السؤال الثالث

كم عمر الشمس؟

لا بد أن عمر الشمس أكبر من عمر الأرض بطبيعة الحال، وهذا يُضيف تعقيدًا آخر إلى ذلك السؤال، وإلى لغز بقاء الشمس ساخنة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا السؤال أيضًا مرتبط بإجابة السؤال الأول؛ ولأن النجوم الشبيهة بالشمس قديمة جدًّا (بالمقاييس البشرية)، هذا بدوره يقودنا إلى الإجابة عن السؤال الخامس، لكننا سنُضطر إلى تأجيل ذلك الآن. ولكن على كل حال، فإنَّ كل ذلك يوضح أن محاولة الإجابة عن أبسط سؤال يمكن أن تمنحنا رؤى متعمقة عن طبيعة الحياة والكون وكل شيء.

قبل القرن التاسع عشر، كان معظم الناس في العالم المسيحي يعتقدون أن الأرض والشمس خُلقتا منذ نحو ٦٠٠٠ سنة. وكان ذلك مبنيًّا على حسابات ليست علمية على الإطلاق تضمَّنت إحصاء عدد الأجيال المُشار إليها في الكتاب المقدس من يسوع المسيح إلى آدم وحواء. ولكن حالما بدأ العلماء يفهمون العمليات التي شكَّلت الأرض، أدركوا أن النطاق الزمني المعني أطول بكثير من ذلك حتمًا.

تبين أن الخطوة الفارقة الأولى في الاتجاه الصحيح كانت قفزةً هائلة جدًّا لدرجة أن العالِم الذي توصل إليها، وهو الفرنسي جان بابتيست جوزيف فورييه، لم ينشرها بالفعل قَط، ربما خوفًا من السخرية. إذ استوعب فورييه الفكرة التي يعود أصلها إلى إسحاق نيوتن، والتي تفترض أن كوكب الأرض تشكَّل في هيئة كرة صخرية منصهرة ثم ظل يبرد بوتيرة ثابتة منذ ذلك الحين. كانت هذه فيما يبدو الطريقة المنطقية لشرح النشاط البركاني في كوكبنا، وأتاحت طريقةً لمعرفة المدة التي يُفترض أن كوكب الأرض استغرقها ليبرد حتى وصل إلى حالته الحالية. استخدم فورييه معادلات توضح كيفية تدفق الحرارة خلال مواد مختلفة، وأخذ في حسبانه أنه حالما تشكلت قشرة صخرية صُلبة، أثَّرت كأنها بطانية، فأبطأت هروب الحرارة من الداخل، واقترح أن درجة الحرارة عند مركز الأرض لا بد أن تكون نحو ٦٠٠٠ درجة مئوية، وهذه هي درجة حرارة الصخور المنصهرة. وفي عام ١٨٢٠، كتب الصيغة التي حُسب بموجبها عمر الأرض بناء على كل هذا. لكنه لم يكتب الرقم الذي نتج من هذه الصيغة قَط (أو على الأقل لم يُفصح عنه لعامة الناس). يبلغ هذا الرقم ١٠٠ مليون سنة؛ أي أكبر نحو ١٦ ألف مرة من التقدير المستمد من الكتاب المقدس. ثم مرَّ ٤٠ عامًا قبل أن يُجريَ أي شخصٍ آخر حسبةً قائمة على الأساس نفسه، ويحصل على إجابة مماثلة بشكلٍ جوهري، وينشر النتيجة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان العلماء لديهم شكوك قوية جعلتهم يرون أنه حتى ١٠٠ مليون سنة ليست فترة طويلة بما يكفي لتفسر مظهر الأرض، وتنوع الحياة عليها في الوقت الحاضر.

