حافظ نجيب … الصحفي

سنتحدث هنا عن صورة أخرى، من صور حافظ نجيب المتعددة، وهي صورته كصحفي! فقد صدرت مجلة «العالمين» في ١٨ / ٥ / ١٩٢٢، لصاحبها عبد القوي الحلبي، ولكنها لم تَصْدُر بانتظام في سنتها الأولى، وكان كاتب أغلب مقالاتها وقصصها الأديب كامل الكيلاني، الذي كان يُوقِّع بحروفه الأولى «ك ك» على مقالاته وقصصه. أما مع بداية السنة الثانية لإصدار المجلة، في ١٠ / ١٠ / ١٩٢٣، وتحت إدارة علي الحمراوي أفندي — دبلوم تجارة — وعلى غلاف العدد الأول، وجدنا هذه العبارة: «مجلة العالمين مجلة أسبوعية علمية أدبية اقتصادية روائية مصوَّرة … يحرِّرُها طائفة من كبار الكُتاب أحدهم الكاتب الاجتماعي حافظ نجيب»!

أما أبواب مجلة «العالمين»، فكانت متنوعة، منها: الاجتماع، الأخلاق، الاقتصاد، الأدب المختار، التاريخ، التدبير المنزلي، الفكاهات والطرائف، التجارة، الزراعة، الألعاب الرياضية، الاكتشافات الحديثة، قصة الأسبوع، روايات مسلسلة، أخبار الأسبوع، حوادث الأسبوع المصورة. وفي الكلمة الافتتاحية، قال صاحب امتيازها:

«وعدنا القراء … بعزمنا على تأجيل إظهار المجلة وقتًا ما، لانتقاء بعض كبار الكُتاب ليشاركونا في تحرير المجلة، وللاستعداد لإظهارها كبيرة الحجم كثيرة الصور حافلة بالمواد العلمية والمختارات الأدبية. وها نحن ذا قد وَفَّيْنَا الوعد، فانتخبنا للمجلة طائفة من كبار كُتاب القطر ستظهر أسماؤهم في ذيل الرسائل التي ننشرها لهم، وأضفنا إلى هذه النخبة الأستاذ «حافظ نجيب» الكاتب الاجتماعي الكبير الذي اشتهر في الشرق كله بما نشره بقلمه من الكتب الاجتماعية والروايات المشهورة، التي كانت في العامين الماضيين حديث القوم في كل مجتمع وسحرهم اللذيذ في كل بيت.»

وهكذا بدأ حافظ نجيب عمله الصحفي. وبالرغم من أنه لا يُعْتَبَر صاحب امتياز المجلة، ولا رئيس تحريرها، إلا أنه كان يقوم بأعبائها وحده! لدرجة أن هناك أعدادًا كاملة قام بتحريرها بصورة كاملة! فعلى سبيل المثال، نجده في العدد الأول — للسنة الثانية — يكتب مقالة بعنوان التربية في باب أبحاث خلقية، ومقالة المرأة العصرية في باب أبحاث اجتماعية، وقصة طاهر وأمينة في باب قصة الأسبوع، وأخيرًا يكتب الحلقة الأولى من القصة المسلسلة «الغرفة الصفراء» … كل هذا في عدد واحد فقط!

ومن الملاحظ، أن حافظ نجيب كان يكتب في شتى أبواب المجلة، لدرجة أنه كتب في أمور ما كنا نُصَدِّق أنه كتب فيها، إلا بعد أن رأينا توقيعه الصريح عليها! فمثلا كتب مقالة بعنوان العروس الجديدة في باب «التدبير المنزلي»!١ وكتب مقالتين في باب «الألعاب الرياضية»، غطى في الأولى مباراة لكرة القدم بين فريق الهايكو النمساوي، وبين فرقة منتخب القاهرة يوم ٤ / ١ / ١٩٢٤، وكانت تغطيته للمباراة تغطية خبير رياضي. أما المقالة الأخرى فكانت بعنوان «حادث هام في عالم الألعاب الرياضية»!٢

وبداية من العدد التاسع عشر الصادر في ١١ / ٢ / ١٩٢٤، أصبح حافظ نجيب رئيس تحرير وإدارة المجلة، كما نشر تنويهًا، بأن جميع المُكاتبات وكل ما يختص بأعمال المجلة، يُرسل على عنوان حافظ نجيب بمصر القديمة. ومن تَتَبُّعنا للمجلة، لاحظنا أن حافظ نجيب تعثر كثيرًا في إصدارها بصورة منتظمة، حيث أصدر العدد الأخير منها في ٢٢ / ٩ / ١٩٢٤، أي بعد أكثر من خمسة أشهر، من صدور العدد السابق عليه، الذي جاء بتاريخ ٥ / ٤ / ١٩٢٤!

fig2
غلاف العدد الأول من مجلة «الحاوي» عام ١٩٢٥.

