الفصل التاسع والثلاثون

جليرك يُخبر فيريان بالحقيقة

قالت لونا: «هيا!» لم يكن القمر قد بزغ بعد. ولكن كان بوسع لونا أن تشعر باقترابه. لم يكن هذا بالأمر الجديد. كانت تشعر بصلةٍ غريبة بالقمر، لكنها لم يسبق أن شعرت بها بالقوة التي كانت عليها الآن. سيكون القمر بدرًا الليلة. وسيُضيء العالم.

قال الغراب: «كاو.» وكان يعني: «أنا متعب جدًّا جدًّا.»

تابع: «كاو.» وكان يعني: «أيضًا، حل الليل، والغربان كائنات ليلية.»

قالت وهي تخلع قلنسوة عباءتها: «تفضل. اجلس هُنا، أنا لست متعبة على الإطلاق.»

وكان هذا صحيحًا. شعرت وكأن عظامها تتحول إلى ضوء. وشعرت أنها لن تتعب مجددًا أبدًا. حطَّ الغراب على كتفِها وتسلق إلى داخل قلنسوتها.

عندما كانت لونا صغيرة، علَّمتها جدتها عن المغناطيس والبوصلة. أوضحت لها أن المغناطيس يعمل في حيزٍ يُسمى بالمجال المغناطيسي وتزداد شدَّته كلما اقتربنا من قطبَيه. تعلمت لونا أن المغناطيس يجذب بعض الأجسام دون غيرها. وتعلمت أيضًا أن الأرض نفسها عبارة عن مغناطيس، وأن البوصلة، بإبرتها الصغيرة الموضوعة داخل حوض مائي، ستصطفُّ دائمًا في اتجاه قوة الشدِّ الناتجة عن المغناطيسية الأرضية. عرفت لونا هذا واستوعبته، لكنها كانت الآن تشعر بأن ثمة مجالًا مغناطيسيًّا آخر وبوصلة أخرى لم تُخبرها جدتها عنهما قط.

كان قلب لونا ينجذب إلى قلب جدتها. هل الحب بوصلة؟

وكان عقل لونا ينجذب لعقل جدتها. هل المعرفة مغناطيس؟

وكان ثمة شيء آخر أيضًا. هذا الشعور المتدفِّق الذي يسري في عظامها. هذه الطقطقة في داخل رأسها. هذا الشعور وكأن ترسًا خفيًّا بداخلها، يدفعها، رويدًا رويدًا، نحو … «شيء ما».

طوال حياتها لم تعرف مُطلقًا ما هو.

قالت عظامها: «إنه السحر.»

•••

قال فيريان: «جليرك. جليرك، جليرك، جليرك! يبدو أن ظهرك لم يعُد يتسع لي. هل أنت تتقلص؟»

قال جليرك: «لا يا صديقي. العكس هو الصحيح. يبدو أنك تزداد حجمًا.»

كان مُحقًّا. كان فيريان «يزداد حجمًا». لم يستطع فيريان تصديق ذلك في البداية، لكن مع كل خطوة يخطوانها، كان فيريان يزداد حجمًا أكثر قليلًا. ليس بتناسُق. صار أنفه كشمامة عملاقة تبرُز عند مقدمةِ أرنبة أنفه. ثم تمدَّدت إحدى عينيه وصار حجمها ضِعف الأخرى. ثم جناحاه. ثم قدماه. ثم قدم واحدة. أخذ ينمو شيئًا فشيئًا، ثم يُبطئ، ثم ينمو، ثم يُبطئ.

قال فيريان: «أزداد حجمًا؟ هل تقصد أنني سأُصبح أضخم؟ كيف يُمكن لتنين أن يُصبح أكثر ضخامةً من «التنانين الهائلة»؟»

تردد جليرك. «حسنًا، أنت تعرف عمتك. كانت دومًا ترى «إمكانياتك»، حتى عندما لم تكن موجودًا بعد. هل تفهم ما أقوله لك؟»

قال فيريان: «لا.»

تنهد جليرك. سيكون هذا صعبًا.

«في بعض الأحيان، كونك هائلًا لا يقتصر في الواقع على الحجم.»

