجل يؤدي تحية عسكرية.

وقال، بينما يصافحه بقوة: «مرحبًا يا سيد مانفريد، هذا شرف كبير».

كان ثمة كرسي إضافي وُضع من أجل الزائر، وهو كرسيٌّ فَخم مغطًّى بقماش مزركَش، فأشار إليه الدكتور باليد التي لم يُصافحها مانفريد.

قال نيوتن وهو يُبعد سيجارته ويومئ برأسه في لطف: «صباح الخير، يا مانفريد». وتابع: «هل كنت في الحفل الراقص ليلة أمس؟»

قال مانفريد وهو يجلس: «كنت هناك، ولكني لم أدخل». وأضاف: «قالوا لي إنك لم تحضر حتى وقتٍ متأخر، أليس كذلك؟»

قال دكتور أوبيرزون: «كان حدثًا مؤسفًا للغاية من بين كلِّ الأحداث»، فضحك نيوتن.

قال بنبرةٍ يشوبها المرح: «لقد فقدت سكرتيرة مختبره ولم يُسامحني على هذه الفعلة». وتابع: «تلك الفتاة التي استقبلها أمس. كان مظهرها بديعًا للغاية. لم ترغب في العودة إلى البلدة التي جاءت منها؛ ولذا عرَضَت عليها أختي أن تسهرَ معها تلك الليلةَ في تشيستر سكوير. لولا أنها فقدت وعيَها في الحفل الراقص لكنتُ محظوظًا؛ إذ لم نرَها منذ ذلك الحين!»

قال أوبيرزون بنبرة حزينة: «كان أمرًا محزنًا». وتابع: «أنا أعتبرها مسئوليتي. أنا مسئول عن سلامتها. أثق بأنك، يا سيد نيوتن …»

قال مانفريد ببساطة: «لو كنتُ في موقفك، يا دكتور، لا أظن أنه ينبغي عليَّ قضاءُ لحظة عَصيبة أخرى». لقد عادت الآنسة إلى مزرعة هيفيتري. أظن أن هذا سيُفاجئك. وهي لا تزال هناك، وهذا سيُفاجئك أكثر، ما لم تكن عرَفت عبر الهاتف أن حارسك القديم فَشِل فشلًا ذريعًا في … إمم … إعادتها إلى مقرِّ العمل. أفترض أن هذا كان هدفَهم، أليس كذلك؟»

هزَّ أوبيرزون رأسه في ارتباكٍ قائلًا: «ماذا تقصد بعبارة حارسي القديم، يا سيد مانفريد؟» وتابع: «هذا خارج نطاق فهمي.»

تساءل مانفريد بلطفٍ قائلًا: «هل أختكَ بخير؟» فهزَّ نيوتن كتفَيه.

«إنها مستاءةٌ بطبيعة الحال. ومَن منَّا لن يُصبح كذلك؟ جوان فتاة رقيقة القلب جدًّا.»

قال مانفريد بنبرةٍ هجومية: «هذا هو حالها منذ سنوات.» ثم أردف قائلًا: «هل لي أن أدخن؟»

«هلا تأخذ إحدى سجائري؟» حدَقَت عينا مانفريد الحادَّتان الدكتورَ بنظرةٍ ثبَّتته في مكانه رغمًا عنه.

فردَّ عليه قائلًا: «لقد حظيتُ بواحدة من سجائرك الكثيرة.» كان وقْع كلماته كالرياح الباردة. وأردف قائلًا: «لا أريد المزيد، سيدي الدكتور، وإلا ستصبح هناك أماكنُ شاغرة في دائرتك الأُسرية. مَن يدري، لعلك قبل وقتٍ طويل من إنتاج إكسيرك الناجح، قد تحظى بالخلود المعتاد؟»

تحوَّل وجه أوبيرزون الأصفر إلى الأحمر الباهت.

عقَّب بصوتٍ هامسٍ أجشَّ قائلًا: «يبدو أنك تعرف الكثير عني، يا سيد مانفريد، بقدرِ ما أعرف عن نفسي.»

أومأ مانفريد برأسه.

«بل وأكثر. ففي حينِ أنك تُسابق الزمن لتتجنَّبَ نهايةَ حياةٍ تبدو غيرَ جديرة بالحفاظ عليها بصفة خاصة، وبينما أنت لا تعرف اليوم أو الساعة التي ربما تأتي فيها النهاية، فبإمكاني أن أخبرَك بالدقيقة.» وأشار مهددًا بإصبع يده التي ترتدي القفاز.

