الشرق الأوسط في العصر الإسلامي

لمؤلفه سِدني فيشر

كتاب في نحو سبعمائة صفحة، موضوعه تاريخ بلاد الشرق الأوسط وتاريخ العوامل الفعالة التي يرجع إليها تطور الشعوب والحوادث في هذه البلاد، وأولها الإسلام.

ومؤلف الكتاب هو الدكتور سدني فيشر أستاذ التاريخ بجامعة «أهيو» الأمريكية، وصاحب الدراسات المتعددة في شئون البلاد الشرقية التي يدين الأكثرون من أبنائها بالديانة الإسلامية.

ويدل أسلوبه في عرض الآراء والوقائع على تورع عن العصبية واجتناب للتشهير؛ فهو يروي ما يفهمه من المصادر المتناقضة، ويحاول أن يجردها من نزعات الأهواء ودسائس الأحقاد المذهبية والقومية، وإذا وقع في الخطأ المتواتر فإنما يقع فيه لأنه في حكم الحقائق المجمع عليها بين المؤرخين، فلا ينساق إلى الخطأ؛ حبًّا لترديده، ومرضاةً لشهوة من شهوات الحفيظة في نفسه، ومعظم أخطائه من قبيل المطاوعة لحركة التواتر المطبق الذي يحتاج إلى الجهد الجهيد لمقاومته، وربما شق عليه هذا الجهد الجهيد فلم يتكلف له ما هو أهله من الصبر والدأب والارتفاع بالتاريخ فوق حجاب الحوائل التي تغطي ما وراءها من الأسانيد البينة، وإنها لبينة جدًّا لو استطاع الناظر إلى تلك الحوائل أن يتخذ له منفذًا منها إلى الحقيقة.

يقول في كلامه على صفة الإله: إن الوحدانية المنزهة هي أجل مطالب الإيمان عند النبي عليه السلام، ويوصف الإله مع الوحدانية بصفات العلم المحيط والقدرة المحيطة والرحمة والكرم والغفران.

ولا يستطرد المؤلف إلى شرح الصفات الإلهية قبل أن يقول: إن توكيد صفات البأس والجبروت في كتاب الإسلام إنما تقدم في أوائل الدعوة التي واجه بها النبي جماعة الكفار الملحدين من الملأ المكِّي المتغطرس المستطيل بالجاه والعزة، ولكن المسلم يعلم من صفات الله أنه واسع الرحمة، وأنه أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، وأنه هو نور السماوات والأرض، وهي الصفة التي بثت عقائد «الصوفية» بين المسلمين، وكان لها أبعد الأثر في اجتذاب العقول إلى معانيه الخفية.

ويقول المؤلف كما يقول غيره من كتاب العصر الغربيين: إن القرآن «صوت حي»، يروع فؤاد العربي، وتزداد روعته حين يتلى عليه بصوت مسموع، ولكنه لا يفهم هذه الروعة كما لم يفهمها زملاؤه الذين سبقوه إلى الاعتراف ببلاغة القرآن؛ اعتمادًا على أثره البليغ في قلوب قرائه وسامعيه، ثم يقفون عند تقرير هذه البلاغة بشهادة السماع.

وبعد بيان مجمل عن بلاغة القرآن وأحكامه وعباداته، يضيف المؤلف بيانًا آخر في مثل هذا الإجمال عن الفضائل الإسلامية التي احتواها الكتاب، فيقول ما فحواه: إنه كتاب تربية وتثقيف، وليس كل ما فيه كلامًا عن الفرائض والشعائر، وإن الفضائل التي يحث عليها المسلمين من أجلِّ الفضائلِ وأرجحِها في موازين الأخلاق، وتتجلى هداية الكتاب في نواهيه كما تتجلى في موازين الأخلاق، وتتجلى هداية الكتاب في نواهيه كما تتجلى في أوامره؛ فلا يجوز للمسلم أن يشرب الخمر، ولا أن يقامر، ولا أن يعتديَ، ولا أن يستسلم للترف والرذيلة. ثم يختم كلماته قائلًا: «إننا إذا نظرنا إلى مجال الإسلام الواسع في شئون العقائد الدينية والواجبات الدينية والفضائل الدينية لم يكن في وسع أحد إلا أن يعتبر محمدًا — عليه السلام — نبيًّا مفلحًا جدًّا ومصلحًا موفقًا؛ لأنه — كما قال بعض الكتاب — وجد مكة بلدة مادية تجارية تغلب عليها شهوة الكسب المباح وغير المباح، ويمتلئ فراغ أهلها بمعاقرة الخمر والمقامرة والفحشاء، ويعامل فيها الأرامل واليتامى وسائر الضعفاء كأنهم من سقط المتاع، فإذا بمحمد — عليه السلام — وهو فقير من كل ما يعتز به الملأ قد جاءهم بالهداية إلى الله، وإلى سبل الخلاص، وغَيَّرَ مقاييس الأخلاق والآداب في أرجاء البلاد العربية.»