«حقًّا؟» فكَّر فيريان في هذا بينما بدأت أذنه اليسرى تنمو وتتمدَّد. «لم تقُل زان هذا قط.»

قال جليرك، وهو يحاول أن يتمالك نفسه: «حسنًا، أنت تعرف زان. إنها دقيقة». توقف جليرك. «الحجم مثل الطيف. مثل قوس قزح. على مقياس الضخامة، كنتَ، في الواقع، كنت عند الحدِّ الأدنى من المقياس. وهذا بالطبع، في الواقع …» توقف مرة أخرى. ولعق شفتَيه. «أحيانًا تنثني الحقيقة. مثل الضوء.» كان يتخبَّط وكان يعلم هذا.

«حقًّا؟»

قال جليرك: «لكن قلبك كان كبيرًا دائمًا، وسيظل هكذا دائمًا.»

قال فيريان جزعًا: «جليرك.» تضخمَّت شفتاه فصارتا بحجم فروع الأشجار وتدلَّتا من فكَّيْه بشكل غير مُتناسِق. كانت إحدى أسنانه أكبر من بقية الأسنان الأخرى. وتضخم أحد ذراعَيه بسرعة، أمام عينَي جليرك. «هل أبدو لك غريبًا؟ أرجوك كن صريحًا معي.»

كان كائنًا صغيرًا جادًّا. كان غريبًا، بالطبع. وكان يفتقر إلى الوعي الذاتي. لكنه مع ذلك كان مخلصًا. أفضل رفيق مُخلص، حسبما قرر جليرك.

«استمع إليَّ يا فيريان. أعترف أنني لا أفهم حالتك تمامًا. أتعلم أيضًا؟ ولا زان كانت تفهمها. لا بأس بذلك، حقًّا. أنت تكبُر. تخميني هو أنك على وشك أن تُصبح «تنينًا هائلًا» مثل أُمِّك. لقد ماتت أُمك يا فيريان. منذ خمسمائة سنة مضت. معظم التنانين الصغيرة لا تبقى في مرحلة الطفولة كل تلك المدة. في الواقع، لا يُمكنني التفكير في مثال آخر. لكن لسببٍ ما أنت فعلت هذا. ربما زان من فعلت هذا. ربما لأنك بقيت قريبًا أكثر من اللازم من المكان الذي ماتت فيه أُمُّك. ربما لأنك لم تكن تتحمل أن تكبر. على أي حال، أنت تكبُر الآن. لقد ظننتُ أنك ستبقى تنينًا صغيرًا للأبد. لكنني كنت مخطئًا.»

«لكن …» حاول فيريان أن يُحلق بجناحيه اللذَين أخذا يتضخمان، وأخذ يتعثر ويسقط لأسفل بقوة لدرجة أنه كان يهزُّ الأرض. «لكنك عملاق يا جليرك.»

هزَّ جليرك رأسه نفيًا. «لا يا صديقي. لا، لست كذلك. أنا ضخم، وأنا كبير في السن، لكنني لست عملاقًا.»

انتفخت أصابع أقدام فيريان وصارت ضِعف حجمها العادي. «وماذا عن زان ولونا؟»

«أيضًا ليستا عملاقتَين. حجمهما طبيعي. أما أنت فصغير جدًّا لدرجة أنه يمكنك الدخول في جيوبهما. أو كنتَ كذلك.»

«والآن لم أعد كذلك.»

«أجل يا عزيزي. لم تعُد كذلك.»

«لكن ماذا يعني ذلك يا جليرك؟» ترقرقت عينا فيريان بالدموع. وانهمرت دموعه في هيئة بِرَكٍ تغلي وسُحُبٍ من البخار.

«لا أعرف يا عزيزي فيريان. ما أعرفه يقينًا هو أنني هنا معك. أعرف يقينًا أن الثغرات في معرفتنا ستُكشف وستُملأ، وهذا أمر جيد. ما أعرفه يقينًا هو أنك صديقي وأنني سأكون إلى جانبك في كل فترةٍ انتقالية وعند كلِّ ابتلاء. مهما كان …» فجأة تضاعف حجم ردفي فيريان، وكان وزنهما ثقيلًا لدرجةٍ جعلت قدمَيه الخلفيتَين تنثنيان وجعلته يسقط جالسًا بصدمةٍ هائلة. وأنهى جليرك حديثه بقوله: «إحم. مهما كان فظًّا.»

