رقصة الظلال السعيدة

الآنسة مارسيللا ستقيم حفلةً أخرى. (وهي لا تدعوها «عزفًا»، إما من باب الالتزام الموسيقي أو لعشقها الجارف للاحتفال.) لكن أمي ليست مُبتكِرة أو مقنعة في الكذب، والأعذار التي تخطر لها واهية دون شك؛ فهي قد تقول أعذارًا من عينة: سيحضر عمال الطلاء، أو أصدقاء من أوتاوا، أو كاري المسكينة ستستأصل لوزتيها. وفي نهاية المطاف، لا يسعها إلا أن تقول: أوه، ألن يسبب كل هذا الكثيرَ من المشكلات، الآن؟ و«الآن» هذه تحمل عدة تفسيرات مزعجة، ولك أنت أن تختار؛ الآن وقد انتقلت الآنسة مارسيللا من الكوخ المبني بالقرميد والخشب في شارع بانك، حيث أقيمت الحفلات الثلاث الأخيرة في حيز ضيق، إلى مكان أصغر — لو كان وصفها له صحيحًا — في شارع بالا. (شارع «بالا»، أين يقع هذا؟) أو، الآن وقد أصبحت الأخت الكبرى للآنسة مارسيللا طريحة الفراش، عقب إصابتها بسكتة دماغية؛ الآن وقد صارت الآنسة مارسيللا نفسها — علينا أن نواجه هذه الأمور، كما تقول أمي — مسنةً «للغاية».

تتساءل الآنسة مارسيللا في دهشة: «الآن؟» وهي تتظاهر بالتحير، أو ربما هذا شعورها حيال هذا الأمر. فهي تسأل كيف يمكن أن تشكل حفلتُها لشهر يونيو كثيرًا من التعب، في أي زمان، وأي مكان؟ إن هذه هي التسلية الوحيدة التي ما زالت تقدمها (وبحسب معلومات أمي، هذه هي التسلية الوحيدة التي كانت تقدمها على الإطلاق، لكن صوت الآنسة مارسيللا المسن الناعم، الثابت العزم، الفياض الود، يمنح روحًا لحفلات الشاي، وحفلات الرقص الخاصة، وفي المنازل، وولائم عشاء العائلات الضخمة العدد). وإذا حدث واضطرت لعدم إقامتها فقد تُصاب بخيبة الأمل بالقدر نفسه الذي يصيب الأطفال. تقول أمي لنفسها ما هو أكثر من ذلك، لكنها بالطبع لا يمكن أن تعلنه على الملأ؛ فهي تُعرِض بوجهها عن الهاتف بتلك النظرة الممتعضة — وكأنها رأت شيئًا متسخًا لم تتمكن من تنظيفه — التي تمثل تعبيرها الخاص عن الشفقة، فتعدها بالحضور. وقد تخطر لها قصص واهية للتملص من الذهاب خلال الأسبوعين التاليين، لكنها تعلم أنها ستذهب.

تتصل بمارج فرنش، وهي مثلها من تلميذات الآنسة مارسيللا القديمات، والتي أرسلت ولديها التوءمين لتلقِّي الدروس لديها، فتتعاطفان لوهلة وتتواعدان على الذهاب سويًّا كي تؤازر إحداهما الأخرى. وتتذكران السنة قبل الماضية حينما كان المطر يهطل وكانت القاعة الضيقة مليئة بمعاطف المطر، مكومةً فوق بعضها لأنه لم يكن ثمة متسع لتعليقها؛ وكانت على الأرضية الداكنة برك صغيرة كوَّنتها قطرات الماء التي كانت تتقاطر من المظلات. تكسرت فساتين البنات بسبب اضطرارهن للتكدس، ولم تكن نوافذ الغرفة تُفتح. والعام الماضي أصيب أحد الأطفال بالرُّعاف.

«بالطبع لم تكن هذه غلطة الآنسة مارسيللا.»

تقهقهان في يأس. «لا، لكن مثل هذه الأمور لم تكن تحدث من قبل.»

