ويلز

فيلسوف الصحافة
figure

الصحافة أدب جديد لم يكن يعرفه أسلافنا، غايته أن يرتبط الكاتب بمجتمعه ويكتب عن عصره ويدرس مشكلاته. ولهذا الأدب قواعده بل سُننه التي يجب أن يلتزمها الصحفي. وإذا كانت البلاغة لم تدرس إلى الآن هذا النوع من الأدب؛ فذلك لأنها تبني قواعدها على حال اجتماعية قد مضى عليها أكثر من ألف سنة، ومن هنا عقم هذه القواعد في عصرنا وخيبة نتائجها.

قواعد البلاغة القديمة تعلمنا كيف نكتب في جِد الجاحظ، أو هزل الحريري، ولكن الصحفي الذي يكتب عن شئون البورصة، أو الفيتامين الجديد في الخميرة، أو مناقشات مجلس النواب، أو نقل البريد بالطائرات، أو القنبلة الذرية يجد قصورًا عظيمًا في لغتي الجاحظ والحريري وبلاغتيهما. وإذا كان الأديب يكبر بمقدار مسئولياته، فإن الصحفي هو أعظم الأدباء في عصرنا؛ لأن أعظم ما يؤثر في الجمهور ويغيره ويوجهه للخير أو للشر هو الجريدة؛ وذلك لقوة الإيحاء الذي ينشأ من تكرار ظهورها كل يوم أو كل أسبوع. ولذلك أول شرط لبلاغة الأدب الصحفي أن يكون من يمارسه أمينًا لقرائه مخلصًا لمثلياته ومبادئه، لا يخون ولا ينحرف؛ لأن في خيانته أو انحرافه إفسادًا للقراء وبعثًا للشر. ثم يجب أن يكون على دراسة مثابرة للمشكلات العامة؛ إذ هي موضوعه الذي يتجدد كل يوم.

ومهمته هنا أن ينير ويرفع مستوى البحث من ظلام الجهل والعمية إلى نور المعرفة والثقافة، وأيضًا من العاطفة إلى التعقل. ويجب أن تكون له أهداف فلسفية يتجه بها ويوجه قراءه إليها. والفلسفة ألزم للصحفي مما هي لأي أديب آخر لقوة التوجيه التي يملكها أكثر مما يملكها أي أديب آخر.

وقد يضحك قارئ الصحيفة الأسبوعية المبهرجة من كلماتي هذه، ولكني أذكِّره بأن أعظم من مارسوا الصحافة في مصر هو لطفي السيد، وهو فيلسوف يهتم بأرسطوطاليس كما يهتم بترقية الزراعة أو الصناعة. وكذلك الشأن على مدى أوسع في صحف أوروبا وأمريكا، وصحافة بلا فلسفة هي صحافة العوام يكتبون للعوام.

لقد عرفت أديبين صحفيين من أعظم أدباء العصر هما برنارد شو وﻫ. ج. ويلز. كان كلاهما يكتب في الصحف، ويؤلِّف الكتب، ولكن مؤلفاتهما هي أدب صحفي ممتاز؛ ولأنه ممتاز قد جُمع وحُفظ في صيغة الكتاب. وما من كتاب ألَّفه هذا الاثنان إلا وهو يعالج مشكلة بشرية أو اجتماعية أو اقتصادية يجب أن تعالجها الصحيفة اليومية أو الأسبوعية. ومؤلفاتهما قد لا تقل عن مائة مجلد، وقد كان من حظي أن أرافقهما وأتعلم منهما نحو نصف قرن، فقد كتب برنارد شو عن فضائح الإنجليز في دنشواي، وعن الأثمان والأسهم في البورصة، وعن المجلس البلدي في لندن، وعن الحب والزواج، وعن الإلحاد والإيمان، وعن التأميم، وعن الحرب والسلم، وعن اللغة والهجاء، وكل هذه الموضوعات صحفية. وكذلك الشأن في ﻫ. ج. ويلز، فقد كان آخر ما كتبه قبيل وفاته بأيام مقالًا عن أخطار القنبلة الذرية، وقد دعا إلى الإيمان بالأديان بقوة وتكرار وإلحاح، ثم رأى أن يدعو دعوةً أخرى مضادة استغرقت سائر حياته. ولكنه كان مخلصًا حتى عندما نُعدُّه ضالًّا منحرفًا، وكان مخلصًا في الدعوتين؛ لأنه كان متطورًا.

