موت الأميرة شماء بنجد واعتلاء الجازية مكانها في قيادة بني هلال

أخيرًا أسلمت الأميرة شماء الروح، ولا يعرف أحد على وجه الدقة في كل أنحاء «نجد المرية» كيف حدث هذا، وهل يمكن فعلًا أن يحدث على هذا النحو الفاجع الصادم؟ أي أن تسبل الأمير شماء أميرة بني هلال عينيها الدعجاوتين، وكما لو كانت تستسلم للنعاس المصاحب لخدر النوم، لتلفظ أنفاسها الأخيرة وتموت مثلها مثل خلق الله الآخرين!

أحقًّا ما يحدث ويحمله هواء ذاك الصباح الرطب من سهل إلى ما يجاوره ومن مضرب إلى آخر ومن مرج إلى نظيره، على طول رحاب نجد، فتتداوله الألسن والحلوق الجافة غير المصدقة، بينما تسيل العيون دموعها مدرارًا وهي تتحرك في الوجوه التي هدها النبأ المفاجئ، فاندفعت باتجاه مضاربها كالموج الهادر غير مصدقة أو مدركة لما حط على نجد في ذلك اليوم، الذي لا بد ألا تسطع له شمس أبدًا، وإن حدث وسطعت فلا بد أن يحرق سياط لهيبها كل أخضر ويابس دون رحمة؟!

أحقًّا ما يحدث أن تلفظ الأميرة الحكيمة المجاهدة التي عمت شهرتها الآفاق كلًّا من المشرق والمغرب أنفاسها؟! وهي التي رفعت رايات الهلاليين وبيارقهم خفاقة مشرقة من فوق هودجها المجلَّل بشارات المجد، بدءًا من تخوم أسوار الصين مرورًا بالهند وسرنديب والأناضول مشرقًا، حتى مشارف المغرب الكبير والأندلس غربًا، تنكس أمامها هامات أعتى الملوك والأباطرة والأكاسرة والأمراء، تواكب ذلك كله حكمة عميقة الجذور والغايات والمقاصد.

وكما لو أن هاجسًا خفيًّا وحد بين جميع قبائل وبطون عرب بني هلال، وهم يتدافعون خارجين مروَّعين من بيوتهم ومضاربهم وقصورهم في ذلك الصباح المبكر، هذا الهاجس هو الخوف الباطني الذي لا يُعرف له سبب، والذي كان ظاهرًا تمامًا على جميع الوجوه كلما تلاقت جموعهم وجموعهن.

– لم أنم البارحة.

– أجل.

– لم أذق للنوم طعمًا.

– لحظة واحدة فقط.

– غمضة عين.

صحيح أن الجميع كانوا على دراية بمدى ما حل على كاهل الأميرة الأم — شماء — منذ سنين قريبة من مرض عضال، أضنى أطباء نجد والشام والأندلس ويئس الجميع من إمكانية شفائها.

ولم يعد يُسمع منها وهي مسجاة على فراشها سوى تمتمة.

– آجال! أعمار تنقضي!

لكن من يمكن له أن يُصدق ويعي من تلك الجموع الغاضبة الحانقة التي تجمعت وفودها من كل صوب وكيان، فلم يقتصر الأمر على النجديين وحدهم، بل سرى مسراه أيضًا إلى وادي الحجاز ومدن الطائف وتهامة وتعز وصنعاء وعدن وحضرموت وصرواح ومأرب سريانَ النار في الهشيم.

– الشماء ماتت!

وعلى الفور توافدت الفرسان على مشارف نجد وساحاتها التي غصت بجنازات النساء النائحات والمبتهلات وطالبات الرحمة وشاعرات الموت ومنشداته.

وكان الأمر أكبر وأقسى من مجرد موت أميرة وقائدة، لها وحدها ثلث المشورة في الحرب والسلم والهجرة والتصالح والمهادنة والتحالف.

وكما لو أن هناك إحساسًا خفيًّا جماعيًّا ناشب الجذور داخل الجميع عن مدى جسامة الكارثة الكبرى الجاثمة التي ستحط يومًا على رءوس الجميع، لتمتص رحيق الحياة من جزيرة العرب شمالًا وجنوبًا.

– ما الخبر؟

صحيح أن بوادر الأيام الصعبة لم تلحق عرب الجزيرة بأسرها سوى مع حلول المرض بالأميرة شماء الأم، الذي لازمها السنوات الأخيرة فأمسكها عن كل حركة ونشاط.