•••

إلا أن الخطأ المتواتر يتسلل إلى هذا الكتاب، وإلى سائر الكتب التي في موضوعه، من مجاراة العرف وإحجام العقول عن اختراق الحجب المتكاثفة مع الزمن حتى لا يحسب أحد أنه بحاجة إلى اختراقها، ولعله لا يرتاب في قدرته على اختراقها لو أنه قد خطر له أنها تستر وراءها ما هو حقيق بالنفاذ إليه.

وشفيع المؤلف في هذا الكسل، أو هذا الاستسلام العقلي، أنه ينساق إلى تلك الأخطاء المتواترة في كلامه على المسيحية وعلى الإسلام بغير تفرقة بين ديانته التي يؤمن بها والديانة التي يفهمها من مصادره الغربية أو مصادرها الشرقية الميسرة للغربيين.

يقول بعد الإشارة إلى بعض المشابهات بين آيات القرآن وآيات الزبور على حسب فهمه: «والواقع أن اليهودية وفرعيها المنبثقين منها — المسيحية والإسلام — مشتركات في كثير من الأمور، وإن كان معظم التشابه في العبارة دون الجوهر والمعنى.»

هذا الخطأ المتواتر هو الذي يعنينا في هذا المقال من موضوعات ذلك الكتاب؛ لأنه واجب التصحيح، مع إطباقه على أذهان المؤرخين الغربيين ذلك الإطباق الذي يوشك أن يشل تلك الأذهان عن الحركة المهيأة لها في غير هذا الموضع.

وأساس الخطأ كله اعتقادهم أن اليهود هم مصدر العقائد الدينية التي احتوتها التوراة، وأنهم هم الذين تلقوا وحيها لأول مرة من أنبيائهم غير مسبوقين إليها فيما سلف … وقد سلف قبلهم — وفي عهود أنبيائهم — كثير من الرسالات والعقائد مذكورة أو ملحوظة في القرآن الكريم وليس لها ذكر في أسفار التوراة.

والأمر لا يحتاج إلى عناء لإظهار وجوه الخطأ فيه؛ فإن مراجعة التوراة أيسرَ مراجعةٍ ترينا أن اليهود تلقوا أهم العقائد الكونية وأهم التعاليم الشرعية ممن تقدم أنبياءهم في الزمن، بل من الشعوب التي عاشوا بينها وكان فيها أناس من أتباع الرسل الأقدمين.

فإلى أي نبي من أنبياء بني إسرائيل يسند اليهود عقائدهم في سِفْرِ التكوين وهو جماع عقائدهم الكونية؟

إن التوراة الباقية اليوم تبتدئ بسفر التكوين ولا تسنده إلى أحد من أنبياء بني إسرائيل، ولا حاجة بعد ذلك إلى القول بأن عقائده سابقة للنبوءات الإسرائيلية وأن اليهود تعلموه من حيث يستطيع كل من شاء أن يتعلمه أو ينقله عن مصادره الأولى، سواء كانت من وحي الأنبياء الأسبقين أو من تراث الشعوب الموروث عن الأسلاف.

وتأتي أسفار الشريعة بعد سفر التكوين، وليس منها ما هو مسند إلى نبي قبل موسى — عليه السلام — ولكننا نقرأ في هذه الأسفار أن الكليم كان يتعلم التبليغ من نبي عربي تسميه التوراة يثرون، فيقول الإصحاح الرابع من سفر الخروج: إنه «رجع إلى يثرون وقال له: أنا أذهب وأرجع إلى إخوتي في مصر.»