وفي أواخر القرن الثامن عشر، تناول الجيولوجي الاسكتلندي جيمس هوتون مسألة عمر الأرض (وعمر الشمس ضمنيًّا) من الجهة الأخرى؛ أي من الخارج إلى الداخل وليس من الداخل إلى الخارج. إذ درس تضاريس كوكبنا السطحية، بَدءًا من عملية التعرية البطيئة التي نحتَت تضاريس طبيعية مُعيَّنة مثل وديان الأنهار الضيقة، إلى الكيفية التي التوَت بها الطبقات الجيولوجية وانحنت بفعلِ قوًى هائلة أثَّرت فيها على مر فترات زمنية طويلة. واستنتج من ذلك أن عمر الأرض طويل جدًّا إلى حد أن حسابه مستحيل. وكتب آنذاك قائلًا: «لا نجد أثرًا لبدايةٍ؛ ولا احتمالًا لنهاية.» غير أن ما كتبه هوتون بنفسه لم يُحدث تأثيرًا كبيرًا، بسبب أسلوبه المكثف، ولكن في عام ١٨٠٢ نشر صديقه جون بلايفير نسخة محررة من نص هوتون، فلاقت اهتمامًا كبيرًا وأطلقت جدلًا عن عمر الأرض. وبذلك هُيئت الساحة لصاحب الإسهام الرئيسي التالي في تلك المسألة، وهو الاسكتلندي الآخر تشارلز لايل الذي وُلد في عام ١٧٩٧.

كان لايل سليلَ عائلةٍ ثرية والتحق بجامعة أكسفورد ليدرس الحقوق. ولكن عند وقت ما في منتصف العقد الثاني من القرن التاسعَ عشر، حين كان في الثامنة عشرة من عمره تقريبًا، صادف كتابًا عن الجيولوجيا في مكتبة أبيه وفُتِن به. قاده ذلك الكتاب إلى نسخة بلافير المُنقحة من كلام هوتون، فبدأ يحضر محاضرات عن علم المعادن، إلى جانب دراسته للحقوق. ومع أن لايل حصل بالفعل على المؤهل الدراسي اللازم لامتهان المحاماة، قاده شغفه الحقيقي في عشرينيات القرن التاسع عشر إلى خوض جولة في أوروبا ليشاهد بنفسه كيف تشكَّلت التضاريس الطبيعية بفعل النشاط الجيولوجي. بُهِر تحديدًا بطبقات الصخور البركانية، التي كانت تتخللها طبقات من الصخور الرسوبية، والتي أظهرت له كيف ظلَّ جبل إتنا يبني نفسَه على مرِّ فترة زمنية طويلة جدًّا. وحين عاد إلى إنجلترا، ألَّف كتابًا رائعًا من ثلاثة مجلدات. صحيح أن عنوان كتابه الرائع كان «مبادئ الجيولوجيا» ليس إلَّا، لكن عنوانه الفرعي قدَّم تلميحًا وافيًا جدًّا عن محتواه؛ إذ كتب فيه: «محاولة لشرح التغيرات السابقة في سطح الأرض بالاستناد إلى أسباب سارية حتى الآن.»

كانت حُجة لايل أن النشاط الذي نراه حولنا اليوم، كالتعرية والبراكين والزلازل، هو كل ما يلزم لتفسير كيفية وصول الكوكب إلى حالته الحالية، بشرطِ أن يكون تأثير ذلك النشاط قد استمر فترة زمنية كافية. أي إننا لا نحتاج إلى كوارث طبيعية كطوفان نوح لشرح تلك المسألة. نُشر المجلد الأول من كتاب لايل في عام ١٨٣٠، وفي نهاية العام التالي، كانت توجد نسخة منه بين مجموعة الكتب التي أخذها الجيولوجي الشاب تشارلز داروين معه حين انطلق في رحلة حول العالم على متن السفينة «إتش إم إس بيجل». وحين ابتكر داروين فكرة حدوث التطور بالانتقاء الطبيعي لاحقًا، أدرك أن تلك العملية استلزمت قدرًا هائلًا من الوقت لإنتاج تنوع أشكال الحياة الذي نراه على الأرض حاليًّا، وأقدَم بلهفةٍ على قَبول الدليل الذي طرحه لايل، الذي كتب عنه داروين أنه منحه «هبة الوقت». ولكن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد نشر كتاب داروين «عن أصل الأنواع» في عام ١٨٥٩، أدخل كلُّ ذلك داروين والجيولوجيين في صراع علمي محتدم مع علماء الفلك والفيزياء الذين قالوا إن الشمس يستحيل أن تكون قديمة بالقدر الذي تستلزمه نظريات داروين والجيولوجيين، علمًا بأن لايل كان قد أيَّد أفكار داروين في طبعة جديدة مهمة من «مبادئ الجيولوجيا» نُشرت في عام ١٨٦٥.