وحياة ويلز الأدبية منذ شرع يكتب حوالي عام ١٨٩٥ إلى وفاته في عام ١٩٤٥ هي تاريخ نصف قرن من التطور الذهني لكاتب عظيم إزاء التطورات والانقلابات العلمية والاقتصادية والسياسية، ومؤلفاته الأولى كلها تفاؤل واستبشار بالمستقبل؛ العلوم تسود المعارف وتغربلها، تزويد سلطة الإنسان على الأرض والماء والسماء، الأمراض تهزم وتنمحي، المحصولات الزراعية تزيد وتلغي الجوع، الروح التنظيمي يعم العالم بالاشتراكية والتعليم يزداد. أجل وسوف تؤلف لجنة عالمية تتصل بعصبة الأمم أو بالأمم المتحدة تؤلف موسوعة من نحو ثلاثين أو أربعين مجلدًا، ثم تترجم إلى جميع لغات العالم، وعندئذٍ تتداول جميع الشعوب هذه المعارف المثقفة بأرخص الأثمان، ويدخل ويلز في التفاصيل فيقول: يجب أن نؤلِّف هذه الموسوعة على مبدأ الورق السائب بحيث يستطيع المقتنون للموسوعة أن يستبدلوا بالأوراق التي قدمت وعقمت معارفها أوراقًا جديدة تحوي المعارف الجديدة، وتبقى الموسوعة بهذه الطريقة يطرد تجددها على مدى السنين.

وهذا الاستبشار بالمستقبل يملؤه طربًا، فهو داعية حب وخير وإيمان، حتى ليكتب عن الكوارث التي وقعت بأيوب، وهو أيوب عصري، وليس نورانيًّا، بحيث يذهب المال والولد والنسل والضرع، يذهب كل شيء، ولكن يبقى الإيمان، الإيمان بالله ملك الملوك.

ثم تأتي الحرب الكبرى الأولى فيخمد شيء من هذا اللهب، ولكن يبقى منه شيء كبير. إذا هو يؤلِّف لنا في عام ١٩١٩ تاريخًا للعالم كله يقول فيه إننا أمة واحدة، وإن هذه الدنيا قريتنا الكبرى التي يجب أن ننظمها ونخطط حركة المرور فيها، وإننا يجب أن نتهيأ لإيجاد حكومة واحدة مع إدارة عامة موحدة للتعليم في دول الدنيا. ولكن بعد عشر سنوات نرى هذا الاستبشار بالمستقبل يتقهقر، فهو غاضب حانق يائس، وهو يدعونا إلى مادية صرفة، مادية منظمة يتوافر فيها الطعام والمسكن والمعرفة، ويقول إن هذا هو الدين. وبعد أن كان يستخرج من التوراة شخصية معذبة ينقلها إلى عصرنا ويثقلها الهموم والمتاعب، وينتهي بها بعد كل ذلك إلى الإيمان والرضا والفرح، يعود بعد عام ١٩٣٠ فيجمع أشياء أخرى من التوراة يهاتر بها ويسب ويقدح. حتى إذا بلغ عام ١٩٤٥ يعمه اليأس العلمي الذي كان أساس الأمل من قبل، فيتحدث عن انقراض البشر بالقنبلة الذرية.

•••

لقد عشت مع هذا الإنسان وأحببته، وإليه أعزو روح الجد في برنامجي الثقافي والآفاق الموسوعية في معارفي، والاتجاه الديني الذي أتجهه في الصحافة فضلًا عن التأليف، فإني أدرس جغرافية هذا العالم وتاريخه بالروح الديني، واهتمامي بما يجري في إسبانيا على أيدي الفاشيين، أو في الصين على أيدي الشيوعيين، يفوق اهتمامي بشئوني الشخصية، وأحداث العالم الكبرى يزيد وقعها في نفسي على الكوارث التي تقع بشخصي ومشكلة القنبلة الذرية هي أكبر من أن أقول إنها مشكلة لي. ولم أكره ولز إلا في يوم واحد، وذكري لهذه الكراهة يدل على أنها حزَّت في نفسي حزًّا لم يبرأ إلى الآن؛ ذلك أنه قال في مقال صحفي إنه لو كان على سفينة ومعه برنارد شو وبافلوف العالم الروسي، ثم تعرضت السفينة للغرق واضطر إلى الاختيار بين إنقاذ شو أو إنقاذ بافلوف لأنقذ بافلوف دون شو.