وهذا صحيح، هذا هو الأمر برمته. ثمة شعور لا يمكن التعبير عنه بالكلمات حيال الحفلات التي تقيمها الآنسة مارسيللا؛ فالأمور تزداد خروجًا عن السيطرة، وقد يحدث أي شيء. بل إن المرء في لحظة ما — وهو مستقل سيارته إلى حفلة كهذه — يراوده سؤال مثل: هل سيتواجد أي شخص غيري هنا؟ فأحد أكثر الأمور إثارة للقلق بشأن الحفلتين أو الثلاث الأخيرة كان يتمثل في التناقص المستمر في أعداد مرتادي هذه الحفلات؛ أي التلاميذ القدامى الذين يبدو أن أطفالهم هم التلاميذ الجدد الوحيدون الذين تنالهم الآنسة مارسيللا. ويكشف حلول شهر يونيو من كل عام عددًا جديدًا وكبيرًا دون شك من المتخلِّفين عن الحضور. فابنة ماري لومبر لم تعد تأخذ دروسًا لدى الآنسة مارسيللا، وكذلك ابنة جون كريمبل. ماذا يعني هذا؟ هكذا تتساءل أمي ومارج فرنش؛ وهما المرأتان اللتان انتقلتا إلى ضواحي المدينة واعتراهما في بعض الأحيان شعور بأنهما تخلفتا عما يحدث؛ لدرجة أن قدرة كلٍّ منهما على تمييز الصواب صارت مشوشة. إن دروس البيانو الآن لم تعد ذات أهمية كبرى مثلما كانت في السابق، والجميع يعرف ذلك. بل يُعتقد أن الرقص أكثر نفعًا لتطور الطفل تطورًا كاملًا؛ والأطفال — البنات منهم على الأقل — لا يمانعون في تعلمه قدر ممانعتهم في تعلم دروس البيانو. لكن كيف لك أن توضح ذلك للآنسة مارسيللا، التي تقول: «كل الأطفال بحاجة للموسيقى. كل الأطفال يحبون الموسيقى في صميم قلوبهم»؟ من المعتقدات الراسخة لدى الآنسة مارسيللا أنها تستطيع رؤية ما في قلوب الأطفال، وأنها تجد فيها كنزًا من النوايا الطيبة والحب الفطري لكل ما هو خَيِّر. إن الخداع الذي تمارسه عاطفيتها، بوصفها عانسًا، على حكمها السليم، خياليٌّ ومبالغٌ فيه، فهي تتحدث عن قلوب الأطفال كما لو كانوا من القديسين؛ وأمام هذا لا يدري أي أب أو أم ما يقول.

في الأيام الخوالي، حينما كانت أختي وينفريد تأخذ دروسًا في البيانو، كان المنزل يقع في حي روسدل، حيث كانت تقام الحفلة دائمًا. منزل ضيق، مبني بالقرميد باللونين الأسود والتوتيِّ، ذو شرفات زخرفية صغيرة كئيبة المنظر، تبرز في تقوُّس من نوافذ الطابق الثاني، من دون أبراج في أي جزء منه، لكنَّ له طابعًا مبرَّجًا بعض الشيء؛ منزل معتم، مبهرج، سيتفنن الشعراء في وصف قبحه؛ إنه منزل العائلة. وفي روسدل لم تكن الحفلة السنوية تجري على غير ما يرام. كانت دائمًا ما تسبق تقديم الشطائر فسحة قصيرة مثيرة للحرج؛ لأن المرأة التي كانت قائمة لديهم على إعدادها في المطبخ لم تكن معتادةً على الحفلات، وكانت بطيئة إلى حد ما، لكن عندما تظهر الشطائر كانت دائمًا ما تكون لذيذة للغاية، وتحتوي أشياء صحية ومألوفة مثل: الدجاج ولفائف الهليون؛ طعام دور حضانات لكنه مُعد جيِّدًا. وكان العزف على البيانو، كالعادة، عصبيًّا ومتقطِّعًا أو نكدًا وكئيبًا، يصاحبه بث شعور بالمفاجأة والإثارة المصاحبتين لكارثة مثيرة. من المفهوم أن النظرة المثالية التي كانت الآنسة مارسيللا ترى بها الأطفال، ورقتها وسذاجتها في هذا الصدد، كل هذا جعلها تكاد تكون مدرسةً عديمة الجدوى؛ فهي لم تكن تستطيع أن تنتقد أي طفل إلا بأكثر الطرق رقةً واعتذارًا، أما مديحها لأحدهم فكان غير حقيقي على نحو يتعذر تبريره، فكان التعامل معها يتطلب أن يتمتع التلميذ بجد وحرص استثنائيين كي يخرج من تحت يديها يعزف بأداء مشرفٍ.

لكن في المجمل، كانت المسألة في تلك الأيام تتسم بالإحكام، كان لها نسق تسير عليه، وطابع خاص لا يعكر صفوه أي شيء والذي عفى عليه الزمان. كان كل شيء يجري على النحو المتوقع؛ فكانت ميس مارسيللا بنفسها تنتظر في رواق المدخل ذي الأرضية المبلطة والرائحة المكتومة التي تشبه رائحة غرف تخزين الأردية الكهنوتية في الكنيسة، واضعةً مساحيقها، ومصفِّفةً شعرها في تسريحة عتيقة لا تتخذها إلا لهذه المناسبة فحسب، ومرتديةً فستانًا يصل للأرض، مرقطًا بلطخات خوخية ووردية ربما أُخِذت من قماش تنجيد قديم؛ كانت بهيأتها هذه لا تدهش أحدًا سوى أصغر الأطفال. لم يكن الظل الذي يقبع خلفها لآنسة مارسيللا أخرى — تزيد عنها قليلًا في الحجم والسن، وتفوقها كآبة بعض الشيء، كان وجودها يغدو منسيًّا بين يونيو من كل عام إلى يونيو الذي يليه — ظلًّا كريهًا، ولو أنه كان — ولا شك — يمثل حقيقة دامغة بأن من المستحسن ألَّا يحوي العالم وجهًا آخر بهذا الشكل سوى هذين الوجهين فقط، كلاهما طويل بلون الحصى، يوحي بالطيبة والقبح في الوقت نفسه، ذو أنف ضخم، وعينين حمراوين خرزيتين حانيتين وضعيفتي البصر. لا بد أن هذا القبح صار في نهاية المطاف من قبيل حسن الحظ بالنسبة لهما، حمايةً لهما من أن تترك صروف الحياة أثرها عليهما بطرق عديدة، و«مستحيلة»، فقد كانتا تبدوان مرحتين وطفوليتين كأنهما منيعتان أمام الهموم؛ بدتا عديمتي الجنس، مخلوقتين برِّيتين ولطيفتين في نفس الوقت، غريبتين لكنهما أليفتان، تعيشان في منزلهما الواقع في روسدل بعيدًا عن تعقيدات العصر.

