بعد ظهيرة يوم الأحد

دخلت السيدة جانيت المطبخ تخطو بخفة على وقع لحن يُعزف في رأسها، وتلوِّح بذيل ثوبها الصيفي من القطن المصقول الموشَّى بالورود. كانت ألفا بالداخل تغسل الأكواب. كانت الساعة الثانية والنصف، وكان الناس قد بدءوا يدخلون لاحتساء الشراب في حوالي الثانية عشرة والنصف. كانوا الأشخاص المعتادين؛ فقد سبق لألفا أن رأت معظمهم عدة مرات من قبل، خلال الأسابيع الثلاثة التي عملت فيها لدى آل جانيت. كان هناك أخو السيدة جانيت، وزوجته، وآل فانس وآل فريدريك. وحضر والدا جانيت لمدة قصيرة، بعد أدائهما الصلاة في كنيسة سان مارتن، مصطحبَين معهما ابن أخ، أو ابن عم، شابًّا ظل ماكثًا بعد مغادرتهما إلى المنزل. كان فرع العائلة من ناحية السيدة جانيت يشكِّل الجانب القويم من العائلة؛ فقد كان لها ثلاث أخوات، كلهن جميلات، ومحترمات وغير طائشات، وأكثر نشاطًا إلى حد ما من السيدة جانيت. ولها أيضًا هذان الأبوان اللذان يتَّسمان بدرجة عظيمة من بهاء المنظر والبيان في الكلام، واللذان اكتسى شعرهما باللون الأبيض الناصع. كان والد السيدة جانيت هو صاحب الجزيرة الواقعة في خليج جورجيا، التي بنى فيها منزلًا صيفيًّا لكل بنت من بناته؛ إنها الجزيرة التي كانت ألفا ستراها في غضون أسبوع. من ناحية أخرى، كانت والدة السيدة جانيت تعيش في شطر من البيت المبني بالآجُر الأحمر في شارع يخلو من الشجر ويحوي منازلَ مماثلةً مبنيةً بالآجُر الأحمر، بالقرب من قلب المدينة. كانت السيدة جانيت تمر عليها مرة في الأسبوع، فتأخذها في جولة بالسيارة ثم تأتي بها إلى المنزل لتناول طعام العشاء، ولا يشرب أحدٌ حينئذ إلا عصير العنب إلى أن تعود إلى منزلها. حدث ذات مرة، حينما اضطر السيد والسيدة جانيت للخروج مباشرةً بعد العشاء، أن جاءت إلى المطبخ ورتبت الأطباق بدلًا من ألفا. كانت حادةً وفاترةً معها إلى حدٍّ ما، مثلما كان نساء عائلة ألفا يتصرفن مع أية خادمة. لكن لم تُلقِ ألفا بالًا لذلك مثلما تُعنى بما تجده من عذوبة العشرة ومراعاة المشاعر لدى أخوات السيدة جانيت.

فتحت السيدة جانيت الثلاجة ووقفت أمامها ممسكة ببابها، ثم قالت أخيرًا، بما يشبه القهقهة: «ألفا، أظن أننا ينبغي أن نتناول الغداء …»

قالت ألفا: «حسنًا.» فوجهت السيدة جانيت ناظريها نحوها. لم تتفوه ألفا قط بأي خطأ، خطأ حقيقي، شيء فظ، ولم تكن السيدة جانيت خيالية بحيث تنتظر من فتاة في المرحلة الثانوية، بل وريفية، أن ترد: «أمركِ سيدتي» مثلما كان يفعل الخدم المسنون في مطبخ والدتها؛ لكن نبرة ألفا كانت تحمل دائمًا طبيعية مصطنعة، نغمة عدم اكتراث مفرط وود يبعث على الانزعاج أكثر من أي شيء آخر لأنه كان لا يتيح للسيدة جانيت أن تفكر على الإطلاق في أن تعترض على ذلك. لكنها توقفت عن ضحكها على كل حال. وفجأة، ارتسمت الجدية والوجوم على وجهها الذي اكتسب سمرة وكانت تعلوه مساحيق التجميل.

وقالت: «سلطة البطاطا وخلاصة المرق واللسان، ولا تنسَي أن تسخني اللفائف. هل قشرتِ الطماطم؟ حسنًا … أوه، اسمعي ألفا، لا أظن أن ذلك الفجل يبدو جذابًا بأية حال، أليس كذلك؟ من الأفضل أن تقطعيه إلى شرائح، كانت جين تقطعه في شكل وردات، تعرفين كيف يقطعون البتلات في شكل دائري، كان يبدو رائعًا.»

