فصل في تراجم الشيوخ

ذكر من مات في هذه السنين وما قبلها من هذا القرن، وما قبله بقليل من العلماء والأعاظم على سبيل الإجمال بحسب الإمكان. فإني لم أعثر على شيء من تراجم المتقدمين من أهل هذا القرن، ولم أجد شيئًا مُدَوَّنًا في ذلك إلا ما حصلته وَفَياَتِهم فقط، وما وَعَيْتُه في ذهني، واستنبطته من بعض أسانيدهم، وإجازات أشياخهم على حسب الطاقة، وذلك من أول القرن إلى آخر سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف ١٧٢٩م، وهي أول دولة السلطان محمود بن عثمان.

وأولهم الإمامُ العلامة والحبر والفهامة شيخ الإسلام، وارث علوم سيد المرسلين: الشيخ/ محمد الخَرَشِي المالكي. شارح خليل وغيره، ويَرْوى عن والده الشيخ عبد الله الخرشي، وعن العلامة الشيخ إبراهيم اللّقاني كلاهما عن الشيخ سالم السنهوري المالكي عن النجم الغيطي، عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، عن الحافظ ابن حجر العسقلاني بسنده إلى الإمام البخاري. تُوُفي سنة إحدى ومائة وألف.

ومات الشيخ الإمام شمس الدين/ محمد بن داود بن سليمان العناني، نزيل الجنبلاطية. أخذ عَن عَلي الحلبي صاحب السيرة، والشهاب الغزي، والشمس البابلي، والشهاب الخفاجي، والبرهان اللقاني وغيرهم. حَدَّث عنه حسن بن علي البرهاني، والخليفي، والبديري … وغيرهم. توفي سنة ثمانٍ وتسعين وألف.

ومات إمام المحققين وعمدة المدققين، صاحب التآليف العديدة، والتصانيف المفيدة: السيد/ أحمد الحموي الحنفي، ومن تصانيفه: شرح الكنز، وحاشية الدرر والغرر، والرسائل … وغير ذلك. توفي أيضًا في تلك السنة — رحمهم الله — ومن شيوخه: الشيخ علي الأجهوري، والشيخ محمد بن علان، والشيخ منصور الطوخي، والشيخ أحمد البشبيشي، والشيخ خليل اللقاني … وغيرهم كالشيخ عبد الله بن عيسى العلم الغزي.

ومات علامة الفنون الشيخ شمس الدين/ محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن أمين الدين محمد الضرير بن شرف الدين حسين الحسيني الشهير بالشرنبابلي شيخ مشايخ الأزهر في عصره. كذا ذكر نسبَه شيخُنا السيدُ مرتضى نقلًا عن سبطه العلامة محمد بدر الدين، أخذ عن شيوخ عَدَّة: كالشيخ سلطان المزاحي، والشيخ علي الشبرامِلسي، والنور الزيادي، وأحمد البشبيشي، وأجازه البابلي، وأخذ عنه: البُلَيدي، والملوي، والجوهري، والشَّبْراوي. بواسطة الشيخ عبد ربه الديوي. توفي سنة اثنتين ومائة وألف.

ومات الشريف المُعمِّر أبو الجَمال/ محمد بن عبد الكريم الجزايري. روى عن أبي عثمان سعيد قدُّوره، وأبي البركات عبد القادر، وأبي الوفاء الحسن بن مسعود اليوَسي، وأبي الغيث القشاشي، وأجازه البابلي والأجهوري، ومحمد الزرقاني، وعبد العزيز بن محمد الزمَزمي، والشبراملسي، والشهاب القليوبي، والغنيمي، والشهاب الشلبي، ومحمد حجازي الواعظ، ومفتي تعز محمد الحبشي، والنجم الغزي، والقشاشي، والشهاب السبكي، والمزاحي. توفي سنة اثنتين ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة أبو الإمداد/ خليل بن إبراهيم اللقاني المالكي. أخذ عن والده وعن أخويه عبد السلام ومحمد اللقانَيين، والنور الأجهوري، والشبراملسي، والشيخ عبد الله الخرَشي، والشمس البابلي، وسلطان المزاحي، والشيخ عامر الشبراوي، والشهاب القليوبي، والشمس الشوبري الشافعي، وأحمد الشوبري الحنفي، وعبد الجواد الجنبلاطي، وياسين العليمي الشامي، وأحمد الدواخلي، وعلي النبتيتي، وعقد دروسًا بالمسجد الحرام، وأخذ بها عن محمد بن علان الصديقي، والقاضي تاج الدين المالكي، وبالمدينة عن الوجيه الخياري، وغرس الدين الخليلي وأجازوه. توفي سنة خمس ومائة وألف.

ومات الإمام أبو سالم/ عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي المغربي الإمام الرحالة، قرأ بالمغرب على شيوخ؛ منهم: أخوه الأكبر عبد الكريم بن محَمد، والعلامة أبو بكر بن يوسف السُكْتَّاني، وإمام المغرب سيدي عبد القادر الفاسي، والعلامة أحمد بن موسى الأبار، ورحل إلى المشرق فقرأ بمصر على النور الأجهوري، والشهاب الخفاجي، وإبراهيم المأموني، وعلى الشبراملسي، والشمس البابلي، وسلطان المزاحي، وعبد الجواد الطريني المالكي.

وجاور بالحرمين عدة سنين فأخذ عن زين العابدين الطبري، وعبد الله بن سعيد باقشير، وعلي بن الجمال، وعبد العزيز الزمزمي، وعيسى الثعالبي، والشيخ إبراهيم الكردي، وأجازوه، ورجع إلى بلاده، وأقام بها إلى أن تُوفي سنة تسعين وألف ١٦٧٩م، وله رحلة في عدة مجلدات، وذكر فيها أنه اجتمع بالشيخ حسن العجمي وأجاز كُلٌّ صاحبه.

ومات الإمام الحجة/ عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن محمد بن علوان الزرقاني المالكي الوفائي، ولد سنة عشرين وألف بمصر، ولاَزَمَ النورَ الأجهوري مُدَّة، وأخذ عن الشيخ ياسين الحمصي، والنور الشبراملسي، وحضر في دروس الشمس البابلي الحديثية، وأجازه جُلُّ شيوخِه، وتلقى الذكر من أبي الإكرام بن وفيّ سنة خمس وأربعين وألف، وتصدر للإقراء بالأزهر، وله مؤلفات منها شرح مختصر خليل وغيره. توفي في رابع عشرين رمضان سنة تسع وتسعين وألف، وصَلَّى عليه إمامًا بالناس الشيخُ محمدُ قوشِي.

ومات عالم القُدْس الشيخُ/ عبد الرحيم بن أبي اللطف الحسيني الحنفي المقدسي، قرأ بمكة عَلَى الإمام زين العابدين بن عبد القادر الطبري، وبمصر عَلَى الشيخ الشبراملسي، والشمس البابلي، والشمس الشوبري، والفقه على الشهاب الشوبري الحنفي، وحسن الشرنبلالي، وعبد الكريم الحموي الطرابلسي، وبدمشق على السيد محمد بن علي بن محمد الحسيني المقدسي الدمشقي، توفي غريبًا بأدرنة سنة أربع ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة شمس الدين/ محمد بن قاسم بن إسماعيل البقري المقرئ الشافعي الصوفي الشناوي. أخذ علم القراءات عن الشيخ عبد الرحمن اليمني، والحديث عن البابلي، والفقه عن المزاحي والزيادي والشوبري ومحمد المنياوي، والحديث أيضًا عن النور الحلبي، والبرهان اللقاني، والطريقة عن عمه الشيخ موسى بن إسماعيل البقري، والشيخ عبد الرحمن الحلبي الأحمدي، وغالبُ علماء مصرَ إما تلميذُه، أو تلميذُ تلميذه، وألف وأجاد وانفرد، ومولده سنة ثماني عشرة وألف ١٦٠٩م، وتوفي في رابع عشرين جمادى الثانية سنة إحدى عشرة ومائة وألف عن ثلاث وتسعين سنة.

ومات الأديب الفاضل الشاعر/ أبو بكر بن محمود بن أبي بكر بن أبي الفضل العمري الدمشقي الشافعي الشهير بالصفوري، ولد بدمشق وبها نشأ ورحل إلى مصر، وتَوَطَّنَها وأخذ بها عن الشمس البابلي، ونظم سيرة الحلبي جزءًا، ولم يتمه، وجُمِع ديوانُ شعره باسم الأستاذ محمد بن زين العابدين البكري، وكان من الملازمين له. توفي سنة اثنتين ومائة وألف، ودفن بتربة الشيخ فرج خارج بولاق عند قصر الأستاذ البكري.

ومات السيد/ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن محمد كُرَيشة ابن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن السقاف. ترجمه صاحب المشرع، فقال: «ولد بمكة وتربى في حجر والده، وأدرك شيخ الإسلام عمر بن عبد الرحيم البصري، وصحب الشيخ محمد بن علوي، وألبسه الخِرْقَة، وكذا أبو بكر بن حسين العيدروس الضرير، وزَوَّجَه ابنته، وأخذ عنه العلوم الشرعية، وزار جده وعاد إلى مكة، وبها توفي ليلة الجمعة سنة أربع ومائة وألف.

ومات الأستاذ زين العابدين/ محمد بن محمد بن محمد ابن الشيخ أبي المكارم محمد أبيض الوجه البكري الصديقي، ولد سنة ستين وألف، وكان تاريخ ولادته (أشرق الأفق بزين العابدين). توفي سنة سبع ومائة وألف في الفصل، ودُفن عند أسلافه بجوار الإمام الشافعي — رضى الله عنه.

ومات السند شيخ الشيوخ برهان الدين/ إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكوراني المدني، ولد بتهران في شوال سنة خمس وعشرين وألف ١٦١٦م، وأخذ العلم عن محمد شريف الكوراني الصديقي. ثم ارتحل إلى بغداد وأقام بها مدة، ثم دخل دمشق، ثم إلى مصر، ثم إلى الحرمين، وألقى عصا تَسْيَاره بالمدينة المنورة، ولازم الصيفي القشاشي وبه تخرج، وأجازه الشهاب الخفاجي، والشيخ سلطان، والشمس البابلي، وعبد الله بن سعيد اللاهوري، وأبو الحسين علي بن مطير الحكمي، وقد أجاز لمن أدرك عصره، وتوفي ثامن عشرين جمادى الأولى سنة إحدى ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة برهان الدين/ إبراهيم بن مرعي الشبرخيتي المالكي تفَقَّهَ على الشيخ الأجهوري، والشيخ يوسف الفيشي، وله مؤلفات منها شرح مختصر خليل في مجلدات، وشرح عَلَى العشماوية، وشرح عَلَى الأربعين النووية، وشرح على ألفية السيرة للعراقي. مات غريقًا بالنيل وهو متوجه إلى رشيد سنة ستٍ ومائة وألف.

