الباب الرابع عشر

أقبل الربيع على قرية الأكواخ. فكنتَ ترى حشدًا من النساء والأطفال المهلهلي الملابس يخرجون كل يوم من الأكواخ بحثًا عن الطعام في الحقول المجاورة والطرقات. وكانت أو-لان تخرج كل يوم هي وأولادها مع ذلك الحشد.

أما الرجال فكان عليهم أن يعملوا. وكان وانج لنج يشتغل كما كان يفعل من قبل. كانوا يشتغلون في الشتاء وهم صامتون، وفي صمت يأكلون الطعام الذي يهيئه لهم عملهم وتسوُّلهم. ثم ينامون في سبات عميق.

شرع الحديث يخرج من شفاههم عندما قدم الربيع. كان هؤلاء الرجال يتحدثون دائمًا عن النقود. وأخيرًا، كانوا يتحدثون دائمًا عما يفعلونه لو حصلوا على أموال الرجل القاطن وراء ذلك الحائط.

كان وانج لنج يصغي إلى ذلك الحديث فلا يسمع منهم إلا ما سيأكلونه، وكيف سيكون نومهم. وفوق كل شيء عن أنهم لن يشتغلوا بعد ذلك ثانية، كما يفعل ذلك الرجل الغني الساكن خلف الحائط، والذي لم يشتغل في حياته إطلاقًا.

صاح وانج لنج بغتة، يقول: «لو حصلت على الذهب والفضة، لاشتريت بهما أرضًا. أرضًا طيبة، وأنتج محاصيل طيبة من الأرض!»

عند ذلك انقلب عليه الجميع ساخرين. ولكن هذا لم يُثنِ وانج لنج عن عزمه، وجعله أكثر قلقًا، كل يوم، على الأرض التي كان يملكها.

لما كان وانج لنج يفكر دائمًا في أرضه، فإنه كان يرى الأحداث التي تمر به في المدينة يوميًّا، وكأنه في حلم. فمثلًا كان يرى الناس يوزعون أوراقًا في كل مكان، ولقد حصل مرتين على مثل هذه الأوراق.

حمل وانج لنج الورقة، أول مرة، وعاد بها إلى الكوخ ليلًا، وأطلع الرجل العجوز عليها. ولكن هذا أيضًا لم يعرف القراءة. وبعد بضعة أيام، نُسِيَت هذه الورقة، فأخذتها أو-لان، وخاطتها في نعل حذاء مع أوراق أخرى جمعتها من هنا ومن هناك، لكي تجعل نعل الحذاء صلبًا.

أما في المرة الثانية، فجاء شاب حسن البزة، من رجال المدينة، وأعطى وانج لنج ورقة عليها صورة رجل ميت أصفر البشرة نحيل الجسم، يرتدي أسمالًا زرقاء بالية. ووقف رجل ضخم بدين الجسم فوق الرجل الميت، يحمل في يده سكينًا طويلة. فنظر وانج لنج إلى الصورة وتاق إلى معرفة معنى الحروف المكتوبة تحتها. فالتفت إلى الرجل الواقف بجواره وقال له: «أتعرف حرفًا أو حرفين فتخبرني عن معنى هذه الصورة المخيفة؟»

فقال الرجل: «الزم السكون، وأصغِ إلى المعلم الشاب، سيشرح لنا كل شيء.»

وهكذا أصغى وانج لنج؟ فسمع ما لم يسمعه من قبل إطلاقًا.

صاح المعلم الصغير، يقول: «إن هذا الرجل الميت هو أنتم. والذي يقتلكم هو الرجل الغني.»

علا صياح مَن كانوا يسمعون. ولكن وانج لنج رجع أدراجه غير مقتنع. ومع ذلك فقد أخذ الأوراق من الشاب، لأنه تذكر أن ليس لدى أو-لان ورق يكفي لنعال الأحذية. فلما عاد إلى الكوخ، أعطاها تلك الأوراق.

زيادة على التذمر من الربيع، كان هناك التذمر الجديد الذي ينشره ذلك الشاب وأمثاله، بين سكان الأكواخ.

على الرغم من أن وانج لنج قد رأى ذلك، وأحس بغضب الجمهور، فلم يرغب في شيء إلا أن يرى أرضه تحت قدميه ثانية.

•••

رأى وانج لنج شيئًا آخر، في هذه المدينة، لم يفهم له معنى. فقد أبصر، ذات يوم، وهو يبحث عن زبون، ثلةً من الجنود المسلحين يقبضون على رجل. وبينما كان يشاهد ذلك مدهوشًا، رآهم يقبضون على رجل آخر، وعلى ثالث.

بعد ذلك وجد وانج لنج أن أولئك الناس كانوا مثله لا يعرفون سببًا للقبض عليهم. فدفع عربته إلى حارة جانبية، ودخل حمَّامًا عامًّا واختبأ فيه حتى مَرَّ الجنود، ثم سأل صاحب الحمَّام عن معنى ما رآه. فأجابه الرجل العجوز بعدم اهتمام: «ليس معنى هذا سوى نشوب حرب في مكان ما. هؤلاء الجنود ذاهبون إلى ميدان القتال بناحية ما. إنهم يجبرون العمال أمثالك على حمل أمتعتهم وبنادقهم.»

