السؤال السادس

ما سرعة تحرك القارات؟

ربما لاحظ أي شخص نظر إلى صورة لكوكب الأرض من الفضاء أن نتوء قارة أفريقيا يُناسب الفجوة بين الأمريكتَين الشمالية والجنوبية، وأن البرازيل تلائم الحيز الواقع تحته بشكلٍ مثالي. وفي الواقع، لا تحتاج إلى صور من الفضاء لترى ذلك؛ فحالما توفرت خرائط دقيقة للقارات، لاحظ بضعة أشخاص تلك «المصادفة» وتكهَّنوا بالسبب وراءها. إذ افتُرِض أن القارات كانت مندمجة معًا في الماضي وانفصلت في كارثة كبرى ما، ولاقت هذه الفكرة انتشارًا أوسع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن نشر الإيطالي الأمريكي أنطونيو سنايدر-بليجريني كتابًا عن هذا الموضوع بعنوان «الخلق وكشف أسراره» في عام ١٨٥٨ (العام الذي طرح فيه تشارلز داروين وألفريد راسل والاس على جمعية لينيان نظريتهما عن حدوث التطور بالانتقاء الطبيعي). صحيح أن عددًا متزايدًا من العلماء رفضوا الفكرة التي افترضت انفصال القارات بفعلِ كارثة واحدة مرتبطة بطوفان نوح، لكنهم قبلوا الأدلة التي أشارت إلى أن قارتَي أمريكا الجنوبية وأفريقيا كانتا مندمجتَين معًا في الماضي، تلك الأدلة التي بدأت تتراكم لديهم من مصادر متنوعة.

بعض هذه الأدلة مرتبط بعمل داروين ووالاس. إذ اتضح وجود تشابه بين أنواع النباتات والحيوانات الموجودة على جانبَين متقابلَين من المحيط الأطلسي عند خطوط عرض متقاربة، وإن لم يكن ذلك التشابه تامًّا، لأن الكائنات الحية تتطور. كذلك يتجلى تشابه أقوى في الصخور. فبعض السلاسل الجبلية التي تختفي داخل البحر على أحد جانبَي المحيط تعاود الظهور على الجانب الآخر، وهذا ينطبق أيضًا على الطبقات الجيولوجية والحفريات التي تحويها. وغالبًا ما يُضرَب هنا مثال تشبيهي يَفترضُ أنك إذا أخذت ورقة من إحدى الصحف وقصصتها إلى قصاصةٍ على شكل أفريقيا وأمريكا الجنوبية مندمجتَين معًا ثم قطعتها إلى شكل كل قارة على حدة، فستظل قادرًا على قراءة سطور ورقة الصحيفة عبر الفجوة بينهما. بحلول نهاية القرن التاسع عشر، اتضح أن القارات كانت مندمجة معًا في الماضي. وبقيت الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة آنذاك: كيف انفصلت، وما المدة الزمنية التي استغرقها ذلك؛ أي ما مدى سرعة تحرك القارات؟

في عام ١٩٠٨، ألقى فرانك تايلور، من جامعة ستانفورد، عرضًا تقديميًّا أمام الجمعية الجيولوجية الأمريكية، حيث وصف «الانجراف القاري» (كما أصبح معروفًا) بأنه «حركة زاحفة هائلة»، ولَفَت الانتباه إلى اكتشاف سلسلة جبلية ضخمة تحت البحر، وهي «حيد وسط المحيط الأطلسي»، تقع في منتصف المسافة تقريبًا بين أوروبا وأمريكا الشمالية وتمتد جنوبًا بين أفريقيا وأمريكا الجنوبية. كان هو أول شخص يقترح أن هذا هو المكان الذي انفصلت عنده القارات، وأنه «ظل ثابتًا بينما زحفت القارتان الواقعتان على جانبَيها في اتجاهَين متعاكسَين وشبه متوازيَين». لم تلقَ أفكار تايلور اهتمامًا كبيرًا آنذاك، ولكن اتضح أنه كان مُحقًّا إلى حد كبير. أما الشخص الذي حظيَت أفكاره عن الانجراف القاري باهتمام كبير بعدئذٍ، فكان عالم الأرصاد الجوية الألماني ألفريد فيجنر، وإن اتضح أنه لم يكن محقًّا تمامًا.