ومات الأستاذ/ أبو السعود بن صلاح الدين الدنجيهي الدمياطي المولد والمنشأ، الشافعي الفاضل البارع، ولد سنة ألف وستين، وجَوَّد القرآن على العلامة ابن المسعودي أبي النور الدمياطي. ثم قدم مصر، ولازم دروس الشهاب البشبيشي، وجَدَّ في الاشتغال، وقدم مكة، وتوفي وهو راجع من الحج بالمدينة في أوائل المحرم سنة تسع ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة مفتي المسلمين الشيخ/ حسن بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الجبرتي الحنفي، وهو جد الشيخ الوالد. أخذ عن أشياخ عصره من أهل القرن الحادي عشر. كالبابلي والأجهوري والزرقاني وسلطان المزاحي والشبراملسي والشهاب الشوبري، وتفقه على الشيخ حسن الشرنبلالي الكبير، ولازمه ملازمة كلية، وكتب تقاريره على نسخ الكتب التي حضرها عليه، ومنها كتاب الأشباه والنظاير للعلامة ابن نجيم، وكتاب الدرر شرح الغرر لملا خُسرو، وكلا النسختين بخطه، الأصل وما عليهما من الهوامش، ثم جرد ما عليهما، فصارا تأليفين مستقلين، وهما الحاشيتان المشهورتان على الدرر والأشباه للعلامة الشرنبلالي، وكلتا النسختين وما عليهما من الهوامش موجودتان عندي إلى الآن بخط المترجَم، ومن تأليفه: رسالة على البسملة. ولما توفي الأستاذ الشرنبلالي في سنة تسع ستين وألف ١٦٥٨م، تَصَدَّر بعده للإفادة والتدريس والإفتاء، وأقرأ ولده الشيخ حسن، وتقيد به حتى ترعرع وتمهر. وتوفي المترجم في سنة ستٍ وتسعين وألف، وترك الجد إبراهيم صغيرًا، فَرَبَّته والدته الحاجة مريم بنت المرحوم الشيخ محمد المنزلي حتى بلغ رشده فزوجته ببنت عبد الوهاب أفندي الدلجي، وعقد عقده عليها بحضرة كل من الشيخ جمال الدين يوسف أبي الإرشاد ابن وفيّ، والشيخ عبد الحي الشرنبلالي الحنفي، وشهاب الدين أحمد المرحومي، والشيخ عبد الرؤوف البشبيشى، والشيخ شهاب الدين أحمد البرماوي، والشيخ زين الدين أبي السعود الدنجيهي الشافعي الدمياطي شيخ المدرسة المتبولية، والشيخ شمس الدين محمد الأرمناوي … وغيرهم، المثبتة أسماؤهم في حجة العقد في كاغد كبير رومي محرر ومسطر بالذهب، وعليه لوحة مموهة بالذهب مؤرخة بغاية شعبان سنة ثمانٍ ومائة وألف ١٦٩٦م، وهي محفوظة عندي إلى الآن بإمضاء موسى أفندي بمحكمة الصالحية النجمية، وبنى بها في ربيع أول، وحملت منه بالمرحوم الوالد. فمات الجد بعد ولادة الوالد بشهر واحد، وذلك في سنة عشر ومائة وألف، وعمره ست عشرة سنة لا غير.

ومات الإمام نور الدين/ حسن بن أحمد بن العباس بن أبي سعيد المكناسي، ولد بها سنة ألف واثنتين وخمسين ١٦٤٢م، وقرأ على محمد بن أحمد الفاسي نزيل مكناس، وحضر دروس سيدي عبد القادر الفاسي وكثيرين، وقدم مصر سنة أربع وسبعين وألف ١٦٦٣م، وحضر دروس الشبراملسي ومنصور الطوخي وأحمد البشبيشي ويحيى الشهاوي، وحج واجتمع على السيد عبد الرحمن المحجوب المكناسي، وكانت له مشاركة في سائر العلوم. مات بمصر سنة إحدى ومائة وألف.

ومات الشيخ الإمام العلامة/ إبراهيم بن محمد بن شهاب الدين بن خالد البرماوي الأزهري الشافعي الأنصاري الأحمدي شيخ الجامع الأزهر. قرأ على الشمس الشوبري، والمزاحي، والبالبلي، والشبراملسي. ثم لازم دروس الشهاب القليوبي واختص به، وتَصَدَّرَ بعده للتدريس في مَحَلِّه. تُوفي سنة ستٍ ومائة وألف. روى عنه محمدُ بن خليل العجلوني، وعلي بن علي المرحومي نزيل مَخَا، ورافقه المُلَيْحي في دروس القليوبى، وترجمه وأثنى عليه، وله تآليف عديدة.

ومات عالم المغرب الشيخ الإمام نور الدين/ حسن بن مسعود اليُوسِي، قدم مكة حاجًّا سنة اثنتين ومائة وألف ١٦٩٠م وله مؤلفات عديدة مشهورة. توفي بالمغرب سنة إحدى عشرة ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة شيخ الشيوخ الشيخ/ شاهين بن منصور بن عامر بن حسن الأرمناوي الحنفي، ولد ببلده سنة ثلاثين وألف ١٦٢٠م، وحفظ القرآن، والكنز، والألفية، والشاطبية، والرجبية … وغيرها، ورحل إلى الأزهر، فقرأ بالروايات على العلامة المقرئ عبد الرحمن اليمني الشافعي، ولازم في الفقه: العلامة أحمد الشوبري وأحمد المنشاوي الحنفيين، وأحمد الرفاعي، وياسين الحمصي، ومحمد المنزلاوي، وعمر الدفري، والشهاب القليوبي عبد السلام اللقاني، وإبراهيم الميموني الشافعي، وحسن الشرنبلالي الحنفي.

وفي العلوم العقلية: شيخ الإسلام محمد الشهير بسيبويه تلميذ أحمد بن قاسم العبادي، ولازمه كثيرًا، وبَشَّرَهُ بأشياءَ حصلت له. وأخذ عن العلامة سريَ الدين الدروري، والشيخ علي الشبراملسي، والشمس البابلي، وسلطان المزاحي، وأجازه جُلُّ شيوخه، وتصدر للإقراء في الأزهر في فنون عديدة، وعنه أخذ جمع من الأعيان كمحمد بن حسن المُلّا، والسيد علي الحنفي، وغيرهما. توفي سنة إحدى ومائة وألف.

ومات العلامة الشيخ/ أحمد بن حسن البشتكي، أخذ عن البناء، وعن الشيخ محمد الشرنبابلي، وتوفي سنة عشر ومائة وألف.

ومات السيد الشريف/ عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بافقيه التريمي الإمام الفقيه المحدث. أخذ عن مصطفى بن زين العابدين العيدروس، والسيد محمد سعيد، وعنه ولده عبد الرحمن، والسيد شيخ بن مصطفى العيدروس، وأخواه زين العابدين وجعفر. توفي ببندر الشَّحْر في آخر جمادى سنة أربع ومائة وألف.

ومات خاتمة المحدثين بمصر شمس السنة/ محمد بن منصور الإطفيحي الوفائي الشافعي، ولد سنة اثنتين وأربعين وألف ١٦٣٢م، وأخذ عن أبي الضياء علي الشبراملسي، وعن الشمس البابلي، والشيخ سلطان المزاحي، والشمس محمد عمر الشوبري الصوفي، والشهاب أحمد القليوبي. توفي سنة خمس عشرة ومائة وألف تاسع عشر شوال.

ومات إمام المحققين الشيخ/ عبد الحي بن عبد الحق بن عبد الشافي الشرنبلالي الحنفي عَلَّامة المتأخرين، وقدوة المحققين، ولد ببلده، ونشأ بها. ثم ارتحل إلى القاهرة واشتغل بالعلوم، وأخذ عن الشيخ حسن الشرنبلالي، والشهاب أحمد الشوبري، وسلطان المزاحي، والشمس البابلي، وعَلِي الشبراملسي، والشمس محمد العناني، والسري محمد بن إبراهيم الدروري، والسراج عمر بن عمر الزهري المعروف بالدفري، وتَفَقَّهَ بهم، ولازم فضلاءَ عصره في الحديث والمعقول، وأخذ أيضًا عن الشيخ العلَّامة ياسين بن زين الدين العليمي الحمصي، والشيخ عبد المعطي البصير، والشيخ حسين النماوي وابن خفاجي، واجتهد وحَصَّل، واشتهر بالفضيلة والتحقيق، وبرع في الفقه والحديث، وأَكَبَّ عليهما آخرًا، واشتهر بهما، وشارك في النحو والأصول والمعاني والصرف والفرائض مشاركة تامة، وقصدته الفضلاء وانتفعوا به، وانتهت إليه رياسة مصر، توفي سنة سبع عشرة ومائة وألف، ودُفن عند معبد السيدة نفيسة.

ومات الشيخ الإمام الفقيه الفَرْضي الحَيْسوَب صالح بن حسن بن أحمد بن علي البهوتي الحنبلي. أخذ عن أشياخ وقته، وكان عمدة في مذهبه، وفي المعقول والمنقول والحديث، وله عدة تصانيف وحواشٍ وتعليقات وتقييدات مفيدة متداولة بأيدي الطلبة. أخذ عن الشيخ منصور البهوتي الحنبلي ومحمد الخلوتي، وأخذ الفرائض عن الشيخ سلطان المزاحي، ومحمد الدلجموني، وهو من مشايخ الشيخ عبد الله الشبراوي، ولازم عمه الشمس الخلوتي، وأخذ الحديث عن الشيخ عامر الشبراوي وله ألفية في الفقه، وألفية في الفرائض، ونظم الكافي. توفي يوم الجمعة ثامن عشرين ربيع أول سنة إحدى وعشرين ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة/ محمد فارس التونسي من ذريَّة سيدي حسن الشُّشْتَرِي الأندلسي. هو والد الشيخ محمد بن محمد فارس من أكابر الصوفية. كان يحفظ غالب ديوان جده. أقام بدمياط مدة. ثم رجع إلى مصر ومات بها سنة أربعَ عشرة ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة الشيخ أبو عبد الله/ محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المالكي، خاتمة المحدثين مع كمال المشاركة، وفصاحة العبارة في باقي العلوم، ولد بمصر سنة خمس وخمسين وألف ١٦٤٥م، وأخذ عن النور الشبراملسي، وعن حافظ العصر البابلي، وعن والده، وَحَدَّث عنه: العلامة السيد محمد بن محمد بن محمد الأندلسي، وعبد الله الشبراوي، والحلوي، والجوهري، والسيد زين الدين عبد الحي بن زين العابدين بن الحسن البَهْنَسيِ، وعمر بن يحيى بن مصطفى المالكي، والبدر البرهاني. وله المؤلفات النافعة كشرح الموطَّأ، وشرح المواهب، واختصر المقاصد الحسنة للسخاوي. ثم اختصر هذا المختصر في نحو كراسين بإشارة والده وعمَّ نفعها، وكان معيدًا لِدُروس الشبراملسي، وكان يعتني بشأنه كثيرًا، وكان إذا غاب يسأل عنه، ولا يفتتح درسه إلا إذا حضر مع أنه أصغر الطلبة. فكان محسودًا لذلك في جماعته، وكان الشيخ يعتذر عن ذلك، ويقول: «إن النبي أوصاني به» توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف.

ومات الشيخ/ رضوان إمام الجامع الأزهر في غرة رمضان سنة خمس عشرة ومائة وألف.

ومات الشيخ المجذوب/ أحمد أبو شوشة خفير باب زويلة، وكانت كراماته ظاهرة، وكان يضع في فمه نحو المائة إبرة، ويأكل ويشرب، وهي في فمه لا تعوقه عن الأكل والشرب والكلام. مات في يوم الثلاثاء سابع عشرين جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ومائة وألف.

ومات السند العمدة الشيخ/ حسن أبو البقاء بن علي بن يحيى بن عمر العجمي المكي الحنفي صاحب الفنون، ولد سنة تسع وأربعين وألف ١٦٣٩م كما وجدته بخط والده بمكة، وبها نشأ وحفظَ القرآنَ وعِدَّةَ مُتون، وأخذ عن الشيخ زين العابدين الطبري وعلي بن الجمال وعبد الله بن سعيد باقشير والسيد محمد صادق وحنيف الدين المرشدي والشمس البابلي، وبالمدينة عَلَى القشاشي ولبس منه الخرقة، وأخذ عن جمع من الوافدين كعيسى الجعفري، ومحمد بن محمد العيثاوي الدمشقي، وعبد القادر بن أحمد الفضي الغزي، وعبد الله بن أبي بكر العياشي.

وأجازه جُلُّ شيوخه، وكتب إليه بالإجازة غالبُ مشايخ الأقطار كالشيخ أحمد العجلي وهو من المعمرين، والشيخ علي الشبراملسي، وعبد القادر الصفوري الدمشقي، والسيد محمد بن كمال الدين بن حمزة الدمشقي، والشيخ عبد القادر الفاسي، واعتنى بأسانيد الشيوخ، ودرَّس بالحرم وأفاد، وانتفع به جماعة من الأعلام كالشيخ عبد الخالق الزجاجي الحنفي المكي، وأحمد بن محمد بن علي المدرس المدني، وتاج الدين الدهان الحنفي المكي، ومحمد بن الطيب بن محمد الفاسي، والشيخ مصطفى بن فتح الله الحموي. توفي ظهر يوم الجمعة ثالث شوال سنة ثلاث عشرة ومائة وألف بالطائف، ودُفن بالقرب من ابن عباس.