في الحجرة التي تجلس بها الأمهات، على الأرائك الصلبة وبعضهن على الكراسي التي تُطوى، لسماع الأطفال وهم يعزفون مقطوعات مثل «أغنية الغجر» و«الحدَّاد الطروب» و«المسيرة التركية»، ثمة صورة للملكة ماري، ملكة اسكتلندا، مرتدية ثوبًا مخمليًّا وسترًا حريريًّا، أمام «قلعة هوليرود». كانت توجد أيضًا صور ضبابية بنية اللون لمعارك تاريخية، ومجموعة كتب «كلاسيكيات هارفرد»، وأحصنة حديدية لسند حطب المدفأة، وتمثال برونزي للحصان المجنح «بيجاسوس». لم تكن أيٌّ من الأمهات تدخن، ولم تكن هناك منافض لرماد السجائر. كانت هذه هي نفس الغرفة، هي نفسها، التي كن يعزفن فيها حينما كنَّ صغيرات؛ هذه الغرفة الكئيبة الموحشة الطراز (كانت الباقة المنسقة من زهور الفاوانيا والاسبيريا المتساقطة منها البتلات فوق البيانو هي لمسة الآنسة مارسيللا الشخصية والخالية من البهجة) كانت لا تبعث على الراحة لكنها في الوقت نفسه تبعث على الطمأنينة. هنا وجدن أنفسهن — عامًا تلو الآخر — مجموعة من النساء الشابات المشغولات اللائي قُدْنَ سياراتهن على مضض عبر شوارع روسدل المهملة، وظللن يتذمرن لأسبوع قبل الحفلة بسبب الوقت الذي سيضيع، والجلبة التي ستصحب تنسيق ملابس الصغار، وفوق هذا كله، الملل الذي سيلاقينه، لكنهن اجتمعن معًا بدافع من الولاء الزائف نوعًا ما، لا للآنسة مارسيللا نفسها بقدر ما هو لطقوس طفولتهنَّ، لنمط حياة أكثر انضباطًا كان يتفكك حتى في ذلك الوقت لكنه ظل باقيًا، باقيًا على نحو غير مفهوم، في غرفة معيشة الآنسة مارسيللا. أخذت البنات الصغيرات في فساتينهن ذات التنانير اليابسة كالأجراس يتحرَّكن أمام الجدران الداكنة التي عليها أرفف الكتب، وبداخلهن إدراك طبيعي لقواعد هذا الطقس الاحتفالي، بينما تطل من وجوه أمهاتهن نظرة ضجرة مزعجة توحي بالإذعان، وشيء من الحنين الأحمق والمتصنع نوعًا ما الذي يعينهن على اجتياز أي طقس عائلي طويل المدة. كن يتبادلن ابتسامات تبدي أنهن لا تعدمن لياقة السلوك، لكنها تعبر عن دهشة هزلية مألوفة من تكرار الأمور على نفس النحو، بما في ذلك حتى: مجموعة المقطوعات المختارة التي ستُعزف على البيانو، ونوعية الحشو داخل الشطائر؛ وهكذا، فإنهن يدركن ما تعيشه الآنسة مارسيللا وأختها وما تنطوي عليه حياتهما من ثبات غير معقول وتكرار غير واقعي بالمرة.