لم يكن فيجنر عالمًا جيولوجيًّا، لكنه كان على دراية كافية بالجيولوجيا لينزعج من ورقة بحثية علمية صادفها في عام ١٩١١ كانت تزعم أن التشابهات بين الأشياء الموجودة على جانبَي المحيط يمكن تفسيرها بأن هذَين الجانبَين كانا مترابطين في الماضي ﺑ «جسرٍ بري» غرق تحت الأمواج. ومن المؤكد حتمًا أن هذا كان هراء، لأنه حتى في السنوات الأولى من القرن العشرين، كان معروفًا أن قشرة القارات أقل كثافة من قشرة المحيطات؛ لذا تطفو القارات على صخور قاع المحيط الأكبر كثافة كما يطفو الجليد على الماء. فإذا دفعت مكعبًا من الثلج تحت سطح كوب من الماء، فسيطفو مجددًا حالما تتركه، وهو ما سيحدث أيضًا لكتلة من اليابسة إذ دُفعِت بطريقة ما إلى أسفل القشرة المحيطية.

كان فيجنر منزعجًا جدًّا لدرجة أنه، وإن لم يتخلَّ عن مهنته الأساسية، أمضى بقية حياته (حتى تُوفي عام ١٩٣٠) في تنقيح فكرته عن الانفجار القاري والترويج لها. وكان يعرف الكثير عن الجليد الطافي لأنه كان مختصَّ الأرصاد الجوية في رحلة استكشافية دنماركية إلى جرينلاند، حيث رأي كيف تنكسر الصفائح الجليدية الطافية وتتحرك خلال الماء، لكن لا تغرق تحت الأمواج. صحيح أنه كان محقًّا في اعتقاده أن الجسور البرية يستحيل أن تغرق، ولكن من سوء حظه أن ما كان يعرفه عن الجليد الطافي قاده عبر مسار خاطئ وهو ينقح أفكاره على مر العقدَين التاليَين.

لكن لنبدأ أولًا بما أصاب فيه فيجنر. جَمَع كمية هائلة من الأدلة ليُظهر أن القارات قد تحركت. وكان هو الشخص الذي تفتَّق ذهنه عن تشبيه القارات بورقة الصحيفة، ولأنه كان خبيرًا في الأرصاد الجوية، استطاع استخدام أدلة أحفورية ليستنبط الظروف المناخية في عصور ماضية، ويُظهر أشياء عديدة من بينها أن جزيرة سبيتسبرجن، التي تقع الآن شمال الدائرة القطبية الشمالية، كانت موجودة في المناطق الاستوائية ومغطاة بغطاء نباتي خصب يومًا ما. وبفضل كل هذا، وأدلة أخرى، استطاع أن يستنبط ظروف عصرٍ كانت فيه كل القارات الحالية مندمجةً في كتلة برية واحدة، وهي قارة عظمى سمَّاها بانجيا، بمعنى «كل الأرض».١ وبذلك قدَّر أن قارة بانجيا بدأت تتفكك منذ نحو ٣٠٠ مليون سنة،٢ وفسَّر وجود السلاسل الجبلية بأنها ناتجة من تصادمات بين القارات، أو تكمُّش القارات عند الحافة الأمامية التي تتصدر حركتها، كما في حالة جبال روكي والأنديز. لكنه لم يستطع تفسير كيفية تحرك القارات، وهذا كان عاملًا حاسمًا في منع أفكاره من أن تنال قبولًا واسع النطاق.