في بريطانيا، كان الفيزيائي ويليام طومسون، الذي صار يُعرَف باللورد كلفن لاحقًا، هو أبرز مناهضي أفكار الأمد الزمني الطويل كتلك التي اقترحها داروين ولايل، وأشد معارضيها صراحةً. فبحلول ذلك الوقت، كان علماء الفلك لديهم تقدير دقيق نوعًا ما لكتلة الشمس، بناء على دراسات لمدارات الكواكب التي تُبقيها الشمس حولها بقوة جاذبيتها. وقد أشار طومسون باستخدام هذا الرقم إلى أن الشمس، حتى لو كانت مكونة بالكامل من فحم يحترق في جوٍّ من الأكسجين الخالص، لكانت احترقت حتى تلاشت في غضون بضعة آلاف من السنين. وبهذه الطريقة أبرَز أن كوكب الأرض ليس فيه عمليات جارية معروفة بإمكانها الإبقاء على سخونة الشمس فترة طويلة؛ لكن حتى طومسون وافق على أن عمر الشمس أكبر حتمًا ممَّا تشير إليه هذه العملية الحسابية البسيطة. وبقي السؤال، كم عمرها؟

figure
اللورد كلفن. (الصورة مأخوذة من مكتبة إي تي إتش وتقع في نطاق الملكية العامة، وهي منشورة على موقع «ويكيميديا كومنز».)

قضى طومسون سنوات عديدة في صقل فكرةٍ معينة بخصوص احتفاظ الشمس بسطوعها، وقد خطرت تلك الفكرة بباله بعدما تحسَّن فهمُه للعلاقات بين أنواع مختلفة من الطاقة تزامنًا مع الثورة الصناعية، التي استمدت زخمها من الفحم وقوتها الدافعة من البخار. كان أساس الفكرة أن الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم. ولكن يمكن تحويلها من صورة إلى أخرى فقط. ففي اجتماع علمي عُقِد في عام ١٨٥٣، علِم طومسون بفكرة اقترحها باحث مغمور يُدعى جون ووترستون. كان ووترستون مغمورًا لأنه لم يكن جزءًا من المؤسسة العلمية، وكان يواجه صعوبة في نشر أفكاره، لكن هذه الفكرة على الأقل وجدت الظروف المواتية. كان مُدركًا أنه إذا سقطت كتلة صخرية في الفضاء نحو الشمس، فستتسارع حركتها مع تحوُّل طاقة الوضع القائمة على الجاذبية إلى طاقة حركة، ثم تصطدم بالشمس وعندئذٍ تتبدد طاقة الحركة كلها في صورة حرارة. فهل تبقى الشمس ساخنة بسبب وابلٍ مستمر من هذه «النيازك» إذَن؟ مع الأسف لا.

