الفصل الحادي والثلاثون

العزبة المتمدنة وبيوت العمال

قال لي الكافاليري برناردي: هل تريد أن تزور القرى والعِزَب والكفور ومدن الضواحي؟

قلت: وهل تبعُد عن مدينة طرابلس كثيرًا؟

قال: هناك بلاد ومزارع قريبة وأخرى تبعُد ثلاث ساعات فأكثر.

قلت: فلنقتصر على القريبة، ونترك غيرها للسنة القادمة إن أحيانَا الله.

فأخذ يعدد لي أسماء المنشآت الزراعية القريبة، والضواحي وما فيها، فاتفقت على أن نزور تاجورة وسيدي مصري والعزبة المتمدنة وبيوت العمال وصغار المستخدمين.

فأرسل سيارته إلى فندق مهاري، وركبتها إلى الكاستلو، وخرج معي فيها إلى الخلاء.

الطرق المعبَّدة والمزارع الناضرة

فلما اجتزنا ضواحي المدينة تجلَّت لنا الطبيعة بمناظرها الساحرة والطرق المعبَّدة الواسعة التي تتعهَّدها الأيدي كل يوم بالتنظيف والتصليح.

أما المزارع، فآيات ناطقة بقوة الاستعمار الإيطالي وقدرة خلفاء الرومان الأقدمين على تحويل الأرض المُقفِرة جنَّات زاهرة.

ووقفنا غير مرة في الطريق، ونزلنا هنا وهناك إلى بساتين ومزارع شاهدت فها العمال الوطنيين والإيطاليين يعملون في الأرض لإخراج ثمرها بمعاونة الآلات، ويُرَبُّونَ الماشية والدواجن ويخزنون الحاصلات في الأنبار والأهراء.

ونزلنا كذلك إلى بعض المدن الصغيرة، فرأيت في كل واحدة منها مركز البوليس والمدرسة الابتدائية والمستوصف، وتناولنا القهوة في نادٍ صغير نظيف.

وأشبعني السنيور برناردي بمعلوماته الفيَّاضة عمَّا بذله المستعمرون من جهود في التعمير. وذكر لي أن من المزارع ما يخص فردًا، ومنها ما تملكه شركات وجماعات صغيرة من المتعاونين، وأن بعضهم رمى بعشرات الألوف من الجنيهات في هذه الصحاري الرملية القاحلة، وقضى السنوات حتى حوَّلها إلى مزارع وبساتين للفاكهة ومراعٍ للدواب.

في سيدي مصري وتاجورة

ومن الأرباض التي نزلنا إليها «سيدي مصري»، وهي قرية كبيرة، تشتمل على مسجد يُزار، وسوق واسعة تُباع فيها الأطعمة من لحم وخبز وبقل. وإلى جانبها عمارات جديدة استدعتها حالة القرية وتزايُد العمران فيها.

ووقفت بنا السيارة أيضًا في تاجورة بلد العلماء وأهل الفضل والجامع الكبير الذي أنشأه مراد آغا سنة ٩٨٠ للهجرة، وهو من الجوامع المشهورة في لوبيا بدقة صناعته وهندسته. وفيه مائة قبة صغيرة مرفوعة على ٤٨ عمودًا، وفي جدرانه ٢٥ نافذة.

وقد استقبلنا إمامه مرحِّبًا، وخاطَب السنيور برناردي بالإيطالية، وطفق يشرح لي تاريخ الجامع وهندسته وما أدخل فيه من إصلاح وتعديل.

في العزبة المتمدنة

ومن أبدع ما رأيناه في هذه الرحلة العزبة المتمدِّنة، وهي خليقة بزيارة صاحب السعادة فؤاد أباظة باشا، مدير الجمعية الزراعية الملكية، وولاة الأمر في وزارة الصحة المصرية المهتمين بإصلاح حال العزبة وترقية شئون الفلاح؛ ليقتبسوا من هذه المنشأة الإيطالية ما يستعينون به على إتمام غرضهم المنشود.

قال لي الكافاليري برناري: لقد ضاقت مدينة طرابلس بسكَّانها الوطنيين، وأصبح يتعذَّر على الفقراء منهم وجود مساكن بأجور موافقة. فرأت الحكومة أن تنشئ لهم هذه العزبة وتؤجِّر لهم مساكنها بأجور اسمية هي أربع ليرات (أربعة قروش مصرية) في الشهر. وليس القصد من ذلك رعاية صحتهم فقط، بل تمدينهم وتعليمهم طرق النظافة وتسديد خطواتهم إلى الحياة المدنية الراقية.

figure
البيوت في العزبة المتمدنة.

ولما وصلنا إلى العزبة استقبلنا ناظرها السيد محمد ابن الحاج قزقو، وهو من خريجي المدارس الابتدائية، يلبَس الملابس الإفرنكية، وعلى رأسه طربوش مغربي، وأدخلَنا إلى مكتبه في غرفة صغيرة مجهَّزة بمنضدة وتليفون وخزانة للأوراق والمستندات والدفاتر والفيش.

وأخذ يشرح لنا حالة العزبة، فقال: إن فيها الآن ٥٠٠ مسكن، منها ١٥٠ مسكنًا كبيرًا، وعدد السكان ٢٣٧٢ نفسًا.