أمَّا خطأ فيجنر، فنشأ من معرفته بالجليد الطافي. ولكن حتى في ذلك الخطأ، كان قريبًا جدًّا من الصواب. اقترح فيجنر أن القارات تتحرك خلال القشرة المحيطية لقاع البحر كما تتحرك كتلة الجليد خلال الماء عند دفعها. الأمر هنا أشبه بجبل جليدي ضخم يتحرك خلال الماء بفعل رياح تهب على جسمه. ولكن كما أدرك فيجنر نفسه على الأرجح، عندما تتكسر صفيحة من الجليد الطافي وتنجرف القطع المتكسرة، فإنها لا تتحرك بنفسها خلال الماء. بل تنقلها تيارات المحيط. وبالمثال، فالقارات تُنقل في الحقيقة بفعل «تيارات» في القشرة المحيطية، ولا تتحرك بنفسها خلال القشرة المحيطية إطلاقًا. لكن الدليل الرئيسي الذي أوضح ذلك لم يتوفر إلا بعد ربع قرن من وفاة فيجنر.

فبحلول خمسينيات القرن الماضي، صار العالم مختلفًا تمامًا عن العالم الذي كان فيجنر يعرفه. إذ كان منقسمًا بعد الحرب العالمية الثانية إلى معسكرَين مسلحَين يتصارعان في الحرب الباردة. وكان من أشد مخاوف الجيش الأمريكي في الغرب أن يكون الاتحاد السوفيتي قادرًا على إخفاء غواصات مزودة بأسلحة نووية في أعماق المحيط الهادئ. وفي إطار الاستجابة لهذا التهديد المتصوَّر، أصدرت البحرية الأمريكية في عام ١٩٥٥ أمرًا بإجراء مسح لقاع البحر قبالة الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، وذلك باستخدام السونار لإنشاء خريطة توضح أي تضاريس بحرية قد تحاول الغواصات الاختباء فيها. ولإخفاء الغرض الحقيقي من هذه المهمة العسكرية، سُمح لعلماء بإجراء تجارب خاصة بهم أثناء المسح، بشرط ألا تتداخل مع عملية إنشاء الخريطة. فقرروا، بدافع الفضول فقط دون أي تصورات مسبقة عمَّا قد يكتشفونه، أن يقيسوا مغناطيسية صخور قاع البحر، وذلك بجرِّ أداة تُسمى مقياس المغناطيسية خلف سفينتهم وهي تتحرك ذهابًا وإيابًا عبر رقعة من المحيط، كجرار يتحرك ذهابًا وإيابًا عبر حقلٍ ما وهو يحرثه. غير أن ما وجدوه كان غير متوقع على الإطلاق.

عندما تتصلب الصخور المنصهرة، تلتقط أثرًا مغناطيسيًّا من المجال المغناطيسي للأرض، ثم يتجمد هذا الأثر في الصخور، كأنه أثر حفري للمغناطيسية التي كانت موجودة في الصخور أثناء تصلبها. لذا يكون الأثر المغناطيسي في قطعة معينة من الصخور متجهًا من الشمال إلى الجنوب في البداية، ولكن مع تعرُّض الصخور لاختلاط عشوائي بفعل نشاط جيولوجي، كالزلازل مثلًا، فإنه قد يصبح في النهاية موجهًا نحو أي اتجاه. وإذا افترضنا أن أفراد فريق المسح كانوا يحملون أي توقعات، فهذا هو ما ظنوا أنهم ربما يجدونه: خليط من الأنماط المغناطيسية في الصخور الموجودة تحت سطح البحر، حيث يختلف اتجاه المغناطيسية باختلاف الصخور. لكن ما وجدوه في الواقع كان نمطًا من أشرطة مميزة جدًّا تتجه شمالًا وجنوبًا. ففي أحد الأشرطة، كانت مغناطيسية الصخور متجهة من الشمال إلى الجنوب في نفس اتجاه المجال المغناطيسي الأرضي الحالي. وفي الشريط التالي، كان النمط معكوسًا، أي متجهًا من الجنوب إلى الشمال على عكس المجال المغناطيسي الأرضي الحالي. وهكذا وجدوا النمط متكررًا كالأشرطة الموجودة في الرمز الشريطي، بينما كان بعضها أعرض من البعض الآخر. نُشرت نتائج المسح الأوَّلي في عام ١٩٥٨، وأطلقت موجةً من دراسات مشابهة في مختلف أنحاء العالم، ما أسفر عن اكتشافٍ فارقٍ أهَم.