حاول طومسون أن يُطبق الفكرة عمليًّا لكنه أدرك أنها تستلزم كمية كبيرة يستحيل توافرها من الصخور الفضائية. ولكي يُبرز ذلك، حسَب كمية الطاقة التي ستتوفر إذا سقطت كل الكواكب في الشمس واحدًا تلو الآخر. وتبين له أن عطارد، على سبيل المثال، يمكن أن يوفر طاقة كافية للحفاظ على سطوع الشمس سبع سنوات، وأن الزهرة يوفر طاقة كافية لمدة ٨٤ سنة؛ لكن حتى نبتون، الذي يُعَد أكبر كوكب بعيد في المجموعة الشمسية، يمكن أن يُتيح طاقة كافية للحفاظ على سطوع الشمس نحو ٢٠٠٠ سنة فقط. ولم يكتمل الحل الذكي الذي اقترحه طومسون لهذا اللغز إلا في ثمانينيات القرن التاسع العشر، لكني سأتجاوز الخطوات المتداخلة المتشابكة وأتطرق إلى صميم الاستنتاج مباشرة. أدرك طومسون أن العامل المهم في الحساب ليس حجم الصخور الفضائية المفردة، بل إجمالي الكتلة (أو كمية المادة) المعنية. فإذا تصادم جسمان كنصفَي الشمس مثلًا، يُمكن أن يولِّدا حرارة تعادل ما ستولِّده سحابة من النيازك (أو الحصى أو حبيبات الرمل) ذات كتلة مكافئة لكتلة الشمس إذا سقطت مكوناتها نحو الداخل واندمجت معًا. وحتى لو بدأتَ حساباتك بسحابة ضخمة من جسيمات الغاز ذات كتلة مكافئة لكتلة الشمس، وسقطت جسيماتها لتندمج معًا، فستولِّد كمية الحرارة نفسها. وبحلول الوقت الذي ستكون فيه السحابة قد تقلَّصت إلى حجم الشمس، ستُقدَّر درجة الحرارة عند لُبِّها بملايين الدرجات المئوية. عندئذٍ سيؤدي الضغط الناتج من تصادم كل الجسيمات الساخنة وارتدادها في مختلف أنحاء لُب النجم إلى منعه من الانهيار. تُعَد هذه طريقة ممتازة لولادة نجم ساطع، وعلماء الفلك متيقنون من أن هذه بالفعل هي الكيفية التي وُلدت بها الشمس والنجوم. لكن طومسون تقدَّم خطوةً عن ذلك. فقد أدرك أن النجم حالما تشكَّل في هيئة كرة متوهجة من الغاز، فسيبدأ في الانكماش إذا برد قليلًا. لكن ذلك الانكماش سيُطلِق مزيدًا من طاقة الجاذبية، فيُسخنه مجددًا. وحسَب أن الشمس إذا كانت تنكمش بمعدل ٥٠ مترًا في السنة — علمًا بأن هذا الرقم كان أصغر بكثير من أن يستطيع علماء الفلك في القرن التاسع عشر قياسه — فستظل ساطعة بتوهج ثابت. لكن إلى متى؟

كان طومسون قد أجرى قبل ذلك حِسبةً قائمة على الطاقة المخزنة في سحابة منتشرة من الغاز ذات كتلة مكافئة لكتلة الشمس، وقدَّر بها أن طاقة الجاذبية المتاحة كافية للحفاظ على سطوع الشمس لبضع عشرات الملايين من السنين فقط، واستنتج أنه «من المرجح عمومًا أن الشمس لا تضيء الأرض منذ ١٠٠ مليون سنة … أمَّا بخصوص المستقبل، فلنا أن نقول بيقينٍ مماثل إنَّ سكان الأرض لن يظلوا مستمتعين بالضوء والحرارة اللازمين لحياتهم لملايين عديدة من السنين القادمة، إلَّا إذا كان مخزن الكون الكبير يشهد تحضير مصادر طاقة غير معروفة لنا الآن.» ومع أنه لم يقصد ذلك، فقد تبيَّن أن هذا التعليق يحمل قدرةً لافتة على التنبؤ بالغيب. فعندما نتأمل الماضي بعدما صرنا نعرف ما كان مجهولًا آنذاك، نرى أن الصراع بين النطاق الزمني الذي اقترحه الفلكيون والنطاق الزمني اللازم للعمليات الجيولوجية والتطور كانا يخبرانا بالفعل بحتمية وجود مصادر طاقة كانت غير معروفة للعلم في العصر الفيكتوري. ولكن ظلَّت هذه تبدو فكرة سخيفة للفيزيائيين في القرن التاسع عشر، عندما توصل كلفن إلى تقديره النهائي لعمر الشمس، آخذًا في حسبانه فكرة حدوث انكماش بطيء، وقائلًا إنه يبلغ ٢٤ مليون سنة. وقد توصل الفيزيائي الألماني هرمان هلمهولتز إلى النتيجة نفسها بمعزلٍ عن كلفن، وصارت معروفة الآن لعلماء الفلك باسم «نطاق كلفن-هيلمهولتز الزمني» للانهيار النجمي.