بعد عزف المقطوعات على البيانو، يأتي وقت طقس قصير دائمًا ما يشيع شيئًا من الحرج. فقبل أن يُسمح للأطفال بأن يفروا إلى الحديقة — الضيقة جدًّا، حديقة منزل ببلدة، لكنها تظل حديقة، لها سور شجري وظلال ولها حد من زهور السوسن الصفراء — توضع طاولة طويلة مغطاة بورق الكوريشة بلوني هدايا الأطفال حديثي الولادة، الوردي والسماوي، وتبدأ المرأة المسئولة عن المطبخ في رص أطباق الشطائر، والآيس كريم، وبعض مشروبات معلبة عديمة الطعم أنيقة التعليب؛ كان الأطفال يضطرون، واحدًا واحدًا، إلى قبول هدايا نهاية العام، الملفوفة كلها والمربوطة بشرائط، من الآنسة مارسيللا. لم تكن هذه الهديَّة تحرك أي حماسة لدى الأطفال عدا الجديد الساذج منهم الذي لا دراية له بما تحوي هذه الهدايا. كانت عادةً ما تحوي كتبًا، وكان السؤال الذي يطرأ على الذهن هو: أين عثرت على هذه الكتب؟ كانت تأتي بها من حصيلة الكتب العتيقة التي توجد في مكتبات مدارس الأحد، وفي عليَّات متاجر الأشياء المستعملة وأقبيتها، لكنها كانت جميعها متيبسة التغليف، لم تُقرأ قط من قبل، جديدة كليًّا، ذات عناوين من نوعية: «البحيرات والأنهار الشمالية»، «معرفة الطيور»، «حكايات أخرى من جراي آول»، «أصدقاء الإرسالية الصغار». كانت أيضًا تقدم صورًا مثل: «كيوبيد نائمًا ومستيقظًا»، «بعد الحمام»، «حراس الأمن الصغار»، معظمها كان يمثل ذلك العري الطفولي اللطيف الذي كان اهتمامنا المتشدد بالاحتشام واللياقة يجعلنا نجده في منتهى السخف وإثارة الاشمئزاز. حتى اللعب الموضوعة داخل صناديق صغيرة كان يتبيَّن أنها مملة ولا يمكن اللعب بها؛ حافلة بالقواعد المعقدة وتتيح للجميع الفوز.

لم يكن الحرج الذي تستشعره الأمهات في تلك اللحظة ناجمًا عن نوعية الهدايا بقدر ما كان ناجمًا عن معرفتهنَّ برقة حال الآنسة مارسيللا المادية وتشككهن حيال قدرتها على تحمل كلفة هذه الهدايا. وتذكر أن أجرتها لم تشهد زيادةً خلال عشر سنوات إلا مرةً واحدةً فقط لم تُحدِث فارقًا (رغم ذلك، سحبت اثنتان أو ثلاث من الأمهات أبناءهن من دروسها). كانت الأمهات دائمًا ما يستنتجن أنها لا بد وأن لها مصادر دخل أخرى. كان ذلك واضحًا، وإلا لما عاشت في منزل كهذا. ثم إن أختها كانت مُدرسة، أو لم تعد تدرس، بل يُعتقد أنها تقاعدت لكنها تعطي دروسًا خاصة في اللغتين الفرنسية والألمانية. لا بد أن لديهما ما يكفيهما هما الاثنتين. فامرأة مثل الآنسة مارسيللا وأختها ستكون احتياجاتهما بسيطة بالضرورة ولن تحتاجا كثيرًا من النقود للإنفاق على معيشتهما.

لكن بعد زوال منزل روسدل، وانتقالهما إلى الكوخ المبني بالقرميد والخشب في شارع بانك، لم تعد تدور هذه الأحاديث حول مصادر الآنسة مارسيللا المادية، وصار هذا الجانب من حياتها يشكل موضوعًا جارحًا، من الفظاظة وعدم التهذُّب التحدث بشأنه.

•••

قالت أمي: «سأموت إن أمطرت، سأموت من الإحباط إن أمطرت في هذه المناسبة.» لكنها لا تمطر يوم الحفلة، بل إن الطقس يكون حارًّا للغاية. وجدنا اليوم صيفيًّا حارًّا مغبرًّا ونحن نسير بالسيارة عبر شوارع المدينة وضللنا الطريق بحثًا عن شارع بالا.

وحينما عثرنا عليه وجدناه أفضل مما صورت لنا توقُّعاتنا. هذا في الأغلب لأنه كان يحوي صفًّا من الشجر، بينما كانت الشوارع الأخرى التي سرنا فيها بالسيارة، بجانب سور السكك الحديدية، جرداء عديمة الظلال وقذرة. البيوت هنا من النوع المقسوم إلى قسمين، ومزودة بحاجز خشبي فاصل ذي ميل يقسم المدخل الأمامي؛ وفيها درجتان خشبيتان وفناء ترابي. والظاهر أن الآنسة مارسيللا تعيش في أحد أنصاف تلك البيوت. كلها مبنية بالقرميد الأحمر، وأبوابها ونوافذها الأمامية متناسقة الشكل، ومداخلها مطلية بألوان: القشدي والرمادي والأخضر الزيتوني والأصفر. تبدو أنيقة ومتناغمة. الجزء الأمامي للمنزل المجاور لمنزل الآنسة مارسيللا تحول إلى متجر صغير، تعلوه لافته كُتب عليها «بقالة وحلويات».