ويقول الإصحاح الثاني عشر: «إن يثرون كان يصلي ببني إسرائيل في عهد موسى ومنهم أخوه هارون: «وإن يثرون أخذ محرقة وذبائح لله وجاء هارون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعامًا مع حمى موسى أمام الله …» فقد كان يثرون — إذن — يقرب القرابين، ويقيم الشعائر ويدعو الله بدعائه الذي دان به قبل بعثة الكليم، ويتبعه موسى وهارون وشيوخ إسرائيل وصفوة الشعب الإسرائيلي أجمعين.»

فأعجب العجب بعد ذلك أن يقرأ المؤرخون هذا في كتب التوراة ثم يلج بهم الإصرار على أصالة اليهودية، واعتبار المسيحية والإسلام فرعين من هذه الشجرة لا ينبتان على غير جذورها، وهي كما رأينا فرع من أصل قديم بل من عدة أصول.

على أننا نرجع إلى العقائد الإسلامية، فلا نرى بينها عقيدة واحدة تتفرع على عقائد اليهود كما دانوا بها من قبل ويدينون بها إلى هذه الأيام.

وليس أبعد من الفارق بين العقائد الإسلامية والعقائد اليهودية كما تناقلوها عن التوراة والتلمود في كل أصل من أصول الإيمان: عن الله أو عن النبوة أو عن الحساب والعقاب.

إن الله عند بني إسرائيل إله قبيلة واحدة يختصها بحظوته، ولكن الله في الإسلام هو إله الخلق أجمعين لا يفضِّل أحدًا منهم على أحد بغير التقوى والصلاح.

وإن النبوة عند بني إسرائيل صناعة خوارق وكشف عن الخفايا والمفقودات، ولكن النبوة في الإسلام رسالة هداية وتعليم، وبلاغ إلى العقل والضمير، يقنع الناس بالبينات والآيات، ولا يجعل الإقناع موكولًا إلى التهويل بالخوارق والمعجزات.

وإن الحساب عند بني إسرائيل يأخذ الأبناء بذنب الآباء ويلحق الجزاء بالخلف البعيد؛ انتقامًا من جنايات الأجداد والأسلاف، ولكن الحساب في الإسلام لا يأخذ إنسانًا بجريرة إنسان، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

وليس في الإسلام سلطان للمعبد وكهانه على العباد الذين يصلون إليه في كل مكان تحت السماء ويعلمون أنهم أينما كانوا فثم وجه الله، ولكن «الهيكل» في اليهودية هو الذي يتقبل القربان من عباده، فلا يحسب لهم قربان بغير وساطة الكهان والأحبار.

فكيف تكون هذه العقائد فرعًا على تلك الشجرة وهي تخالفها تلك المخالفة في أصول الديانة وحقائق الإيمان بالربوبية والنبوة وموازين الحساب والتكليف وحرمات العبادة والتقديس؟!

إن جاز التشبيه بالأصول والفروع، فقد يجوز أن يقال: إن الإسلام شجرة أخرى تحمل الثمرات التي حملتها اليهودية بعد تهذيب وتجويد، وإن ثمرات الشجرة الإسلامية لا تحملها تلك الشجرة، ولا يتأتى أن تحل فيها محل الفروع من الجذور.

ولكن لا يجوز أن يقال: إن اليهودية كانت جذرًا أصيلًا للعقائد الإسلامية ولو كانت هي المصدر الوحيد للعقائد المشتركة بين الديانتين، فإذا علمنا أنها قد تفرعت على ما تقدمها ولم تكن جذرًا لما تلاها، فلا ندري ما هو وجه التأصيل هنا والتفريع بأي معنى من معاني الأصول أو معاني الفروع.

وهذه هي طبيعة الأخطاء المتواترة في بقائها وإطباقها على العقول، وهي كذلك طبيعتها في سهولة الاهتداء إلى موضع الشبهة منها إذا أعيدت إلى طبقتها الأولى، ولا داعية إلى الإمعان في العودة إلى ما هو أبعد من الصفحات الأولى في أسفار التوراة.

إن المؤرخ الغربي — وهو على اعتقاده الديني — لا يطالب بإيمان المسلم فيما اعتقد من ربوبية أو نبوة أو تكليف، ولكنه مطالب عند البحث في التطور الطبيعي أن يمسك عليه عقله وأن يترفع به عن قبول الباطل البين في جلائل المسائل؛ وهي مسألة العقيدة والإيمان.

وليس من الحلال في شرعة العقل — كائنًا ما كان دين العاقل — أن يقيم الشجرة الباسقة على منبت الفرع المبتور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