وبعد توقُّف مجلة «العالمين» بعشرة أشهر، أصْدَرَ حافظ نجيب — من بيته بشارع مصر القديمة — العدد الأول من مجلته «الحاوي» في ١٤ / ٧ / ١٩٢٥. وهذه المجلة كانت صورة مماثِلة من مجلة «العالمين»، سواء في أبوابها أو أسلوب مقالاتها. وكان من أهم كُتَّابها: كامل الكيلاني، محمد أمين حسونة، أبو مصطفى، أبو سعاد. ولكن الجديد فيها، كان مشاركة القُراء في تحرير بعض أبوابها، وذلك بنشر رسائلهم في أبواب معينه، هي: الشعر المُختار، النكات، الفكاهات، الأبحاث الاجتماعية، المتفرقات، النقد النزيه، الاختراعات الحديثة.

وفي افتتاحية العدد الأول، قال حافظ نجيب: «انقطعنا عامًا عن الكتابة مُكْرَهين، وقد كنا نظن أن للبطالة ولتقليد المترفين في نوع المعيشة شيئًا من اللذة، فلم نشعر بغير الوحشة لانقطاعنا عن الاتصال بقرائنا، وبغير السآمة من سكون البلادة والخمول. أُكرهنا بوسائل غير شريفة على وقف ظهور «مجلة العالمين» وقد كانت كما يَعْرف القراء، قلمًا امتدت يد القدرة الإلهة فطهرت الوجود من السبب الذي حدانا للامتناع عن إظهار المجلة. عُدنا إلى عالم الصحافة مُردِّدِين قوله تعالي: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ

وبداية من العدد رقم ٢٢ بتاريخ ٨ / ١٢ / ١٩٢٥، أَدْخَلَ حافظ تعديلات في شكل المجلة، حيث كان ورقها من النوع الجيد، وخَطُّها من النوع الراقي الجميل المنمَّق. هذا بالإضافة إلى وجود مقر ثابت للمجلة، وكان عنوانه: ٤٠ الدرب الواسع بشارع كلوت بك.

ظلت مجلة «الحاوي» تصدر بانتظام حتى العدد رقم ٤٠ بتاريخ ١٢ / ١١ / ١٩٢٦، والعدد رقم ٤١ بتاريخ ٢٤ / ٣ / ١٩٢٧، حيث إنهما نَشْرَتان إعلانيتان، أكثر مِنْ كَوْنِهما مجلتين! فقد صدر كل عدد منهما في أربع صفحات فقط، وكان يُوَزَّع مجانًا على الجمهور، حيث إن كل عدد كان عبارة عن إعلانات متنوعة عن فرقة حافظ نجيب المسرحية، وما تُقَدِّمه وما ستقدمه من مسرحيات، سوف نتحدث عنها لاحقًا.

توقفتْ مجلة «الحاوي» ما يقرب من سنتين ونصف، ثم أعاد حافظ نجيب إصدارها مرة أخرى في عام ١٩٢٩. وللأسف الشديد لم نستطع الاطلاع إلا على العدد الثالث الصادر في ٢٦ / ٨ / ١٩٢٩ — حيث إنه العدد الوحيد المحفوظ في دوريات دار الكتب — ونظن أن المجلة توقفت بعد إصداره! وهذا العدد به تغييرات كثيرة في الشكل، حيث كان الورق من النوع الجيد، بالإضافة إلى الغلاف الملون والمنمق بصورة جيدة، وهذا الشكل يختلف بصورة كبيرة عن شكل المجلة في أعدادها السابقة.

وهكذا كان دور حافظ نجيب في مجال الصحافة، بصفة عامة، حيث إننا سنتطرق بالشرح والتحليل إلى بعض أنشطته الصحفية، في الموضوعات التالية، لارتباطها ببعض المقالات والقصص المنشورة في مجلتَي «العالمين» و«الحاوي»، ودور حافظ نجيب فيها.

١  انظر: مجلة «العالمين»، عدد ٢، ١٧ / ١٠ / ١٩٢٣.
٢  انظر: مجلة «العالمين»، عدد ١٥، ١٤ / ١ / ١٩٢٤، وعدد ٢٧، ٥ / ٤ / ١٩٢٤.
من الجدير بالذكر، أن حافظ نجيب كان رئيسًا لفريق كرة القدم في مدرسة رأس التين. وبعد خروجه من السجن لثاني مرة، عمل مدرسا للرياضة في المدرسة التحضيرية بدرب الجماميز. وللمزيد عن هذا الأمر، انظر: «اعترافات حافظ نجيب»، ص٧٠، ١٨٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