الباب مفتوح، والآنسة مارسيللا محشورة بين الباب وعلَّاقة المعاطف والسلالم؛ لا متسع تقريبًا للمرور من جانبها إلى غرفة المعيشة، وسيكون من المستحيل — في ظل الوضع الحالي — على أي شخص الخروج من غرفة المعيشة إلى الدور العلوي. كانت الآنسة مارسيللا قد وضعت مساحيق التجميل، وكان شعرها مصففًا في التسريحة المعتادة لهذه المناسبة، وارتدت فستانها المقصَّب، الذي يصعب ألَّا يدوس عليه أحد بقدمه. كانت تبدو في هذا الضوء السابغ كإحدى شخصيات الحفلات التنكرية، كمحظية مهتاجة فاقعة البهرجة صنعتها مخيلة متزمتة بغيضة. لكن الاهتياج لا يتجسَّد إلا في زينتها المبهرجة فحسب؛ لأنك إذا أمعنت النظر في عينيها فستجدهما كما عهدتهما دائمًا؛ مُحمرَّتَي الحواف، مرحتين، خاليتين من الهموم. قبَّلتنا أنا وأمي — وحيتني أنا، كالمعتاد، كما لو كنت في الخامسة من عمري — ومررنا إلى الداخل. بدا لي أن الآنسة مارسيللا تنظر إلى ما وراءنا وهي تقبِّلنا، متطلعة إلى الشارع تبحث بعينيها عمَّن لم يأتوا بعد.

في البيت غرفة طعام وغرفة معيشة، بينهما بابان من خشب البلوط مفتوحان، وهما غرفتان صغيرتان. على الحائط صورة عملاقة للملكة ماري ملكة اسكتلندا. لا توجد مدفأة، ومن ثم لا وجود للأحصنة الحديدية التي يستند إليها حطب المدفأة، لكن البيانو موجود، علاوة على باقة فاوانيا واسبيريا يعلم الرب وحده من أين قُطفت. ولأن غرفة المعيشة ضيقة، فهي تبدو مزدحمة، لكن عدد من فيها لم يبلغ العشرة، بمن فيهم الأطفال. راحت أمي تتحدث إلى الموجودين وتبتسم لهم ثم جلست. قالت لي: مارج فرنش لم تأتِ بعد، ترى هل ضلت الطريق هي الأخرى؟

لا نعرف المرأة الجالسة إلى جانبنا. هي متوسطة العمر وترتدي فستانًا من التافتا المتموج اللون عليه مشبك من حجر الراين، تفوح منه رائحة مواد التنظيف. قدمت نفسها لنا بصفتها السيدة كليج، جارة الآنسة مارسيللا في النصف الآخر من المنزل. كانت الآنسة مارسيللا قد سألتها إن كانت تحب سماع عزف الأطفال، فرأت أن هذا سيكون ممتعًا، فهي مغرمة بالموسيقى على اختلاف أنواعها.

سألت أمي — التي بدت مسرورة وإن كانت منزعجة بعض الشيء — عن أخت الآنسة مارسيللا: هل هي في الطابق العلوي؟

«أوه، نعم إنها بالأعلى. المسكينة، صارت امرأة أخرى.»

قالت أمي: هذا مؤسف للغاية.

«نعم، إنه لأمر مخجل. أعطيتها شيئًا لتنام فترة ما بعد الظهيرة. لقد فقدت قدرتها على الكلام، كما فقدت قدرتها على التحكم بشكل عام.» كان صوت المرأة وهو يتخافت على نحو بالغ ينذر أمي بأنها ستسترسل في قول المزيد من التفاصيل الخاصة، فكررت ثانيةً: هذا مؤسف للغاية.

«آتي هنا لأعتني بها بينما تذهب الأخرى لتعطي دروسها.»

«هذا كرم منكِ. لا بد أنها تقدِّر لكِ هذا.»

«حسنًا، أشعر بنوع من الرثاء لامرأتين مسنتين مثلهما. إنهما كالأطفال، الاثنتان.»

ردت أمي بتمتمة ما دون أن تنظر للسيدة كليج، لوجهها المعافى الذي تعلوه حمرة القرميد أو للفُرج الهائلة — كما أراها — الموجودة بين أسنانها. كانت تحدق إلى جانبها نحو غرفة الطعام بقدر من الوجل تحكمت به جيدًا.

رأت هناك طاولةً مفروشة، مُعدَّة تمامًا لمأدبة حفلة، لا ينقصها شيء. أطباق الشطائر مرصوصة، ربما منذ عدة ساعات؛ لأنك تستطيع أن تلاحظ أن حواف الشطائر العلوية المكشوفة للهواء قد اتخذت التواءً خفيفًا. الذباب يطن فوق الطاولة ويحط فوق الشطائر ويزحف دون عائق داخل أطباق الكعك المجلوب من المخبز والمغطى بطبقة من السكر. والسلطانية الزجاجية، قابعة كالعادة في وسط الطاولة، مليئة بشراب البنش البنفسجي، الواضح أنه آسن وخالٍ من الثلج.

همست السيدة كليج: «حاولت أن أنصحها بألَّا تضع كل شيء على الطاولة قبل الحفلة بوقت طويل.» قالت ذلك وهي تبتسم في حبور كأنها تتحدث عن نزوات وأخطاء طفلة جامحة. وواصلَتْ: «تعلمين، لقد استيقظَتْ في الخامسة صباحًا كي تعد الشطائر. لا أدري كيف سيكون طعمها الآن. كانت تخشى ألَّا يسعفها الوقت لتجهيز كل شيء، تخشى أن تنسى أي شيء. إنهما تكرهان النسيان.»