ومات السيد/ عبد الله الإمام الشيخ أحمد المرحومي الشافعي، وذلك سنة اثنتي عشرة ومائة وألف.

ومات الأستاذ المعظم والملاذ المفخم صاحب النفحات والإشارات الشيخ/ يوسف بن عبد الوهاب أبو الإرشاد الوفائي، وهو الرابع عشر من خلفائهم. تولى السجادة يوم وفاة والده في ثاني رجب سنة ثمانٍ وتسعين وألف ١٦٨٦م، وسار سيرًا حسنًا بكرم نفس وحشمة زائدة ومعروف وديانة، إلى أن توفي في حادي عشر المحرم سنة ثلاث عشرة ومائة وألف، ودُفن بحوطة أسلافه — رضى الله عنهم.

ومات الفقيه/ محمد بن سالم الحضرمي العوفي. أخذ عن سليمان بن أحمد النجار، وعنه محمد بن عبد الرحمن بن محمد العيدروس. توفي بالهند سنة إحدى عشرة ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة المفيد الشيخ/ أحمد بن محمد المنفلوطي الأصل القاهري الأزهري المعروف بابن الفقي الشافعي، ولد سنة أربع وستين وألف ١٦٥٣م، وأخذ القراءات عن الشمس البقري، والعربية عن الشهاب السندوبي، وبه تَفَقّه، والشهاب البشبيشي، ولازمه السنين العديدة في علوم شتى، وكذا أخذ عن النور الشبراملسي، وحضر دروس الشهاب المرحومي، وكان إمامًا عالمًا بارعًا ذكيًّا حُلْوَ التقرير رقيق العبارة جَيِّدَ الحافظة، يقرر العلوم الدقيقة بدون مطالعة، مع طلاقة الوجه والبشاشة، وطَرْحِ التكلُّف. ومن تآليفه: حاشية علي الأشموني لم تكمل، وأخرى على شرح أبي شجاع للخطيب، ورسالة في بيان السنن والهيئات هل هي داخلة في الماهية، أو خارجة عنها، وأخرى في أشراط الساعة، وشرح البدور السافرة، ومات قبل تبييضه، فاختلسه بعض الناس وبَيَّضَه ونسبه لنفسه وكتمه. توفي فجأة. قيل: مسمومًا صبيحة يوم الاثنين سابع عشري شوال سنة ثمان عشرة ومائة وألف.

ومات الإمام العالم العلامة الشيخ/ محمد النشرتي المالكي، وهو كان وصيًّا على المرحوم الشيخ الوالد بعد موت الجد، توفي يوم الأحد بعد الظهر، وأُخِّرَ دَفْنُه إلى صبيحة يوم الاثنين، وصلي عليه بالأزهر بمَشْهَد حافل، وحضر جنازته الصناجقُ والأمراء والأعيان، وكان يومًا مشهودًا، وذلك سنة عشرين ومائة وألف.

ومات السيد أبو عبد الله/ أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن علي بن محمد بن أحمد ابن الفقيه المقدم، ولد بِتِرْيَمْ، وأخذ عن أحمد بن عمر البيتي، والفقيه عبد الرحمن بن علوي بافقيه، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب العيدروس، والقاضي أحمد بن الحسين بافقيه وأحمد بن عمر عبديد … وغيرهم، وأجازوه، وتميز في العلوم وتمهَّر، ودرس وصنف في الفقه والفرائض. وممن روى عنه شيخ وجعفر وزين العابدين، أولاد مصطفى بن زين العابدين بن العيدروس، ومصطفى بن شيخ بن مصطفى العيدروس … وغيرهم. توفي بالشَّحْر سنة ثمان عشرة ومائة وألف.

ومات الأديب الأريب الشيخ/ أحمد الدلنجاوي شاعر وقته، له ديوان في مجلد.

ومن كلامه، وفيه التوجيه:

قمرٌ يخصُّ وشاتَه
برضا، ومغرمه بسخط
عاتبته بتلطفٍ
وسألته حكمًا بضبط
فأجابنى وهو الذي
طرقَ الهداية ليس يُخطي
لستُ الإمامَ وإنما
أنا قاسمٌ والله معطي

وله تخميس على قصيدة ابن مُنْجَك، منه:

كُل ساقٍ عليك ساق الطلا كَلْ
سيف لحظيك للبرية ما كَلْ
حيثما الكاس لون خديك شاكَلْ
نتفَدَّاك ساقِيًا قد كساك الـ
لحسن من فَرْقِك المضيء بساقك
جل من في هواه أسهر طرفي
يا مليحًا في حسنه حار وصفى
كلما رمتُ صبوةً لستُ أُخفى
تشرق الشمس من يديك ومِن فيـ
ـك الثريا، والبدر من إشراقك
يا مليكًا بدولة الحُسن طرَّا
مشتري اللَّحظ مات باللحظ شطرا
وعجيب قوسُ الحواجب أدرى
أوليس العجيب كونك بدرًا
كاملًا والمحاق من عشَّاقِك!

وله مواليا:

بالله عليك أثيلات النَّقا تهزُزْن
أغصانك خبرينى لا جفتْك المزن
عن الظباء اللواتي حُزْن قلبي حُزن
هل جزن من جانب الجرعاء، أو ما جزن

الجواب:

قالت نعم جزن بالجرعاء لما شُزن
أوتارهنَّ وألفاظ القنا يرمزن
قلت ارجعى قالت اسمع والعيون يغمِزْن
إن لم تعاود يجددن البكا والحزن

توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف ١٧١١م، وأرخه الشبراوي بقوله:

سألت الشعر هل لك من صديق
وقد سكن الدلنجاويُّ لحدَهْ
فصاح وخَرَّ مغشيًّا عليه
وأصبح ساكنًا في القبر عندَهْ
فقلت لمن أراد الشعر أقصِرْ
فقد أرَّختُ مَاتَ الشعرُ بعدَهْ

ومات الشيخ العلامة المفيد/ سليمان الجنزوري الأزهري. توفي سنة أربع وعشرين ومائة وألف ١٧١٢م.

ومات الإمام المحدث الإخباري/ مصطفى بن فتح الله الحموي الحنفي المكي أخذ عن العجمي، والبابلي، والنخلي، والثعالبي، والبصري، والشبراملسي، والمزاحي، ومحمد الشلبي، وإبراهيم الكوراني، وشاهين الأرمناوي، والشهاب أحمد البشبيشي، وأكثر الأخذ عن الشاميين، وله رحلة إلى اليمن، توَسَّعَ فيها في الأخذ عن أهلها، وألَّفَ كتابًا في وفيات الأعيان. سماه (فوائد الارتحال ونتائج السفر، في أخبار أهل القرن الحادي عشر) توفي سنة أربع وعشرين ومائة وألف ١٧١٢م. حدَّث عنه السيد عمر بن عقيل العلوي.

ومات السيد السند صاحب الكرامات والإشارات السيد/ عبد الرحمن السقاف باعلوي، نزيل المدينة. قال الشيخ العيدروس في ذيل المشرع: ولد بالدِّيار الحضرمية، ورحل إلى الهند، فأخذ بها الطريقة النَّقْشبَنْدِيَّة عن الأكابر العارفين، واشتغل بها حتى لاحت عليه أنوارُها، وورد الحرمَين فقطن بالمدينة المنورة، وبها تزوج الشريفة العلوية العيدروسية من ذُرِّيَّةِ السيد عبد الله صاحب الرهط، وممن أخذ عليه بها الطريقة الشيخُ محمدٌ حياة السندي، بإشارة بعض الصالحين. وكان المترجَمُ يخبر عن نفسه: أنه لم يبقَ بيني وبين رسول الله حجابٌ، وأنه لم يُعْطِ الطريقة النقشبندية لأحد إلا بإذن رسول الله وأنه أُعطي سيف أبي بكر بن العيدروس الأكبر الذى يشير إليه بقوله:

وسيفي في غمده
لدفع الشدائد معدود

وقوله:

بسيفي يلاقي المهند
وقائع تشيب الولود

ولم يزل على طريقة حميدة، حتى توفي بها سنة أربع وعشرين ومائة وألف.

ومات الإمامُ الهمامُ عمدةُ المسلمين والإسلام الشيخُ عبد ربِّه/ أحمد الدِّيوي الضرير الشافعي أحد العلماء مصابيح الإسلام، ولد ببلده، ونشأ بها. ثم ارتحل إلى دمياط، وجاور بالمدرسة المْتبولِيّة، فحفظ القرآن، وعدّة مُتون منها البهجة الوردية، واشتغل هناك على أفاضلها كالشمس بن أبي النور، ولازمه في الفنون، وتفَقَّه به، وقرأ عليه القرآن بالروايات، وأخذ عنه الطريقَ وتهذّب به. ثم ارتحل إلى القاهرة، فحضر عند الشهاب البشبيشي قليلًا. ثم لازم الشمسَ الشرنبابلي في فنون، إلى أن توجه إلى الحج، فأمره بالجلوس موضعه، والتقييد بجماعته، فتصدّى لذلك، وعم النفع به، وبرعت طَلَبَتُه، وقصدته الفضلاء من الآفاق، وكان إمامًا فاضلًا فقيهًا نحويًّا فرضيًّا حيسوبًا عَرُوضيًّا نحريرًا ماهرًا، كثير الاستحضار، غريب الحافظة، صافي السريرة، مشتغل الباطن بالله، جميل الظاهر بالعلم. تُوفي يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر، ودفن يوم الأحد بعد الصلاة عليه بالأزهر بمشهد حافل عظيم. اجتمع فيه الخاصُّ والعام، وذلك سنة ست وعشرين ومائة وألف.

ومات الشيخُ الإمام والعمدةُ الهمام/ عبدُ الباقي القيلوبي، وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف.

ومات الشيخ العلامة أبو المواهب/ محمد ابن الشيخ تقي الدين عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي البعلي الدمشقي مفتي السادة الحنابلة بدمشق، ولُد بها، وأخذ عن والده، وعمن شاركه. ثم رحل إلى مصر، وقرأ بالروايات على مُقرئها الشيخ البقري، والفقهَ عَلَى الشيخ محمد البهوتي الخلْوَتي، والحديثَ عَلَى الشمس البابلي، والفنونَ عَلَى المزاحي والشبراملسي والعناني. تُوفي في شوال سنة ست وعشرين ومائة وألف عن ثلاثٍ وثمانين سنة. حَدَّثَ عنه الشيخُ أبو العباس أحمد بن علي بن عمر الدمشقي كتابه، وهو عالٍ، والشيخُ محمد بن أحمد الحنبلي، والسيدُ مصطفى بن كمال الدين الصديقي … وغيرهم.

ومات الإمامُ العلامةُ المحقق المعَمَّر الشيخ/ سليمان بن أحمد بن خضر الخربتاوي البرهاني المالكي، هو والدُ الشيخ داود الخربتاوي الآتي ذكر ترجمته. توفي سنة خمس وعشرين ومائة وألف، عن مائة وستَّ عشرة سنة.

ومات الشيخ الإمام العالم العلامة الشيخ/ أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النّفراوي شارح الرسالة، وغيرها، ولد ببلده نَفْرَة، ونشأ بها. ثم حضر إلى القاهرة، فتَفقَّه في مبادئ أمره بالشهاب اللقاني. ثم لازم العلامة عبد الباقي الزرقاني، والشمس محمد بن عبد الله الخرشي، وتفقه بهما، وأخذ الحديث عنهما، ولازم الشيخ عبد المعطي البصير، وأخذ العربية والمعقول عن الشيخ منصور الطوخي، والشهاب البشبيشي، واجتهد، وتصَدَّرَ، وانتهت إليه الرياسة في مذهبه، مع كمال المعرفة والإتقان للعلوم العقلية. لا سيما النحو، وأخذ عنه الأعيان، وانتفعوا به. ومن مؤلفاته: شرح الرسالة، وشرح النَّوَويَّة، وشرح الأجرومية. توفي سنة خمس وعشرين ومائة وألف عن اثنتين وثمانين سنة.

