الصَّلاةُ والعِلْم

يقول الأديب «مختار عبد القادر الفيل» الطالب بكلية الآداب:

… إنني أؤمن بالله إيمانًا قويًّا، وأؤدي فرائض الإسلام، ولكنني أوجه السؤال إليكم لرغبتي في المزيد من المعرفة عن أمور إسلامنا، وأسأل: ما هي فائدة الصلاة والدعاء إلى الله، وإنني لأعلم أن الصلاة رياضة وثقافة وصلة وثيقة بالله، وعلاقة وثيقة لتقوية العطف بين الناس وبث روح التعاون بينهم؛ لاجتماعهم في بيت الله، ولكن كيف نفهم الدعاء إلى الله طلبًا لشيء من الأشياء؟ فإن هذا الطلب إما أن يكون مطابقًا لإرادة الله الثابتة فلا فائدة فيه، وإما أن يكون مخالفًا للإرادة الإلهية فلا فائدة فيه كذلك، ولا يفعل سبحانه وتعالى غير العدل، فليس ثمة ما يدعو إلى مطالبته؛ لأننا في هذه الحالة كمن ينزله منزلة الحاكم الذي يقضي بقضاء، ثم يعدل عنه بعد التزلف والاستعطاف … وأرجو أن أقرأ رد سيادتكم؛ لأعلم قبل كل شيء هل يحرم علينا الدين أن نبحث في هذه الأمور؟

***

وأقول للطالب الأديب: إنه أحسن فهم الصلاة كما أحسن وصفها حين قال: إنها رياضة وصلة وثيقة بالله، وإن الأمر الذي أشكل عليه في فهم صلوات الدعاء قد أشكل على كثيرين، وورد عليهم الإشكال فيه على صور كثيرة بين جميع المتدينين في العصر الحديث من المسلمين وغير المسلمين … فحسب فريق منهم أن القول بجدوى الصلاة يناقض القول بالسنن الإلهية والقوانين الطبيعية التي أودعها الله طبائعَ الأشياء وبنى عليها نظام الكون كله، وحسب فريق آخرون — كما قال الطالب الأديب — أن تنزيه الإله سبحانه وتعالى عن تبديل كلماته وتعديل قضائه يوجب على الإنسان أن يتورع عن الطلب الذي يسأله فيه العدول عن قضاء قضاه.

ومن كبار علماء الطبيعة عند الغربيين أناس تصدوا للرد على هذا الاعتراض، وأجابوا عن أسئلته جوابًا يوافق إيمانهم بالله وإيمانهم بالعلوم الطبيعية على السواء، وقد فرغ أحدهم لهذا البحث — وهو الطبيب الجراح الكبير ألكسيس كاريل Carrel — فكتب فيه رسالة خاصة أجمل فيها صفوة تجاربه العلمية وجعلها جوابًا على قول فردريك نيتشه: «إنه لشيء مخجل أن يبتهل الإنسان بالصلاة …»

فكان من مقرراته في هذه الرسالة أن نفع الصلاة قد ثبت له — علميًّا — كما تثبت التجارب الطبيعية، وأنه لا يفرق في هذا بين صلاة الإنسان لنفسه أو صلاته لغيره ما دام صادقَ النية صادقَ الطلب في الحالتين.

وأحد هؤلاء العلماء الكبار أوليفر لودج — وهو من أشهر علماء الرياضة والطبيعة — يرد على القائلين بمخالفة الصلاة للسنن الكونية؛ فيقول:

إنهم يتوهمون ذلك؛ لأنهم يحكمون على الصلاة حكمهم على ظاهرة طبيعية خارجة من حدود الكون، ولكنها في الواقع ظاهرة كونية يحسب حسابها في أعمال الكون كما يحسب حسابها في سائر الحوادث التي تقع في حياتنا بغير صلاة … وإذا كانت الصلاة تربية نفسية فلماذا يحسب المعترضون أن هذه التربية ليست سببًا لتحقيق بعض الحوادث كما تسببها كل تربية يتم بها استعداد الإنسان لغاية من الغايات؟

