المفاجأة!

عندما دخل الشياطين السبعة على «خافير كارلوس»، كان الرجل يجلس خلف مكتبه الضخم، وكان يرتدي زيَّه الرسميَّ، ونجوم كثيرة تُرصِّع كتفَيه. قام مصافحًا الشياطين، وبابتسامة واسعة تملأ وجهه … قال: مرحبًا بكم في «الأرجنتين»، وأشار لهم حيث جلسوا، ثم قال الجنرال «خافير»: إنني على يقين بصعوبة مهمتكم، وأعرف هدفكم النبيل … ولكني فقط أنقل إليكم تعليمات السلطات العليا بالبلاد … فنحن جميعًا نعمل معكم من أجل القضاء على «كلاوس روبيرتو» الميت الحي، ولكننا توقفنا لغرابة ما يحدث … ثم أكمل الجنرال «خافير»: إنكم تعلمون ما حدث مع هذا الرجل الماكر الذي يختفي هنا ببلادنا، لقد مات مرتين ثم سكت الجنرال … «خافير» لحظات قال بعدها وهو يأخذ نفَسًا عميقًا: وفوجئنا بأنه لا يزال على قيد الحياة!

لقد بحثنا عنه دون جدوى … ونحن الآن لا نعرف هل الذي مات هو فعلًا «كلاوس» … ثم مَن هو الذي ظهر ورأَته مجموعة كبيرة من الناس؟! … إنني — كما تعلمون — لا أفعل إلا ما أُمرت به … وهو أن نكون جميعًا تحت تصرفكم، وإليكم الآن الرقم الذي يمكنكم الاتصال به في أي وقت، وستجدون كل ما تطلبونه فور اتصالكم … وأكمل الجنرال «خافير»: إن السلطات هنا تُخفي وجودكم تمامًا، وكم كنَّا قلقين بشأنكم عندما علمنا بنبأ احتراق الطائرة التي كنتم تستقلُّونها.

ولقد سعدنا عندما أُبلغنا بخبر نجاتكم وقفزكم بالمظلات، وأعددنا كلَّ شيء لتسهيل مهمتكم، والآن لكم مطلق الحرية في التنقل وإليكم آخر ما توصلنا إليه من معلومات … أخرج بعدها الجنرال «خافير» ملفًّا ضخمًا راح يقرأ منه بصوتٍ عالٍ وبلغة إنجليزية سليمة: إن المدعو «كلاوس» يأتي أحيانًا إلى «سانتا كروث» بالجنوب، وإن مجموعة من أمهر الرجال يقومون على حراسته، وإن كل تنقلاته تتم سرًّا، ولا أحدَ يعلم متى يأتي ولا متى يرحل، ولا أحدَ يعرف كيف يعيش، فقط هو موجود أحيانًا ﺑ «سانتا كروث» … ثم أخرج مجموعة من الصور سلَّمها للشياطين وهو يقول: هذا هو «كلاوس» الميت الحي … وأكمل: إن لديه قدرة عجيبة على التنكُّر والتخفِّي؛ ولذلك ستجدون أنه يختلف كثيرًا من صورة إلى أخرى.

تناول الشياطين الصور ثم شكروا الجنرال «خافير» واتجهوا إلى الفندق تمهيدًا لسفرهم إلى «سانتا كروث» أو معقل الميت الحي …«كلاوس روبيرتو».

عندما وصل الشياطين إلى الفندق، كانت هناك مفاجأة بانتظارهم … فمجرد دخولهم حجراتهم وجدوا ورقة بكل حجرة … وكانت رسالة موجَّهة إليهم … «عودوا من حيث أتيتم.» … والتوقيع أسفل الورقة … K. R أو بالعربية «ر. ك».

قال «أحمد» وهو ينظر إلى التحذيرات الورقية: هناك مَن يعرف هويتنا وقد تابعنا إلى هنا …

ردَّ «بو عمير»: إنني أرجح أن يكون صديق «عثمان».

قالت «إلهام»: تقصد «إدوار»؟!

ردَّت «هدى»: هذا بكل تأكيد. وأكملت: إنه الوحيد الذي تتبَّعنا منذ أن كنَّا ﺑ «لندن» وحتى هبوطنا بالمظلات اضطراريًّا … وحتى وصولنا إلى «بانيا بلانكا».

اشترك «عثمان» في الحديث قائلًا: إنني أؤكد أن «إدوار» من رجال «كلاوس روبيرتو» … وأومأ «باسم» برأسه موافقًا على رأي «عثمان».

قال «أحمد» مخاطبًا الشياطين: إنني أقترح عدم السفر اليوم إلى «سانتا كروث» على أن نسافر غدًا.

صاح «بو عمير»: هذا رأيٌ صائب بكل تأكيد … فمن هنا سنُمسك ببداية الخيط الذي قد يُوصلنا لمكان «كلاوس».