ومات الإمامُ العلامةُ الشهيرُ الشيخ أبو العباس/ أحمد بن محمد بن عطية بن عامر بن نوار بن أبي الخير الموساوي الشهير بالخليفي الضرير. أصله من الشرق، وقدم جده أبو الخير، وكان صالحًا معتقدًا، وأقام بمنية موسى من أعمال المنوفية، فحصل له بها الإقبال، ورزق الذرية الصالحة، واستمروا بها، وولد الشيخ بها، ونشأ بها، وحفظ القرآن. ثم ارتحل إلى القاهرة، واشتغل بالعلوم على فضلاء عصره. فتفقَّه عَلَى الشمس العناني، والشيخ منصور الطوخي، وهو الذي سماه بالخليفي لما ثقل عليه نسبة الموسوي. فسأله عن أشهر أهل بلده، فقال: أشهرها من أولياء الله تعالى سيدي عثمان الخليفي، فنسبه إليه، ولازم الشهاب البشبيشي، وأخذ عنه فنونًا، وحضر دروس الشهاب السندوبي، والشمس الشرنبابلي، وغيرهما، وأجازه الشيخ العجمي. واجتهد وبرع وحصَّل وأتقن وتفنن، وكان محدَّثًا فقيهًا أصوليًّا نحويًّا بيانيًّا متكلمًا عروضيًّا منطقيًّا، آية في الذكاء وحسن التعبير، مع البشاشة وسعة الصدر، وعدم الملل والسآمة، وحلاوة المنطق، وعذوبة الألفاظ. انتفع به كثير من المشايخ. توفي في عصر يوم الأربعاء خامسَ عشرَ صفر، ودُفن صبيحة يوم الخميس سادس عشره بالمجاورين، سنة سبع وعشرين ومائة وألف. عن ست وستين سنة.

ومات الإمامُ العمدةُ الفَهّامة الشيخ/ أحمد التونسي المعروف بالدقدوسي الحنفي. تُوفي فجأة بعد صلاة العشاء ليلة الأحد سادس عشر المحرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف.

ومات في تلك السنة أيضًا الشيخ العلامة/ أحمد الشرفي المغربي المالكي.

ومات الشيخ العلامة شيخ الجامع الأزهر الشيخ/ محمد شَنَن المالكي، وكان مَليئًا مُتَمَوِّلًا، أغنى أهل زمانه بين أقرانه، وجُعل الشيخُ محمد الجداوي وصيًّا على ولده سيدي موسى. فلما بلغ رشده سلمه ماله. فكان من صنف الذهب البندقي أربعون ألفًا خلاف الجنزرلي، والطرلي، وأنواع الفضة والأملاك والضياع والوظائف والجماكي، والرزق، والأطيان … وغير ذلك. بدده جميعَه ولدُه موسى، وبنى له دارًا عظيمة بشاطئ النيل ببولاق، أنفق عليها أموالًا عظيمة، ولم يزل حتى مات مديونًا، في سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف ١٧٧٨م، وترك ولدًا مات بعده بقليل، وكان للمترجَم مماليك وعبيد وجوار، ومن مماليكه: أحمد بك شنن الآتي ذكره. تُوفي المترجمُ سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، عن سبع وسبعين سنة.

ومات العمدةُ العالمُ الشيخُ/ أحمد الوَسيمي. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف.

ومات الجنابُ المكرَّمُ السيدُ/ حسن أفندي نقيب السادة الأشراف، وكانت لأبيه وَجدِّه وعمِّه منْ قبْله وبموته انقرضت دولتهم، وأُقيم في منصب النقابة عوضه السيدُ مصطفى بن سيدي أحمد الرفاعي، قائمقام إلى حين ورود الأمر. تُوفي يوَم الجمعة تاسع عشر رجب سنة إحدى وعشرين ومائة وألف. ثم ورد في شهر جمادى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف ١٧١٠م — السيدُ عبدُ القادر نقيبًا، ونزل ببولاق بمنزل أحمد جاويش الخشاب، وهو إذ ذاك باشجاويش الأشراف، وبات هناك، فوُجد في صبحها مذبوحًا في فراشه، وحبس باشجاويش بسبب ذلك بالقلعة، ولم يظهر قاتله، وتقلد النقابة محمدُ كتخدا عزبان سابقًا لامتناع السيد مصطفى الرفاعي عن ذلك، ووافى تاريخه ذبح عبد القادر.

ومات الشيخ العلامة الفقيه المحدث الشيخ/ منصور بن علي بن زين العابدين المنوفي البصير الشافعي، ولد بمنوف، ونشأ بها يتيمًا في حجر والدته، وكان بارًّا بها، فكانت تدعو له؛ فحفظ القرآن، وعدة متون. ثم ارتحل إلى القاهرة، وجاور بالأزهر، وتفقه بالشهابين البشبيشي والسندوبي، والشمس الشرنبابلي، والزين منصور الطوخي، ولازم النور الشبراملسي في العلوم، وأخذ عنه الحديث، وجَدَّ واجتهد وتفنَّنَ، وبرع في العلوم العقلية والنقلية، وكان إليه المنتهى في الحذق والذكاء، وقوة الاستحضار لدقائق العلوم، سريع الإدراك لعويصات المسائل على وجه الحق. نظمَ الموجهات وشرحها، وانتفع به الفضلاء، وتخرج به النبلاء، وافتخرت بالأخذ عنه الأبناء على الآباء. توفي حادي عشرين جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، وقد جاوز التسعين.

ومات الإمام العلامة شيخ الشيوخ الشيخ/ محمد الصغير المغربي سلخ رجب سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة وألف.

ومات الأجلُّ الفاضلُ العمدةُ العلامةُ/ رضوانُ أفندي الفلكي صاحب الزيج الرضواني، الذي حرره على طريق الدر اليتيم لابن المجدي على أصول الرصد الجديد السمرقندي، وصاحب كتاب أسنى المواهب … وغير ذلك تآليف وحسابيات وتحقيقات لا يمكن ضبطها لكثرتها، وكتب بخطه ما ينيف عن حمل بعير مسودات وجداول حسابيات، وغير ذلك، وكان يسكن بولاق منجمعًا عن خلطة الناس، مقبلًا على شأنه. وكان في أيامه حسن أفندي الروزنامجي، وله رغبةٌ ومحبة في الفن، فالتمس منه بعضَ آلات وكُرات، فأحضر الصناع، وسبك عدة كرات من النحاس الأصفر، ونقش عليها الكواكب المرصودة وصورها، ودوائر العروض والميول، وكتب عليها أسماءها بالعربي، ثم طلاها بالذهب، وصرف عليها أموالًا كثيرة، وذلك في سنة اثنتي عشرة، أو ثلاث عشرة ومائة وألف ١٧٠١م، واشتغل عليه الجمالي يوسف مملوك حسن أفندي المذكور، وكلارجيه، وتفرغ لذلك حتى أنجب وتمهر، وصار من المحققين في الفن، واشتهر فضله في حياة شيخه وبعده.

وألف كتابًا عظيمًا في المنحرفات، جمع فيه ما تفرق من تحقيقات المتقدمين، وأظهر ما في مكنون دقائق الأوضاع والرسومات والأشكال من القوة إلى الفعل، وهو كتاب حافل نافع نادر الوجود، وله غير ذلك كثير، ومن تآليف رضوان أفندي المترجَم: النتيجةُ الكبرى والصغرى؛ وهما مشهورتان متداولتان بأيدي الطلبة بآفاق الأرض، وطراز الدرر في رؤية الأهلّة والعمل بالقمر … وغير ذلك. توفي يوم السبت ثالث عشرين جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف.

ومات الشيخ الصالح قطب الوقت المشهور بالكرامات معتقد أرباب الولايات، الشيخ/ عبد الله النكَّاري الشافعي الشهير بالشرقاوي من قرية بالشرقية. يقال لها: النَّكَّاريَّة. أخذ عن الشيخ عبد القادر المغربي، وكان يحكي عنه كرامات غريبة، وأحوال عجيبة، وممن كان يعتقده الشيخ الحفني، والشيخ عيسى البراوي، والشيخ علي الصعيدي، وقد خص كل واحد بإشارة نالها كما قال له، وشملتهم بركته، وأنه تولى القطبانية، وكان بينه وبين الشيخ محمد كشك مودةٌ ومواخاة. توفي سنة أربع وعشرين ومائة وألف.

ومات الشيخُ العمدةُ المنتقدُ الفاضلُ الشاعرُ البليغُ الصالحُ العفيفُ/ حسنُ البدري الحجازي الأزهري، وكان عالمًا فصيحًا مُفوَّها متكلمًا منتقدًا على أهل عصره، وأبناء مِصْرِه. سمعتُ من الشيخ الوالد، قال «رأيته ملازمًا لقراءة الكتب الستة تحت الدِّكَّة القديمة مُنْجَمِعًا عن خلطة الناس، معتكفًا على شأنه، قانعًا بحاله».

وله في الشعر طريقةٌ بديعة، وسليقة منيعة على غيره رفيعة، وقلما تجد في نظمه حَشْوًا، أوتكملة، وله أُرجوزة في التصوف. نحو ألف وخمسمائة بيت على طريق الصادح والباغم. ضمنها أمثالًا ونوادر وحكايات، وديوانٌ على حروف المعجم سماه بِاسْميْن: (تنبيه الأفكار للنافع والضار) وأيضًا: (إجماع الأُيّاس من الوثوق بالناس) شرح فيه حقيقة شِرار الخليقة من الناس المنحرفة طباعهم عن طريقة قويم القياس. استشهدتُ بكثير من كلامه في هذا المجموع بحسب المناسبة، وفي بعض الوقائع والتراجم، وله مزدوجةٌ سماها: (الدُرَّة السنية في الأشكال المنطقية)، ونَظْمُ رسالة: (الوضع للعلامة العضد)، ونَظْمُ: (لُقْطَة العجلان) في تعريف النقيضين والضِّدين، والخلافين والمثلين، وفي حكم المضارع صحيحًا كان أو معتلًا، و(رموز الجامع الصغير)، وختم ديوانه بأراجيز بديعة ضمَّنه نصائحَ، ونوادر وأمثالًا واستغاثات، وتوسلات للقبول موصلات.

ومن كلامه في قافية الباء:

كن جار كلبٍ، وجار الشِّرة اجتنبِ
ولو أخًا من أم يُرى وأبِ
ما جارُ كلبٍ شكا يومًا بوائقه
إذا شكا غيرُه من وصمة الوصب
وجانب الدار إن ضاقت مرافقها
والمرأة السوء لو معروفة النسب
ومركبًا شرسَ الأخلاقِ لا سيما
إن كان ذا قِصر، أو أبتر الذنب
أو كان ذا بُطء ننير والعمائم ما
تفاحشت كبرًا تبدو كما القُبب
كذا الخفاف إذا ضاقت، أو اتسعت
جدًّا، وكل عسير الفتح من ضَبَب
واحذر سراجًا ضعيفَ الضوء ترقبه
فإنه الغمة العظمى لمرتقب
كذا الطعام إذا اشتدت حرارتُه
وصارت اليد لم تقبله من لهب
ما فيه من بركات ما حرارتُه
دامت كما ذكرت، فابرِدْه واقترب
لا تُلقِ نفسك يومًا في الزحام فما
في زحمة لك خيرٌ لو على الذَّهب
وخُذْ عن الكثفا فَجًا بعيد المدى
على متون جياد العزم والنجُبِ
قوم دروعهم التكدير في نفر
من التنافر والإيحاش والشَّغب
ثقل العنا وجدوا، والذوق قد فقدوا
عن أنسهم شردوا، ذا أعجبُ العجب
بعض اللطاف تقايا عند رؤيتهم
والبعض أغمى، وبعضٌ آل للعطب
هم معاول صدع الصخر ما وجدوا
فاصدع بهم حيثما آلاته تغِب
إن رُمت يومًا عقاب الذَّيقين فطف
بهم على عُدماء الذوق واعتقب
لو قطرة مازحت منهم بحار صفا
لكدَّرت ما صفا من مائها العذب
أو أنهم بسموا يومًا لعاد دُجًا
عرى عن النيرين الضوء والشهب
إن الكثاف لسم للطاف فيا
نعم التعاكس لكن الزمان غبي
فانجع بنفسك عنهم ما استطعت فمن
عنهم تباعد حاز السَّبْق للقصب
يا نقمة الله حُلي حَيهَّم تِحيا
حصبًا أبابيل أهل الفيل، واحتصب
لترجع الأرض فرغى من أذبتهم
وما أناطوه من صاب ومن نَصب
إلهنا يا غياثَ المستغيث ويا
معطي الجزيل، ويا منجي من الكرب
أحسن إلى حسن البدري بمغفرة
وأعطه الأمن يوم الضيق والرهب
وصلِّ رب وسلم ما هَمَت سحبٌ
على نبيك خير العجم والعرب
والآل والصحب ما دامت مآثرهم
والتابعين بإحسان وكل نبي