اختفَت آثار الابتسامة من على وجه مونتي نيوتن. لم تكفَّ عيناه عن التحديق بعينَي الزائر.

قال أوبيرزون: «ربما ينبغي أن تُخبرني.» كان يواجه صعوبةً في الحديث. واستحوذَ عليه الغضب الشديد، ولن يختفيَ لهيبُ الغضب من المشهد إلا بمسدسه.

«اليوم الذي يُلحق فيه الأذى بميرابيل ليستر، في ذلك اليوم ستنتهي أنت … أنت ومَن هم معك!»

قال مونتي نيوتن في غضب: «اسمع، يا مانفريد، ثمة قانونٌ في هذه الدولة …»

«أنا القانون.» رنَّت العبارة كجرسٍ قرَعَه القدَر. وأردف قائلًا بهدوء: «في هذا الصدد، أنا القاضي، وهيئة المحلَّفين، والجلاد. لن أستثنيَ أحدًا، كبيرًا أو صغيرًا.»

قال مونتي هازئًا: «هل كُتب لك الخلود أيضًا؟»

ولبضع ثوانٍ، أشاح مانفريد بعينيه عن وجه الرجل العجوز.

وقال: «القانون مكتوبٌ له الخلود». وتابع: «وإن كنت تحلم بأنه يمكنك أن تمحوَني من طريقك قبل أن أصبح خطيرًا، بانقلابٍ مدبَّر بذكاء، تأكَّد من أنني سأمحوك قبل أن تفعل.»

سأله نيوتن: «لمْ تطلب مني المجيءَ إلى هنا لأستمع إلى هذه الأمور، أليس كذلك؟» وعلى الرغم من أن كلماته كانت جريئة، وسلوكه كان عدوانيًّا، إلا أنه انعكست على وجهه ظلالٌ لم تكن موجودة قبل أن يدخل مانفريد الغرفة — ظلال تحت عينَيه وعلى وجنتيه الممتلئتين.

«لقد جئتُ إلى هنا لآمُرَكما أن تتركا الآنسة ليستر وشأنها. أنتما تسعَيان وراء شيء لا يمكنكما الحصولُ عليه، ولا أحد في وضعٍ يسمح له بإعطائكما إياه. لا أعرف ماهيَّته … سأُقدم لكما هديةً بتلك المعلومة. ولكنها كبيرة … أكبر من أي جائزة تسعيان إليها في حياتَيكما الخبيثة. ولكي تحصلا على ذلك، أنتما على استعدادٍ للتضحية بأرواح الأبرياء بتهوُّر السفهاء الذين يظنون أن خزائنهم لا تنفَد. النهاية وشيكة!»

نهض ببطءٍ ووقف إلى جوار الطاولة، ونظر من أعلى نحو الطبيب الجالس بظهرٍ منتصب.

«لا يُمكنني التكهُّن بالتصرف الذي ستأخذه الشرطةُ حيال لدغةِ هذه الأفعى التي تدخلَت فيها العنايةُ الإلهية، يا أوبيرزون، ولكني سأقدم لك هذا العرض؛ سننسحب أنا وصديقاي من اللعبة ونترك ميدوز ينالُ منك بطريقته الخاصة. أتظن أن هذا يعني أنك ستنجو من العقاب؟ بيد أنه لا يعني ذلك. رجال الشرطة هؤلاء أشبهُ بكلاب البولدوج؛ مجرد أن يُمسكوا بك، لن يتركوك أبدًا.»

«ما الثَّمنُ الذي تطلبه مقابلَ هذه الخدمة المثيرة؟» سأله نيوتن وهو ينفث دخان سيجارته بثبات، ويداه معقودتان وراء ظهره، وقدماه متباعدتان، وكأنه صورةٌ تعكس مفهوم الراحة والرفاهية.

«اتركا الآنسة ليستر وشأنها. وابحَثا عن طريقةٍ جديدة لتحصلا على المال الذي أنتما في أمسِّ الحاجة إليه.»

ضحك نيوتن.

«يا عزيزي، هذه مقولةٌ حمقاء. لا أنا ولا أوبيرزون نُعاني الفقرَ بالضبط.»

قال مانفريد بهدوء: «كلاكما مفلِس». وتابع: «أنتما في موضع المقامر الذي انقلبَت أوراق اللعب ضده منذ مدة طويلة. ليس لديكما احتياطيٌّ، ومصروفاتكما هائلة. ابحث عن طريقةٍ أخرى، يا نيوتن … وأخبر أختك» ثم سكت عن الحديث وهو يقف بجوار الباب، ينظر إلى البطانة البيضاء لقبعته الحريرية، ثم استطردَ قائلًا: «أودُّ أن أقابلها في كورزون ستريت غدًا في العاشرة صباحًا.»

