نيتشه أو فتنة الشباب

figure

اثنان انخدعت بهما سنوات كثيرة، أولهما: فيسمان الذي غرس في ذهني أن الصفات المكتسبة لا تورَّث، وإحساسي الآن نحو هذا الرجل هو البغض. أما الثاني: فهو نيتشه الذي خدعني، فافتننت به سنوات، قبل أن أتخلص منه، وإحساسي نحوه هو الحب.

وقد عرفت نيتشه في عام ١٩٠٩ وكنت منغمسًا في نظرية التطور، وكان «تنازع البقاء» و«بقاء الأصلح» و«الطبيعة حمراء بين الناب والمخلب» من المعاني التي أقبلها في صمت وتسليم، وهذه المعاني جميعها تنقض الديانات التي تقول بالرحمة والتعاون والإخاء البشري وحماية الضعيف.

وهبط عليَّ نيتشه كما لو كان وحيًا أو كشفًا، نثرٌ ساحرٌ كأنه أبيات من الشعر، وخيال يرتفع إلى آفاق المستقبل، وجرأة تكاد تجمِّد ذهن الناشئ رهبةً وجزعًا، أو تنفضه حماسة وطربًا. ثم إلى ذلك فلسفة تعلو على برود المنطق، وتأخذ بحماسة الإيمان وغلواء التفاؤل، وفي كل ذلك ارتباط بالتطور، «إني أعلمكم علم السبرمان، أو الإنسان الأعلى، ما هو القرد إزاء الإنسان؟ أضحوكة أو خزي، وكذلك يجب أن يكون الإنسان إزاء السبرمان، أضحوكة أو خزي! إنما الإنسان معبر أو جسر يصل بين القرد والسبرمان، سوف يكون السبرمان ازدهارًا وخيرًا وتعبيرًا نهائيًّا للأرض، أستحلفكم أن تكونوا أمناء للأرض، وأن تكفوا عن التطلع إلى النجوم تنشدون منها آلامًا ومكافآت، إن عليكم أن تضحوا بأنفسكم للأرض حتى يتاح لها أن تنجب يومًا ما السبرمان … الإنسان شيء يعلى عليه، فماذا فعلتم كي تعلوا عليه؟»

كلمات رائعة كان وقعها في نفسي، وأنا حوالي العشرين، وحيًا أو كشفًا، فتعلقت به، وكتبت عنه مقالًا في مجلة المقتطف في عام ١٩٠٩ بعنوان: «نيتشه وابن الإنسان».

وقد كانت نظرية التطور جديدة في أوروبا، وكانت تكشف عن صورة وحشية للتطور، وقد استلهم منها أعداء المسيحية برهانًا جديدًا يقيمونه لنقضها، وكانوا قبل ذلك يقنعون بالمقارنات التاريخية بين الأناجيل، يوضحون زيف الأساطير في الدين، ولم يكن يجرؤ أحدهم على القول بأن الأخلاق المسيحية ليست هي الأخلاق المثلى، أو أنها تؤخر البشرية أو أن هناك ما هو أرقى منها. ولكن نيتشه لم يبالِ الأساطير أو المعجزات؛ إذ عمد إلى دعوة المسيحية التي امتازت بها وهي الرحمة وحب المعجزات وحب المساكين والضعفاء، فحمل عليها ووجد فيها ميدانًا لبحث القيم والأوزان التي يعيش بها الأوروبيون المسيحيون، فقال إن هذه الأخلاق تعارض بقاء الأقوياء «الصقور» وتصدهم عن حقهم الذي تنطق به الطبيعة، وهو أن الصقر يجب أن يأكل العصفور، فإن بين البشر عصافير ضعفاء يستحقون الفناء، كما أن بينهم صقورًا قوية تستحق البقاء، وهو في هذا المنطق لا يذكر داروين، مع أن القارئ لمؤلفاته لا يتمالك أن يذكر نظرية التطور.

ونيتشه أديب من الطراز الأول، وهو أيضًا لغوي وفيلسوف، ومن هنا سحره الذي لا يقاوم، فإنه يفكر تفكير الفيلسوف ويكتب بلغة الأديب، وهو يرجع بحثه إلى التاريخ.