وآلمتني هذه الكلمة كما آلمت برنارد شو كثيرًا حتى إنه كررها في مضض. وعندي أنه لو كانت نفس برنارد شو من ذهب، فإن نفس ويلز من طين، حتى لو قيل لي إن الطين أنفع من الذهب. وأستطيع أن أقول لروح ويلز: أنت روح من طين؛ لأن ويلز لم يجنَّ هذا الجنون المقدس الذي رأيناه من شو في حادث دنشواي، أين كانت بشريتك التي تزعم أنها ديانتك السيامية حين شنق أبناؤنا وجلدوا أمام أمهاتهم وأبنائهم وزوجاتهم وآبائهم؟ لقد كنت أنخرس حين نطق، بل حين صرخ برنارد شو.

وبافلوف عالم سيكولوجي، وشو أديب ولكنه في أدبه يعلو على العلم، ونزعة ويلز العلمية هي التي أسقطته هذه السقطة.

نشأ ويلز في بدرون الحياة الاجتماعية؛ إذ كانت أمه خادمة في منزل لأحد الأثرياء، وأول ما يذكره من ذكريات الطفولة هو رؤية لأحذية الناس وهم يسيرون على طوار الشارع، وهو قاعد في أسفل الطبقة البدرونية يتطلع من النافذة إليهم فيرى أحذيتهم دون وجوههم، وله كتاب أو رسالة تدعى «تَعِسُ الأحذية».

واستطاع أن يتعلم ويصل إلى كلية العلوم حيث تخصص في البيولوجي — أي «علم الحياة» — وألَّف كتابًا عن تشريح الأرنب. وكان الدكتور هيوم، الذي كان يدير مصلحة الجيولوجيا في حكومتنا، زميله في الكلية. وحوالي عام ١٨٩٠ حين شرع ويلز يكتب كانت الأصداء للمناقشات الفلسفية والعلمية لنظرية التطور تتردد في ذهنه، ومن هنا مؤلفاته الأولى التي تنزع إلى الخيال العلمي وتجري على نسق «جول فيرن»، وإن تكن على مستوًى أعلى، وهي تتدرج من التافه مثل قصة «طعام الآلهة» إلى الجليل مثل «حرب العوالم».

ورويدًا رويدًا ينجذب العَالِم ويلز إلى الأدب والفلسفة والاقتصاد والسياسة بضغط الحوادث؛ إذ هو يعيش في مجتمع حي ويقرأ صحفًا مرآوية تنقل إليه صورة العالم المعذب بالإمبراطورية البريطانية والاستعمار الفرنسي، والتعطل الذي يشقي ملايين العمال، والجهل إلى يعم الفقراء والمرض الذي يُبليهم، فيشرع في الدراسة وينتهي إلى تأليف كتاب «عوالم جديدة للقدامى» يقول فيه إن العلاج الوحيد للعالم هو الاشتراكية، وليس شيء غير الاشتراكية.

وهنا يتعين موقفه فهو اشتراكي ارتقائي يساري، وعندئذٍ يدعوه زعماء الجمعية الفابية كي يكون عضوًا فيها حتى تنتفع بمواهبه الأدبية في نشر الاشتراكية. ويدخل الجمعية ويلقي المحاضرات، ولكنه يصطدم ببرنارد شو، وينهزم فيخرج من الجمعية، فهذه هي الحزازة الأولى بين الأديبين، وقد تركت على لسانه مرارة جعلته ينطق بتلك الكلمات الحاقدة عن موت برنارد شو وحياة بافلوف.

وكان الخلاف بشأن برنامج الجمعية، فإن ويلز أصر على أن يكون ضمن هذا البرنامج، وفي أساسه تحرير المرأة، والتحرير هنا يزيد عشرة أضعاف على ما يفهمه القارئ المصري عن معنى التحرير. وعارض برنارد شو هذا الاقتراح، لا لأنه يكره التحرير؛ بل لأنه كان يرى أن الجمعية يجب أن يقتصر نشاطها على نشر الاشتراكية، وحسبها هذا دون التطلع إلى أية دعوة أخرى.