«شكرًا لك يا جليرك» استنشق فيريان من أنفه مُصدرًا صوتًا.

شدَّ جليرك أياديه الأربعة لأعلى ورفع رأسه الضخم لأعلى بقدْر المستطاع، باسطًا عموده الفقري وواقفًا على قدمَيه الخلفيتَين أولًا ثم رافعًا جسده لأعلى على ذيله السميك الملفوف. أصبحت عيناه الواسعتان أكثر اتساعًا.

قال، وهو يُشير إلى منحدر الجبل: «انظر!»

سأل فيريان: «ماذا؟» لم يتمكن من رؤية شيء.

«هناك، شيء يتحرك هابطًا الربوة الصخرية. أظن أنك لا تستطيع أن ترى هذا يا صديقي. إنها لونا. سحرها ينبثق. حسبتُ أنني كنتُ قد رأيته يخرج على هيئة أجزاء صغيرة. لكن زان أخبرتني بأنني أتوهَّم. مسكينة زان. بذلت ما في وسعها للتشبث بطفولة لونا، لكن لا مهرب من ذلك. تلك الفتاة تكبر. ولن تبقى فتاةً لأطول من هذا.»

حدق فيريان في جليرك، فاغرًا فاه. قال بصوت يختلط فيه التشكك بالأمل: «هل ستتحول لونا إلى تنين؟»

قال جليرك: «ماذا؟ لا. بالطبع لا! ستتحول إلى فتاة بالغة. وإلى ساحرة. في نفس الوقت. وانظر! ها هي تفعل ذلك. يُمكنني رؤية سحرها من هنا. أتمنَّى لو كان بإمكانك أن تراها، يا فيريان. إنه بأفضل درجة من درجات اللون الأزرق، وينساب خلفه ببطء بريقٌ لامعٌ فضي.»

كان فيريان على وشك أن يقول شيئًا آخر، لكنه حدق في الأرض. وضع يدَيه كلتَيهما في الوسخ. قال وهو يضغط بأذنه على الأرض: «جليرك؟»

لم ينتبه جليرك. قال، وهو يشير إلى القمة الجبلية التالية: «وانظر! ها هي زان. أو سحرها، على أي حال. يا إلهي! إنها مصابة. يمكنني رؤية ذلك من هنا. إنها تستخدم تعويذة الآن، تعويذة تحويل على ما يبدو. ويحكِ يا زان! تتحولين وأنتِ في هذه الحالة! ماذا لو لم تتمكني من العودة إلى هيئتكِ الأصلية؟»

قال فيريان، وحراشفه تزداد شحوبًا بسرعة هائلة: «جليرك؟»

«لا يُوجد مُتسع من الوقت يا فيريان. زان تحتاج إلينا. انظر. لونا تتحرك نحو القمة الجبلية التي تُوجَد فيها زان حاليًّا. إذا أسرعنا …»

قال فيريان: «جليرك! هل ستنصت لما أقول؟ إنه الجبل.»

قال جليرك بنفاد صبر: «تحدث بجملٍ كاملة، من فضلك. إذا لم نتحرك بسرعة …»

صرخ فيريان: «الجبل يشتعل، يا جليرك.»

أدار جليرك عينَيه في محجريهما بنفاد صبر. «لا، هذا غير صحيح! حسنًا. ليس أكثر مما هو طبيعي. فوهات الدخان تلك مجرد …»

قال فيريان، وهو يتحامل للنهوض: «لا يا جليرك. إنه صحيح. في باطن الأرض. الجبل يشتعل تحت أقدامنا. مثلما كان فيما مضى. عندما ثار البركان. أنا وأمي …» تهدج صوته، وتدفق حزنه فجأة. «شعرنا بهذا أولًا. ذهبت أُمي للسحرة كي تُحذرهم. جليرك!» كاد وجه فيريان يتصدَّع من القلق. «علينا أن نُحذِّر زان.»

