زينب دياب

من أول نظرة جذبتني زينب بحيويتها وملاحتها، بوجهها الخمري الرَّائق وقسماتها النَّامية في حرية وعذوبة، وجسمها القوي الرَّشيق. ولعلَّ استشفافها لإعجابي بها بغريزتها الفطنة هو ما مَكَّن لصداقتنا أن تتوطد وأن تتناهى إلى ذروة الثقة، وهي قد نشأت في بيئة إسماعيل وفي ربعه. أبوها بياع لحمة رأس وأمها في الأصل غَسَّالة ثم صارت دَلَّالة بعد كفاحٍ طويل، ولها أخ سَبَّاك، وأختان متزوجتان. وبفَضْل مِهْنَة الأمِّ الأخيرة وفرت للأسرة بعض ضرورات العيش وابتاعَت لزينب الحد الأدنى مما يلزمها من ملابس. وكان نجاح زينب في المدرسة أمرًا غير متوقعٍ بقدر ما كان مُثيرًا للعجب والمتاعب. ولم يجدوا بأسًا من تَرْكها تلهو بتلك اللعبة حتى يجيء ابن الحلال؛ ولذلك فإنَّ الأم لم تُرحِّب من بادئ الأمر بإسماعيل الشيخ، وكانت تعتبر التلميذ مُتعطلًا بلا نهاية، وعقبة في سبيل أي فتاة جميلة. وكانت أم زينب هي القوة الحقيقية في الأسرة، أمَّا الأب فكان يكدح نهاره نظير بضعة قروش ما يلبث أن يُبَدِّدها في خَمَّارة البوظة، ويختم سعيه بمشاجرةٍ عائليةٍ عنيفة. ومن عجبٍ أنَّ الأب المتدهور كان وسيمًا، يُمكن أن يتكشف وجهه الكالح النَّابت الشعر المغبر الأخاديد عن قسماتٍ مليحةٍ ورثتها زينب، أمَّا الأُمُّ القوية فكانت أشبه برجلٍ خشن.

ونشبت الأزْمَة المُتوقعة وزينب في الثانوية العامَّة إذ تقدَّم لطلب يدها تاجر دجاج، يُعتبر في الحي الفقير من الأغنياء. كان في الأربعين، أرمل، أبًا لثلاث إناث متزوجات، رحبت به الأم لينتشل بنتها من الربع والتعب الفارغ، ويُهيِّئ لها حياة سعيدة. وعندما رفضت زينب العرض غضبت الأم، ولفح غضبها إسماعيل وأسرته، ثم قالت لابنتها: ستندمين، ستبكين بالدموع الغالية.

ولم تمر الواقعة بسلامٍ فقد أطلق التاجر لسانه فيما بين زينب وإسماعيل، ففجر بذلك عاصفة في الرَّبع، ولكن إرادة زينب انتصرت. وكان للتجربة أثرها في سلوكها؛ فتحدِّيًا للاتهامات الباغية قَرَّرت أن تُحافظ على نفسها. ولم تبالِ أن تُتَّهم بالرَّجعية في نظر «البعض»، ولم تؤثِّر ثقافتها الواسعة في موقفها.

– نحن نمثل المحافظة في تقدميتها الوئيدة؛ ولذلك وجدت في صيغة ثورتنا ما ترتاح إليه نفسي وبه تستقر.

وكانت تفهم نفسية إسماعيل بقدر ما تُحِبُّه، وتُؤمِنُ بتماثل موقفهما، وبأنه لن يغفر لها تهاونها معه لو حدث مهما ادعى من أقوالٍ لا يُؤمن بها في قرارة نفسه.

– وعم حسب الله تاجر الدجاج كان يُريدني بأي ثمنٍ في تلك الأيام، ولم ييئس من رفضي يده، وتشفَّع عندي بعجوزٍ من المُتعاملات معه ولكني لقَّنتها درسًا!

– أرادكِ بغير زواج؟

– وبثمنٍ غالٍ.

وكانت تروي ذلك بفتور يتناقض مع الموقف، فلم أفهم وقتذاك سر فتورها.

– وكذلك زين العابدين عبد الله فيما بعد.

– لا.