تساءل نيوتن بنبرةٍ ساخرة قائلًا: «هل هذا أمر؟»

أومأ مانفريد برأسه.

فصاح الرجل بحماس: «إذن، دعني أقُل لك إنني لا أتلقَّى أوامرَ لنفسي أو بالنيابة عنها. لقد صرت متعجرفًا منذ أن حصلت على العفو، أليس كذلك؟ احذرني يا مانفريد. أنا على أي حال لست عديمَ الضرر.»

شعر بضغطةِ قدمِ الطبيب على قدمه، فكبتَ غضبه.

ودمدمَ قائلًا: «حسنًا، ولكن لا تتوقَّع أن تُقابل جوان.»

وضحك ضحكة فظَّة، فرفع مانفريد عينيه ببطءٍ لتلتقيَ بعينيه.

وقال له بكلِّ بساطة: «ستُعدمك الدولة أو تُقتل على يد أوبيرزون … لستُ موقنًا أيُّهما سيحدث»، كان يتحدَّث بثقةٍ مثالية لدرجةِ أن قلب مونتي نيوتن ارتعد.

وقف مانفريد على الرصيف وأشار بيده، فجاءت السيارة الصغيرة بسرعة وبدون جلبة. كانت عينا ليون مثبتتَين على المدخل. حيث وقف رجلٌ طويل في عتمة الرَّدهة يُراقب المشهد. وهو يستند إلى الجدار في تراخٍ، فارتجف ليون لثانية.

«اركب بسرعة!»

قال ليون عبارته بصرخة تقريبًا، فقفز مانفريد إلى السيارة، فانطلق السائق بالسيارة، بدفعةٍ اعتصرت كلَّ ترس في السيارة.

شرع مانفريد يقول: «ماذا بحق …؟» ولكن اقتُطِعت باقي الجملة وسط الاصطدام المروع الذي تبع ذلك.

تمزَّق الغطاء الجلدي للسيارة من الخلف، واصطدمت شظيةٌ من الزجاج بقبعة ليون وشطرتها إلى نصف دائرة بالتمام. فضغط على الفرامل بسرعة، وفتح باب السيارة وقفز إلى الخارج. كانت هناك كتلة حطام خلف السيارة؛ قطعة حديدية كبيرة منقسمة إلى ثلاث قطع وسط حاوية كبيرة مكسورة. نظر ليون إلى أعلى؛ وفوق مدخل شركة أوبيرزون آند سميتس مباشرة كان هناك ونش، تترنَّح رافعتُه بحمولة ثقيلة قبل خروج مانفريد مباشرة. كان السلك الفولاذي يتدلَّى من الرافعة على نحوٍ غير محكَم. سمع أصواتًا منفعلة تتحدَّث آتيةً من المدخل المفتوح على ارتفاع ثلاثة طوابق، كان هناك رجلان بنظَّارات ضحمة ينظرون إلى أسفل ويُثرثرون بلغةٍ لم يفهمها.

«حادث فظيع للغاية. لو لم نتحرك، لربما خُصِّص لنا نصف عمود من جرائد المساء.»

«والرجل الموجود في الرَّدهة … ما الذي كان يفعله؟»

سار ليون عبر المدخل، إلا أنه رأى أن الرجلَ قد اختفى، ولكن بالقرب من المكان الذي كان يقفُ فيه كان هناك زرُّ جرس صغير، كان من الواضح أنه ثُبِّت مؤخرًا؛ إذ إن السلوك كانت غيرَ مثبتةٍ على سطح الجدار وكانت جديدة.

عاد في الوقت المناسب ليرى رجلَ شرطة يعبر الطريق.

قال: «أودُّ أن أعرف كيف وقع هذا الحادث، أيها الشرطي. كاد سيدي أن يُقتل.»

فحص الشرطيُّ كومةً ضخمة من الحطام نصفها مُلقًى على الرصيف والنصف الآخر على الطريق، ثم نظر إلى الحبل المتراخي.

«أظن أن السلك قد أفلتَ من الأسطوانة.»

قال ليون بجدية: «وأنا أظن ذلك أيضًا.»

لم ينتظر ليون الشرطي حتى ينتهيَ من تحقيقاته، وإنما ذهب إلى المنزل بخطًى ثابتة، ولم يُشِر إلى «الحادث» حتى وضع سيارته بعيدًا وعاد إلى كورزون ستريت.