قالت أمي: «كان ينبغي ألَّا يُترك الطعام خارجًا في الطقس الحار.»

«أوه، حسنًا، لا أعتقد أن الطعام سيسمِّمنا هذه المرة. كنت أفكر فقط كم من المخزي أن تُقدَّم الشطائر يابسة. وحينما أضافت شراب الزنجبيل الغازي إلى شراب «البنش» عند الظهيرة لم يسعني أن أمنع نفسي من الضحك. يا له من تبديد!»

استدارت أمي وعدَّلت تنورتها المصنوعة من قماش الفوال، وكأنما أدركت فجأة قُبح، بل شناعة، أن تتحدث عن ترتيبات مضيفتها بهذه الطريقة وهي جالسة في غرفة معيشتها. قالت لي بصوت جامد: «مارج فرنش ليست موجودة. لقد قالت إنها آتية.»

قلت في قرف: «أنا أكبر بنت هنا.»

«صه! هذا يعني أنك يمكن أن تكوني آخر من تعزف. حسنًا، سيكون برنامج الحفلة هذا العام طويلًا للغاية، أليس كذلك؟»

مالت بيننا السيدة كليج، فانطلقت من بين ثدييها هبوة دافئة من ريح عطنة، وقالت: «سأذهب لأرى إن كانت قد رفعت درجة تبريد البراد بما يكفي لتجميد الآيس كريم. ستنزعج كثيرًا لو ذاب كله.»

سارت أمي عبر الغرفة وراحت تتحدث إلى امرأة تعرفها. أكاد أجزم أنها تقول لها إن مارج فرنش «قالت إنها آتية» ولم تأتِ. بدأت تظهر على وجوه النساء — اللائي وضعن عليها الزينة قبلها بوقت طويل — آثار الحر وحالة عامة من التململ. رُحْنَ يتساءلن فيما بينهن: متى ستبدأ الحفلة؟ سريعًا ولا شك، لا سيما وأن أحدًا لم يحضر في ربع الساعة الأخيرة. كنَّ يقُلن: كم من الخسَّة ألَّا يأتيَ الباقون، مع أنَّ هذا المكان — في هذا الحر الشنيع بدرجة استثنائية — سيكون أسوأ مكان في المدينة بلا شك. فيتفهمن إلى حد ما سبب عدم مجيء من لم يحضروا. نظرت حولي في الغرفة وحسبت الأعمار فوجدت أن لا أحد قريب من سني بسنة أكثر أو أقل.

بدأ الصغار العزف. وكانت الآنسة مارسيللا والسيدة كليج تصفِّقان في حماس، بينما تصفق الأمهات تصفيقة أو اثنتين بعد كل أداء، يغمرهن شعور بقرب الانفراج. بدت أمي عاجزةً، رغم ما تبذله من جهد جهيد، عن إبعاد عينيها عن الطاولة في غرفة الطعام وعن الطلعات الجسورة للذباب المغير. أخيرًا، نجحت في تثبيت عينيها في نظرة بعيدة حالمة على مكان ما أعلى سلطانية شراب البنش، مكنتها من أن تبقي رأسها ملتفتة نحو هذا الاتجاه دون أن ينفضح ما تحس به بأي طريقة معبرة. الآنسة مارسيللا أيضًا كانت تواجه مشكلة في إبقاء عينيها على الأطفال العازفين، وهي تنظر من آن لآخر نحو الباب. هل ما زالت تتوقع إلى الآن ظهور أحد ممن تغيبوا عن الحضور؟ هناك أكثر بكثير من نصف دستة هدايا في الصندوق المحتوم الموجود إلى جانب البيانو، ملفوفة كلها بورق أبيض ومربوطة بشريط فضي، لم يكن الشريط من النوع الأصلي، بل من النوع الرخيص الذي ينسِّل ويتهرأ.

بينما أعزف على البيانو موسيقى رقصة «بيرنيس»، حدث الحدث الاستثنائي ووصل من لم ينتظر حضورهم أحد عدا الآنسة مارسيللا. لأول وهلة، بدا وكأن في الأمر خطأ ما؛ فقد لمحت بطرف عيني موكبًا كاملًا من الأطفال، ثمانية أو عشرة، بصحبة امرأة صهباء مرتدية ما يشبه اللباس الرسمي، وهم يخطون جميعًا من العتبة الأمامية للبيت. بدوا كأنهم مجموعة أطفال من إحدى المدارس الخاصة في رحلة ما (كانت ملابسهم متماثلة الشكل واللون) لكنهم دخلوا بقدر كبير من التدافع والفوضى بالنسبة لمجموعة مدرسية يفترض أن تكون منظمة. أو هكذا بدا لي؛ لم أكن أستطيع أن أنظر جيدًا. لا بد أنهم ضلوا ودخلوا هنا بطريق الخطأ، ربما كانوا في طريقهم للطبيب ليعطيهم حقنًا، أو إلى أحد الفصول الدراسية الكنسية التي تقيمها الكنيسة في الإجازات؟ لا! فقد صَدَر من الآنسة مارسيللا همسٌ يحمل أسفًا مسرورًا، وذهبت لاستقبالهم. من خلفي، كنت أسمع صوت أشخاص يتجمعون متقاربين، وصوت فتح الكراسي القابلة للطي، وقهقهة غامضة غريبة لا أدري لها سببًا.