وقال عفا الله عنه:

أخى فطنًا كن، واحذر الناس جملةً
ولا تك مغرور الظنون والكواذب
فكم من فتى يرضيك ظاهرُ أمره
وفي باطن يرتاغ روغ الثعالب
إذا بك يُلفي ظافرًا كان كافرًا
يذيقك نكر النُّكرِ من كل جانب
ولا سيما نوع الأقارب إنهم
عقُابك في الدنيا وعقرُ العقارب
إذا كنت في خير تمنوا لك الرِّدى
لإرثك مَيتًا، أو لنهبة ناهب
وإن كنتَ ذا فقر فأنت لديهمُ
أخسُّ خسيسٍ من أحسن الأكالب
فلا تك للطُّلاب للإرث تاركا
طِلابًا سوى خيباتِ طلبة طالب
وقل لهم هذا تراثكم به
تعيشون ما تحيون بين الأجانب
وإن مِتُّو متم بأوفر فاقة
فلا عين تبكيكُم، ولا نحبُ ناحبِ
قبرتم دُثِرتم لا ذُكرتم خسرتمو
تبوأتمو عُقبى عقاب العواقب
وأنقضُ خلق الله عقلًا فتى غدا
بقبضة أنثى لُعبةَ المتلاعب
يروح ويغدو صادرًا عن مقالها
يرى طوعها ما عاش أوجب واجب
فذاك الذى لم يحوِ إلا ندامةً
ومتعبةً فاقت جميع المتاعب
بهذا أتانا النَّص عن أشرف الورى
محمدٍ المبعوث من آل غالب
إطاعتُها ندم، وبالخير لم تكُن
بآمرةٍ معنى الحديثين راقب
وخيرُ عباد الله من لازم التقى
شكورَ العطايا صابرًا للمصائب
عريًّا عن الأطماع قنعًا قد اكتسى
رقيبًا على الأنفاس خوف المراقب
فذاك لعمري أربحُ الناس صفقة
إذا سقطت في الخُسر صفقة ناكب
وإن رمت أن تحيا عَريًّا عن الردى
وتظفر في الأخرى بأسنى المكاسب
مكانك فالزم، واعتزل سائر الورى
وسدد وعنهم سُد كل المسارب
ولا سيما الأوباش في الناس مَن عروا
عن العرض، واستغشوا ثياب المثالب
والاعرج رقصيًّا والأصفر خِلقة
والاعور فصيًّا ونوع الأحادب
والاقرع جصيًّا، ومَن قصرًا حوى
والاحمر عدسيًّا وأهل المضارب
كذا النمرسي والدلج ثم البرلسي
ومن كان دستيًّا ونوتي المراكب
ألئك أقوام تفاحش خبثهم
ولا خبث حيات الردى والمعاطب
فلاتك مغترًّا بظاهر حالهم
ولو أنهم يمشون فوق السحائب
وجرب إذا ما كنت قولى مكذِّبًا
فتجربة الإنسان مبدي العجائب
نصيحَ الحجازي من سُمي حسنا خُذَن
بإقبال قلبٍ حاضر غير غائب
فإن قبول النصح أنعم نعمة
بها يبلغ الإنسان أسنى المآرب
ولا تك ممن صده اللهوُ والهوى
عن الرشد حتى عاد أخيبَ خائب
ولا تعجبن من واقع النكر والردى
ولكن لعدل قام مِن غير حاجب
ولا تطمعن في راحة أي ساعة
من الدهر تعرو عن جميع الشوائب
فما دمت في الدنيا فإنك لم تَزل
على نصب لو نِلت أعلى المناصب
وهذا دليلُ الزهد فيها ورفضها
سوى ما بها يحتاجه من مناسب
وما بعده يُدعى ضلالًا وباطلا
عناد لمن عانى وعين المعايب
فيا واسعَ المعروف يا واسع الرضا
ويا خير فتاح، ويا خير واهب
أعِذنا بمنٍّ منك من كل غمة
وهبنا التقى زادًا وتوبةَ تائب
وختمًا بخير عندما العمر ينقضي
فإن ختام الخير خيرُ المناقب
ونُكر نكبرِ القبر عنا أزِل إذا
خَلَوْنَا به عن كل خلٍ وصاحب
هنا لك لا مال، ولا جاه يُرتجى
ولا مذهبٌ يُلْفى لمهرب هارب
سوى رحماتٍ منك يا خير راحم
ويا خيرَ من يُرجى لدفع النوائب

وقال عفا الله عنه:

حذار حذار من قُرب الأقارب
فهم صلُّ الأفاعي والعقارب
أناس إن تعبت فيستريحوا
وتعلوهم لراحتك المتاعب
غنيًّا إن تكن حسودًا، وإلا
فعنك تجنبوا من كل جانب
يودُّون اكتساب الموت كيما
به يرموك كى يرثُوك المكاسب
وموتَك من يراقب أجل فلسٍ
مودته فلا تك بالمراقب
أمن فمِها الأفاعي الشهد تعطِي؟
أم السمُرات تعطيك الأرطب؟
أم الإصلاح يُصلح من غراب؟
أم العمران من يوم الأخارب؟
فصحبة كلب اكلب أجرب اختر
وخيرَهم فلا تك بالمصاحب
فما كلبٌ بك الأوصابَ يرمي
وذاك رماك منه بكل واصب
على الحسَّاد دائرة الدواهي
تدورُ بها النواعي والنواعب
سوى ما عُدَّ من مُستصعبات
ليوم فيه تُنتصَبُ المصاعب
ولمَّا أن تعجَّبنا لما قد
تعجَّجَ من مهُولات العجائب
تبَصَّرنا، فأبصرنا البرايا
قد انتقبوا شنيعات المناقب
ذئابٌ في ثيابٍ أيُّ شخص
نحوت له نحاكَ عليك واثب
ووافرُ بحرِ مكرٍ فيه غاصوا
ليلتقطوا المكاره والمكارب
نجابتهم نجاستهم ومَن لا
نجاسة فيه لا يُدعى بناجب
فحينئذ على ذي العقل جزمًا
مجانبة الأقارب والأجانب
وإن ألجى لقربهم اضطرارٌ
بقدر ضرورة تلجي يقارب
إلى أن ينقضي ما يقتضيه
وفرَّ بُعيدَه فرَّ الثعالب
فإنّ صديق صدقٍ ليس يُلفَى
زمانك بالمشارق والمغارب
وإن أجهدت نفس في طِلاب
له أعيتك في الطلب المطالب
وما بقي الصديق الصدق إلا
دراهمُك المميطة للمعاطب
فصاحبها له يسعى ويُدعى
ويرعى حين يبدو كالكواكب
وصدرًا في المجالس أجلسوه
إليه يشار مسلوب المثالب
ولو كذبًا يفوه به صريحًا
لقالوا لست يا هذا بكاذب
يُهَشُّ له إذا ما مرَّ حتى
له الأذنابَ حركت الأكالب
ولو بشرًا طوى عنهم وبرا
يُحب لما لديه من الحبائب
عليها بالنواجذ عُضّ عضًّا
فحظك حين تذهب عنك ذاهب
وتبذيرًا فدعْ إن المبذر
أخو الشيطان من آخاه خائب
ولا تفرح بفانٍ عنه تفنى
ولا تجزع إذا ما ناب نائب
وكن للخير منتدبًا فعمَّا
قليل يندب الإنسان نادب
والحسن الحجازي سل نجاةٍ
من العقبات أهوال العواقب
خصوصًا مرهبات القبر إذ من
وقيها قد وُقِي كل المواهب
فهبنا ربَّنا الرحمات إنّا
ضعافٌ منك نلتمس المواهب
حواجبنا لحاجتنا رفعنا
إليك، وما على الإحسان حاجب
وإن حاسبتنا عدلًا هلكنا
ولكن ذو المكارم لا يُحاسب
وكيف ومن حَبَبْتَ له حببنا
طبيب الداء منتخب والأعارب
محمد الحميد من اعربت عن
محاسنه الأعاجم والأعارب
فصلِّ عليه رب، وتابعيه
وسلم ما الدجى ثَقبت ثواقِب

وقال عفا الله عنه:

ليتنا لم نعِش إلى أن رأينا
كل ذى جنة لدى الناس قُطبا
علمًا هم به يلوذون بل قد
تَخذِوه من دون ذى العرش ربًّا
إذ نسوا اللهَ قائلين فلانٌ
عن جميع الأنام يُفرج كربًا
وإذا مات يجعلوه مزارًا
وله يُهرعون عجمًا وعربًا
بعضهم قبَّل الضريح وبعضٌ
عتب الباب قبلوه وتُربًا
هكذا المشركون تفعل مع أصـ
نامهم تبتغي بذلك قربًا
وأولو العلم والقران عليهم
صُبَّ سوط العذاب والمقت صبًّا
إذ رموهم بالفسق والزور والجو
ر وظلم العباد سلبًا ونهبًا
كل ذا من عمى البصيرة، والويل
والويل لشخص أعمى له الله قلبًا
والحجازي من سُمي حسنًا ينظر
ينظر ما خالف الشريعة صعبًا
فالحذار الحذار من فعل أهل الـ
ـجهل لو عالمًا يُدَّرِس كتبًا
جعل العلم فخ صيد لدنيا
ه فساوى في صنعه السوء كلبا
لا بل الكلب منه خير إذ الكلـ
ـب عديم العقاب في يوم عُقبى
وصلاة على الذي شرع الديـ
ـن، وزالت به الشكوك وطبَّا
مع سلام عليه فى كل وقت
مثل ما كلم الجماد وضبَّا

وقال:

وسبعة إن حواها الشخص ساد على
جميع أقرانه من غير ما ريب
علمٌ وحلمٌ وبذلٌ مع شجاعته
والنصحُ والنسبُ الزاكي مع الأدب

وقال عفا الله عنه:

حاراتُ أولادِ العرب
سبعًا حوت من الكُرب
بَوْلًا وغائطًا وكذا
ترب غبار سُو أدب
وضجة وأهلها
شبه عفاريت الترب

وقال عفا الله عنه:

احذر أُولي التسبيح والسُّبحة
والصوف والعكاز والشملة
والدلق والإبريق لا سيما
شيوخ إبليس أولى الشعرة
حوت أباليس بتعداد ما
حوت شعورًا بل بلا عدة
والمكر فات الحصر كالبحر بل
يعد فيه البحر كالقطرة
فصار إبليس لهم تابعًا
يقول يا لَلْعَوْنِ والنجدة
مما حويتم علموني فما
لي عنكم في المكر من غُنيَة
لكم قيادي وانقيادي وما
مثلكم في الناد والغُدوة
وأنتم تاجي على هامتي
ما هِمْتُ إلا كنتمو همتي
لا زلتمو ما زلتمو عيبتي
في غيبتي ما كنت أو حضرتي
بملء الافواه ينادون يا
أهل الوفا يا صاحب النوبة
يا شافعي يا قطب يا رافعي
يا للرفاعي، يا بني الرفعة
يا سيدي أحمد يا أوليا
ء الكون عينونا على الحملة
ذو كرة والمال يبغون ما
لهم بغير المال من بغية
لكنهم في الفسق أرقى الورى
كما ترى من غير ما مرية
اتخذوا المُرْدَ مرادًا لهم
تهالكوا فيهم على الهُلكة
جهرًا وسموهم بداياتهم
في الشين والشرة والعرة
الانتها النار جزا كل مَن
لا ينتهي ما كان ذا نُهُيْة
فالبعد كل البعد عنهم فما
في النحس من خير ولا خيرة
ومثلهم من مثله قد غدوا
وغودروا في الدين كالغُدَّة
فتيةُ سوء فُقَها نسبة
انتهبوا الأموال بالفُتية
عمائمًا والكم قد كبروا
واستكبروا عن شرعة الشرعة
في هيئة يمشون مع هَيْنَةٍ
تخشعًا من غير ما خشية
لجمع الأموال، وكي ما يقال
أهل الهدى والدين والتقوة
في الظالمين انجحروا مثل ما
تنجحر الحية في الجحرة
فأعقب الظالم منهم رَدَى
على ردى يعقب في العقبة
وخالفوا لا تركنوا تُمسَسُوا
بالنار لا تبلغكم نصرتي
يا ويلهم قد خلعوا دينهم
واختلعوا يا خُبْثَ ما خلعة
من يتَّبع غير سبيل الهدى
تهوى به الأهواء في هوة
فشاسعا خد عنهم خاب مَن
خبَّ إليهم غاية الخيبة
يا دافع الأسواء عن عبده
تكرمًا يا ساتر السوأة
إلى الحجازي حسن أحسِنَن
بحسن ختم لانقضا المدة
هول النكيرين قهِ اللقا
للمرء من حَيْل ولا حيلة
ونجه من هول يوم اللقا
إذا الشقاحل بذي الشقوة
وقل عُبيدي لا تخف وادخلن
في زمرة الداخل في رحمتي
من غير ما سبق حساب ولا
نيل عقاب بل إلى جنتي
جوار خير الرسل طه الذى
بوطئه طاب ثرى طيبة
صلى عليه الله والآل والأتـ
ـباع من صالح ذي الأمة
مسلمًا ما لاح برق وما
ودق همضى أينما وجهِة

وله:

لا بُدَّ للإنسان من سبعة
إذا الشتا عم جميع الفجاج
كن وكانون وكيس كِسا
واللحم والسمن وبيض الدجاج

وله:

رب قصير في الورى لحيته
طوَّلها الله بلا فائده
كأنها بعض ليالي الشتا
طويلة مظلمة بارده

وقال عفا الله عنه:

الجامع الأزهر ابتلاه
رب له العز والوجود
بكل فظ قِحف وطرف
عليك بالبشر لا يجود
قطعة صخر أليس فيه
الثقل واليبس والجمود؟
عمائمًا كبروا وكمًّا
قد وسَّموه لكى يسودا
وتحت آباطهم روايا
تسعين كراسًا او تزيد
بها يميلون حيث مالوا
لأجل مالٍ لهم تصيد
لولاهم مالت السوارى
كلُّ عمود له عمود
تزويرهم شاع في البرايا
سيان الاحرار والعبيد
حتى غدا حرفةً وفخرًا
ما عنه بدّ ولا محيد
يا لَذئاب ذوي ثياب
بين دواب لها تُبيد
صلوا وصاموا، والليل قاموا
والقلب عن كل ذا بعيد
فأين هم ممن اجتمعنا
بهم، لهم طالع سعيد
إن أشكل الأمر أوضحوه
أو كنت فيهم فتستفيد
وهم على ذاك فى خضوع
وخوفهم من غدٍ شديد
أبدلهم دهرنا قرودًا
يا بئس دهرًا له قرود
البعض منهم يقول إني
في العلم بين الورى فريد
ومن مضى ليس لى يضاهي
حتى الجُوَيْنيُّ والجنيد
وهو لعمري ما ريح علم
شمَّ ولا بحثه يجيد
بل تلك دعوى ما قام فيها
قرينة لا ولا شهود
فالبعد خُذ عنهم سبيلا
تكن مجيدًا نعم المجيد
فما سلمنا حتى اعتزلنا
بالقلب عنهم كما نريد
ويسأل الله حسن ختم
الحسن المذنب الشريد
وراحة بعثة وحشرا
وجنَّة رزقها رغيد
بجاه طه خيرِ البرايا
صلى عليه العلِي المجيد
والآل والصحب ثم نال
ليوم وعد به الوعيد

وقال:

إذا امرأة يومًا خَطَبْتَ فلم تُجبْ
فدعها، ولا ترجع لخطبتها العمرا
فعسر ابتداء الشيء آيةُ شؤمه
وعزة نفس المرء نعمته الكبرى
فصنها وقيِّدها عليك بشكرها
وإلا تولت عنك ذاهبة قهرًا
وما ذهبت إلا وقد قل عودها
كما هو جارٍ في البرية مُستقرَى
لك الحسن البدريُّ أهدى نصيحةً
تفوق اليواقيت المينة والدُّرا
فعضَّ عليها بالنواجذ واسألن
له ختمَ خير والنجاةَ من العُسرى

وقال:

وسبعة إن رأى الإنسانُ واحدةً
منها يكون أخا مَن في الورى قُبرًا
شيبٌ تلاهُ سعال الليل كثرة ما
ينسي، وقلةُ أكل الزاد إذ حضرا
وسرعة البول واحد يدابُ قامته
كذا إذا صَلَعٌ في رأسه ظهرا

وقال عفا الله عنه:

وسبعةٍ إن حصلت للفتى
يفوز بالدنيا والآخره
صلاح أولاد وزوج كذا
نفس لمولاها غدت شاكره
كفاف عيش ثم قنعٌ به
والعلم أيضًا عَمل صاهره

وقال:

عن عُلمَا عصرك لا تسألن
فإنّ أحوالهم ظاهره
نفعك من جانبهم منتفٍ
في هذه الدنيا وفي الآخره
قوم إذا لاح لهم مطمَع
تسارعوا كالأكلب العاقره
والعملُ الصالح ما بينهم
همتهم عن فعله فاتره
فجانبًا خذ عنهم تسترح
إذ قربهم صفقتك الخاسره
تقارب الأمر وبان العنا
وطمَّت الغمة والحاصره
ونفسك الزم فعسى أن تكن
مع فرقةٍ أوجُهُهَا ناضره

وقال عفا الله عنه:

لا شيء تزرعُه إلا قلعت سوى
بني آدم من يزرعه يقلعه
ولا على ذاهب يُجري الدموع دمًا
إلا الذى بالعنا والكد يجمعه
وما همومك يبكي غير نفسك أو
صديق صدقٍ وجميع منك يوجعه
وأقربُ الناس للإنسان عقربه
بل صلُّه بل دواهيه ومفجعه
فاحذر ركونًا إليه والنصيحَ أطمع
فالنصح غالٍ وأغلى من طيعه
وإن تكذب فجرب ترجعن إلى
قولى فتجربة الإنسان ترجعه
وراحة المرء في دنياه عزلته
وصمته عن سوى ما فيه منفعه
إذ السلامة عشرٌ عزلة أخذت
جُزأ وتسعٌ بصمت ذاك مجمعه
هذا هو الصدق حقًّا لا خفاء به
عن النبى رسول الله نرفعه
ولا تكن عاتبًا يومًا على أحد
إلا على حظك المنحوس مطلعه
فذاك صاحبه مَيْتٌ وتُبصره
حيًّا ولكن على الحيات مضجعه
والظلم والنكر لا تعجب إذا وقعا
واعجب لعدل ترى يومًا وتسمعه
ما أكثر الناس لو تحرص بمؤمنهم
ولا أمين على ما أنت تودعه
وبعد الأحباب من يقي يحيق به
نكر النكير فظيع الوقع موقعه
إذ المنايا إلى الإنسان ليس لها
طرق سوى فرقة المحبوب تقرعه
دع المطامع في الدنيا بأجمعها
فإنما آفة الإنسان مطمعه
الكل فانٍ وما المطموع فيه سوى
ما كان من صالح الأعمال تُوقعه
فذاك نور الفتى والأمن حين ثوى
في حُفرة قفرة عما يردعه
إليك ربي الحجازي من سُمي حسنًا
من منكرات نكير القبر مفزعه
إذ من وُقيها وُقي ما بعدها، وإذا
لم يوقها لا تسل عما يُزعزعه

وقال عفا الله عنه:

بالصفع أولى سبعة: من أتى
وليمة لم يك فيها دُعي
وخائضٌ شيئًا ولم يعنِه
ومن إذا حدَّث لم يسمع
وداخلٌ في سر قوم بلا
إذن ومن يعلو ولم يُرفع
ومن بسلطان له شوكةٌ
يَهزا، ومن يخضع للأوضع

ومن كلامه سامح الله:

أيها الآتي ضريحي
قف على قبري شِوَيّ
واقرأ القرآن عندى
ينزل الروح عليّ
كم قبورٍ زرتُ يا ذا
وأنا مثلُك حيّ
ثم ما دبَّ إليهم
بعد ذا دبّ إليّ
فتهيأ لرحيلٍ
واطوِ آمالك طيّ
لا تغرنك حياة
إنما الدنيا كفى
أين فرعون وعاد
أين نمروذ التي
أين قارون كنوز
أين هامان الدهِي
أين كسرى أين قيصر
أين شدادٌ وطي
وأناسٌ شاكلوهم
في غرور ما وغيّ
دمر الله عليهم
وشواهم أي شيّ
ولوى من تابعوهم
في البلايا أي لي
أصبحوا فرحى ثَرَاوَى
ثم أمنوا في الري
قصرت عنهم قصور
وتقاصوا في قصي
مُوعرٍ قفزٍ مخيف
موحش حشو الحشي
قائل كل ألا يا
ليت يقضي لي بِقَيّ
صالحا علي أعمل
ولعلي محض عي
ولكي أُنذر قومي
ولكي آله كي
فتَنبّه وتدبَّر
واتَّعظ مِن ذا أُخي
ما وإلا صِرت وعظًا
للورى في أيِّ في
يا مُغيثًا مستغيثًا
حين يغساه الغَشي
للحجازي حسن هب
حُسن ختم منك حي
وازو عنه نُكرَ قبر
ثم حشر أي زي
وصلاة وسلام
عدَّ ما في الكون حي
للنبي مع تابعيه
ولهم كرم وحي

وله غير ذلك كثير، اقتصرنا منه على هذا البعض، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف، رحمه الله.

ومات الشيخُ الإمام خاتمة المحدثين الشيخ/ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري منشأ، المكي مولدًا، الشافعي مذهبًا، ولد يوم الأربعاء رابع شعبان سنة ثمان وأربعين ومائة وألف ١٦٣٨م كما ذكره الحموي، وحفظ القرآن وأخذ عن علي بن الجمال، وعبد الله بن سعيد باقشير، وعيسى الجعفري، ومحمد بن محمد بن سليمان، والشمس البابلي، والشهاب البشبيشي، ويحيى الشاوي، وعلي بن عبد القادر الطبري، والشمس محمد الشرنبابلي، والبرهان إبراهيم بن حسن الكوراني، ومحدث الشام محمد بن علي الكاملي، ولَبِسَ الخرقة من يد السيد عبد الرحمن الإدريسى، والمسلسل بالأولية عن الشهاب أحمد بن عبد الغني الدمياطي، وتوفي يوم الاثنين رابع رجب سنة أربع وثلاثين ومائة وألف ١٧٢١م عن أربع وثمانين سنة، ودفن بالمُعَلَّا بمقام الولي سيد عمر العرابي قُدِّسَ سِرُّه، وقد أرَّخه بعضهم فقال:

علم الحديث مات
١٤٠ ٥٥٣ ٤٤١
١١٣٤ = ١٧٢١م

وأرخه عبد الرحمن بن علي بن سالم المكي بقوله:

محدث العصر قضى نحبه
وسار للجنة سيرًا حثيث

وفاز بالقرب فأرخته:

ابك له مات إمام الحديث
٢٣ ٣٥ ٤٤١ ٨٢ ٥٥٣
١١٣٤ = ١٧٢١م

حَدَّث عنه شيوخ العصر: ابن أخته السيد العلامة عمر بن أحمد بن عقيل العلوي، والشهاب أحمد الملوي، والجوهري، وعلاء الدين بن عبد الباقي الزجاجي الزبيدي، والسيد عبد الرحمن بن السيد عبد الرحمن بن السيد أسلم الحسيني، والشبراوي، والشيخ الوالد حسن الجبرتي، وعندي سندُه وإجازته له بخطه، والسيد المجدد محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بابن الأمير ذي الشرفين كتابة من صنعاء، والسيد العلامة حسن بن عبد الرحمن باعبديد العلوي كتابة من المخنا، والشيخ المعمّر صبغة الله بن الهداد الحنفي كتابة من خير آباد، ومحمد بن حسن بن همان الدمشقي كتابة من القسطنطينية، والشهاب أحمد بن عمر بن علي الحنفي كتابة من دمشق. كلهم عنه.