ندَّت عني في دهشةٍ فقالت بثقة: بلى.

– ولكنه مجنون بقرنفلة؟

فهزَّت منكبيها فتساءلت: أكان يداري طمعه في مالها بالتَّظاهر بالحُب؟

– كلا، كان يُحِبُّها وما زال، ولكنه طَمِع في مسرةٍ يتسلَّى بها، ولعلَّ الوغد ظنني فتاةً مستهترة.

– متى أعلن رغبته؟

– مرات ولكني أقصد المرة الأولى عقب أول اعتقال.

– رغم عناده أعتقد أنه يائِسٌ من ناحية قرنفلة.

– ولماذا ييئس؟ إنه قابعٌ ينتظر رزقه.

ثم ختمت قصصها العاطفية قائلة: وغيرهما كثيرون!

وعند ذاك سألتها باهتمامٍ خفي: ألم يكن المرحوم حلمي حمادة واحدًا منهم؟

فأجابَت بدهشة: كلا!

– أصارحكِ بأنني تخيلت بينكما حكاية!

قالت بأسًى: كنا صديقَيْن حميمَيْن.

ثم بلهجة اعترافية: لم أحب في حياتي إلا إسماعيل.

– أما زال هذا الحب قائمًا؟

ولكنها تجاهلَت سؤالي.

وقصتها مع الثورة مكررة لقصة إسماعيل. وعن أول اعتقالٍ قالت لي: قُبِض عليَّ لصلتي المعروفة بإسماعيل، ولم تكن تُوجد شبهةٌ ضدي، كما أقسمتُ لهم بأنَّه لم يكن يومًا من الإخوان، ولم أُحْجَز أكثر من يومَيْن، ولم تُوجَّه إليَّ إساءة.

وابْتَسمت في أسًى وقالت: المتاعب الحقيقية صادفتني في البيت، وقالت لي أمي هذا هو إسماعيل، وهذه هي المصائب التي تجيء من ناحيته.

وتجهم وجهها وهي تستطرد: وتصادف أن جاء اعتقالي بعد أسبوعٍ واحدٍ من القبض على أبي بتهمة العربدة والاعتداء على شرطي!

فقلتُ لها بإكبار: إن تقدُّمكِ خلال تلك الظروف نجاحٌ باهر!

– وقلت لخالد صفوان لم تشكُّون فينا؟ ألا ترى أننا أبناء الثورة، وأننا مدينون لها بكل شيء؟ فكيف تتهموننا بالعداوة؟!

فقال بسخريته الباردة: تلك حُجَّة ٩٩٪ من أعدائنا!

وحدثَتْني عن إيمانها القديم بالثورة، كيف أنَّ الاعتقال لم يَنَل شيئًا من صميمه: غير أننا كُنَّا نشْعُر بأننا أقوياء لا حَدَّ لقوتنا، أمَّا بعد الاعتقال فقد اضطرب شُعُورنا بالقوة وفقدنا الكثير من شجاعتنا وثقتنا في أنفسنا وفي الأيام، واكتشفنا وجود قوةٍ مُخيفةٍ تعمل في استقلالٍ كليٍّ عن القانون والقيم الإنسانية، وبسبب ما عانيته من عذابٍ في فترة اختفاء إسماعيل قلت له: أليس من الحِكْمَة أن ننطوي على أنفسنا حينًا، وأن نتجنب المجتمعات والأصحاب؟

ولكنه أجابني ساخرًا: لقد قُبض عليهم بسببي وليس العكس.

فقلتُ لها معزيًا: هكذا يُعاني الإنْسانُ عادة ثمنًا للثورات الكبرى.

فتساءلت وهي تتنهَّد: متى يُمكن أن تمضي الحياة عذبةً بلا تعاساتٍ مريرة؟!

ثم حَدَّثتني عن اعتقالها الثاني. شعرت منذ البدء أنني مُقبلٌ على سَمَاع قصةٍ عنيفة للذكريات.

– كانت التُّهمة تلك المرة هي الشيوعية!

ثم بتأثر عصبي: وكانت فترة لا يمكن أن تنسى.

ولما مثلت أمام خالد صفوان قال لي ساخرًا: ها هي الصداقة بيننا تتوطد.