وفوق كل هذا الاضطراب الذي صاحب هذا الوصول — أو بالأحرى وراءه — خيَّم صمت مهيب على نحو غامض. أمر ما حدث، أمر غير متوقع، ربما أمر كارثي؛ يستطيع المرء أن يدرك أمورًا كهذه وإن حدثت وراء ظهره. واصلت العزف. ملأت الصمت المبدئي الصارم بمحاولاتي الخرقاء بالغة العناد لعزف موسيقى هاندل. وحينما انتهيت وقمت من أمام البيانو كدت أتعثر فوق أحد الأطفال الجالسين على الأرض.

كان أحدهم — صبيٌّ في التاسعة — هو التالي من بعدي في العزف على البيانو. أخذت الآنسة مارسيللا بيده وابتسمت له. لم تتشنج يده، ولم تكن حركة رأسها هي مضطربةً حرجًا بحيث تتنكر لابتسامته. كم هذا غريب، لا سيما أنه ولد، وليس بنتًا. التفت برأسه نحوها وهو يجلس، وتحدثت هي إليه مشجعة. لكن انتباهي كان مركزًا على صورة ملامحه الجانبية وهو ينظر نحوها: ملامح غليظة ينقصها شيء ما، وعينان صغيرتان ومسحوبتان بدرجة غير طبيعية. نظرت إلى الأطفال الجالسين على الأرض فرأيت نفس الملامح الجانبية مكررة في اثنين أو ثلاثة منهم؛ ورأيت صبيًّا آخر ذا رأس ضخم وشعر قصير مزغب كشعر حديثي الولادة، وأطفالًا آخرين لهم ملامح عادية وغير شاذة، لا يميزها إلا انفتاح طفولي وسكينة. كان الأولاد يرتدون قمصانًا بيضاء وسراويل رمادية قصيرة، وكانت البنات يرتدين فساتين قطنية لونها أخضر رمادي ذات أزرار وأحزمة حمراء.

قالت السيدة كليج: «هذا النوع من الأطفال يمتاز في بعض الأحيان بموهبة موسيقية كبيرة.»

همست أمي متسائلة: «من هؤلاء؟» وهي غير مدركة لما يشي به صوتها من ضيق.

«إنهم من ذلك الفصل الذي تدرِّس له الآنسة مارسيللا في مدرسة جرين هيل. مخلوقات صغيرة لطيفة وبعضهم يتمتع بموهبة موسيقيَّة عظيمة، لكن بالطبع ليس كلهم كذلك.»

أومأت أمي برأسها في شرود، ثم نظرت حولها في أرجاء الغرفة فضبطت أعين غيرها من النساء متحفزة، لكن دونما اتخاذ قرار ما. لا شيء يمكن عمله. وهؤلاء الأطفال سيعزفون. عزفهم ليس أسوأ — ليس أسوأ بكثير — من عزفنا، لكنهم يعزفون ببطء شديد، ومن ثم لا مكان يمكن أن ينظر المرء نحوه؛ لأنه من قبيل التهذيب عدم التحديق في هذا النوع من الأطفال، لكن إلى من يمكن أن ينظر المرء أثناء عزف على البيانو إلا إلى العازف نفسه؟ يسود الغرفة جو كأنه جو حلم مرعب لا يستطيع المرء أن يفيق منه. يكاد صوت أمي والأخريات يُسمَع وهن يحدثن أنفسهن قائلات: «لا، أعلم أن من الخطأ أن أنفر من أطفال كهؤلاء، أنا لا أشعر بالنفور. لكن أحدًا لم يخبرني أنني سآتي هنا لأستمع لعزف مجموعة من الأطفال … الأطفال المعتوهين، فهذا هو الوصف الفعلي لهم … أي نوع من الحفلات هذه؟» رغم ذلك زاد تصفيقهن، وصار أكثر نشاطًا، وكأن لسان حالهم يقول: دعونا على الأقل نتلهَّى بهذا التصفيق حتى ننتهي من هذا الأمر. لكن لا أمارات تدل على أن البرنامج سينتهي.

تذكر الآنسة مارسيللا اسم كل طفل كما لو كان سببًا للاحتفال. الآن تذكر اسم دولوريس بويل! فتاة في سنِّي، طويلة الساقين، نحيفة إلى حد ما ولها نظرة حزينة وشعر أشقر مائل للبياض، ها هي تقوم من تكومها على الأرض. جلست إلى البيانو وبعد أن التفتت لفتةً خفيفة وأزاحت شعرها الطويل إلى خلف أذنيها، بدأت تعزف.