بدأت ألفا تقطع الفجل بغير إتقان. كانت السيدة جانيت تجول في المطبخ، عابسة، تمرر أطراف أصابعها فوق مناضد المطبخ الزرقاء والمرجانية. كانت قد رفعت شعرها ولفَّته فوق قمة رأسها، مما جعل رقبتها تبدو نحيفة للغاية، سمراء وخشنة إلى حد ما بفعل لفح الشمس، وكانت قتامة سُمرتها تجعلها تبدو مشدودة البدن وصلبة العود. رغم ذلك، فإن ألفا — التي لم تحمل بشرتها أي قدر تقريبًا من سمرة الشمس لأنها كانت تمضي الوقت الحار من اليوم داخل المنزل، والتي كانت وهي في السابعة عشرة من عمرها أكثر سمنة مما تتمنى عند الساقين والخصر — كانت تحسد سيدتها على هذه السمرة وهذا القوام الرفيع، فقد كانت للسيدة جانيت هيئة تجعلها تبدو كأنها قُدَّت من مواد صناعية وراقية تمامًا.

«قطِّعي كعكة الملاك بخيط رفيع، تعرفين هذا، وسأخبرك بعدد الحلوى المثلجة وعدد حلوى شراب القيقب. فانيليا فقط للسيد جانيت، موجودة في المجمِّد؛ ثمة الكثير منها، حتى ما يكفي لتحليتك أنتِ …» ثم هرعت إلى الفناء صائحة «أوه، ديريك، يا عفريت، ديريك، ديريك!» بنبرة من الحدة والغضب الجذل. عندئذٍ تذكرت ألفا — التي كانت تعرف أن ديريك هو السيد فانس، وهو سمسار أسهُم — في الوقت المناسب ألَّا تسترق النظر من النصف العلوي للباب الهولندي كي ترى ما يجري. كان هذا أحد الصعوبات التي تواجهها أيام الآحاد، حينما كانوا جميعًا يحتسون الشراب، ويستحيلون إلى حالة من الاسترخاء والإثارة؛ فقد كان عليها أن تتذكر أنه يحظر عليها أن تبدي أي قدر من الاسترخاء والإثارة هي الأخرى. بطبيعة الحال لم تكن تحتسي الشراب، إلا من قعور الأكواب بعد أن تُعاد إلى المطبخ، على أن يكون الشراب من نوع «الجِن» وأن يكون باردًا ومُحلًّى.

•••

لكن بحلول منتصف فترة ما بعد الظهيرة، صار الشعور بالانفصال عن الواقع، الإحساس بتعاقب مشاعر اللامبالاة والطيش، قويًّا جدًّا في البيت. كانت ألفا تلتقي أشخاصًا خارجين من الحمام، مهمومين ومغتمين، وتلمح نساءً في غرف النوم خافتة الإضاءة يمِلْنَ ناحية انعكاس صورهن في المرآة، ويطلين شفاههن بأحمر الشفاه في بطء شديد، وقد يغلب شخصًا ما النعاسُ فوق الأريكة الطويلة في حجرة التلفاز. بحلول هذا الوقت تكون الستائر قد أُسدلت فوق الحوائط الزجاجية لحجرتَي المعيشة والطعام، لتقيها حرارة الشمس، فتبدو تلك الحجرات المفروشة بالسجاجيد والستائر الطويلة المسدلة بألوانها الباردة كأنها سابحة في إضاءة تحت سطح الماء. أحست ألفا أنه يصعب عليها أن تتذكر أن حجرات البيت، هذه الحجرات الصغيرة، يمكن أن تحوي هذا الكم الكبير من الأشياء؛ فهنا، حيث توجد هذه الأسطح الملساء الخاوية، هذه المساحات: رواق واسع وطويل وخالٍ، إلا من مزهريتين طويلتين على الطراز الدانمركي واقفتين قبالة الجدار الأبعد، وسجادة، وجدران وأسقف كلها بدرجات زرقاء من اللون الرمادي؛ هنا تمشي ألفا عبر هذا الرواق، دون أن تُحدِث أي صوت، تتمنى لو تجد مرآة، أو أي شيء تصطدم به، كي تتأكد من أنها موجودة هنا بالفعل.