figure
أشرطة «الرمز الشريطي المغناطيسي» في المحيط. (الصورة نشرها المستخدم Chmee2 عبر موقع «ويكيميديا كومنز»، وتقع في نطاق الملكية العامة.)
هل تتذكر «حيد منتصف المحيط الأطلسي» الذي حاول فرانك تايلور أن يلفت الانتباه إليه في عام ١٩٠٨؟ أظهرت الدراسات المسحية أن نمط الأشرطة المغناطيسية العريضة والضيقة (أي الرمز الشريطي المغناطيسي) متطابقٌ على جانبَي الحيد؛ بل واكتُشِف التطابق ذاته على جانبَي حيود مشابهة في محيطات أخرى. وفي مثالٍ لافت جدًّا،٣ في منتصف الستينيات، أجرت سفينة أبحاث أمريكية تُدعى «إلتانين» مسحًا مغناطيسيًّا على طول مسار يبلغ أربعة آلاف كيلومتر ويمتد من الشرق نحو الغرب عبر حيد المحيط الهادئ، وصولًا إلى جنوب جزيرة إيستر. ثم رُسمت نتائج المسح — أي الأشرطة المغناطيسية العريضة والضيقة — على مخطط ورقي مع رسم الحيد في منتصف ذلك المخطط، وعند طيِّ نصف المخطط على نصفه الآخر، استقر كلا «الرمزين الشريطيين» فوق الآخر، وتبيَّن أن كل شريط قد استقر فوق نظيره الموجود على الجانب الآخر من الحيد، مُبرِزًا تناظر نمط الانعكاسات المغناطيسية.

وحالما لوحِظ النمط، كان من السهل شرحه. فحيود المحيط شقوقٌ في قشرة الأرض حرفيًّا، حيث تتصاعد عندها الصخور المنصهرة من الأسفل وتُدفَع إلى الخارج على جانبَي الحيد، فتبرد في أثناء ذلك وتُجمِّد داخلها المجال المغناطيسي السائد حينئذٍ. أي إنَّ تايلور كان محقًّا. فحيدُ وسط المحيط الأطلسي شَقٌّ فعليٌّ في القشرة فصل أوروبا عن أمريكا الشمالية، وأسفر عن تمدُّد قاع البحر على جانبَيه وبذلك ظل يُباعد بين القارتين منذ ذلك الحين. أي إنَّ القارات لا تتحرك بنفسها خلال صخور قاع البحر لكنها تُنقَل على ظهر صفائح صخرية، كما تُنقَل قطع الجليد الطافية على تيارات محيطية، ما يُكسب مفهوم الانجراف القاري اسمه الحديث؛ تكتونية الصفائح.

ولكن لا شيء من ذلك يعني أن كوكب الأرض يتضخم مع تمدُّد المحيطات. صحيح أن حيود المحيطات تشهد تمددًا في القاع، لكن بعض الأماكن الأخرى تشهد تدمير قاع البحر عندها، حيث يُدفع إلى أسفل القارات مجددًا. وهذا ممكن لأن القشرة المحيطية أكبر كثافة وأقل سمكًا من القشرة القارية. وتتجلى نتائج هذه العملية عند المنطقة الواقعة بمحاذاة الجانب الغربي من المحيط الهادئ بالأخص، حيث أسفر تأثير دَفع القشرة المحيطية أسفل القشرة القارية عن سلاسل جبلية كبيرة ونشاط بركاني؛ بل إنَّ جزر اليابان نَتجَت بالكامل من هذه العملية. وهكذا اتضح أن المحيط الهادئ يتقلص بنفس معدل تمدد المحيط الأطلسي.