اعتدنا أن ننتبه للعزف، في حفلات الآنسة مارسيللا، لكن هذا لا يعني أن أحدًا من الموجودين كان يتوقع أن يستمع إلى موسيقى حقيقية. لكن هذه المرة كانت الموسيقى تفرض نفسها بسلاسة، دون أن تبذل جهدًا كبيرًا في شحذ الاهتمام، لدرجة أننا لم نندهش. لم يكن ما تعزفه هذه البنت مألوفًا. كان شيئًا رقيقًا ولطيفًا ومرحًا، يحمل في طياته الحرية الموجودة في سعادة ليست مشبوبة العاطفة. جلُّ ما تفعله هذه البنت — وهو الشيء الذي لم يكن المرء يتوقع أن أحدًا سيفعله — هو أنها كانت تعزف على نحو يجعل هذه الأشياء محسوسة. كل هذا أحسسناه، حتى في غرفة معيشة الآنسة مارسيللا في شارع بالا ذات عصر سخيف. كل الأطفال كانوا هادئين، أطفال مدرسة جرين هيل والآخرون أيضًا. وكانت الأمهات جالسات، تستحوذ على وجوههن نظرة احتجاج، وقلق أشد من ذي قبل، وكأنَّ شيئًا ما ذكَّرهن بشيء كُنَّ قد نسينه. كانت جلسة الفتاة الشقراء الشعر إلى البيانو تفتقر إلى الرشاقة، رأسها متدلٍّ للأسفل، بينما كانت موسيقاها تسبح عبر الباب والنوافذ المفتوحة إلى الشوارع الرمادية الحارة.

جلست الآنسة مارسيللا إلى جانب البيانو وهي تبتسم للكل ابتسامتها المعتادة. لم تكن ابتسامة انتصار أو تواضع. لم تكن تبدو مثل ساحر يرقب وجوه الأشخاص كي يشاهد عليها ما أحدثه أحد العروض المبتكرة من تأثير. لا! لم تكن من هذا النوع؛ لكن يمكن أن تقول إنها، وقد شارفت حياتها على النهاية، ووجدت من تستطيع أن تُعلِّمه — بل من يجب أن تُعلِّمه — العزف على البيانو، فإن من شأنها أن تتوهج إشراقًا من أهمية هذا الاكتشاف. لكن يبدو أن عزف البنت بهذا المستوى كان دائمًا أمرًا متوقعًا بالنسبة لها، تراه طبيعيًّا ومرضيًا، فالأشخاص الذين يؤمنون بالمعجزات لا يحدثون الكثير من الهرج والجلبة انبهارًا برؤيتهم إحداها في الواقع. بل إنها لا يبدو عليها أنها تنظر لهذه البنت نظرةً أكثر تعجبًا من نظرتها لبقية أطفال مدرسة جرين هيل، الذين يحبونها، أو بقيتنا نحن، الذين لا نحبها. بالنسبة للآنسة مارسيللا، ما من هدية غير متوقعة، وما من احتفال يشكل مفاجأة.

انتهت البنت من العزف. كانت الموسيقى تملأ الغرفة ثم ذهبت، وبطبيعة الحال لم يدرِ أحد ما ينبغي أن يقول؛ لأنها حالما انتهت تبيَّن واضحًا أنها نفس البنت التي كانت قبل العزف، مجرد بنت من مدرسة جرين هيل. إلا أن الموسيقى لم تكن من نسج الخيال. لا مجال للهروب من الحقائق. وهكذا بعد دقائق قليلة بدأ العزف يبدو — برغم براءته — مثل خدعة، خدعة في غاية النجاح والتسلية، بالطبع، لكن ربما — كيف يمكن قول ذلك؟ — ربما ليست «ملائمة» تمامًا؛ لأن موهبة البنت، التي لا سبيل لإنكارها، عديمة الفائدة رغم كل شيء، في غير محلها، ولا تشكل في حقيقة الأمر شأنًا يحب أي شخص أن يتحدث عنه. بالنسبة للآنسة مارسيللا هذا أمر مقبول، أما بالنسبة للأشخاص الآخرين، الذين يعيشون في العالم، فهو ليس كذلك. لكن لا بأس، عليهم أن يقولوا شيئًا ما، وهكذا راحوا يشيدون بالموسيقى نفسها: يا لروعتها! يا لجمال المقطوعة! ما اسمها؟

قالت الآنسة مارسيللا: «رقصة الظلال السعيدة» ثم كررتها بالفرنسية، وهو ما لم يُضِفْ أي شيء لأي أحد من الحضور.

•••

بعد ذلك، ونحن في طريقنا بالسيارة عبر الشوارع الحارة ذات القرميد الأحمر، تاركين المدينة، تاركين وراءنا الآنسة مارسيللا وحفلاتها التي لم تعد محتملة بعد الآن، ولن نحضرها ثانيةً للأبد، أخذت أتساءل: لماذا كنا عاجزتين عن أن نقول ما كان يفترض بنا أن نقوله: «يا للآنسة مارسيللا المسكينة!»؟ إن رقصة الظلال السعيدة هي التي منعتنا، تلك الرسالة البليغة من ذلك العالم الآخر الذي تحيا فيه الآنسة مارسيللا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