قال «أحمد»: كونوا في منتهى الحذر؛ فالمغامرة بدأت ورجال «كلاوس» يتبعون خطواتنا ويمكنهم عملُ أيِّ شيء.

انتهَت كلمات «أحمد»، وسارع بعدها الشياطين للاستعداد للتجول بشوارع «بيونس آيرس»، كانت الساعة تُشير إلى السابعة مساء حين غادر الشياطين الفندق، وساروا بطريقة تجعلهم يأمنون أيَّ خطر يمكن أن يتعرضوا له … عبروا شارع «بولفيه»، واتجهوا ناحية النافورة المتحركة … كانت شوارع «بيونس آيرس» مزدحمة عن آخرها؛ فهي من المدن المزدحمة بالسكان والعربات بالرغم من فقرها الشديد … وكانت صور النجم «الأرجنتيني» «مارادونا» تملأ الشوارع وأعمدة النور … فهو معبود الجماهير هناك برغم الفضيحة التي تعرَّض لها إثر إدمانه للهيروين حين كان يلعب بالدوري الإيطالي.

قال «أحمد» وهو يخاطب «بو عمير»: لعل «مارادونا» من أشهر رجال العصر؛ إذ لم يكن هو أشهرهم على الإطلاق. فأجاب «بو عمير» بحركة من رأسه وهو يشير لإحدى الصور المعلقة على الحائط … كان أشد ما لفت نظر الشياطين القبعات المنتشرة بكل المحلات؛ فمعظم سكان «الأرجنتين» من رعاة البقر بسبب المراعي الطبيعية المنتشرة هناك … ولذلك فقد برع صانعو القبعات حتى أصبحت القبعة «الأرجنتينية» تُقارب القبعة «المكسيكية» شهرةً وجمالًا.

كان الوقت يقترب من العاشرة مساء حين قرَّر الشياطين العودة إلى الفندق بعد رحلة بين المحلات وشوارع «بيونس آيرس»، وكان طريق العودة صعبًا؛ فقد ابتعد الشياطين كثيرًا دون أن يشعروا وقد سرقهم الوقت فلم ينتبهوا للمسافة التي قطعوها بعيدًا عن الفندق.

في أحد الشوارع الجانبية، وأثناء عبور الشياطين السبعة له توقَّفت إحدى السيارات الفارهة بمحاذاة «بو عمير»، وانفتح بابها الخلفي، وسرعان ما هبط منها رجلان في منتهى القوة … وجذبَا «بو عمير» بعنف وبسرعة في نفس الوقت الذي انطلقَت فيه السيارة بأقصى سرعتها.

شلَّت المفاجأة عقول الشياطين لحظات … كانت كافية تمامًا لأن يُصبح «بو عمير» رهينة أو أسيرًا لدى مجهولين.

أكمل الشياطين السير إلى الفندق، وقد كسَت وجوهَهم علاماتُ الحزن، وكان «أحمد» أشدَّ الشياطين حزنًا … بالرغم من أنه كان يتوقَّع أن يتم مثل هذه المواقف.

عندما صَعِد الشياطين إلى غُرَفهم كانت مفاجأة أخرى بانتظارهم؛ وجد «أحمد» ورقة صغيرة أسفل الباب أمسكها وقرأها بصوتٍ عالٍ.

كانت الكلمات بالإنجليزية … تقول: «إن صديقكم سوف يرحل إلى العالم الآخر … فعودوا إلى بلادكم بدلًا من أن تلحقوا به.» وكان التوقيع بنفس الحروف … K. R بالعربية «ر. ك».

كانت «إلهام» قد التقطت رقم السيارة وناولَتها ﻟ «أحمد» الذي ظل طويلًا شاردًا، ثم قال في لهجة يكسوها الحزن: لا فائدة الآن من رقم السيارة … فلا نريد تصعيد الأمور حتى لا تكون هناك أية خطورة على حياة «بو عمير» … وإن كانت لهذه الأرقام فوائد أخرى فقد نحتاجها فيما بعد.

الآن سنخرج جميعًا من غُرَفنا على أن نراقب جيدًا مَن يُلقي بهذه الرسائل؛ فربما استطعنا معرفتَه، وهو بلا شك سيُفيدنا في معرفة مكان «بو عمير»، وعلى الأرجح أنه سيكون عند «كلاوس روبيرتو».

ثم أكمل «أحمد»: إن أشد ما يُزعجني سرعة التوصل إلينا رغم المفاجآت التي حدثَت، وأعتقد أن «كلاوس روبيرتو» ما زال حيًّا ويعمل بكامل طاقته وإلا ما رصدوا تحرُّكَنا منذ البداية … وقاطعه «عثمان» قائلًا: ليس هناك مجال للشك في انتماء «إدوار» صديقي إلى عصابة «الميت الحي» أو «كلاوس روبيرتو».

قال «أحمد»: هذا بكل تأكيد يا «عثمان»، والآن لم يعُد لدينا سوى الانتظار لما سوف تُسفر عنه الأحداث … وأشار «أحمد» للشياطين: كونوا في أشد الحذر؛ فقد تحدُث أشياء أخرى.