والواقع التاريخي عن الصلاة — بمعنى الدعاء إلى الله — أنها ظاهرة روحية تعرف في الديانات العليا، ولا تعرف في الديانات البدائية على هذا المعنى، فهي نتيجة لترقي الإنسان في فهم وحدة الكون ووحدة القوة الإلهية التي تقوم بتدبيره، ولهذا تعرف في أديان الموحدين والمتحضرين، ولم تكن معروفة على هذا النحو بين الهمج الأولين الذين يعددون الأرباب، ويوزعونها بين عناصر الطبيعة في الأرض والسماء، ويطلبون من كل منها ما يقدر عليه ولا يقدر على غيره، ويجعلون صلاتهم من قبيل المساومة على تبادل المنفعة؛ لاعتقادهم أن أربابهم تحتاج إلى دعواتهم وقرابينهم كما يحتاجون هم إلى نعمها وعطاياها، وقد بقيت من هذا الأسلوب في الصلاة بقية مشهودة بين الجهلاء الذين يساومون الأولياء على الشموع والذبائح إذا استجابوا لما يدعونهم إليه من إغاثة الملهوف، ورد المفقود، وتحقيق الغرض المأمول ولو لم يكن من الأغراض التي تحسن بالأولياء.

فالصلاة في الأديان العليا علامة من علامات التقدم الإنساني في فهم حقائق الكون وفهم الصفات الإلهية، ولا قوام لدين من الأديان بغير الإيمان بالصلاة على معنى الطلب والدعاء، مع الإيمان برياضتها الروحية وصلتها الوثيقة التي تربط عالم الشهادة بعالم الغيب، وتجعل وجود الإله حقيقة أعلى من حقيقة النواميس أو حقيقة الحوادث الكونية التي تهم الإنسان في مطالب معيشته، كما تهمه في مطالب ضميره.

فلا الدين ولا العلم يقضيان على الإنسان أن ينكر حقيقة النواميس الطبيعية، ولكن وجود الإله قائم في ضمائرنا على إيماننا بأن النواميس الطبيعية وحدها لا تغني الإنسان عن الاتصال بخالقها؛ لأن وجود النواميس لا يلغي عمل الإله، ولا يعني أن الاتصال به والانقطاع عنه سواء.

والذين يفهمون أن نواميس الطبيعة واقع مفروغ منه يخالفون العلم والفلسفة، وليس قصاراهم أنهم ينكرون الإرادة الإلهية من ورائها.

فمن المقررات العلمية التي اشتهرت حديثًا باسم نظرية هيزنبرج Heisenberg أن العلم لا يستطيع أن يعرف مقدمًا كيف يتصرف كهرب واحد من كهارب الأجسام المادية، وأن الذي نعرفه من ذلك إنما هو حكم الجملة يستحيل تطبيقه على الأجزاء المتفرقة، ومن المشاهد التي يقربون بها هذا الرأي تقدير شركات التأمين لحوادث السيارات في البلد الواحد والسنة الواحدة؛ فإنهم يحسبون الحساب لإصابة عشرين سيارة من كل ألف سيارة — مثلًا — فيصدق هذا التقدير وتنتظم عليه موارد الشركة ومصاريفها، ولكن أخبر الخبراء في الشركة لو سئل أن يدل على هذه السيارات العشرين أو على بعضها لما استطاع.
والعلماء الذين يعتقدون أن النواميس الكونية مسألة قديمة حصلت وفرغ الأمر منها يتمثلون الكون كأنه مكنة صنعت وأرسلت في طريقها وانقطعت عوامل التكوين فيها! ولكن هذا الاعتقاد ضرب من التصور لا يوافقهم عليه كثير من العلماء والمفكرين، ومن هؤلاء المفكرين من يقول — كما قال بيرس Pierce: إن المصادفات قد تكون اليوم قوانين في دور التكوين وليست شذوذًا عن قوانينَ مبرمةٍ منذ الأزل، وإن القوانين قد تكون مصادفات تكررت على وتيرة واحدة، ولكنها لا يرتبط بعضها ببعض ارتباطَ الأسباب بالمسببات …

ومذهب بيرس هذا مطابق لقول الحكيم الإسلامي أبي حامد الغزالي، ومطابق للإجماع الذي انعقدت عليه آراء العلماء المحدثين؛ فإنهم يقولون: إن التجارب العلمية إنما هي تجارب وصفية تسجل الواقع كما يتكرر أمام المجربين، ولكنها ليست بالتفسيرات التي تعلل الأسباب بعلة محققة غير علة التكرار والاستمرار.