قبل أن تحمل طعام الغداء إلى الفناء مشطت شعرها أمام مرآة صغيرة في طرف رف المطبخ، وجعلت تلف خصلات من شعرها تحيط وجهها. حلت رباط ميدعتها وربطته من جديد، وشدت الرباط العريض بإحكام. كان هذا كل ما ينبغي لها أن تفعله، كان هذا اللباس يخص جين من قبل، وقد علَّقت ألفا، عندما ارتدته لأول مرة، بأنه قد يكون كبيرًا جدًّا بالنسبة لمقاسها، لكن السيدة جانيت لم توافقها الرأي. كان اللباس أزرق — اللون الغالب في المطبخ — بياقة وأطراف أكمام بيضاء اللون ومئزر ذي حافة مزينة بفستونات مدورة. كان عليها أن ترتدي جوارب أيضًا، وحذاءً أبيض متوسط الكعب كان له وقع صاخب وهي تخطو فوق حجارة الفناء، وهذا ما جعل صوته متناقضًا مع وقع الصنادل والأحذية الرياضية، صوت ثقيل عازم يوحي بفقدان الكياسة. لكن أحدًا لم يكن ينظر إليها، وهي تحمل الأطباق ومناديل المائدة وألوان الطعام إلى طاولة طويلة من الحديد المشغول. لم يأتِ إلا السيدة جانيت وأعادت ترتيب الأشياء؛ فقد كانت طريقة ألفا في وضع الأشياء تبدو أنها تفتقر أمرًا ما، رغم أنها في هذا الأمر، أيضًا، لم ترتكب أي خطأ حقيقي.

وبينما كانوا يتناولون غداءهم كانت هي أيضًا تتناول غداءها، جالسةً إلى طاولة المطبخ تطالع نسخة قديمة من مجلة «تايم». لم يكن ثمة جرس في الفناء بالطبع؛ فكانت السيدة جانيت تصيح منادية «حسنًا، ألفا!» أو فقط «ألفا!» بنبرات متحفظة ونافذة كوقع الجرس. كان من الغريب أن أسمعها تصيح على هذا النحو، بينما تتحدث إلى شخص ما، ثم تعود فتبدأ الضحك؛ بدا الأمر وكأنها تملك صوتًا آليًّا، أو مزودة بزر تضغط عليه فتنادي: ألفا.

بعد انتهائهم من تناول الطعام حملوا جميعًا ما أكلوا فيه من أطباق التحلية وفناجين القهوة إلى المطبخ. قالت السيدة فانس إن سلطة البطاطا كانت لذيذة؛ وقال السيد فانس، الذي كان ثملًا تمامًا، إنها لذيذة لذيذة. كان يقف خلف ألفا مباشرةً عند الحوض، قريبًا جدًّا منها بحيث كانت تشعر بأنفاسه وتحس موضع يديه، لم يلمسها تمامًا. كان السيد فانس ضخمًا جدًّا، بشرته ضاربة إلى الحمرة، أجعد الشعر، أشيبه. كانت ألفا تجده مقلقًا؛ لأنه كان من نوعية الرجال الذين اعتادت أن تُظهر الاحترام لهم. كانت السيدة فانس تتحدث طوال الوقت، وتبدو، حين تتحدث إلى ألفا، أقل اعتدادًا بنفسها، لكن أكثر ودًّا، من أيٍّ من النساء الأخريات. كان ثمة اضطراب ما في وضع آل فانس، لم تكن ألفا تدرك ما هو تحديدًا، ربما كان أنهم ليسوا بثراء الآخرين. على أية حال، كانوا دائمًا مسلِّين جدًّا ومتحمسين جدًّا، وكان السيد فانس دائمًا يفرط في السُّكر.

قال السيد فانس: «هل ستصحبيننا نحو الشمال يا ألفا، إلى خليج جورجيا؟» وأضافت السيدة فانس: «أوه، سيعجبك المكان، عائلة السيد جانيت تملك مكانًا رائعًا هناك»، وقال السيد فانس: «لمَ لا تحظين ببعض الشمس على بشرتك هناك، ها؟» ثم ذهبوا. استدارت ألفا، التي صار بمقدورها أن تتحرك الآن، لتجمع بعض الأطباق المتسخة، ولاحظت أن ابن عم السيد جانيت، أو أيًّا كان من أقربائه، ما زال موجودًا. كان نحيلًا، ذا هيئة خشنة، مثل السيدة جانيت، وإن كان أكثر سمرة منها. سألها: «ألم يتبقَّ لديك بعض القهوة هنا؟» صبَّت ألفا له ما تبقى من القهوة؛ نصف فنجان. وقف يحتسيه، وراح يراقبها وهي تكدس الأطباق، ثم قال: «الجو مرح للغاية، أليس كذلك؟» وحين رفعت بصرها، ضحك وذهب.