حدث هذا حوالي عام ١٩٠٦، ومن ذلك العام إلى يوم وفاته في عام ١٩٤٥ نجد في ويلز المجاهد المتوسع في جهاده، وجهاده هذا للعالم وليس لبريطانيا وحدها، فهو يدعو إلى إيجاد قانون أساسي عام ينص فيه على حق كل إنسان، فلكل إنسان الحق في العيش وفي العمل، كما أن له حق التفكير والعمل، وكذلك الحق في المعرفة؛ أي يجب أن يتعلم.

وهو يدعو إلى ارتباطات ونظم عالمية لا تزال في نمو وارتقاء، حتى تتقلص الحكومات العديدة القائمة وتزول في حكومة عالمية واحدة، وهو يدعو إلى إيجاد قانون عام لصيانة الثروات العامة باعتبارها ملكًا مشاعًا للأمم، للبشر، أي يجب أن يحافظ على مناجم الفحم في إنجلترا أو عيون البترول في إيران، وغابات أفريقيا والهند ووحوش الغابات، باعتبار أن كل هذه الكنوز إنما هي ملك عام مشاع للبشر، وليس للأمة أن تستأثر بواحد منها.

وهو يطلب التنظيم العلمي للإنتاج، ويذكرنا أن مدينة برمنجهام وحدها تستخدم من القوة في أيامنا لإنتاج مصنوعاتها مقدار ما كانت تستخدمه بريطانيا جميعها أيام الملكة إليصابات حوالي عام ١٦٠٠، وأن العلم هو الذي أدى إلى ذلك، وأننا حين نستخدم العلم في الزراعة والصناعة والبناء في أقطار العالم، فإن الجوع يزول كما أن الوقت يتوافر لجميع أبناء البشر كي يهنئوا بالسعادة، وكي يتعلموا طوال أعمارهم.

والتعليم هو وسواس ويلز، وسواسه النبيل؛ فإنه يرى أن التنظيم العلمي لأحوال عالمنا جدير بأن يهيئ الفرصة لكل إنسان كي يحظى بتعليم جامعي. وبداية هذا التعليم هو إخراج الموسوعة التي أشرنا إليها.

لست أشك في أن هناك من يحبون أن يسألوني حين أكتب عن أحد الأدباء عن قيمته الفنية، وإذن ما هي قيمة ويلز الفنية؟

وجوابي أن الفن؛ أي العناية بالتعبير الجميل، وتصوير الأهداف، والصور الجميلة ليست في ويلز أو شو أو تولستوي أو أي أديب آخر أحببته، وإنما أحببته لأنه انغمس في مهمة أكبر وأخطر وأجلَّ وأسمى من هذا الذي يسميه البادئون والذاهلون والمموهون فنًّا.

أين يكون الفن في حبل المشنقة الذي يمسح بالصابون كي يأخذ بعنق المشنوق، ويضغطه كما يقول تولستوي؟ أين يكون الفن في البَغِيِّ تبيع عِرضها لكل قادم كي تجد القروش التي تأكل بها كما يقول برنارد شو؟ أين يكون الفن في ويلز وهو يكافح من أجل التنظيم العالمي، ويبحث الوسائل لإلغاء الحروب والجوع والجهل؟

الحق أن قصص ﻫ. ج. ويلز ودرامة برناد شو هي جميعها لإبراز الأفكار، وليست لإبراز الأشخاص، وهي جميعها لعرض المشكلات وليست للفن، لقد عالج هؤلاء المؤلفون أقذارنا وقروحنا، ولطخوا أيديهم في المعالجة بالوحل والدم، كي نتعلم النظافة والصحة، فلم يجدوا مع الوحل والدم مجالًا للفن، فإذا ذكرت لي أن دستوفسكي قد عالج الوحل والدم وكان مع ذلك فنانًا، فإني أجيب بأنه لم يكن من البشر إنه كان قديسًا فوق البشر. وأخيرًا يجب أن نختم الكلام عن ويلز بأن نتعمق قلبه ونسأل عن إيمانه وديانته.