أومأ وحش المستنقع. شعر بأن قلبه يغوص في ذيله الضخم. قال، موافقًا: «وبسرعة. هيا، يا عزيزي فيريان. ليس لدينا لحظة نضيعها.»

•••

تدفق الشكُّ في داخل أحشاء الطائر الذي تتخذ زان صورته.

قالت زان بانزعاج: «هذا كله خطئي.»

جادلت في نفسها: «لا! أنتِ حميتِ! أنت أحببتِ! أنتِ أنقذتِ أولئك الأطفال من الجوع. أنت وجدتِ لهم أُسرًا سعيدة.»

قالت في نفسها، معارضةً: «كان ينبغي أن أعرف. كان ينبغي أن أكون فضولية. كان ينبغي أن أفعل شيئًا.»

وهذا الفتى المسكين! كم أحبَّ زوجته. كم أحبَّ ابنه. انظر إلى ما هو مُستعد للتضحية به من أجل جعلهما آمنَين وسعيدَين. أرادت أن تُعانقه. أرادت أن تنهي تحولها وتشرح له كل شيء. لكنه سيحاول قتلها بالتأكيد قبل أن توضح له أي شيء.

همس الشاب: «لم يبقَ أمامنا الكثير، يا صديقي. سيبزغ القمر وسننطلق في طريقنا. وسأقتل الساحرة وبعدئذٍ يُمكننا أن نعود للبيت. وسيمكنك رؤية زوجتي الجميلة إيثين وابني الجميل. وسنبقيك في مأمن.»

قالت زان في نفسها: «هذا مُستبعد.»

بمجرد أن يبزغ القمر، ستتمكن من اغتنام ولو القليل من قوته السحرية. القليل جدًّا. سيكون الأمر أشبَهَ بمحاولة حمل الماء في شبكة صيد. لكن هذا كان أفضل من لا شيء. هذا أفضل من لا شيء على الإطلاق. على الأقل سيكون لديها القطرات. وقد تغتنم ما يكفي لجعل هذا المسكين يخلد إلى النوم قليلًا. وقد تتمكن حتى من إرسال ملابسه وحذائه وإرساله إلى البيت، وهناك سيستيقظ على عناق جميل من أسرته.

كل ما كانت بحاجة إليه هو القمر.

قال الشاب وهو يهبُّ واقفًا: «هل تسمع ذلك؟» تلفتت زان حولها. لم تسمع أي شيء.

لكنه كان محقًّا.

كان شيءٌ ما يقترب.

أو شخصٌ ما.

تساءل: «هل يمكن أن تكون الساحرة قادمة إليَّ؟ هل يمكن أن أكون محظوظًا لهذه الدرجة؟»

قالت زان في نفسها، باستهزاء أكبر مما يستحق: «بالفعل.» نقرت الرجل نقرةً خفيفة عبر قميصه. وقالت في نفسها: «تخيل «الساحرة» قادمة إليك. أيها المحظوظ.» رفعت عيني الطائر الصغيرتَين الشبيهتَين بالخرز.

قال وهو يشير إلى القمة الجبلية: «انظر!» نظرت زان. كان مُحقًّا. كان شخص ما يصعد إلى القمة الجبلية. شيئان. لم تتمكن زان من التحقق من هيئة الشيء الثاني — لم يبدُ مثل أي شيءٍ رأت مثله من قبل — لكن الشيء الأول كان لا يمكن أن تخطئه عين.

ذلك الوهج الأزرق.

وذلك البريق الفضي.

سحر لونا. «سحرها»! كان يقترب أكثر فأكثر فأكثر.

قال الشاب: «إنها «الساحرة». أنا متأكد من هذا!» واختبأ خلف مجموعة من الشجيرات المتشابكة، وبقِي بلا حراك. ارتعدت فرائصه. ونقل سكينه من يدٍ للأخرى. وقال: «لا تقلق يا صديقي. سأنفذ هذا بسرعة كبيرة جدًّا جدًّا. ستصل «الساحرة». ولن تراني.»

بلع ريقه.

«وعندئذٍ سأنحر عنقها.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