لم يكن لدى ألفا ما تفعله بعد أن أنهت غسل الأطباق، فالعشاء سيكون في ساعة متأخرة. لم يكن باستطاعتها فعلًا أن تترك البيت، فقد تحتاجها السيدة جانيت في أمر ما. ولم يكن باستطاعتها أن تخرج إلى الخارج، فقد كانوا جميعًا هناك. صعدت إلى الأعلى، ثم حين تذكرت أن السيدة جانيت كانت قد سمحت لها أن تقرأ أيًّا من الكتب الموجودة في حجرة التلفاز، نزلت للأسفل ثانيةً كي تحضر أحدها. قابلت في الردهة السيد جانيت، الذي نظر إليها بجدية كبيرة، وبتفرس، وبدا أنه على وشك أن يمر بها دون أن يتفوه بشيء، لكنه قال: «اسمعي ألفا، انظري … هل تحصلين على ما يكفيكِ من الطعام؟»

لم يكن يمزح، لأن السيد جانيت لم يكن معتادًا على المزاح معها. في الواقع، كان قد سألها هذا السؤال مرتين أو ثلاثًا من قبل. بدا أنه يحس بمسئولية نحوها، وكان حينما يراها في البيت يشعر أن الشيء المهم هو أنها ينبغي أن تُغذَّى جيدًا. طمأنته ألفا، وقد تصاعد الدم إلى وجهها من الضيق. فكَّرت: هل هي بقرة صغيرة؟ قالت: «كنت ذاهبة إلى ركن التلفاز لأحضر كتابًا. قالت لي السيدة جانيت إنها لا تمانع ذلك.»

فقال السيد جانيت: «نعم، نعم، أي كتاب يعجبك» وفتح لها، على نحو غير متوقع، باب حجرة التلفاز وأخذها نحو أرفف الكتب، حيث وقف مقطبًا. سألها: «أي كتاب ترغبين؟» ومد يده نحو رف الروايات التاريخية والبوليسية ذات الأغلفة البديعة، لكن ألفا قالت: «لم تسبق لي قراءة «الملك لير».»

فقال «الملك لير! أوه.» لم يكن يدري أين يبحث عنها، فأتت به ألفا بنفسها، ثم قالت: «ولم أقرأ أيضًا رواية «الأحمر والأسود».» لم تعجبه هذه الرواية كثيرًا، لكنها كانت رواية يمكن أن تقرأها بالفعل؛ لم تكن لتعود إلى حجرتها ومعها «الملك لير» فحسب. خرجت من الحجرة شاعرة بسرور بالغ، فقد أرته أنها تفعل شيئًا آخر إلى جانب أكل الطعام. إن مسرحية «الملك لير» قد تعجب الرجال أكثر مما تعجب النساء. لكن لا شيء كان ليحدث فرقًا في نظر السيدة جانيت، فبالنسبة لها، الخادمة خادمة.