وقبل أن أخبرك بمصدر الطاقة الذي لم يكن معروفًا للعلم في القرن التاسع عشر (والذي ربما تكون قد خمنته بنفسك الآن، على أي حال)، وتأثيره في عمر الشمس، ينبغي النظر إلى مدى كثرة (أو يُمكن القول، من منظور آخر، مدى قلة) الطاقة اللازمة بالفعل للحفاظ على سطوع الشمس. أستمدُّ هنا تشبيهي التوضيحي المُفضل من كتاب لجورج جامو بعنوان «نجم اسمه الشمس» نُشر في عام ١٩٦٤. إذ استهل جاموف كلامه مُطالبًا قُراءه بتخمين الوقت الذي سيستغرقه إيصال وعاء من القهوة إلى الغليان إذا كان كل سنتيمتر مكعب من السائل في الوعاء يولِّد حرارة بنفسِ متوسط مُعدل توليد الحرارة الناتجة من كل سنتيمتر مكعب من الشمس. وكانت إجابته المفاجئة أن وصول الوعاء إلى الغليان سيستغرق شهورًا. فالشمس ضخمة، ولحساب متوسط معدل تسرُّب الحرارة من سطحها، ستجد أن كل جرام من مادتها يُطلق أقل بقليل من نصفِ جزءٍ من ١٠ ملايين من السُّعر الحراري في كل ثانية. وهذا أقل بكثير من معدل تولُّد الحرارة من جسم الإنسان بفعلِ العمليات الكيميائية التي تجري فيه. المقصدُ الذي كان جاموف يرمي إليه هنا بالطبع أن معدل إنتاج الحرارة الشمسية ليس منتشرًا بالتساوي عبر كل أجزاء الشمس. فمعظم طاقة الشمس تُطلَق في حيزٍ صغير من حجمها عند لُبِّها، في حين أن المنطقة الخارجية الأكبر حجمًا بكثير لا تشهد إطلاق أي طاقة. وقد ظهرت التلميحات الأولى إلى مصدر الطاقة المحتمل هذا في تسعينيات القرن التاسع عشر، وتحديدًا حينما كان كلفن يضع اللمسات الأخيرة على فرضيته (هو وهلمهولتز) المتعلقة بعُمر الشمس.

اكتشف الألماني فيلهلم رونتجن الأشعة السينية بالصدفة في عام ١٨٩٥ حين كان يُجري تجارب على الكهرباء (علمًا بأن الاكتشاف أُعلن في ١ يناير ١٨٩٦). ومع أن ذلك الاكتشاف كان فارقًا، فإنه لم يتطلب أي مصدر طاقة جديد؛ لأن الطاقة استُمدت من حزم «أشعة الكاثود» (أو الإلكترونات) المُستخدمة في التجارب. ولكن عندما كان الفرنسي هنري بيكريل يواصل تلك الدراسة في فبراير ١٨٩٦، اكتشف أن بعض أشكال الإشعاع انبعثت من مواد معينة، من بينها بعض مركبات اليورانيوم، حتى عندما كانت ملفوفة بورق أسود سميك ومعزولة عن أي مصدر طاقة خارجي. فقد اخترق هذا الإشعاع المُكتشف حديثًا الورقَ وترك بصمته على ألواح تصوير فوتوغرافي. وبعد اكتشاف بيكريل، بدأت ماري كوري وزوجها بيير دراسة النشاط الإشعاعي، كما صار معروفًا، واكتشفا عنصرين مُشعين «جديدين»؛ البولونيوم والراديوم، قبل نهاية القرن. وبحلول عام ١٩٠٣، أجرى بيير كوري ومساعده ألبرت لابورد عمليات قياس دقيقة لكمية الحرارة المنبعثة من الراديوم. وقد أذهلت الكمية الناتجة زملاءهما. إذ تبيَّن أن جرامًا واحدًا من الراديوم يُنتج حرارة كافية لرفع درجة حرارة ١٫٣ جرام من الماء من درجة التجمد إلى درجة الغليان في ساعة واحدة؛ وأنه يفعل ذلك ساعة تلو الأخرى، دون أي علامة على التوقف. ولكن ما هو مصدر الطاقة الذي كان يولد تلك الحرارة؟