وهي بذاتها وتمامها السنوات التي نكست فيها الرايات الهلالية، دون تطلع لجهاد وفتوحات قوامها التعريب والتوحيد، وكأنه باستسلام أميرتهم الأم القهري لآلام مرضها العضال الطاعن استسلم الجميع انتظارًا للحظة العافية التي امتدت لسنوات إثر سنوات إلى أن وقع المكتوب.

وضاعف من ثقل تلك الأيام العصيبة التي استغلها كل طامع في الهلالية انقطاع المطر وحلول الجفاف الذي امتص كل رحيق لخضرة وحياة من الزرع والبهائم، بل والناس أنفسهم على مختلف فئاتهم وطبقاتهم.

وهكذا لم يعد بإمكان الجميع سوى التذرع بالانتظار الثقيل، طالبًا للعافية ومعاودة الجهاد وركوب المصاعب للخروج من واقع هذا المأزق القاتل لكل حياة.

فحتى ابنها الأكبر ذاته الأمير حسن بن سرحان سلطان التحالف الهلالي، وأخته وريثتها في القيادة والانفراد بثلث المشورة الأميرة «نور بارق» التي عُرفت ﺑ «الجازية»؛ حط عليهما ذلك الانتظار الثقيل عامًا إثر عام دون تملك القدرة على الإتيان بقرار أو فعل جماعي، بسبب مرض الأميرة الأم وجفاف الصحراء الذي وصل بالهلاليين إلى حد العطش.

– ما العمل؟

منذ البداية حاولت الجازية التبشير بمشورة أمها المريضة الغائبة عن كل وعي المثقلة بجراحها الغائرة … التي لم يسلم منها عضو في جسدها الناحل نتيجة ما خاضته من معارك تركت آثارها وبصماتها عليه.

لكن كان ذلك كله دون جدوى، بل من يسمع ويعي والجميع تعودوا على تلقي القرار مشهرًا من فمها الشريف، ساريًا على كل رءوس القبائل والأمراء والشيوخ وملوك الجزيرة: شماء الأم القائدة.

بل حتى فارس التحالف الهلالي ذاته، أبو زيد الهلالي، الذي أعلن لجموع بني هلال خبر موت الأميرة الأم شماء الفاجع من أعلى الجبال المطلة على ساحات المدينة؛ لم يسلم من السب والتجريح والتطاول من الجماهير الغاضبة غير المصدقة الهائجة، المطالبة بإشهار الجثمان لتتيقن منه كل عين ترى وتبصر.

– كذب، كذب!

– تدليس!

– اخرس يا شؤم

– أين الجثمان؟

– الشهود، أين الشهود؟

وهكذا تدافعت الأجساد كيوم الحشر، باتجاه مضارب الأميرة «شماء» لا يُوقفها حرس أو فرسان دون التفاته إلى الخلف، مطالبة بالدليل واليقين.

وتكسرت كل محاولات السلطان حسن ابنها ووريثها وابنتها الجازية و«أبو زيد الهلالي سلامة»، في رد الوفود الثائرة وإعادتها إلى صوابها، وهي التي صدمها النبأ الفاجع حتى العظم.

– الجثمان، الجثمان.

ورغم التطاول على أبي زيد الهلالي من جانب بعض الأفواه التي أعماها الغضب، فإنه كان الأسرع بالمبادرة إلى إقناع السلطان حسن بإخراج الجثمان وتسجيته على أعلى سلالم قصر الأميرة الأم الرخامي؛ لتهدئة ثائرة الجماهير المنذهلة غير المصدقة:

– إنا لله وإنا إليه راجعون!

وهكذا حط الهدوء على هامات الرءوس الثائرة والغاضبة والفزعة، وتدافعت الوفود في ثباتها تلهج بالرحمة والغفران للموتى والأحياء معًا، وهي ترقب الجثمان الطاهر المسجى في حالة من الاطمئنان والصفاء الذي فعل مسراه في الأعصاب والمشاعر التي أغرقها الحزن.

واعتلى كل أمراء بني هلال بدءًا من السلطان حسن وأبنائه الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ويحيى إلى الجازية وأبو زيد الهلالي الساحات، متحدثين في ثبات إلى جماهير المشيعين.

واندفعوا يطالبونهم بتحكيم العقل وإعمال الحكمة، بحثًا عن حلول لما أصبح يُعانيه الجميع شمالًا وجنوبًا من جوع ومذلة:

– المشورة حق للجميع.

وما إن انتهت مراسيم دفن الجثمان والعزاء والمواساة، حتى اشتُهرت وصية الأميرة الأم، والتي نصبت فيها الأميرة «نور بارق» أو الجازية لتأخذ مكانها في قيادة التحالف الهلالي.