•••

لكن في حجرتها، لم ترغب في القراءة. كانت حجرتها أعلى الجراج، وحارَّة للغاية. كان الجلوس على الفراش يجعِّد لباسها، ولم يكن لديها لباس آخر مكوي؛ فخلعته وجلست مرتدية قميصها التحتاني، لكن السيدة جانيت قد تناديها، وتطلب مجيئها فورًا. وقفت عند النافذة، تتطلع إلى ناحيتي الشارع. كان الشارع هلاليَّ الشكل، عريضًا ومتدرج الانحناء، من دون رصيفٍ للمشاة. شعرت ألفا في المرة أو المرتين اللتين مشت فيهما في هذا الشارع أنها تجذب الانتباه إليها بعض الشيء؛ إذ لم يُشاهَد أي شخص يمشي فيه قط. كانت المنازل متباعدة عن بعضها للغاية، ومتراجعة مسافة بعيدة عن الشارع، خلف مروج وحدائق صخرية وأشجار زينة باهرة؛ وفي هذه المساحة الموجودة أمام كل منزل، لم يكن ثمة أحد عدا الجنائنيين الصينيين؛ وكانت المقاعد بالمروج، والمراجيح، وطاولات الحدائق موضوعة في المروج الخلفية، المحاطة بسياجات من الشجيرات أو جدر من الحجارة أو أسوار على الطراز شبه الريفي. كانت السيارات مصطفة على طول الشارع عصر هذا اليوم؛ وكانت تنبعث من خلف المنازل أصوات حديث وضحك كثير. ورغم حرارة الجو، ما من سديم أثناء النهار، هنا في الأعلى؛ كل شيء — البيوت المبنية بالحجارة والجص، والأزهار، والسيارات زاهية الألوان — كان يبدو متماسكًا ولامعًا، متقنًا ومثاليًّا. ما من شيء عشوائي في المشهد. كان الشارع، كأنه إعلان، يحمل منظرًا حيًّا لأجواء الصيف الساطعة، وهذا بهر ألفا، بهرها الضحك، وبهرها الناس الذين تتلاءم حياتهم مع الشارع. جلست على كرسي صلب قبالة طاولة أطفال عتيقة الطراز؛ كل الأثاث بهذه الغرفة جاء من فضلة الغرف الأخرى التي جُددت ديكوراتها؛ كانت المكان الوحيد في البيت الذي يمكنك أن تجد فيه أشياء غير منسجمة مع بعضها، لا علاقة بينها، وقطعًا خشبية ليست ضخمة، قصيرة وغير جذَّابة. ثم شرعت تخط رسالة لأسرتها.

•••

«… والبيوت، وكل الأشياء الأخرى أيضًا، عظيمة حقًّا، غالبًا على أحدث طراز. ليس هناك عشب ضار واحد في حدائق البيوت، كل بيت هنا به جنائني يقضي يومًا كاملًا من كل أسبوع في تنظيف ما يبدو مثاليًّا بالفعل. أعتقد أن هؤلاء الرجال حمقى بعض الشيء، نظرًا للعناية المفرطة التي يولونها لحدائق البيوت وما شابهها من الأشياء. صحيح أنهم يخرجون ليعيشوا حياة تخلو من الرفاهيات المعتادة بين الفينة والفينة، لكن الأمر يكون معقدًا جدًّا ويجب أن يكون كل شيء مرتبًا بدقة. هذه حال كل ما يفعلونه وكل مكان يقصدونه.

لا تخشي من أن أكون وحيدة أو مضطهدة أو ما إلى ذلك من الأمور التي تتعرض لها الخادمات؛ فأنا لم أكن لأتهاون مع أي أحد يفعل أي شيء من هذا القبيل. علاوة على أنني لست خادمة بالمعنى الحقيقي، أنا أعمل في الصيف وحسب. لا أشعر بالوحدة، ولمَ ينبغي لي؟ أنا أراقب فقط وأتسلى. أمي، بالطبع لا يمكنني أن آكل معهم. لا تكوني مضحكة. وضعي ليس مثل وضع عاملة أجيرة، فضلًا عن أنني أفضِّل أن آكل بمفردي. وإذا حدث وكتبتِ رسالة للسيدة جانيت بهذا الشأن فلن تفهم عما تتحدثين أصلًا، ثم إنني لا أبالي بهذا الأمر. فلا تبالي أنتِ أيضًا به!

أعتقدُ أيضًا أنه سيكون من الأفضل عندما تحضر ماريون أن أقابلها في وسط المدينة، إذا تمكنت من أخذ إجازة في فترة ما بعد الظهيرة؛ فأنا لا أرغب تحديدًا في حضورها هنا. لا أعلم كيف يتعاملون مع حضور أقارب الخادمات. بالطبع إذا كانت ترغب ذلك فلا بأس. لكني لا يمكنني أن أعلم دائمًا كيف سيكون رد فعل السيدة جانيت، هذا ما في الأمر، وأنا أحاول أن أهوِّن على نفسي هنا من دون أن أجعل السيدة جانيت تأخذ عليَّ أي مأخذ. لكنها رغم ذلك امرأة طيبة.