اقترح عالم الفلك الإنجليزي ويليام ويلسون في عام ١٩٠٣، حتى من دون أن يعرف ماهية مصدر الطاقة، أن النشاط الإشعاعي قد يكون مصدرًا يُمِد الشمس بالحرارة؛ ويمكنك هنا أن تستنتج من تشبيه وعاء القهوة، الذي طرحه جاموف، مقدار الراديوم القليل الذي يلزم وجوده منتشرًا عبر حجم الشمس للحفاظ على حرارتها. حسَب ويلسون أن كل الكمية اللازمة هي ٣٫٦ جرامات من الراديوم في كل متر مكعب من حجم الشمس. وقد أخذ جورج داروين (أحد أبناء تشارلز داروين) هذه الفكرة، واقترح أن هذا ربما يحل التضارب بين النطاق الزمني المستند إلى عملية التطور والنطاق الزمني الذي اقترحه علماء الفلك. صحيح أنه كان مخطئًا في ذلك، لكن اقتراحه أشار إلى الاتجاه الصحيح (وبالمناسبة، يُسهِم التسخين المستمد من النشاط الإشعاعي في تفسير سبب استمرار سخونة باطن الأرض فترة طويلة بعد تشكُّل الكوكب، وهذا يشير إلى أن عمر الأرض أكبر بكثير ممَّا حسبه فورييه). وبحلول عام ١٩٠٤، أظهر الفيزيائي النيوزيلندي المولد إرنست رذرفورد وبعض زملائه أن الطاقة تُطلَق عند تحوُّل ذرات عنصرٍ ما إلى ذرات عنصر آخر، مع انبعاث جسيمات في هذه العملية. يُعرف هذا باسم التحلل الإشعاعي. وفي الواقع، يتوقف الراديوم عن إطلاق الطاقة عندما تُستهلك كل ذراته هكذا، لكن ذلك يستغرق زمنًا طويلًا جدًّا.

أشار رذرفورد، في عرض تقديمي له ذلك العام أمام المعهد الملكي في لندن، إلى أن التسخين المستمد من النشاط الإشعاعي يُمكن أن يكون هو «مصادر الطاقة غير المعروفة لنا الآن» التي أشار إليها كلفن قبل ذلك بعقود. وقد أسعد ذلك كلفن، الذي كان حاضرًا آنذاك. لكن رذرفورد لم يُصِب سوى جزء من الحقيقة فقط. وبعد ذلك بعام واحد، كان أول من اتخذ الخطوة الأولى نحو الفهم الصحيح لأسباب احتفاظ الشمس بحرارتها فيزيائيٌّ شاب يعمل في سويسرا؛ وهو ألبرت أينشتاين.

لم يخطر ببال أينشتاين إطلاقًا أنه كان يحل لغز عمر الشمس حين توصل إلى نظريته الخاصة للنسبية في عام ١٩٠٥. فالنظرية الخاصة هي التي تمنحنا المعادلة الأشهر في كل العلوم: E = mc2. وتخبرنا هذه المعادلة بأن المادة (التي يرمز m إلى كتلتها) تُعد شكلًا من أشكال الطاقة (E)، وأنه يمكن تحويل كلٍّ من المادة والطاقة إلى الأخرى. ولأن سرعة الضوء (c) تساوي رقمًا هائلًا، فإن الكتلة الصغيرة تكافئ كمية كبيرة من الطاقة. ففي التحلل الإشعاعي، نجد أن ذرةَ مادةٍ كالراديوم تبعث جسيمًا أو أكثر وتتحول إلى ذرة عنصر آخر. وعندئذٍ يكون مجموع كتلة الذرة المتبقية والجسيمات المنبعثة أقل بقليل من كتلة الذرة الأصلية، وتظهر الكتلة «المفقودة» في شكل طاقة الحركة لدى الجسيمات، وتتجلى في شكل حرارة. لكن لُب الشمس يشهد عملية مختلفة تنطوي أيضًا على تحويل الكتلة إلى طاقة.
استغرق علماء الفيزياء الفلكية أكثر من ٣٠ عامًا١ كي يتوصلوا إلى الآلية الدقيقة التي يُسفر بها تحوُّل الكتلة إلى طاقة عن الحرارة اللازمة للحفاظ على سطوع الشمس، لكن العملية تتضمن اندماج ذرات الهيدروجين (أو نواه بالأحرى) معًا لتكوين ذرات (أو أنوية) هيليوم. إذ «تتكون» كل نواة هيليوم من أربع أنوية هيدروجين، وتُعَد كتلة نواة الهيليوم أقل بقليل من مجموع كتل أربع أنوية هيدروجين مفردة، بينما تُطلَق الكتلة الزائدة في شكلِ طاقة تحافظ على سخونة لُب الشمس. ويوجد ما يكفي من الهيدروجين في الشمس للحفاظ على استمرارية هذه العملية نحو ١٠ مليارات سنة، وهذا وقت كافٍ وزيادة لتأخذ عملية التطور مجراها. ولكن بناءً على هذا الدليل وحده، فإنَّ عمر الشمس ربما يبلغ مليار سنة، أو تسعة مليارات، أو أيَّ رقمٍ يتراوح بينهما. يتضح هنا مجددًا أن النشاط الإشعاعي يتيح خيطًا يرشدنا إلى عمرها الفعلي.