لكن ما المدة الزمنية التي يستغرقها كل هذا؟ ما سرعة تحرُّك القارات؟ يعرف الجيولوجيون، من دراسات السمات المغناطيسية لطبقات الصخور على اليابسة، أن المجال المغناطيسي للأرض ليس ثابتًا، لكنه ينعكس من وقت إلى آخر، إذ يتبادل القطبان المغناطيسيان الشمالي والجنوبي مكانَيهما. لا يعني هذا أن كوكب الأرض ينقلب في الفضاء؛ بل يُنتَج المجال المغناطيسي بفعل تيارات دوامية من مواد منصهرة في أعماق باطن الأرض (ستجد مزيدًا من تفاصيل ذلك في الإجابة عن السؤال السابع)، وأحيانًا ما يتلاشى تمامًا ثم يتراكم مجددًا في الاتجاه المعاكس. صحيح أنه ما من أحدٍ يعرف سبب حدوث ذلك أو كيفيته، لكن الحقيقة أنه يتيح للجيولوجيين أداة مفيدة للغاية. وعلى وجه الخصوص، هم يستطيعون استخدامه لقياس أعمار الأشرطة المغناطيسية في قاع البحر.

وكل ذلك متاح بفضل وجود بعض الأماكن التي تتراص فيها الطبقات بترتيب منظم بعضها فوق بعض من الأحدث إلى الأقدم، رغم تعرُّض العديد من الطبقات الصخرية الأخرى للاختلاط بفعل الزلازل وأنشطة أخرى. ومن ثم، يمكن حساب أعمار طبقات الصخور المختلفة باستخدام طرق جيولوجية شائعة، وعندما تُقاس مغناطيسية الصخور، تكشف عن النمط ذاته الذي يضم أشرطة عريضة وضيقة مكافئة للانعكاسات المغناطيسية، والذي يُرى في صخور قاع البحر. لكن النمط هذه المرة يعد بمثابة تقويم زمني ممتد إلى الماضي.

يستمد علماء الجيوفيزياء من ذلك عدة معلومات منها كيفية تغير الموضع الزاوي للقارات بمرور الزمن. فقد يُظهر النمط مثلًا أن المنطقة المعروفة حاليًّا بأفريقيا كانت، في وقتٍ معين من الماضي الجيولوجي، منحرفةً بزاوية ما عن موضعها الحالي. وبدمج ذلك مع الأدلة الأحفورية النباتية والحيوانية، لاستنباط ظروف الماضي المناخية كما استنبطها فيجنر، يستطيع علماء الجيوفيزياء حساب الوقت الذي كانت قارة بانجيا موجودة فيه، بل والوقت الذي انفصلت فيه إلى قطع، وتحديد الكيفية التي نُقلت بها في شتى أنحاء العالم إلى مواقعها الحالية بفعل تكتونية الصفائح. تمكن علماء الجيوفيزياء من تجميع كل هذا في أواخر ستينيات القرن العشرين، مع توفر أجهزة كمبيوتر علمية أكثر كفاءةً، لإنتاج خرائط توضح نمط القارات في عصور جيولوجية مختلفة. وبالصدفة كنتُ من أوائل الأشخاص الذين رأوا تلك الخرائط التي تُظهر الانجراف القاري.