فقلت له: لا أدري لم قُبِض عليَّ!

– ولكنني أدري.

– فما هو السبب يا سيدي؟

– السبب يرجع إلى مبادئ السيدَيْن الجليلَيْن ماركس ولينين!

وصمت وهو يتفرَّس في وجهي بحدةٍ ثم قال: أجيبي تحت شرط ألَّا ترجعي للحجة البالية؛ حجة كيف تشكُّون فينا ونحن أبناء الثورة إلخ … إلخ.

فقلت له وأنا يائسة تمامًا من إقناعه: لسنا شيوعيين وأقسم لك على ذلك.

فتمتم بغموض: يا للخسارة!

ورُميت في الزنزانة معرضة لعذابٍ مهينٍ لا تقدِّر أذاه إلا امرأةٌ فكان عليَّ أن أحيا وأنام وآكل وأقضي الحاجة في مكانٍ واحد!

فغمغمت بأسًى: لا.

– وكنتُ عرضةً في أي لحظةٍ لأن ينظر إليَّ الحارس من خلال منفذٍ في الباب، ويتفرج عليَّ ساخرًا، هل تُدرك معنى ذلك؟

– نعم للأسف!

– وذات يوم استُدْعِيتُ إلى مكتب خالد صفوان في أثناء التحقيق مع إسماعيل، ولمَّا رأيته في ذله ويأسه طفرت الدموع إلى عيني، ولعنتُ من صميم قلبي الدنيا، ولكنني لم أبقَ هناك إلا ريثما هدَّدوه بتعذيبي، ثم رجعت إلى زنزانتي القذرة لأبكي طويلًا، ولأتعذب يومًا بعد يوم.

واستُدعيتُ مَرَّة أخرى إلى حجرة خالد صفوان فقال لي: أرجو أن تكوني راضية عن ضيافتنا.

فقلت بجرأة: كل الرضا يا سيدي، شكرًا لكم.

– ها هو صديقكِ قد اعترف بشيوعيته!

فهتفت: تحت تأثير تهديدكم.

– ولكنه حقيقي بصرف النظر عن الوسيلة.

– قطعًا لا يا سيدي، إنَّها لفظاعة!

فقال بغموض: إنها لروعة!

– روعة؟!

فقال وهو يُشير بيده إشارة خاصة: سنرى!

وسمعتُ أقدامًا تقترب حتى طوقتني تمامًا، ما عسى أن أقول؟!

توقَّفَت عن الكلام، تصلَّبَت عضلات وجهها، وتوقعت سماع شرٍّ يفوق ما سبق، قلت: فلننه الحديث إذا شئت؟

– كلا، إنه مما يسر سماعه.

ثم وهي تنظر في عيني بتحدٍّ: قرَّر أن يرى مشهدًا مثيرًا ومُمْتعًا وخارقًا للمألوف.

فخفق قلبي بارتياع وتساءلت: ماذا تعنين يا زينب؟

– ما أدركته تمامًا!

– كلا!

– بالتمام والكمال.

– أمام عينيه؟

– أمام عينيه!

وساد صمت كأنَّه بُكاء أخرس حتى تمتمت: أي رجل ذلك الرجل!

أقصد خالد صفوان.

– لا غرابة في منظره، يَصِحُّ أن يكون أستاذًا في الجامعة أو رجلًا من رجال الدين.

فقلت بذهول: المسألة تحتاج لدراسة!

فهتفَت بعنف: دراسة؟! هل ترد الدراسة إليَّ عرضي؟

فاستحييت ولُذْتُ بالصمت.

•••

وبعد مرور أسابيع استُدْعِيتُ إلى حجرة خالد صفوان أيضًا، وجدته كعادته هادئًا أو أكثر هدوءًا من المُعتاد كأن لم يقع شيء. وباقتضابٍ قال: لقد ثبتت براءتكم!

نظرت إليه طويلًا فجعل ينظر إليَّ بثبات ولا مُبالاة، ثم صحت: أرأيت؟

فأجاب بهدوء: إني أرى ما يُمكن رؤيته!

فهتفت بحنق: ولكني فقدت كل شيء.

– كلا، كل شيء يمكن إصلاحه، ونحن قادرون على كل شيء.