فكل مادة مشعة «تتحلل» إلى ما يُعرَف ﺑ «نواتجها المتولِّدة منها» بمعدلٍ منتظم بمرور الزمن. صحيح أن بعض العناصر المشعة عمرها قصير جدًّا، وتكاد تتلاشى بسرعة كنفخةِ دخان حرفيًّا. لكن البعض الآخر عمره طويل جدًّا يصل إلى مليارات السنين. ويمكن معرفة تلك المعدلات من دراسة التحلل الإشعاعي في المختبر، دون انتظار مليارات السنين. تُمثِّل هذه الآلية أساسَ عمليةِ تحديد تاريخ الصخور بناء على نشاطها الإشعاعي. فإذا بدأتَ بعينة خالصة من عنصر مشع معين، كاليورانيوم مثلًا، فستجد أن الذرات تتحول بوتيرة ثابتة إلى ذرات عنصر آخر، وهو الرصاص في هذه الحالة؛ وفي الواقع، توصَّل الكيميائي الأمريكي برترام بولتوود في أوائل القرن العشرين إلى أن اليورانيوم يتحلل إلى الراديوم أولًا، ثم يتحلل الراديوم إلى رصاص، لكن المبدأ واحد. وهكذا ستنخفض نسبة اليورانيوم وترتفع نسبة الرصاص بمرور الزمن. لذلك فإذا صادفت صخرة تحتوي على يورانيوم ورصاص، فيمكنك حساب عمرها بقياس نِسبة كل عنصر منهما. تجدر الإشارة هنا إلى أن آرثر هولمز هو من أسس هذه الطريقة، وذلك في إنجلترا إبان العقدَين الأولَين من القرن العشرين. على أي حال، تبيَّن أن أقدم الصخور الموجودة على كوكب الأرض هي تلك التي كانت نيازك؛ أي كُتلًا صخرية هبطت من الفضاء بعدما تبقَّت من ميلاد المجموعة الشمسية. وتوضح لنا تقنية التأريخ هذه، باستخدام قياسات نِسَب الروبيديوم المشع وعنصر السترونشيوم المتولد منه، أن أقدم هذه الصخور الفضائية تشكَّلت منذ نحو ٤٫٥ مليارات سنة. لذا صرنا نعلم أن عمر المجموعة الشمسية، بما فيها الأرض والشمس، يبلغ نحو ٤٫٥ مليارات سنة، وقد استهلكت الشمس نحو نصف إمداداتها من الوقود النووي حتى الآن.

تبدو هذه إجابة مُقنعة عن سؤال «كم عمر الشمس؟»؛ لكنها مبنية على أسس معادلة أينشتاين الشهيرة. وهذا ما دفع أحد سائليَّ إلى طرح السؤال التالي: «كيف نعرف أن أينشتاين كان محقًّا؟»

١  كما أوضحتُ في كتابي «سبعة أعمدة للعلم».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