في غضون أسبوع سنسافر إلى خليج جورجيا، وبالطبع أنا أتطلع لذلك؛ إذ سيتسنى لي أن أذهب للسباحة كل يوم، هذا ما قالته (السيدة جانيت) و…»

كانت غرفتها حارةً للغاية. وضعت الرسالة غير المكتملة أسفل النشَّافة فوق المنضدة. ثمة صوت مذياع كان ينبعث من حجرة مارجريت. اتجهت عبر الردهة نحو باب حجرة مارجريت، آملةً أن تجده مفتوحًا. لم تكن مارجريت قد أتمت الرابعة عشرة من عمرها بعد، لكن الاختلاف في السن كان يعوض عن اختلافات أخرى، ولم يكن من السيئ جدًّا التواجد مع مارجريت.

كان الباب مفتوحًا، وعلى الفراش كانت فساتين مارجريت الصيفية والتنانير التحتانية مفروشة. لم تكن ألفا تعرف أن لديها كل هذا الكم من الفساتين.

قالت مارجريت: «أنا لا أحزم حقيبتي فعلًا. أعلم أن هذا جنوني، أنا أرى فقط ما لديَّ. آمل أن تكون حاجياتي على ما يرام. آمل ألَّا تكون مفرطة اﻟ …»

لامست ألفا الملابس المفروشة فوق الفراش، شاعرةً بسرور عظيم بهذه الألوان الرقيقة، وبالصدارات الصغيرة الناعمة، فخمة التصميم والتشطيب، والتنانير التحتانية بشبكاتها المموجة والرائعة؛ كانت هذه الملابس تحمل براءة صناعية غاية في الجمال. لم تكن ألفا تحسدها، لا، فهذا أمر بعيد كل البعد عنها؛ إن ذلك جزء من عالم مارجريت، ذلك النمط الصارم للمدارس الداخلية (السترات القصيرة والجوارب السوداء الطويلة)، والهوكي، والكورس، والإبحار في الصيف، والحفلات، والفتيان الذين يرتدون السترات الرياضية …

سألتها ألفا: «أين سترتدينهم؟»

«في فندق «أوجيبواي»، إنهم يقيمون حفلات راقصة في نهاية كل أسبوع، الجميع يرتادون يخوتهم. ليل الجمعة للأولاد وليل السبت للآباء وغيرهم من الناس.» ثم أضافت في شيء من خيبة الأمل: «هذا هو الذي سوف أقصده، إذا لم أكن فاشلة اجتماعيًّا. إن ابنتَي عائلة ديفيس ستقصدانه.»

قالت ألفا مشجعة: «لا تقلقي، ستبلين حسنًا.»

قالت مارجريت: «لا أحب الرقص حقيقةً، لا أحبه قدر حبي للإبحار مثلًا. لكن المرء يضطر للرقص.»

قالت ألفا: «ستحبينه.» إذن ستكون هناك حفلات رقص، سيرتادون اليخوت، وستراهم يغادرون المنزل وتسمعهم حين يعودون له. وكل هذه الأمور، التي كان ينبغي لها أن تتوقعها …

بينما مارجريت جالسة القرفصاء على الأرض، نظرت إليها بنظرة بليدة، ووجه بريء، وقالت: «هل تظنين أن عليَّ أن أبدأ التقبيل والمداعبات الغرامية هذا الصيف؟»

قالت ألفا: «نعم.» ثم أضافت بشيء من الحقد: «لو كنت مكانك لفعلت.» بدت مارجريت متحيِّرة، ثم قالت: «قيل لي إن هذا كان السبب في عدم دعوة سكوتي لي في عيد الفصح …»

لم يُسمع أي صوت، لكن مارجريت انتفضت واقفة على قدميها. قالت بشفتيها فقط من دون صوت: «أمي قادمة»، وعلى الفور دخلت السيدة جانيت الحجرة، وبذلت جهدًا لترسم ابتسامة على وجهها، وقالت: «أوه، ألفا. إذن فأنتِ هنا.»

قالت مارجريت: «كنت أخبرها عن الجزيرة، مامي.»