وحدث عنه أيضًا: شيخ المشايخ الشيخ المعمر محمد بن حيوة السندي نزيل المدينة المنورة، والشيخ محمد طاهر الكوراني، والشيخ محمد بن أحمد بن سعيد المكي، والشيخ العلامة إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني العجلوني الدمشقي، والشيخ عيد بن علي النمرسي الشافعي، والشيخ عبد الوهاب الطندتائي، والشيخ أحمد باعنتر نزيل الطائف، والشهاب أحمد بن مصطفى بن أحمد الإسكندري … وغيرهم. كذا (في المربي الكابلي فيمن روى عن البابلي).

ومات الرجل الصالح المجذوب الصاحي أحد صلحاء فقراء السادة الأحمدية بدمياط الشيخ/ ربيع الشيَّال. كان صالحًا ورعًا ناسكًا حافظًا لأوقاته، مداومًا على الصلوات والعبادات والأذكار، دائم الإقبال على الله. لا يُرَى إلا في طاعة. إذا أحرم في الصلاة يَصْفَرُّ لونه، وتأخذه رِعْدة. فإذا نطق بالتكبير يخيل لك بأن كبده قد تَمَزَّق، وكان يتكسب بحمل الأمتعة للناس بالأجرة، مع صرفه جميع جوارحه وأعضائه لما خُلق لأجله. توفي سنة إحدى وعشرين ومائة وألف.

ومات الشيخ المقرئ الصوفي/ محمد بن سلامة بن عبد الجواد الشافعي ابن العارف بالله تعالى الشيخ (نور الدين ساكن الصخرية من أعمال فارسكور) الصخري الدمياطي، المعروف بأبي السعود بن أبي النور أستاذ من جمع بين طريقي أهل الباطن والظاهر من أهل عصره، ولد بدمياط، ونشأ بها بين صلحائها وفضلائها. فحفظ القرآن، واشتغل بالعلوم. فتفقه بالشيخ جلال الدين الفارسكوري، وتلقى المنهج تسع مرات في تسع سنين عن العلامة مصطفى التلباني، وأخذ الطريق عن جمع من كُمَّل العارفين. ثم ارتحل إلى القاهرة فلازم الضيا المزاحي فتفقه به، وأخذ عنه فنونًا وقرأ القراءات السبع والعشر عليه، وأخذ عن العلامة ياسين الحمصي فنونًا، واجتهد ودأب وأتقن، وألف في القراءات وغيرها، وعم النفع به، وأخذ عنه جمع من الأفاضل. توفي سنة سبع عشرة ومائة وألف ١٧٠٥م.

ومات أحد الأئمة المشاهير الإمام العلامة شهاب الدين/ أحمد بن محمد النخلي الشافعي المكي، ولد بمكة وبها نشأ، وأخذ عن علي بن الجمال، وعبد الله بن سعيد باقشير، وعيسى الثعالبي، ومحمد بن سليمان، والشمس البابلي، وسليمان بن أحمد الضيلي القرشي، والسيد عبد الكريم الكوراني الحسيني، والشمس الميداني، والشهاب أحمد المفلجي الوفائي، والشيخ شرف الدين موسى الدمشقي، والشيخ إبراهيم الحلبي الصابوني، والشيخ عبد الرحمن العمادي، ومحمد بن علان البكري، والصفي القشاشى، والشيخ خير الدين الرملي، وأبي الحسن البازوري. توفي بمكة سنة ثلاثين ومائة وألف عن تسعين سنة. روى عنه: السيد عمر بن أحمد، والسيد عبد الرحمن بن أسلم الحسيني، والسيد عبد الله بن إبراهيم بن حسن الحنفي، والشهاب أحمد بن عمر بن علي الدمشقي، والملوي، والجوهري، والشبراوي، والحفني، وحسن الجبرتي، والسيد سليمان بن يحيى بن عمر الزبيدي، والسيد عبد الله بن علي الغرابي، وإسماعيل بن عبد الله الإسكَدَاري، والشهاب أحمد بن مصطفى الصباغ.

ومات الشيخ الإمام أبو العز/ محمد بن شهاب أحمد بن أحمد بن محمد بن العجمي الوفائي القاهري. خاتمة المسندين بمصر. سمع على الشمس البابلي المسلسل بالأوَّلِيَّة، وثُلاثيات البخاري، وجملة من الصحيح، والجامع الصغير … وغير ذلك، وذلك بعد عوده من مكة المشرفة. كما رأيت ذلك بخط والده الشهاب في نص إجازته لنادرة العصر محمد بن سليمان المغربي. حدَّث عنه: العلامة محمد بن أحمد بن حجازي العشماوي، والشيخ أحمد بن الحسن الخالدي، وأبو العباس الملوي، وأبو علي المنطاوي، وولده المعمر أبو العز أحمد.

ومات أبو عبد الله العلامة/ محمد بن علي الكاملي الدمشقي الشافعي الواعظ. انتهى إليه الوعظ بدمشق، وكان فصيحًا، روى عن الشبراملسي، وعبد العزيز بن محمد الزمزمي، والمزاحي، والبابلي، والقشاشي، وخير الدين الرملي. توفي في خامس عشر ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف عن سبع، وقيل عن تسع وثمانين. روى معه أبو العباس أحمد بن علي بن عمر العدوي، وهو عالٍ، والشيخ محمد بن أحمد الحنبلي.

ومات العلامة صاحب الفنون/ أبو الحسن بن عبد الهادي السندي الأثري شارح المسند، والكتب الستة، وشارح الهداية، ولد بالسِّنْد وبها نشأ، وارتحل إلى الحرمين، فسمع الحديث على البابلي، وغيره من الواردين، وتوفي بالمدينة سنة ستٍّ وثلاثين ومائة وألف.

ومات الأجلُّ العمدة بقية السلف الشيخ/ عبد العظيم بن شرف الدين بن زين العابدين بن محيي الدين بن ولي الدين أبي زرعة أحمد بن يوسف بن زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري الشافعي الأزهري من بيت العلم والرياسة. جده زكريا شيخ الإسلام عَمِرَ فوق المائة، وولده يوسف الجمال، روى عن أبيه والحافظ السخاوي والسيوطي، والقلقشندي وحفيده محيي الدين، روى عن جده، وحفيده شرف الدين والد المترجم روى عن أبيه، وعنه الأئمة أبو حامد البديري، وغيره. نشأ المترجم في عفافٍ وتقوى وصلاح مُعَظَّمًا عند الأكابر، وكان كثير الاجتماع بالشيخ أحمد بن عبد المنعم البكري، ومن الملازمين له على طريقة صالحة وتجارة رابحة، حتى مات سنة ست وثلاثين ومائة وألف، وصُلي عليه بالأزهر، ودُفن عند آبائه، وقد أرّخه محمد أبو النور الشعراني بقوله:

لا تحزنوا لي أُرخَت
جناتُ عدن أُزلفَت

ومات الشيخ العلامة/ حسن بن حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي أبو محفوظ حفيد أبي الإخلاص شيخ الجماعة ووالد الشيخ عبد الرحمن الآتي ترجمته في محله. كان فقيهًا فاضلًا محققًا ذا تؤدة في البحث، عارفًا بالأصول والفروع. رأيت له رسالة سماها: غاية التحقيق في أحكام كي الحمصة. توفي سنة تسع وثلاثين ومائة وألف.

ومات العمدة الفاضل السيد/ محمد النبتيتي السقاف باعلوي، وهو والد السيد جعفر الآتي ذكره، أحد السادة الأفراد، أعجوبة زمانه، وبُحْبُوبه أوانه، ولد باليمن، ودخل الحرمين، وبها (أي بمكة) أخذ عن السيد عبد الله باحسين السقاف، وكان يأخذه الحال فيطعن نفسه بالسلاح فلا يؤثر فيه، وكان يلبس الثياب الفاخرة، ويتزيا بزي أشراف مكة، ومن شعره قوله:

إنما الخِلطَة خَلْط ووبا
وأرى العزلة من رأي السداد
ثقةُ الإنسان عجزٌ بالورى
بعدما أُنزل في سوة صاد

يريد قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ.

توفي بمكة سنة خمس وعشرين ومائة وألف.

ومات الأجلُّ الأوحد السيد/ سالم بن عبد الله بن شيخ بن عمر بن شيخ بن عبد الله بن عبد الرحمن السقاف، ولد بجدة سنة إحدى وثلاثين وألف ١٦٢١م تقريبًا، ثم رحل به والده إلى المدينة، وبها حفظ القرآن وغيره، ثم إلى مكة، وبها سكن، واشتغل عَلَى عَلي بن الجمال، وعَلَى محمد بن أبي بكر الشلبي، في سنة اثنتين وسبعين وألف ١٦٦١م إلى وقت تأليف الكتاب، وجدّ في تحصيل المكارم والفضائل، حتى بلغ الغايات، ولبس الخرقة عن والده، وعن المحبوب، ولازمه وصحبه مدة، وله نظم حسن. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف.

ومات الحسيب النسيب السيد/ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ العيدروس، ولد بِتِرْيم، وبها نشأ، وأخذ عن السيد عبد الله بافقيه، وعن والده، وعنه أخذ السيد شيخ العيدروس وغيره، توفي ثامن عشر شوال سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف.

ومات الشيخ الإمام العالم العلامة/ محمد بن عبد الرحمن المغربي ناظم كتاب الشفاء، والمنظومة المسماة: دُرّة التِّيجان ولقطة اللؤلؤ والمرجان. توفي سنة إحدى وأربعين ومائة وألف.

ومات الإمام العلامة والنِّحْرير الفهامة الشيخ/ علي العقدي الحنفي، ولد سنة سبع وخمسين وألف. أدرك الشمس البابلي، وشملته إجازته، وأخذ الفقه عن السيد الحموي وشاهين الأرمناوي، وعثمان النحراوي، والمعقول عن الشيخ سلطان المزاحي، وعلي الشبراملسي، ومحمد الحبَّار، وعبد القادر الصفوري، ولازم عمه العلامة عيسى بن علي العقدي، وتفقه به، وبالبرهان الوسيمي، والشرف يحيى الشهاوي، وعبد الحي الشرنبلالي، ولازمه في الحديث والعلوم العقلية أكابرُ عصره كالشهاب أحمد بن عبد اللطيف البشبيشي، والشمس محمد بن محمد الشرنبابلي، والشهاب أحمد بن علي السندوبي، وأخذ عنه الشمائل، وغيرها، واجتهد وبرع، وأتقن وتفنن، واشتهر بالعلم والفضائل، وقصدته الطلبة من الأقطار وانتفعوا به، وكان كثير التلاوة للقرآن، وبالجملة فكان من حسان الدهر، ونادرةً من نوادر العصر. توفي في شهر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين ومائة وألف عن ستٍّ وسبعين سنة وأشْهُر.

ومات الإمام العلامة الشيخ/ محمد الحماقي الشافعي، ولد سنة ثلاث وسبعين وألف ١٦٦٢م، وتوفي بنخل، وهو متوجه إلى الحج في شهر القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة وألف.

ومات الإمام المحدث العلامة والبحر الفهامة الشيخ/ إبراهيم بن موسى الفيومي المالكي شيخ الجامع الأزهر. تفقه على الشيخ محمد بن عبد الله الخرشي. قرأ عليه الرسالة وشَرْحَهَا، وكان معيدًا له فهيمًا، وتَلَبّس بالمشيخة بعد موت الشيخ محمد شنن، ومولده سنة اثنتين وستين وألف ١٦٥١م. أخذ عن الشبراملسي والزرقاني، والشهاب أحمد البشبيشي، وغيرهم كالشيخ الغرقاوي، وعلي الجزايرلي الحنفي، وأخذ الحديث عن يحيى الشاوي، وعبد القادر الواطي، وعبد الرحمن الأجهوري، والشيخ إبراهيم البرماوي، والشيخ محمد الشرنبابلي … وآخرين، وله شرح على العزية في مجلدين. توفي سنة سبع وثلاثين ومائة وألف عن خمس وسبعين سنة.