قالَت «إلهام»: ولنبدأ الآن فورًا في الخروج من غرفنا؛ فقد يأتي صاحب الرسائل برسالة أخرى.

وافقها «أحمد» على الفور … وغادروا غُرَفهم، وبقيَ «باسم» بملابس تنكرية كعُمال الفندق لمراقبة صاحب الرسائل، وكانت فكرة «أحمد» صائبة تمامًا … فقد عرف باسم صاحب هذه الرسائل … أو المكلَّف بإلقائها، كان أحد جرسونات الفندق … وهو طويل القامة عريض الصدر ذو شارب أصفر كثيف … شاهده «باسم» وهو يُلقي برسالة أخرى من أسفل الباب … ثم أسرع مختفيًا بملابس العمل الحمراء.

عندما عاد الشياطين وجدوا «باسم» بانتظارهم. كان متهلِّل الوجه، وقد أمسك بورقة صغيرة أخرى أسرع «أحمد» والتقطها منه. كانت رسالة أخرى بنفس الخط والتوقيع … «اليوم ستكون هناك ضحية أخرى … ثم التوقيع …» K. R.

قال «أحمد» مخاطبًا «باسم»: أرأيت صاحب الرسائل؟

فأجاب «باسم»: بكل تأكيد، وسيكون عندنا بالغرفة بعد عشر دقائق.

قال «أحمد»: لقد صح توقُّعي، إنه أحد عمال الفندق.

أومأ «باسم» برأسه علامةً على الموافقة، وقال: أحد الجرسونات، والآن يمكنني أن آتيَ به إلى هنا … فقط ماذا تشربون … أعتقد شايًا؛ سارع بعدها «باسم» إلى بهوِ الفندق، واتجه إلى الكافتيريا، وهناك شاهد نفس الجرسون بملابسه الحمراء، أشار له «باسم» فاقترب منه … وأخرج «باسم» ورقة فئة عشرين دولارًا وضعها في يد الرجل، وقال: ستة أكواب من الشاي بالغرفة رقم ولم يكد يكملها حتى صاح الرجل «٢٠٦»، فابتسم «باسم» وهو يشكر الرجل وينصرف … صَعِد «باسم» مسرعًا إلى الشياطين، وكان «أحمد» يُعدُّ المكان بشكل يناسب الأحداث القادمة.

فلم يكن بالغرفة «٢٠٦» سوى «إلهام» و«هدى»، بينما اختبأ «أحمد» و«فهد» بأحد دواليب الغرفة، وبقي «عثمان» بالشرفة حيث جلس «باسم» انتظارًا لقدوم الجرسون باستراحة الدور الثاني، ولم تمضِ سوى عشر دقائق … حتى ظهر في آخر الدهليز الجرسون المقصود … وكان يحمل صينية كبيرة عليها أكواب الشاي وبعض أكواب الماء.

اقترب من الغرفة رقم «٢٠٦»، وطرقَها بخفة قبل أن يديرَ مقبض الباب ويخطوَ بداخلها … كانت «إلهام» و«هدى» تجلسان وتتحدثان بصوتٍ عالٍ … حين استأذن الجرسون مرتين، ثم أشارت له «إلهام» بالاقتراب، فاقترب وانحنى ليضع أكواب الشاي وهو يقول: ستة أكواب شاي!

لم يكَد ينتهي من تساؤله حتى فاجأه «أحمد» بمسكة قوية من الخلف، بينما واجهه «فهد» و«عثمان» من الأمام، كان «عثمان» ممسكًا بمسدس، وقال له في حزم: ثوانٍ معدودة ستكون بعدها بقائمة الأموات، مَن صاحب الرسائل؟

وتحشرج صوتُ الرجل قليلًا، وطلب من «أحمد» أن يتركَه حتى يستطيع الكلام.

فأرخى «أحمد» يدَيه قليلًا بدرجة تسمح له بالحديث: حاول الرجل في بادئ الأمر المراوغة ولكن زناد مسدس «فهد» الكاتم للصوت جعله يتحدث قائلًا: لا أعرفه يا سيدي … ولكنه كان يعطيني مائة دولار على كل رسالة أو أية أخبار عن تحرُّكِكم.

سأله «أحمد»: ما أوصافه وضغط عليه بقوة؛ فقال الرجل والكلمات تخرج من فمه بصعوبة: لا أستطيع يا سيدي لقد هددني بالقتل.

فقال له «أحمد»: سنقتلك الآن قبل أن يقتلك هو، ضغط على الرجل في نفس الوقت الذي لامس فيه مسدس «عثمان» رقبته … فقال الرجل وهو يتنفس بصعوبة: إنني ميت فعلًا سأغادر المكان فورًا … ثم ألقى بالمفاجأة في وجه الشياطين … قبل أن يتركوه يغادر الفندق للأبد!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