والقارئ لمؤلفاته العديدة يستطيع أن يقول إن هذا الإيمان أو هذه الديانة هما العالمية أو البشرية، من حيث إن تنظيم العالم يؤدي في النهاية إلى خدمة البشر. وقد انتهى إلى النفور من الغيبيات، بل إلى القول بضرورة مكافحتها، وألَّف في ذلك رسائل وكتبًا. وعند ويلز أن الدين، وهو الدين البشري، ضرورة حتمية للنفس، وهو يعرفه بأنه تشوف الإنسان إلى ما هو أعلى منه وسعيه لمصلحة عالمية تعلو على مصلحته الشخصية، وهو يقول هنا إنه ليس هناك هناءة أو سعادة إلا حين نلغي ذواتنا ومصالحنا في سبيل ذات ومصلحة تعلوان علينا، وهذه الذات هي البشرية جميعها وهذه المصلحة هي العالم كله، والهدف الذي يهدف إليه هذا الإيمان هو بكلمات ويلز نفسها: «الانتصار المتدرج على الجوع، والعطش، والمناخ، والمادة، والقوة الآلية، والألم الجسمي، أو العقلي، والفضاء، والمسافة، والوقت، وعلى الأشياء التي تبدو لنا كأنها قد فقدت في الماضي، وكذلك على الأشياء الممكنة في المستقبل. وسيبقى نوعنا، النوع البشري، في امتداد هذا الكون الأوسع كي نعيش فيه على وجدان أكبر.»

كلمات مادية صرفة، ولكنها تهدف إلى خدمة البشر فاختراع آلة «لتكييف الهواء» هو انتصار على المناخ فهو دين، ومخترع البنسيلين هو رجل دين أيضًا؛ لأنه تغلب بهذا العقار على ألم جسمي أو عقلي، فإذا سألنا ويلز: ما هي هذه البشرية التي تهدف في ديانتك إلى خدمتها، لأجاب بأنها البشرية المتدرجة في التفوق، وقبل سنين دعته جريدة الماتان الفرنسية إلى أن يدلي برأيه بشأن المشروع الذي كانت تعده الحكومة؛ كي تصدر قانونًا لمساعدة العائلات على زيادة التناسل، فكتب يقول بأن الآباء الذين يستحقون هذه المساعدة هم الأكفاء جسمًا وعقلًا، أما من كانوا غير أكفاء؛ أي مَن كانوا ناقصين في صحة الجسم أو صفاء العقل، فليس من المصلحة البشرية أن ندعوهم إلى زيادة التناسل، وهذا اتجاه تطوري دارويني. أجل إن نظرية التطور قد غمرت العالم المثقف بروح ديني جديد؛ لأن الإنسان يجب أن يُعلى عليه؛ إذ هو مَعْبر بين القرد والسبرمان.

ويلز فيلسوف الصحافة، هو ثمرة الاندفاع العلمي في القرن التاسع عشر، قد وجد في ديمقراطية القرن العشرين الجديدة ميدانًا لتعاليمه؛ لأن هذه الديمقراطية عممت التعليم بالمدارس، حتى أصبح العالم الإنجليزي يطبع في العام أكثر من عشرين ألف كتاب جديد، وهذه زيادة على مئات الجرائد اليومية والمجلات التي تعلم وتثقف هؤلاء المتعلمين الديمقراطيين وكان ويلز قوة توجيه لهم، وكانت النبرة العالمية في صوته هي: هذا العالم هو عالمنا، هو قريتنا، هو حديقتنا وعلينا أن نصلحه وننظمه.

وإني أكتب هذه الكلمات في صبيحة أول يناير من عام ١٩٥١ اليوم الأول من النصف الثاني من القرن العشرين فأحس كلمات ويلز بل أحس قوة الصدق فيها؛ ذلك أننا قبل أربعين أو خمسين سنة كنا نقول إن حربًا قد تقع بين دولتين أو ثلاث دول لا شأن لنا بها، ولكن هذا القول لم يعد يصدق في أيامنا، فإن حربًا تقع بين روسيا وأمريكا هي حرب أهلية للعالم كله، هي قتال جنوني يشتبك فيه جميع سكان هذه القرية، هذا العالم، في تشنجات دموية تزلزل وتحطم … هذه هي عبارة ويلز وهذه هي رسالته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