فسأله وانج لنج وهو يلهث: «وماذا بعد ذلك؟ أي أجر ..؟ أية فائدة ..؟»

كان الرجل المسن عجوزًا جدًّا، فأجاب بعدم اكتراث، قائلًا:

«لا أجر سوى لقمتين من الخبز الجاف في اليوم، ويجدر بك أن تعود إلى بيتك إذا استطاعت ساقاك أن تحملاك.»

فقال وانج لنج مذعورًا: «حسنًا، ولكن عائلة المرء …»

قال الرجل الهَرِم: «وماذا يعرف الجنود عن هذه، أو لِمَ يهتمون بها؟» ومع ذلك، فقد كان هذا الرجل طيب القلب، ورأى الجنود عائدين مرة أخرى، يفتشون الشوارع فقال يخاطب وانج لنج: «انحَنِ أكثر من هذا، فإنهم عائدون.»

انحنى وانج لنج، ومَرَّ الجنود في الطريق، متجهين غربًا. وعندما انقطع صوت أحذيتهم، خرج من مكمنه، وأمسك عربته وجرى بها خاوية إلى الكوخ.

كانت أو-لان قد عادت من فورها من الطريق لتطبخ قليلًا من الخضراوات التي جمعتها. فأخبرها وانج لنج بما حدث، وكيف استطاع الإفلات ولمَّا يكد. ثم قال: «أحقيقة أني مضطر إلى بيع العبدة الصغيرة، والذهاب شمالًا إلى الأرض؟»

غير أنها بعد أن سمعت قصته، قالت بلهجتها البسيطة الثابتة: «انتظر بضعة أيام؛ فإن حديثًا غريبًا يدور حولنا.»

رغم هذا، لم يخرج وانج لنج إطلاقًا في ضوء النهار، بل كان ينتظر حتى ينشر الظلام غلالته الدكناء على الكون، فينصرف إلى المتاجر. وبنصف ما كان يكسبه من قبل، يجر طول الليل عربات ضخمة محملة بالصناديق. كل عربة يجرها ويدفعها اثنا عشر رجلًا، وهم يئنون.

كان وانج لنج يجر العربات في الشوارع طول الليل، ثم يرجع إلى منزله عند الفجر منهوك القوى لا يكاد يقوى على التنفس، فيتناول طعامه وينام. أما في وضح النهار، فبينما يفتش الجنود الشوارع، كان ينام آمنًا في أقصى ركن من الكوخ.

كان وانج لنج يسمع، وهو مختبئ في كوخه، وقع أقدام الجنود، ساعة بعد ساعة، وهم سائرون إلى القتال. لم يكن أحد يتحدث إلى غيره في هذه الأيام. إذ كانت المدينة ترتجف رعبًا. وكان كل رجل يعمل بسرعة ما يجب عليه فعله ثم يعود إلى بيته ويقفل بابه.

كان الهمس يدور في كل مكان بأن العدو على الأبواب. ففزع كل مَن كان يملك شيئًا. أما وانج لنج فلم يعتَوِره أي خوف، وكذلك لم يخف أي فرد من ساكني الأكواخ. فإذا كان العدو على الأبواب فليدخل، فلن تصبح الحال أسوأ مما هم عليها الآن.

بعد ذلك أخبر مديرو المتاجر عمالَ النقل بأن لا حاجة بهم إلى أن يعودوا ثانية، إذ لم يكن هناك مَن يشتري ويبيع في تلك الأيام.

وعلى هذا بقي وانج لنج في كوخه ليل نهار دون القيام بعمل ما. فاغتبط لهذا في أول الأمر، إذ كان يبدو أن جسمه لم يكن يحظى بالراحة الكافية. غير أنه إذا بقي بغير عمل فإنه لا يكسب عيشه، وبعد بضعة أيام نفد ما ادخره من بنسات قلائل، وأخذ يفكر في يأسٍ ماذا يفعل. وكأنما لم تبلغ الحال درجة كافية من السوء في ذلك الوقت، فإذا بالمطاعم الشعبية تغلق أبوابها. فلم يعدْ هناك طعام ولا عمل ولا عابر طريق يمكن مدُّ اليد إليه بالسؤال.

أخذ وانج لنج ابنته بين ذراعيه، ونظر إليها ثم قال بعطف: «أيتها البلهاء الصغيرة، أتودين الذهاب إلى بيت عظيم حيث تنعمين بالطعام والشراب. وتنالين معطفًا كاملًا يكسو جسمك؟»

فابتسمت الطفلة وهي لا تفهم شيئًا مما قال. ومدت إليه يدها الصغيرة لتلمسه، فلم يحتملها، وصاح يقول لامرأته: «أخبريني، هل كنت تُضرَبين في ذلك البيت العظيم؟»

فأجابته في صراحة وبلاهة: «كنت أُضرَب كل يوم بسوط من الجلد معلق على حائط المطبخ.»

