الفصل الثاني

النجاح

قال أحد كتاب الروس، ولست أذكر اسمه لأرويه: كان بمدينة كذا رجل ضعيف العقل. وكان الناس لا يمسكون عن الخوض فى أمره والتحدث بتخلف ذهنه وغلظ عقله.. فكرَبهُ ذلك وساءه، وأحب أن يغير رأى الناس فيه، فلم يزل يعمل فكره حتى هداه طول التفكير والتدبر إلى ما هو خليق بأن يبلغه أمنيته ويحقق له غايته ورغبته.. وذلك أنه صار كلما لقى واحدًا من معارفه وإخوانه يستسخف رأيه ويستجهله. فإذا ذكر أمامه كتابًا ورأى أنه يستجيده قال له: هذا كتاب سخيف ليس فيه معنى ولا وراءه محصول، وإنك إذ تستحسنه وتستجيده لتدل برأيك فيه على تخلفك عن عصرك وتأخرك عنه. وإذا امتدح أحد صورة على مسمع منه انبرى له بالتنقص والاغتماض قائلًا: ليس فى هذه الصورة شىء يستجاد، وإنك بمدحك إياها وإكبارك لها لتثبت أنك متأخر عن عصرك.

وهكذا ظل صاحبنا يستهجن كل ما يستحسنه الناس ويتهمهم بضعف، العقل ويرميهم بالقصور والتخلف عن الزمن وبجهل ما عفّى عليه من الآراء وأجدّ من الحقائق، فيمضون عنه وهم خجلون من سقاطهم وعثراتهم حتى أكبروا عقله وإن أفزعتهم وقاحته وراعتهم جرأته.

وبلغ من نجاح صاحبنا فى ما قصد إليه أن صاحب جريدة استكتبه وسأله أن يوافيه بارائه فى الأدب والفنون والاجتماع! فلم يحد عن خطته التى رسمها لنفسه وهى تنقص كل عمل ورمى مستجيديه بالتخلف وعدم الاطلاع على أحدث الآراء التى أنتجها العصر! فصار قوة لا يملك إهمإلها الكتاب والمؤلفون والمصورون وسائر الفنيين.

وقد أراد واضع القصة أن يدل القارئ بها على سر من أسرار النجاح. ولم نرد نحن بإيرادها أن نذهب إلى أن الدعوى والتبجح لازمان فى الحياة وأنهما وسيلة النجاح لا وسيلة سواهما، ولكنا أردنا أن نقول إن الحياء شىء حسن له فضله ومزيته، ولكنه، على ذلك، ثوب يحسن أن يخلعه المرء إذا شاء أن يفوز بحقه ويظفر بما هو أهل له. فقد تكون أقوى الناس استعدادًا وأكثرهم مواهب وملكات وأقدرهم على الاضطلاع بالأعباء والقيام بخطيرات الأمور وجلائل المساعى، ويحرمك الحياء أن تجنى ثمرة تعبك وزهرة غرسك. وليس فى الخجل معنى فى الحياة أو نتيجة، إلا أن الناس يملئون بطونهم وأنت جائع، ويدخلون وأنت واقف بالباب، ويتقدمونك وأنت متردد!

واعلم أنك إذا أنزلت نفسك دون المنزلة التى تستحقها، لم يرفعك الناس إليها، بل أغلب الظن أنهم يدفعونك عما هو دونها أيضًا ويزحزحونك إلى ما هو وراءها، لأن التزاحم على طيبات الحياة شديد، والجهاد والتنازع لا يدعان للعدل والإنصاف مجالًا للعمل. فلا تصدق من يشيرون عليك بالترفق والوداعة وينصحون لك بالاستحياء، فإنه لا حياء فى الحق ولا خجل من السعى لإحراز ما تستحقه من الأنصباء.

وأحسبُ هؤلاء النصحاء أرادوا أن يستأثروا بالسبق فأشاروا عليك بالتقاعد! ويستبدوا بالفوز فزينوا لك الزهد والقناعة! ألست ترى إلى الدول كيف تعلن عن فضائلها ومحاسن صفاتها ومميزاتها وهى قد أوتيت كل الرذائل والمقابح والخسائس؟ وكيف تدعى سمو العقل ونبل المقاصد وشرف المنازع وهى فائرة الصدور بالحقد والضغينة؟ وكيف تتظاهر بالزهد والعفة عما فى يد الغير وهو شاغل شعاب مطامعها ومالئ جو آمالها؟ وكيف تزعم أنها تفيض عطفًا على أمم العالم وحبا لبشر وإيثارا لخيره، وهى قد أكل قلبها الكره والاحتقار؟ وكيف تقاوم كل حركة رقى وهى تباهى بأنها مولد الآراء الجديدة؟ كيف تفاخر بما تسنمته من تلاع الرقى وأنجاد الرفعة وهى تجر رجليها وراء أصغر الشعوب؟ وكيف تتشدق بمبادئ الحق والعدل وهى تظلم الضعفاء وتسترقهم وتسلبهم حريتهم وتنتهك كل حرمة وتفجر فى كل عهد وتنقض كل وعد؟ والناس يسمعون هذه الدعاوى الخلابة وتسحرهم فتنتها ويصدقونها ولا ينتبهون — ولو نبهتهم — إلى أن اليد لا تكترث لما يجرى به اللسان!! وإذا كان هذا مبلغ التبجح بالباطل فماذا عسى ينبغى أن يكون مقدار الجرأة فى الحق؟

لو كان فى هذه الدنيا موازين لا تغل شعيرة تزن أقدار الناس والأمم وتقسم الحقوق بالعدل والقسطاس لما عادت بنا حاجة إلى النصح بالمغامرة واطِّراح الحياء والخجل ونفض غبار التقاعد والخمول، ولكن ما تستحقه رهن بتقديرك وحدك دون سواك. فمن أفحش الحمق أن تدع أمرك موكولا لإنصاف خصمك — نقول خصمك لأن كل الناس وكل الأمم خصوم على الحقيقة — وما من أحد إلا وفوزك بشىء أو سبقك إليه، يحرمه إياه فهو مضطر إلى مغالطتك فيه وصرفك عنه ومغالبتك بالقوة عليه إذا لم تجدِ معك الحيلة.. وعلى قدر سعى المرء وما يبذله من الجهود يكون استحقاقه، لأن الحياة هى الحركة والجهاد لا النوم والتواكل، وما أحق من يقعد ويفتح فمه أن يملأه الزمان ترابًا!!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