فصرخت بجنون: لا يصدق أن ما يحدث هنا مما ترضى عنه الثورة!

– إنها حماية الثورة، وهي أهم على أي حالٍ من الأخطاء المحدودة، ونحن نُبادر إلى إصلاح ما ينبغي إصلاحه منها، وسوف تذهبين وقد اكتسبتِ قيمةً جديدةً هي صداقتنا.

أُفْحِمت في بكاءٍ عصبيٍّ طويل عجزتُ تمامًا عن مُقاومته، فتصبَّر هو هادئًا حتى سكتُّ ثم قال: سَتَذْهَبين الآن إلى أحد معاوني، وسيعرض عليكِ مشروع صداقةٍ لا يُقَدَّر بثمن.

وصمت لحظاتٍ ثم استطرد: نصيحتي لكِ ألَّا ترفضيه، إنه فرصة العمر!

•••

أصبحت زينب مُرشدة. عُرضت عليها امتيازات. تقرَّر أن يكون إسماعيل رهينةً حتى بعد الإفراج عنه، طُولبت بالسرية المُطلقة، أفهموها أنَّها تعمل لحساب قوةٍ قادرةٍ على كل شيء.

– وعندما رجعت إلى بيتي وخلوت إلى نفسي هالني ما خسرته، خسارة حقًّا لا تُعَوَّض بأي ثمن، ولأوَّل مرةٍ في حياتي وجدتني أحتقر نفسي حتى الموت.

قلت معزيًا: ولكن …

فقاطعتني: إياك وأن تُدافع عني، إنَّ الدفاع عن الهوان من ضمن الهوان.

ثم بحدة: وجعلت أردِّد بإصرار، إني جاسوسة وعاهرة! وعلى تلك الحال قابلتُ إسماعيل.

– طبعًا أخفيت عنه أسرارك؟

– أجل.

– لقد أخطأتِ يا عزيزتي.

– كان عملي السري أخطر من أن أفشيَه لأي إنسان.

– أعني المسألة الأخرى؟

– منعني الخوف والخجل، والأمل أيضًا، توهمت بعد أن أُصلِح الخطأ بالجراحة أنَّني يُمكن أن أطمح إلى السعادة مرة أخرى.

– ولكن ذلك لم يحصل، حتى الآن؟

فتمتمت بحزن عميق: هيهات!

فقلت برجاء: لعلي أستطيع أن أصنع جميلًا.

فقالت بنبرة ساخرة: هيهات، انتظر حتى أكمل قصتي، رُبَّما أكون قد أخطأت ولكنني اندفعت في الطريق الوحيد المُتاحة لي وهي تعذيب النفس، وإنزال أقسى العقوبة بها، واعتمدتُ على منطقٍ غير عادي، قلتُ إنني ابنةٌ للثورة، ورغم كل ما حدث لم أكفر بجوهرها، وإذن فإنني مسئولة عنها ومُتحملة لمسئوليتها بالكامل، وضمنًا فإني مسئولة عن كل ما حلَّ بي؛ لذلك رفضتُ التَّظاهر بحياة الشُّرفاء وقَرَّرتُ أن أعيش كما ينبغي لامرأةٍ بلا كرامة.

– شد ما ظلمت نفسك.

– وكنت أحتمل كل شيء إلا أن يحتقرني إسماعيل، وفي الوقت نفسه لم أرد أن أخونه، ثم اضطرب تفكيري فضلَّ ضلالًا كبيرًا.

وهزَّت رأسها في أسًى وقالت: وحدثَتْ أمورٌ كثيرة تعذر معها إصلاح الحال، أو الرجوع إلى نقطة الصواب … ورآني في تلك الأثناء عم حسب الله تاجر الدجاج.

رمقتها بقلق شديد فقالَت: وجد الطريق ممهدةً تلك المرة.

– لا.

– لم لا؟ قُلتُ هكذا ينبغي أن تمضي حياة الساقطة، ولا يجوز السقوط بلا ثمن.

– لا أصدِّق.

– وقبضت الثمن.

شعرت بقرف الدنيا كلها وجعلت تحدجني بنظرةٍ ساخرةٍ ثم قالَت بتحدٍّ: وزين العابدين عبد الله أيضًا!