وهنا تنفست الجماهير المحيطة التي لا تحدها غير الصعداء، فالجازية وحدها هي الأقدر عن جدارة في أخذ مكان الأميرة الأم، وهي المعروف عنها مدى بأسها في الحرب والنزال، ومدى حنوها واحتضانها لآلام الجميع التي تزايدت في السنوات الأخيرة العصيبة التي صاحبت الجفاف.

– الجازية، أم محمد.١

وكما لو أن اسمها ذاته سرى بين الجموع مهدِّئًا كبلسم شافٍ.

حتى إذا ما واصل قاضي قضاة نجد «بدير بن فايد» قراءة وصية الأميرة الأم التي دوِّنت على رقعة طويلة من جلود الغزلان البرية، تعدى طولها طول قامته، معلنًا رصد الشماء للجانب الأعظم من ممتلكاتها وكنوزها لفقراء بني هلال وبسطائهم بالإضافة إلى جرحى الحرب والمعوقين وأسر الشهداء، حتى تعالت الأصوات المترحمة مدوية من كل جانب، وعلا بكاء النساء ونحيبهن، وسُمعت أشعار المراثي عليَّة من هنا ومن هناك:

شما تلَفْتيني
بحبك شبقتيني
قومي واسقيني
من فوق شبرية
بالليل أنا أزورك
وها الوقت دا شويه.

•••

انظر لشامتها
هذي علامتها
انظر لقامتها
شبه الردينية.

ولم تتوقف سيول الأشعار الجنائزية والمراثي إلا عندما تدخل القاضي بدير مقاطعًا بحزم مواصلًا قراءة الوصية لجموع الهلاليين مشرقًا ومغربًا، والتي تضمنت الحث على الجهاد والتلاحم والدفاع عن الحق والأخذ بالمشورة وتكامل العقول العربية، وعدم الاستسلام للواقع القاسي الذي لحق بقوت الجميع ومصيرهم.

وامتدت أيام الحزن أربعين يومًا توافدت خلالها الوفود العربية من كل مكان وكيان إلى ربوع نجد للعزاء في وفاة الأميرة الأم، رأس المشورة للتحالف القبائلي الهلالي شمالًا وجنوبًا.

جاء من العراق الأعلى حاكمه الخفاجا عامر وابنته «ذوابة» التي تسمَّى بها، وهي الشاعرة العريقة التي أبكت جماهير بني هلال، وخاصة نساءهم بأشعارها:

يوم غرب النجع يا ما بكى ضرغام
وقال بيض الليالي مضت
واللي بقى صار غام
رايح تغرب يا ابو ذوابة
وفايت الاصطبل والخيل فيه
ما بكى الخفاجا عامر وقال
بكر الشجر راح
ما عادت تنفع الخيل فيه.

وجاء من وادي الحجاز الأمير جابر وابنته العالية بنت جابر، وكانت ممشوقة القامة باهرة الجمال شديدة الحضور، وما إن وقع نظر فارس بني هلال أبي زيد الهلالي عليها حتى تأججت داخله المشاعر الملتهبة التي دفعت به دفعًا إلى الاختفاء عن العيون أيامًا، لا يعرف له أحد مكانًا إلى درجة دفعت بالسلطان حسن بن سلطان إلى إرسال وفوده وفوارسه للبحث عنه أينما كان وتحت أي سماء، دون جدوى.

خاصة وقد كثر توافد المعزين من حلفاء بني هلال من كل صوب ومكان، سواء من فلسطين العربية ومروج بني عامر أو هلال بن عامر أو من الشام وحلب الشهباء.

وجاء فارس تحالف عرب جنوب الجزيرة القحطانيين دياب بن غانم الزغبي ووالده الضرير الأمير غانم، الذي كلَّت عيناه إلى حد فقدان النظر الكامل ليشارك في العزاء ويلتقي بابنته «نوفلة» لوجه السلطان حسن الصديق الحميم لأبي زيد الهلالي.

وأقام دياب بن غانم الدنيا وأقعدها حين لم يجد أبا زيد الهلالي في استقباله، وحين ألح في سؤال السلطان حسن وابنه الأكبر يونس ولم يجد جوابًا، استبد به الضيق الذي أفصحت عنه أساريره القاسية الملامح:

– أين أبو زيد؟!

ومن جديد واصل السلطان حسن إرسال فرسانه وأبنائه وعيونه في كل مكان بحثًا عن أبي زيد الذي بدا كما لو أن الأرض عن آخرها انشقت وابتلعته دون أثر، منذ أن لامست يده يد الأميرة العالية (بنت جابر) مترجلة عن هودجها الذي أقلها من وادي الحجاز.

١  هذا هو لقبها حتى قبل الزواج (المؤلف).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