بينما كان وانج لنج جالسًا هكذا إذ سمع فجأة صوتًا أشبه بقصف الرعد في السماء، فارتمى كل واحد منهم على الأرض، وأخفى وجهه. وغطى وانج لنج وجه الطفلة بيده، وصرخ الولدان رعبًا.

وعندما عاد السكون، رفعت أو-لان رأسها وقالت: «لقد حدث ما سمعت عنه. لقد اقتحم العدو أبواب المدينة.» وقبل أن يردَّ عليها أحد بشيء، ارتفعت صيحة خلال المدينة. خافتة أولًا ثم تجمعت في صراخ أخذ يعلو شيئًا فشيئًا حتى ملأ الشوارع.

عندئذٍ جلس وانج لنج. وطفق كل منهم يحملق في الآخر، انتظارًا لشيء لم يعرفوه. ثم سمعوا، من جهة الحائط القريب منهم، صوت باب ضخم يصرُّ وهو يُفتح عنوةً. وفجأة أطل الرجل الذي تحدَّث إلى وانج لنج ذات مرة في الظلام، برأسه في مدخل الكوخ وصاح قائلًا: «ألا تزالون جالسين هنا حتى الآن؟ لقد جاءت الساعة .. انفتحت لنا أبواب الرجل الغني!» وكما لو كان بفعل السحر، اختفت أو-لان، متسللة من تحت ذراع الرجل وهو يتكلم.

نهض وانج لنج متثاقلًا، ووضع الطفلة على الأرض، وخرج إلى بيت الرجل الثري. فُتِحَت الأبواب الضخمة، واندفع الناس خلالها في زحام شديد، حتى إنهم كانوا يتحركون ككتلة واحدة. وأسرع آخرون من الخلف، وأمسكوا وانج لنج ودفعوه أمامهم وسط الزحام، سواء أرَغِب في ذلك أم لم يرغب.

فظل يُدفَع من بهو إلى آخر، ولم يرَ أحدًا من الرجال أو النساء الذين كانوا يعيشون في ذلك البيت. بل رأى الطعام فوق الموائد في الحجرات، والنار موقدة في المطابخ. كان ذلك الحشد على علم بأبهاء الأغنياء، لأنهم مروا على كل شيء في الأبهاء الداخلية حيث كانت الأَسرَّة الفاخرة للُّوردات وسيداتهم، وصناديق الملابس الحريرية والكنوز. فانهالت جموع الناس على هذه يخطفون كل شيء، ولا يقف أحدهم ليرى ما أخذه.

أما وانج لنج، فهو وحده الذي لم يأخذ شيئًا وسط تلك الفوضى. لم يحدث في حياته كلها أن أخذ قط شيئًا يملكه غيره. ولم يستطع أن ينهب من فوره. وعلى هذا وقف أولًا وسط الجموع، ثم أفاق لنفسه واندفع إلى جانب، فألفى نفسه في نهاية آخر بهو كانت تقيم فيه سيدات الأغنياء. كان الباب الخلفي مفتوحًا، ولا شك أن جميع السكان قد هربوا في ذلك اليوم من هذا الباب. بَيْد أن رجلًا واحدًا لم يتمكن من الهرب. فالتقى به وانج لنج فجأة في حجرة داخلية خاوية.

كان ذلك الرجل بالغ السمنة، ليس بالعجوز ولا بالشاب. فما إن أبصر وانج لنج حتى ارتعد فرائصه وسقط على ركبتيه وصاح: «أبقِ عليَّ حياتي .. ولا تقتلني. عندي أموال لك .. أموال كثيرة!»

كانت كلمة «أموال» هذه هي التي نفذت بوضوح إلى ذهن وانج لنج كأنما هناك صوت يقول: «أموال .. إذن فالطفلة قد نجت .. والأرض!»

فصاح عندئذٍ بصوت لم يعهده في صدره من قبل، وقال: «عليَّ، إذن، بالأموال!»

أخرج الرجل البدين يديه الصفراوين من جيب ثوبه وهو يبكي، يتدفق منهما الذهب. فبسط وانج لنج طرف سترته وتلقى فيه النضار. ثم صاح ثانية بصوته الغريب، الذي كان أشبه صوت رجل غيره، وقال: «زدني من هذا!»

ومرة ثانية خرجت يدَا الرجل يتدفق منهما العسجد، وصاح قائلًا: «لم يبقَ معي شيء الآن. ليس عندي غير حياتي الحقيرة.» ثم طفق يبكي.

نظر إليه وانج لنج وهو يرتعش ويبكي، واشمأز منه فجأة أكثر من اشمئزازه من أي شيء آخر في حياته كلها، فصاح فيه، يقول:

«اغرُب من أمام وجهي، وإلا قتلتك كما لو كنتَ دودة سمينة!»

هكذا صاح وانج لنج رغم أنه كان رقيق القلب لدرجة أنه لم يقوَ على قتل ثور. فجرى الرجل من أمامه واختفى.

بعد ذلك وضع وانج لنج الذهب في صدره وخرج من الباب المفتوح، واجتاز الشوارع الخلفية حتى بلغ كوخه. وأخذ يكرر في نفسه: «نعود إلى الأرض .. غدًا نعود إلى الأرض.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