حدثت هذه الصدفة لأن الكمبيوتر العلمي «الكفؤ» آنذاك كان يحمل ذاكرة حجمها ١٢٨ كيلوبايت،٤ ويشغَل غرفةً كبيرة ومكيفة الهواء، ويتولى تشغيلَه فريق من مشغلي الكمبيوتر الذين كانوا يزودونه بالبيانات في شكل بطاقات مثقبة وشريط مغناطيسي، ثم يجمعون المخرجات، التي غالبًا ما كانت في شكل أرقام ومخططات بيانية مطبوعة على ورق. لم تكن تلك الأجهزة مزودة بشاشات مرئية؛ لذا لم تُرَ مخرجاتها إطلاقًا إلا على ورق مطبوع، مع أنها كانت موجودة أيضًا على بطاقات مثقبة وما إلى ذلك. وكان أحد هذه الأجهزة، ويُسمَّى «آي بي إم ٣٦٠ / ٤٤»، مملوكًا لمعهد الفلك النظري (كما كان معروفًا آنذاك) في كامبريدج، حيث كنت طالبًا باحثًا، وكنت أعمل مشغلًا لأجهزة الكمبيوتر بدوام جزئي. وفي الوقت نفسه، كان علماء الجيوفيزياء الذين يعملون في مبنًى مجاور لديهم اتفاق مع المعهد يسمح لهم بتشغيل برامجهم على جهازنا، وكانت إحدى مهامي تجميع مخرجاتهم المطبوعة وتجهيزها لهم ليأخذوها. ومن حسن حظي أن هذه المخرجات المطبوعة تضمنت تلك الخرائط الأولى التي تُبين الانجراف القاري. لذا رأيتها فور خروجها من الطابعة، وقبل أن يراها حتى الأشخاص المسئولون عن البحث، فضلًا عن ظهورها في دوريات علمية. لكن ما لم أكن أدركه آنذاك أن كل هذا لا يزال مستمرًّا؛ أي إن المحيط الأطلسي لا يزال يتوسع حتى وأنا أكتب هذه الكلمات.

يعيدنا هذا إلى العَلاقة بين الأشرطة المغناطيسية في قاع البحر والأنماط المغناطيسية المُكتشفة في الصخور القارية. يتسم نمط الأشرطة العريضة والضيقة بأنه مميز للغاية لأن انعكاسات المجال المغناطيسي لا تتكرر بمعدل منتظم. لذا يمكن اختيار شريط واحد (ونظيره الذي يُعَد بمثابة صورته المرآتية على الجانب الآخر من حيد وسط المحيط الأطلسي)، ومعرفة الفترة المعينة التي تكوَّن فيها في الزمن الجيولوجي منذ عدد محدد من ملايين السنين. وبناء على ذلك، من السهل حساب مدى سرعة توسع المحيط الأطلسي على مرِّ بضع عشرات الملايين من السنين الماضية. ومن ثم، اتضح أن كلا جانبَي الصدع يشهد دفع قشرةٍ محيطية جديدة بمعدلٍ يساوي أقل بقليل من سنتيمترَين في السنة؛ وبذلك يتوسع المحيط إجمالًا بمعدل نحو أربعة سنتيمترات في السنة. أي إنَّ البُعد بين أمريكا وأوروبا الآن أطول بمترين مما كان عليه عندما نظرت إلى خرائط الانجراف القاري التي طبعها الكمبيوتر في كامبريدج. ولتوضيح هذا بمثال تشبيهي، فإن قاع البحر يشهد تكوُّن قشرة محيطية جديدة بنفس معدل نمو أظافرك تقريبًا. لذا فكلما تقص أظافرك، تذكر أن القارة تحركت بمقدار الجزء الذي أزلته للتو من أظافرك، منذ آخر مرة شذَّبتَها فيها.