ولكل عائلة فيشة خاصة يقيَّد فيها اسم رئيس العائلة ومن معه ومن يزيد عليهم أو ينقص بالولادة والموت.

قال: وعندنا في العزبة رجل له ثلاث زوجات، وشخصان كل منهم متزوج من امرأتين، ولكل واحدة من أولئك الزوجات دار خاصة.

وقد يُعطَى الساكن أكثر من دار إذا كان كثير الأولاد.

ويسكن ناظر العزبة مع عائلته إلى جانب المكتب والمسجد والمدرسة.

والمساكن تشبه على نوعٍ ما التوكلات السودانية، مستديرة الجدران تعلوها سقوف من القرميد الأحمر على هيئة مخروط، وفي مدخل البيت موقد للطبخ، ثم غرفة النوم والجلوس.

قلت للناظر: أرجوك أن تريني أبدع مسكن عندكم.

فقادني إلى دار متوسطة، وقال إنها مسكن شاب أعزب يشتغل بتجليد الكتب في مدينة طرابلس ويعيش هنا مع السيدة والدته، والغرفة آية في النظافة تحتوي على سرير من الحديد عليه مُلاءة بيضاء، وفُرِشَت الأرض بسجادة، وعُلِّقَتْ على الحائط ساعة صغيرة ومرآة وصورة لصاحب الدار وصورتان لممثلي السينما المعروفين جريتا جاربو وروبرت تايلور.

ويتوسط المساكن حنفيات عامَّة للغسيل والشرب ودورات مياه خاصة للرجال وأخرى للنساء، ومثلها حمامات لكلٍّ من الجنسين مجهَّزة بدوشات للمياه الساخنة والباردة، وحظائر خاصة لتربية الدواجن من طيور وخراف وغيرها.

وفي العزبة نقطة للبوليس، ومستوصف مجهَّز بالأدوات الصحية، ودار لرعاية الطفل والولادة تديره طبيبة إيطالية ومعها مساعِدات.

وقد أدهشني ما رأيته في هذا المستوصَف من ترتيب ونظافة، سواء في الكشف على المصابين وتقديم الأدوية وقاعات العمليات والغرف المعَدَّة لنوم السيدات بعد الوضع، حيث يلبثن الزمن الكافي للملاحظة ويقدَّم إليهن الدواء والطعام مجانًا.

figure
حنفيات الغسيل في العزبة.

وخرجنا من المجموعة الطبية إلى سوق العزبة، وفيها ١٤ دكانًا لجزار وبقال وبائع بترول وفحم وقهوة وحلاق (ويسمونه حسان)، وطاحون كهربائي.

وجلسنا في القهوة مع ناظر العزبة وشربنا الشاي على أنغام الفنوغراف، فسمعنا صوت أم كلثوم تنشد: «يا شباب النيل، يا عماد الجيل، هذه مصر تناديكم.» والسيدة فتحية أحمد تغني: «كم دعوت دموعي.»

في بيوت العمال

ثم ودَّعنا السيد الناظر، وركبت والكفاليري برناردي إلى المدينة، وفي طريقنا زرنا بيوت العمال، وهي منشأة حديثة افتتحها حضرة صاحب الجلالة إمبراطور إيطاليا في زيارته الأخيرة للوبيا.

والنية معقودة على أن يكون في هذه المدينة ٣٨٠ مسكنًا، تم منها إنشاء ٩٦ مسكنًا.

وهذه المساكن فيلات ذات دور واحد، وتؤلَّف كل فِيلَّة من ثلاث غرف وقاعة للأكل ومطبخ ودورة مياه وحديقة مساحتها ٢٥٠ مترًا فيها غرفة للغسيل، والأجرة الشهرية للفِيلَّة ١٥٠ ليرة (١٤٠ قرشًا)، وهي غير أجرة الإنارة وثمن المياه، وتتراوح من ٢٠ إلى ٣٠ ليرة في الشهر.

figure
مجموعة من بيوت العمال.

لا يزال التعمير والبناء يجريان بنشاط لإتمام المساكن الباقية وتمهيد الشوارع والميادين التي تتخلَّلها وزرع الأشجار المظللة فيها.

وقد سمح لنا اثنان من سكان هذه الفيلات بزيارتهما، فرأينا أولهما متأنقًا في فرشه ورياشه، والثاني لم يتم التأثيث، وليس عنده إلا الأَسِرَّة التي ينام عليها مع أولاده.

وعلمت أن بعض الفيلات يسكنُها ثلاثة أشخاص، والبعض يسكنها عشرة.

ويرجع الفضل في إنشاء المدينة إلى الحكومة والماريشال بالبو، فقد مهدت الأرض وشقت الطرق ومدت إليها أنابيب المياه وأسلاك الكهرباء وسلمتها إلى إحدى الشركات المالية فبنت فيها البيوت على أن تسكنها بهذا الأجر الزهيد.

وتمت هذه الدورة ظهرًا، فعُدتُ إلى الفندق شاكرًا للسنيور برناردي مُثْنِيًا على فخامة الحاكم العام ورجال حكومته على ما أسدَوْه إلى طرابلس وأهلها من خدمات جليلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