عقَّب قائلًا: «لقد وضع ذلك الرجل في الرَّدهة ليُرسل إشارةً حين تمر أسفل الحمولة … هناك أمور ينبغي ألا تحدث.» وتابع: «سأخرج لإجراء بِضعة تحرِّيات.»

كان جونزاليس يعرف واحدًا في طاقم العاملين لدى أوبيرزون؛ شابًّا سويديًّا نقيَّ السريرة، لديه معرفةٌ باللغة الإنجليزية وهو أمرٌ طبيعي في الدول الاسكندنافية، وفي الساعة التاسعة من تلك الليلة انطلق إلى مطعمٍ سويدي في دين ستريت، ووجد الشابَّ ينتهي من وجبته. كان أحدَ المعارف — واحدًا من الكثيرين — الذين تعرَّف عليهم ليون باجتهاد. ابتهج الشاب الذي كان يعرفه باسم السيد هاينز — إذ إن ليون يتحدَّث الألمانيةَ بطلاقةٍ ملحوظة — لوجود رفيقٍ بإمكانه أن يُناقش معه الحادثَ الذي لا يمكن تفسيره، والذي وقع بعد الظهيرة.

قال: «لم يكن السلك مثبتًا في الأسطوانة». وتابع: «كان من الممكن أن يحدث شيء فظيع؛ حيث كان هناك رجلٌ نبيل في سيارةٍ تنتظر بالخارج، وكان قد تحرَّك للتو بِضعَ بوصات حين سقطت الحاوية. الحظ السيئ يُخيم على هذا المبنى. يُسعدني أنني سأرحل في نهاية الأسبوع.»

كان لدى ليون بعضُ الأسئلة المهمة، ولكنه لم يستعجل في طرحها؛ إذ إنه كان يتحلَّى بموهبة الصبر بدرجةٍ ملحوظة. كانت الساعة تقترب من العاشرة أثناء مغادرتهما، وعاد جونزاليس إلى مرأبه، حيث قضى نحو ربع الساعة.

وعند منتصف الليل، كان مانفريد قد انتهى توًّا من محادَثة طويلة مع رجلِ شرطة سكوتلاند يارد الذي كان لا يزال في مدينة برايتلينجسي، حين دخل ليون، وبدا مختالًا بنفسه. كان بويكارت قد أوى إلى الفراش، ومانفريد قد فصَل الكهرباء عن دائرةٍ واحدة من الأضواء حين وصل صديقه.

قال جونزاليس في نشاط: «شكرًا لك، عزيزي جورج». وتابع: «كانت هذه لفتةً طيبة جدًّا منك، فأنا لا أحب أن أزعجك، ولكن …»

ردَّ مانفريد بابتسامةٍ قائلًا: «إنه أمرٌ يسير، ولم يستلزم سوى تغيير حذائي. ولكن لماذا؟ أنا لستُ فضوليًّا، ولكن لماذا أردت مني أن أتصلَ بحارس الفترة المسائية بشركة أوبيرزون لينتظرَ عند الباب في الساعة الحادية عشرة ليستقبل رسالةً من الدكتور؟»

قال ليون بنبرةٍ مبتهجة وهو يفرك يدَيه: «لأن حارس الفترة المسائية هو رجل أمين؛ ولديه زوجة وستةُ أبناء، ولا أتمنى أن أؤذيَ أحدًا على وجه الخصوص. المبنى لا أهمية له؛ فهو قائم، أو كان كذلك، في معزلٍ عن جميع المباني الأخرى. ما كان يَشغل ذهني هو حارس الفترة المسائية. كان يقف عند الباب … لقد رأيته.»

لم يطرح مانفريد أيَّ أسئلةٍ أخرى. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، أمسك بالجريدة وفتَحها عند الصفحة الوسطى، وقرأ الخبر بعنوان «حريق هائل في طريق سيتي رود» ابتلع تمامًا مبنى شركةِ السادة أوبيرزون وسميتس؛ والأدهى من ذلك أنه كان يتوقَّع أن يقرأه قبل أن يفتحَ الجريدة.

قال ليون الفيلسوف في ذلك الصباحِ على وجبة الإفطار: «الحوادث تقع». وتابع: «لقد استشفَفْتُ الكثيرَ من واقع حديثي مع الموظف ليلة أمس؛ لقد أوقف أوبيرزون بوليصة التأمين ضد الحرائق!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