هذا كله كلام علمي سليم ومؤكد. لكنه يعتمد على فهم كيفية تكوُّن المحيطات، وماهية المغناطيسية الأحفورية، وكيفية تأريخ مغناطيسية الصخور في القارات وربطها بمغناطيسية الصخور في قاع البحر. ومن ثم، سيكون الوضع أفضل إذا كانت لدينا طريقةٌ ما لقياس هذه الحركة مباشرةً. ومن المفارقات السعيدة أننا لدينا بالفعل طريقة؛ أو بالأحرى طريقتان لقياس الانجراف القاري مباشرة.

تتسم الطريقة الأولى بالدقة لكنها فيما يبدو تستعصي على الفهم نوعًا ما على أي شخص باستثناء المتخصصين في علم الفلك الراديوي. فعلماء الفلك لديهم طريقة اسمها قياس التداخل الراديوي من ضِمن الأدوات التي يستخدمونها لدراسة النجوم والمجرات البعيدة. وتعتمد تلك الطريقة على استخدام تلسكوبات راديوية منفصلة بمسافات كبيرة فيما بينها لدراسة جسمٍ واحد في وقت واحد وخلط الموجات الراديوية (أي السماح لها بالتداخل) بطريقةٍ تتيح عدة معلومات، من بينها أنها تكشف عن الفارق الزمني بين توقيتات وصول الموجات إلى كل تلسكوب. وبالطبع يرتبط الفارق الزمني بالمسافة بين التلسكوبات. وهكذا فباستخدام تلسكوبات في أمريكا الشمالية وأوروبا في أواخر القرن العشرين، راقب بعض متخصصي علم الفلك الراديوي الموجات الراديوية المنبعثة من شبه نجم (كوازار) بعيد على مر أكثر من عشر سنوات، ووجدوا أن أوروبا وأمريكا الشمالية ما زالتا تتباعدان كلتاهما عن الأخرى بنفس المعدل المستنتج من الدراسات الجيوفيزيائية بالضبط.

figure
رجل طويل الأظافر، في عام ١٩٠٦ تقريبًا. (مأخوذة من موقع «ويكيميديا كومنز»، وتقع في نطاق الملكية العامة.)

أمَّا الطريقة الأخرى، فهي مباشرةٌ أكثر. إذ تنطوي ببساطة على إرسال أشعة ليزر من محطة أرضية وارتدادها من قمر صناعي مزود بعواكس لامعة، والتقاط الأشعة المنعكسة في محطة أرضية أخرى بعيدة، ثم ارتدادها إلى المكان الذي أتت منه. يُحسَب الوقت الذي استغرقته الرحلة ذهابًا وإيابًا (عبر مسارَين يُمثلان ضلعَي مثلث)، وبذلك يشير مباشرة إلى المسافة بين المحطتَين الأرضيتَين، التي تُمثل قاعدة المثلث. تُظهر هذه التقنية أن قشرة المحيط الهادئ تتحرك غربًا بمعدل أربعة سنتيمترات سنويًّا؛ لذا فهي تختفي تحت قارة آسيا بهذا المعدل، وبذلك تُوازِن مُعدل توسُّع قشرة المحيط الأطلسي بالضبط. وهذا يجيبنا عن سؤال «ما سرعة تحرك القارات؟»، لكنه يقود إلى سؤال آخر: ما الذي يكمن تحت قشرة الأرض؟

١  أصبح اسم جيا، أو جايا، مألوفًا من نظرية جيم لَفلوك عن الأرض الحية.
٢  تشير تقديرات حديثة إلى أن بانجيا تكونت منذ نحو ٣٣٥ مليون سنة وبدأت تتفكك منذ نحو ٢٠٠ مليون سنة.
٣  أذكره هنا لأنني أتذكر أنني قرأت عنه آنذاك.
٤  هذا ليس خطأ مطبعيًّا. فأنا أقصد ١٢٨ ألف بايت بالفعل. علمًا بأن الهاتف الذكي الحديث قد يحمل ذاكرة حجمها ١٢٨ جيجابايت، أي أكبر مليون مرة من ذاكرة أفضل كمبيوتر علمي في أوروبا عام ١٩٦٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