فاعتصمت بالصمت فقالت: وسَّط لدي إمام الفَوَّال الجرسون وجمعة مَسَّاح الأحذية.

– طالما اعتقدت في شرفهما ووطنيتهما.

فقالَت بدهشة: كانا كذلك، ولكنهما تدهورا مثلي تمامًا، ماذا حصل للناس؟ يُخيَّل إليَّ أننا صرنا أمةً من المنحرفين، تكاليف الحياة والهزيمة والقلق تُفتِّت القيم، إنهما يسمعان عن الانحراف في كل مكان، فماذا يمنعهما منه؟ … أؤكد لك أنهما يحترفان القوادة الآن، وبلا حياء.

فتنهدت متسائلًا: هل نيئس يا زينب؟

– كلا، إنها فترة كالوباء ثم تتجدَّد بعدها الحياة.

فواصلَت تقول دون اكتراثٍ بكلامي: وقررت أن أعترف لإسماعيل!

فقلت دهشًا: ولكنكِ قلتِ غير ذلك؟

– قررت أن أعترف له بطريقة مُبتكرة فسلمته نفسي!

– الحق أني عاجزٌ عن فَهْم ما بينكِ وبين إسماعيل؟

– من العبث أن تحاول الوصول إلى منطق ثابت من خلال عاصفة.

– هل تُحبين إسماعيل؟

– لم أحب أحدًا سواه.

– ماذا عن الآن؟

– إني أشْعُر الآن بالموت لا الحب.

– زينب، إنَّكِ ما زلت شابةً في مطلع الحياة وسوف يتغيَّر كل شيء.

– إلى أحسن أم إلى أسوأ؟

– لا يوجد أسوأ مما نحن فيه، فلا بد أن يكون التغيير إلى الأحسن.

– لنعد إلى قصتنا، كان لي عزاء فيما أفعل بنفسي هو الشعور بعذاب العُقوبة حتى ارتكبت ما لا يمكن التكفير عنه بأي عقوبة.

– حقًّا؟

– أجل، بدأت تفزع مني؟

– إني أرثى لكِ يا زينب.

– ذهبت ذات مساء أنا وإسماعيل إلى بيت حلمي حمادة، وجدناه ثائرًا، واعترف لنا بأنَّه يوزِّع منشوراتٍ سرية.

وتوقفَت عن الكلام تأثُّرًا للذكرى فرحبت بالاستراحة باعتبارها هدنةً في معركة العذاب.

– بوغتُّ باعترافه وتمنيت لو أنني تخلَّفت عن الاجتماع.

– إنني أفهمك جيدًا.

– وتذكرت القوة القادرة على كل شيء، ركبني الخوف، وخفت أول ما خفت على إسماعيل!

آه … لقد اعتقد إسماعيل أنَّهم اكتشفوا تقاعُسه عن الإبلاغ بوسائلهم الخَاصَّة، ولم يخطر بباله أنَّ التي أوقعَتْه هي زينب، وأنَّها أوقعته وهي تتوهَّم أنها تدفع عنه الأذى!

وتبادلنا النَّظرات في صمتٍ مثقلٍ بالحزن حتى قالت: أنا التي قتلت حلمي حمادة!

فقلت بصدق: قتله من قضى عليكِ بالعذاب.

– أنا التي قتلته، ورغم كل شيءٍ قُبض على إسماعيل أيضًا، لماذا؟ لا أدري، وطال اعتقاله أكثر من المرتَيْن السابقتَيْن، ورجع أشد تهدمًا، لماذا؟ لا أدري، لقد سجلت في تقريري أنَّه عارض صاحبه ونصحه بالعدول عن مشروعه، ولكن من العبث مُحاولة الاحتكام إلى المنطق.

– كنت أنت طليقة في تلك الأثناء؟

فقالت بسخرية: كنت حرة، أستمتع بحريتي، وبالوحدة والعذاب، ثم جاءَت مقدمات الحرب ونذرها، ومثل الناس جميعًا وثقت بقوتنا إلى غير حدٍّ وقلت لنفسي: إنَّ كل شيء بخيره وشَرِّه سيخلد إلى الأبد، فلمَّا وقعت الواقعة …

وصمتَت في ذهولٍ فقلت: لا داعيَ للشرح فقد عانيناه بأنفسنا ولكن هل أيدت جماهير ٩، ١٠؟

– نعم، بكل قوة.