ومات الجناب المكرم والملاذ المفخم الخواجا/ محمد الدادة الشرايبي، وكان إنسانًا كريم الأخلاق، طيب الأعراق، جميل السمات، حسن الصفات، يسعى في قضاء حوائج الناس، ويواسي الفقراء، ولما ثقل في المرض قَسّمَ ماله بين أولاده، وبين الخواجا عبد الله بن الخواجا محمد الكبير، وبين ابن أحمد أخي عبد الله. كما فعل الخواجا الكبير. فإنه قسم المال بين الدادة وبين عبد الله وأخيه أحمد، وكان المال ستمائة كيس، والمال الذي قسمه الدادة بين أولاده وبين عبد الله وابن أخيه، وهم قاسم، وأحمد، ومحمد جربجي، وعبد الرحمن، والطيب، وهؤلاء أولاده لصلبه، وعبد الله بن الخواجا الكبير، وابن أخيه الذي يقال له: ابن المرحوم، ألف وأربعمائة وثمانون كيسًا — خلاف خان الحمزاوي، وغيره من الأملاك، وخلاف الرهن الذي تحت يده من البلاد، وفائظُها ستون كيسًا، والبلاد المختصة به أربعون كيسًا، وذلك خلاف الجامكية والوكائل والحمامات، وثلاث مراكب في بحر القُلزوم، وكل ذلك إحداث الدادة، وأصل المال الذي استلمه الدادة في الأصل من الخواجا محمد الكبير — سنة إحدى عشرة ومائة وألف ١٦٩٩م — تسعون كيسًا، لما عجز عن البيع والشراء، ولما فعل ذلك وقسم المال بين الدادة وبين عبد الله وأخيه بالثلث غضب عبد الله، وقال: هو أخ لنا ثالث. فقال أبو عبد الله: والله لا يُقسم المال إلا مناصفة، له النصف، ولك ولأخيك النصف، وهذا الموجود كله لسعد الدادة ومكسبه. فإني لما سلمته المال كان تسعين كيسًا، وها هو الآن ستمائة كيس خلاف ما حدث من البلاد والحصص والرهن والأملاك. فكان كما قال: وكان جاعلًا لعبد الله مرتبًا في كل يوم ألف نصف فضة برسم الشبرقة، خلاف المصروف والكساوي له ولأولاده ولعياله، إلى أن مات يوم السبت سادس عشر رجب سنة سبع وثلاثين ومائة وألف، وحضر جِنازته جميع الأمراء والعلماء، وأرباب السجاجيد، والوجاقات السبعة، والتجار، وأولاد البلد، وكان مشهده عظيمًا حافلًا بحيث إن أول المشهد داخل إلى الجامع، ونعشه عند العتبة الزرقاء، وكان ذكيًّا فهيمًا دَرَّاكًا سعيد الحركات، وعلى قدر سعة حاله، وكثرة إيراده ومصرفه لم يتخذ كاتبًا، ويكتب ويَحْسُب لنفسه.

ومات الشيخ الإمام العالم العلامة مفرد الزمان، ووحيد الأوان/ محمد بن محمد بن محمد بن الولي شهاب الدين أحمد بن العلامة حسن بن العارف بالله تعالى علي بن الولي الصالح سلامة بن الولي الصالح العارف بدير بن محمد بن يوسف شمس الدين أبو حامد البديري الحسيني الشافعي الدمياطي. مات جده بدير بن محمد سنة ستمائة وخمسين ١٢٥٢م في وادي النسور، وحفيده حسن مَّمْن أخذ عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري. أخذ أبو حامد المترجم عن الشيخ الفقيه العلامة زين الدين السلسلي إمام جامع البدري بالثغر، وهو أول شيوخه قبل المجاورة. ثم رحل إلى الأزهر فأخذ عن النور أبي الضياء علي بن محمد الشبراملسي الشافعي، والشمس محمد بن داود العناني الشافعي قراءة على الثاني بالمدرسة بالجنبلاطية خارج مصر القاهرة، والإمام شرف الدين بن زين العابدين بن محي الدين بن ولي الدين بن يوسف جمال الدين بن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والمحدث المقري شمس الدين محمد بن قاسم البقري شيخ القراء والحديث بصحن الجامع الأزهر، والشيخ عبد المعطي الضرير المالكي، وشمس الدين محمد الخرشي، والشيخ عطية القهوقي المالكي، والشيخ المحدث منصور بن عبد الرزاق الطوخي الشافعي إمام الجامع الأزهر، والشيخ المحدث العلامة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي الشافعي النقشبندي، والمحقق شهاب الدين أحمد بن عبد اللطيف البشبيشي الشافعي، وحيسوب زمانه محمود بن عبد الجواد ابن العلامة الشيخ عبد القادر المحلي، والعلامة الشيخ سلامة الشربيني، والعلامة المهندس الحيسوب الفلكي رضوان أفندي بن عبد الله نزيل بولاق.

ثم رحل إلى الحرمين، فأخذ بهما عن الإمام أبي العرفان إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكوراني، في سنة إحدى وتسعين وألف ١٦٨٠م، والسيدة قريش وأختها بنت الإمام عبد القادر الطبري. في سنة اثنتين وتسعين وألف ١٦٨١م. رَوَى وحَدَّثَ وأفاد وأجاد. أخذ عنه الشيخ محمد الحفني وبه تخرج، وأخوه الجمال يوسف، والشيخ العارف بالله تعالى: السيد مصطفى بن كمال الدين البكري وهو من أقرانه، والفقيه النحوي الأصولي محمد بن عيسى بن يوسف الدنجيهي الشافعي، والعلامة عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن محمد البشبيشي الشافعي الدمياطي، ومصطفى بن عبد السلام المنزلي. توفي المترجم أبو حامد بالثغر سنة أربعين ومائة وألف.

ومات العلامة الهمام/ محمد بن أحمد بن عمر الإسقاطي الأزهري نزيل أدلب، كان جل تحصيله بمصر على والده، وبه تخرج وتفنن، وصار له قدم راسخ وله مشايخ آخرون أزهريون، وحصل بينه وبين والده نزاع في أمر أوجب خروجه إلى بر الشام، فلما نزل أدلب تلقاه شيخ العلماء بها أحمد بن حسين الكاملي، فأنزله عنده وأكرمه غاية الإكرام، وأرشد الطلبة إليه، فانتفعوا به جدًّا، ولم يزل مفيدًا على أكمل الحالات حتى مات سنة تسع وثلاثين ومائة وألف.

ومات الشيخ العلامة الزاهد/ إلياس بن إبراهيم الكوراني الشافعي، ولد بكوران سنة إحدى وثلاثين وألف ١٦٢١م، وأخذ العلم بها عن عدة مشايخ، وحج ودخل مصر والشام، وألقى بها عصا التسيار عاكفًا على إقراء العلوم العقلية والنقلية، وكان على غاية من الزهد، وروى عنه شيوخ العصر كالشيخ أحمد الملوي، والشهاب أحمد بن علي الميني، وله المؤلفات والحواشي. توفي بدمشق بمدرسة جامع العراس بعد العصر من يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقين من شعبان سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة وألف، ودُفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من قبر الشيخ نصر المقدسي رحمه الله.

ومات الإمام العالم العلامة المحدث أبو عبد الله/ محمد بن علي المعمر الكاملي الدمشقي الشافعي، ولد سنة أربع وأربعين وألف ١٦٣٤م، وأخذ العلم عن جماعة كثيرين، وروى وحدَّث، وانتهى إليه الوعظ بدمشق، وكان فصيحًا، وإذا عقد مجلس الوعظ تحت قبة النسر غصت أركانها الأربعة بالناس، وكان يحضره في دروس الجامع الصغير كثير من الأفاضل، وتزدحم عليه الناس العوام لعذوبة تقريره، روى عنه ولده عبد السلام، ومحمد بن أحمد الطرطوسي، والشيخ أبو العباس أحمد المنيني. توفي في منتصف القعدة سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف.

ومات الأستاذ بقية السلف الشيخ مصلح الدين بن أبي الصلاح/ عبد الحليم بن يحيي بن عبد الرحمن بن القطب سيدي عبد الوهاب الشعراني قدس سره. جلس على سجادة أبيه وجده، وكان رجلًا صالحًا مهيبًا مجذوبًا، توفي يوم الثلاثاء تاسع ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وألف، ولم يعقب إلا ابنته، وابن عمة له، وهو سيدي عبد الرحمن استخلف بعده، وابن أخت له من إبراهيم جربج باشجاويش الجاويشية. جعلوا لكل منهم الثلث في الوقف، وحرر الفائظ اثني عشر كيسًا.

ومات الأستاذ المجذوب الصاحي الشيخ/ أحمد بن عبد الرزاق الروحي الضماطي الشناوي الجمال. كان والده جمالًا من أتباع المشايخ الشناوية، وحفظ القرآن، واشتغل بالذكر والعبادة، إلى أن حصل له جذبة، وربما اعتراه استغراق، وكان من أكابر الأولياء أصحاب الكرامات. توفي في رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وألف.

ومات الأستاذ العلامة/ أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطي الشافعي الشهير بالبناء، خاتمةَ من قام بأعباء الطريقة النقشبندية بالديار المصرية، ورئيس مَنْ قصد لرواية الأحاديث النبوية، وُلد بدمياط، ونشأ بها، وحفظ القرآن، واشتغل بالعلوم على علماء عصره، ثم ارتحل إلى القاهرة، فلازم الشيخ سلطان المزاحي، والنور الشبراملسي فأخذ عنهما القراءات، وتفقه بهما، وسمع عليهما الحديث، وعلى النور الأجهوري، والشمس الشوبري والشهاب القليوبي، والشمس البابلي، والبرهان الميموني، وجماعة آخرين، واشتغل بالفنون، وبلغ من الدقة والتحقيق غاية قَلَّ أن يدركها أحد من أمثاله.

ثم ارتحل إلى الحجاز، فأخذ الحديث عن البرهان الكواراني، ورجع إلى دمياط وصنف كتابًا في القراءات سماه: إتحاف البشر بالقراءات الأربعة عشر. أبان فيه عن سعة اطلاعه، وزيادة اقتداره حتى كان الشيخ أبو النصر المنزلي يشهد بأنه أدق من ابن قاسم العبادي، واختصر السيرة الحلبيبة في مجلد، وألف كتابًا في أشراط الساعة سماه: الذخاير المهمات فيما يجب الإيمان به من المسموعات، وارتحل أيضًا إلى الحجاز، وحج وذهب إلى اليمن؛ فاجتمع بسيدي أحمد بن عجيل ببيت الفقيه. فأخذ عنه حديث المصافحة من طريق المعمرين، وتلقن منه الذكر على طريق النقشبندية، وحل عليه إكسير نظره، ولم يزل ملازمًا لخدمته إلى أن بلغ مبالغ الكمل من الرجال، فأجازه، وأمره بالرجوع إلى بلده، والتَصَدِّي للتسليك، وتلقين الذكر.

فرجع وأقام مرابطًا بقرية قريبة من البحر المالح تسمى بعزبة البرج، واشتغل بالله، وتَصَدَّى للإرشاد والتسليك، وقُصد للزيارة والتبرك، والأخذ والرواية، وعم النفع به، لا سيما في الطريقة النقشبندية، وكثرت تلامذته، وظهرت بركته عليهم، إلى أن صاروا أئمة يقتدى بهم، ويتبرك برؤيتهم، ولم يزل في إقبال على الله تعالى، وازدياد من الخير إلى أن ارتحل إلى الديار الحجازية، فحج، ورجع إلى المدينة المنورة. فأدركته المنية بعد شيل الحج بثلاثة أيام في المحرم سنة سبع عَشرةَ ومائة وألف، ودفن بالبقيع مساء، رحمه الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