«أوه، ثمة كمٌّ رهيب من الأكواب موجود في الأسفل يا ألفا، هلا غسلتها كلها فورًا كي تنتهي منها حينما ترغبين في تناول طعام العشاء و… ألفا، هل لديك مئزر آخر نظيف؟»

قالت مارجريت: «الأصفر ضيق للغاية مامي، لقد جربته …»

«اسمعي عزيزتي، لا داعي الآن لإخراج كل ما لديك من «هلاهيل»، ما زال أمامنا أسبوع قبل أن نسافر …»

•••

نزلت ألفا للأسفل، ومرت عبر الردهة المائلة للزرقة، فسمعت أشخاصًا يتحدثون في جدية، وشيء من السُّكر، في حجرة التلفاز، ورأت باب غرفة الحياكة يُغلق برفق، من الداخل، مع اقترابها ناحيته. دخلت المطبخ. صارت تفكر في الجزيرة الآن. جزيرة بأكملها يملكونها هم، لا شيء فيها على مرمى البصر لا يملكونه: الصخور والشمس وأشجار الصنوبر ومياه الخليج الباردة العميقة. ما الذي يمكن أن تفعله هناك؟ ماذا يمكن أن تفعل الخادمات هناك؟ ربما يمكنها أن تسبح، في ساعات فراغها، أو تخرج لتتمشَّى وحدها، وقد يمكنها أحيانًا — ربما عندما يذهبون لشراء البقالة — أن تركب اليخت. لن يكون هناك عمل كثير ينبغي إنجازه مثلما هي الحال هنا، هكذا قالت السيدة جانيت. قالت إن الخادمات دائمًا ما يستمتعن بوقتهن هناك. فكرت ألفا في الخادمات الأخريات، اللائي يفُقنَها مهارةً، الفتيات اللائي يفقنها لياقةً ولطفًا، هل يستمتعن حقًّا هناك؟ أي نوع من الحرية أو السرور وجدنه هناك، ولم تجربه هي من قبل؟

ملأت الحوض بالماء، وأخرجت رف تجفيف الصحون والأكواب ثانيةً وبدأت تغسل الأكواب. لم يكن ثمة ما يهُم خاطرها، لكنها شعرت بأن صدرها يضيق، يضيق من الحرارة، وأنها متعبة وغير عابئة، تسمع من حولها ثرثرةً غامضةً غير مفهومة — عن حياة أناس آخرين، عن يخوت وسيارات وحفلات رقص — وترى هذا الشارع، وتلك الجزيرة الموعودة، تحت إبهار الشمس الطاغي والمتواصل. لم يكن بوسعها أن يكون لها صوت هنا، ولا همسة.

وعليها أن تتذكر، قبل ميعاد العشاء، أن تصعد لترتدي مئزرًا نظيفًا.

سمعت الباب يُفتح، جاء شخص ما من الفناء. كان ابن عم السيدة جانيت.

قال: «إليكِ كوبًا آخر. أين يمكنني وضعه؟»

قالت ألفا: «في أي مكان.»

«قولي شكرًا.» هكذا قال ابن عم السيدة جانيت بينما استدارت ألفا وهي تنشف يديها في مئزرها، في استغراب، سرعان ما زال عنها. توقفت، وظهرها مستند إلى طاولة المطبخ، حينما جذبها ابن عم السيدة جانيت إليه برفق، كما يحدث في أي لعبة جماعية مألوفة، وأمضى بعض الوقت يلثم فمها.

قال: «لقد طلبَتْ مني أن أذهب إليهم في الجزيرة في إحدى عطلات الأسبوع في شهر أغسطس.»

استدعاه نداء من الفناء، فخرج بالرشاقة، والانسلال المضحك إلى حد ما، اللذين يميزان بعض الأشخاص صغيري البنية. وقفت ألفا لا تحرك ساكنًا وظهرها مستند إلى طاولة المطبخ.

أراحتها لمسة هذا الشخص الغريب. كان جسدها ممتنًّا ومتلهفًا، فشعرت بسعادة وثقة لم تعرفهما من قبل في هذا البيت. وهكذا، كانت هناك أمور لم تكن قد أخذتها في الحسبان، عن نفسها، وعن أساليب العيش معهم التي لم تكن مبهرة إلى الحد الذي حسبته. إنها لا تضيق من التفكير في الجزيرة الآن، في الصخور العارية المغمورة بأشعة الشمس وفي أشجار الصنوبر الصغيرة المعتمة. صارت تراها بعين أخرى الآن، بل لعلها صارت ترغب في أن تذهب إليها. لكن الأمور تأتي دائمًا مجتمعةً، ثمة أمر لم تكن قد تبينته بعد؛ نقطة حساسة، نوع جديد وغامض من الإذلال والمهانة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