ومن الأمثلة القديمة التي تضرب لتقريب هذا الرأي أن الديكة تصيح قبل طلوع الشمس أبدًا وليست هي علة طلوعها، وأن جرس القطار يدق قبل وصوله إلى المحطة وليس هو سبب الوصول، وأن ضوء القذيفة يرى عند انفجارها قبل سماع صوتها ولا علاقة بين سبب الرؤية وسبب السماع.

وأيًّا كان الرأي في السببية عند علماء العصر الحديث فالقول الفصل الذي لا شك فيه أن قوانين الطبيعة لم تحصر جميع عواملها، وأن الحصر الذي وصلنا إليه قد يعين على تقدير الحوادث المترتبة عليها بالإجمال، ولا يعتمد عليه في تقدير حادثة واحدة بغير الظن والتقريب.

فإذا نظرنا إلى التقدير العلمي فالباب مفتوح في الكون للعوامل التي لا تحصرها ضوابط القوانين والنواميس.

وإذا نظرنا إلى التقدير الديني فالله تعالى فعَّال لما يريد، والخلق «عملية مستمرة» وليس بالعملية الآلية التي فرغت منها العناية الإلهية، وتركتها هملًا بغير تبديل.

وسنة الله لا تبديل لها حقًّا، ولكننا لا نعلم من سنة الله إلا ما نهتدي إليه بعقولنا وهداية الله، وقد تكون سنة الله في نصيب الإنسان موقوفة على تربية نفسية تحققها الصلاة، وقد تكون هذه التربية النفسية سببًا مشروطًا للسنة الإلهية لا يجوز للمؤمن تعطيله، أو لا يجوز له أن يدعي القضاء فيه باسم الإله.

والطالب الأديب يرى للمسألة وجهين لا ثالث لهما من وجوه البحث في فائدة الصلاة.

فإما أن يكون الطلب موافقًا للإرادة الإلهية فهو محقق بغير طلب، وإما أن يكون مخالفًا للإرادة الإلهية فلا معنى لطلبه؛ لأن الله يتنزه عن تغيير إرادته كما يغير الحاكم قضاءه بالملق والاستعطاف.

ولكن مسألة الصلاة لا تنحصر في وجه من هذين الوجهين؛ لأننا يجب أن نذكر — أولًا وآخرًا — أن إرادة الله متمثلة في طبيعة الإنسان، وأن من طبيعة الإنسان أن تطلب الغوث عند الحاجة إليه، وأن طلبه من غير الله عبث مع الإيمان بوجود الإله القادر على كل شيء، فإذا اندفعت طبيعة الإنسان إلى طلب الغوث من الله فمن أين له إذا قمع هذه الطبيعة أنه يخالف إرادة الله، ومن أين له أن الاستجابة هي كل ما يرجى من الدعاء؟ من أين له أن الدعاء نفسه ليس هو سبيل الاتصال بالله من جانب الإنسان؛ لأنه في ذاته عمل من أعمال النفس التي تدل على سجية من سجاياها وإن لم يكن لها جواب.

ونعود إلى رأي الرياضي الكبير أوليفر لودج؛ لأن الرياضيين من أقدر الناس على فرض الفروض التي تحل المجهولات، فنقول: لماذا نحسب الصلاة خارقة للنواميس الكونية وهي ظاهرة كونية كسائر الظواهر التي تحدث كل يوم في هذا الكون؟

وليكن الطالب الأديب على يقين أن سؤاله عن نفع الصلاة لا يمتنع في الدين الإسلامي؛ بل يجب عليه وجوب التفكير ووجوب سؤال أهل الذكر، وكلاهما فريضة من فرائض الإسلام، ولكن لمسألة الصلاة — كما قلنا — وجهًا آخر لا ضير من السؤال عنه؛ إذ كان السؤال عنه هو جوابه المريح: ألا يجوز للإنسان أن يكشف عن ذات نفسه أمام الله إلا أن يعلق هذه المكاشفة مقدمًا بضمان الجواب؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