– إذن ظل إيمانكِ لا يتزعزع؟

– بل لقد انهار من أساسه، وآمنتُ بأنَّه كان قصرًا من رمال.

– اسمحي لي بأن أُصارحكِ بأنني لا أفهم موقفك.

– الأمر بسيط جدًّا، لقد أشفقت من حمل المسئولية فجأة، خفت الحرية بعد أن استنمت طويلًا إلى اللامبالاة، وأنت أكنت من الجماهير تلك اللحظة؟

– نعم، كنت أتعلق بآخر رَمق من الكبرياء الوطني!

فقالت بحدة: عندما علمتُ بخبر الإفراج عن إسماعيل قلت لنفسي «سأراه مَرَّة أخرى بفضل الهزيمة!»

وتفكَّرتُ في قولها بحُزن وألم بالِغَيْن.

وحدثتني عن هذيان أوَّل لقاء تم بينها وبين إسماعيل عقب الإفراج عنه: ولمَّا تخرجنا وتوظفنا طغى حديث الزَّواج كضرورةٍ يفرضها الحياء، كنا نردِّده بلا إيمان ونعبره إلى العزلة، وليس غريبًا أن أتغير وأن أتخلَّى عن حلم الماضي، ولكن ماذا غيَّره هو؟ … ماذا حدث له في أعماق السجن؟

كلٌّ منهما مُقتنعٌ بتغيره هو، ولكنه يتساءل عن تغيُّر الطرف الآخر، وكلٌّ منهما مُقتنع بأنه غير صالحٍ للحياة الطبيعية، وأنا مُقتنع معهما بذلك على الأقل في هذه الفترة التعيسة؛ إذ يلزَمُ وقت كافٍ لتضميد الجِرَاح وتطهير النَّفس، بل يلزم عمل يكون من شأنه إعادة الثقة إلى النفس والاحترام إلى الشخصية. غير أنَّ مناقشة تلك الأمور تعذَّرت عليَّ بطبيعة الحال، ولكنني قلت متسترًا بالعموميات: الإنسان لا يتغير — أعني إلى أحسن — لا بالاستسلام ولا بالانتظار.

فقالت بامتعاض: ما أسهل التفلسف!

– رُبَّما، ولكن إسماعيل يتوجه بقلبه هذه الأيام نحو الفدائيين.

– أعرف ذلك.

فتساءلت بعد تردُّد: وفيمَ تُفكرين أنت؟

فصمتت فترة غير قصيرة ثم قالت: قبل أن أجيبك عليَّ أن أُصحِّح واقعة تخصُّ إمام الفَوَّال وجمعة، فالحق أن وساطتهما بين زين العابدين وبيني عقب الاعتقال الثاني تمَّت بجهلٍ وبراءة.

– أتعنين أنَّهما بريئان مما رميتِهما به؟

– كلا، ولكنهما سقطا في الأعوام الأخيرة لا قبل ذلك، وقد التبس عليَّ الأمر، وأرجو أن تذكر أنني إنما أروي قصتي من الذاكرة، وأني لا أضمن الدقة في تفاصيلها.

فهززت رأسي في أسًى وكررتُ سؤالي: فيمَ تفكرين الآن؟

– أيهمك حقًّا أن تعرف؟

– الحق أني لا أتصور أنكِ مستمرة في …

وتوقفت رغمًا عني، فقالت تكمل كلامي: مُمَارسة البغاء؟

فلم أنكر ولم أوافق فقالت: أشكر لكِ حُسْن ظنك.

فلم أُعلِّق بكلمةٍ فقالت: إني أُمارس حياةً مُتقشفة بكل معنى الكلمة.

– فتساءلت بفرح: حقًّا؟

– أجل.

– وكيف حدث ذلك يا زينب؟

– سرعان ما حدث، بثورةٍ مضادة، ونتيجةٍ لقرفٍ لا يزول.

ثم تساءلت بحنان: أين أيام البراءة والحماس أين؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