فإن الرومانيين القدماء كانوا قبل أن يعتنقوا المسيحية يتخذون السيف شعارًا والقوة مذهبًا، وكانت أخلاقهم تنزع إلى البطولة كما يتضح من كلمة Virtue ومعناها الفضيلة، فإنها مشتقة من كلمة Vir ومعناها الرجولة، فالفضيلة كانت عند الرومانيين صفة الرجولة أو أهم خصائصها. ولكن المسيحية جاءت في زعم نيتشه فاستبدلت بالرجولة والبطولة ضعفًا زريًّا نرى نتائجه في شعوب أوروبا الحاضرة حيث تتفشى الأمراض وتكاد تكون خالدة؛ لأننا نحمي كل مريض ونعنى بعلاجه.

ولد نيتشه في عام ١٨٤٤ ومات في عام ١٩٠٠ وكان أبوه قسيسًا، كما كانت أمه امرأة متدينة، وقد هُيِّئ لأن يدرس في كلية دينية كي يكون قسيسًا، ولكنه التفت إلى اللغات فبرع فيها، ومن تحليل الكلمات القديمة استطاع أن يحلل التطور الأخلاقي في أوروبا، ونستطيع أن نلخِّص فلسفته بأنها ترمي إلى أن تجعل غاية الحياة خدمة الأقلية من الشخصيات السامية، وليس خدمة الأكثرية أو سواد الأمة، وهو هنا بالطبع غير ديمقراطي، بل عدو الديموقراطية، وهو بكلمة أخرى يطلب أخلاق السادة بدلًا من أخلاق «القطيع» كما يصف سواد الشعب. ومما ينبهنا هنا أن هتلر كان كبير الإعجاب به، وقد أهدى مجموعة فاخرة من مؤلفاته إلى موسوليني، وكلاهما — أي هتلر وموسوليني — كان عدوًّا للديمقراطية، ولكننا لا نعني من هذا القول أن نيتشه يحمل قارئه على الاعتقاد بأن الفاشية نظام حسن، فإن فيه أحيانًا من سمو الفكرة ونضج الحكمة ما يجعلنا نشمئز من المقارنة بينه وبين هذين الطاغيتين.

ونحن نضحك منه حين يقول: «اللحادون والمسيحيون، والبقر والنساء، والإنجليز وسائر الديمقراطيين، ينتمون إلى أصل واحد.»

ولكننا نحس بروعة أفكاره حين يقول: «الزواج هو اجتماع إرادتين لإيجاد شخص ثالث أعلى من الزوجين.»

وقوله: «لا يجب فقط أن نتناسل، إنما يجب أن نتناسل إلى أعلى.» وهذا أحسن ما قيل عن الزواج، فإنه رفعه من معاني السعادة واللذة إلى معاني التطور والتضحية؛ أي يجب أن يدبر الزواج بحيث يؤدي إلى الرقي البيولوجي، وإيجاد السبرمان وزيادة الذكاء والصحة والقوة.

وحملة نيتشه على المسيحية تتساوق مع فلسفته، فإنه يجد فيها دعوة إلى التواضع والخضوع والطيبة، في حين هو يطلب الارتفاع والكبرياء والقسوة، أو يمكن أن يقال إن المسيحية تنشد مجتمعًا أفقيًّا يتساوى فيه الجميع، بل يمنع التفوق لبعض أفراده ويعيد الجميع إلى حال سواء من التوسط، ولكن نيتشه ينشد مجتمعًا عموديًّا يتيح للعظماء أن يتفوقوا ويسودوا.

وعنده أن «الشرف» وثني روماني أرستقراطي، أما «الضمير» فمسيحي يهودي ديمقراطي، وأن أوروبا لهذا السبب مهددة ببوذية جديدة تنكر فيها الحياة، ومن أقواله:
الغريزة هي أسمى أنواع الذكاء التي اكتشفت إلى الآن.
ونصيحتي إليكم أيها الإخوان هي: كونوا قساةً صلابًا.
علينا أن نفر من أقرب الناس إلينا، من جيراننا، ونحب أبعد الناس عنا.
تفاوت الحقوق هو الشرط الأساسي لوجود الحقوق.
لصغار الناس صغار الفضائل، ولكني لا أعرف ما حاجتنا إلى صغار الفضائل.
ليس للأنانية قيمة في الأرض أو في السماء، وجميع المسائل العظيمة تحتاج إلى حب عظيم.
الانتقام الصغير أكثر إنسانية من العفِّ عن الانتقام.
ما هو الشيء الحسن؟ هو كل ما يزيد الإحساس بالقوة؛ أي إرادة القوة، أي القوة ذاتها في الإنسان.
وما هو الشيء السيئ؟ هو كل ما ينشأ من الضعف.
عيشوا في خطر، شيدوا مدنكم إلى جنب فيزوف، ابعثوا بسفنكم إلى بحار مجهولة. لأنك جعلت الخطر حرفتك؛ لذلك أدفنك بيدي.

ومن هذه المختارات الموجزة نجد أن نيتشه لا يقدم لنا فلسفة ومنطقًا، بمقدار ما يقدم لنا أشعارًا أو مذهبًا وعقيدة، خلاصتهما أن نتخلص من الضعف ونقسو على أنفسنا وعلى غيرنا. ومع أننا نحس من اتجاهاته الفكرية أنه على التصاق واعتناق لمذهب داروين في التطور البيولوجي، فإن الميزة واضحة في أنه لا يطلب سبرمانًا للمستقبل بمقدار ما يطلب منا أن نكون نحن على سمو وارتفاع فوق العامة، وعلى مقاطعة للأخلاق المسيحية.

وإنسان المستقبل (السبرمان) الذي يرتفع فوقنا بمقدار ما نرتفع نحن فوق القردة، لا يحتاج لإيجاده إلى القسوة الأخلاقية بمقدار ما يحتاج إلى التنظيم الاجتماعي للزواج والتناسل، وهذا يتم بالتعاون والرفق أكثر مما يتم بالتنازع والقسوة.

ومنطق المسيحية هو المنطق الإنساني بالتعاون، ومنطق نيتشه هو المنطق الفطري بالتنازع. وقسوة المبادئ الإمبراطورية، والقول بأن هناك سلالات بشرية لها حق السيادة على الشعوب السوداء أو السمراء أو الصفراء، هما أبعد ما يكونان عن تفكير نيتشه عندما نتأمل ونتعمق مؤلفاته. ولكن ليس هناك شك أن الدراسة السطحية قد عملت لتأييد هذه الاتجاهات، كما يتضح من إكبار النازيين الألمان والفاشيين الإيطاليين لمؤلفاته لاعتقادهم أنه يؤيدهم.

•••

والقارئ لنيتشه في حملته على المسيح يحس وجاهة الرأي الذي يقول به «أندريه جيد» وهو أن نيتشه يغار غيرة شخصية من المسيح، فإن كلماته تحمل أحيانًا بذاءً أكثر مما تحمل نقدًا، وهو في كتابه «هذا ما قال زرادشت» يقحم الإنجيل ويكذِّب كلمات المسيح، بل نحس ونحن نقرأ هذا الكتاب أنه يقلب العبرة والدلالة من كلمات المسيح، ويضع مكانها كلمات أخرى لها نقيض الأخلاق المسيحية، ثم يزيد على هذا فيحاكي أسلوب الإنجيل، فكما أن المسيح كان يجادل الفريسيين ويناقضهم، كذلك نيتشه قد جاء كي يجادل «الطيبين العادلين؛ لأن عقولهم مقيدة في سجون ضمائرهم»، ثم يخاطب تلاميذه بما يشابه، أو يطابق خطبة الجبل حين خاطب المسيح تلاميذه، ولكن مع الفرق في العبرة والدلالة؛ إذ حيث يدعو المسيح إلى الرحمة والحنان والإخاء البشري في أبوة الله، يدعو نيتشه إلى القسوة وضرورة التفاوت. ولنيتشه كما للمسيح خلوته واستيحاؤه، وله أيضًا «العشاء الأخير» الذي يقول عنه بلسان زرادشت: «هذا العشاء لتذكروني.»

ثم تزداد الغيرة إلى حد الجنون فيقول: «ما هي أعظم الخطايا على الأرض إلى يومنا هذا؟ أليست هي قول ذلك القائل: ويل لكم، أنتم الذين تضحكون في هذا العالم؟!» وهو هنا يشير إلى المسيح، ثم يحاكي ويناقض بما في قوله على لسان زرادشت.

«صحيح أنكم إذا لم تصيروا كالأطفال الصغار، فإنكم لن تدخلوا ملكوت السموات (وهنا يشير زرادشت إلى السماء)، ولكننا لا نرغب في أن ندخل هذا الملكوت؛ لأننا قد صرنا رجالًا، ولهذا نحن ننشد ملكوت الأرض.»

بل يتحدث في جنون، فيأسف على أن المسيح لم يُعَمَّر طويلًا، ويقول: إنه لو كان قد عَمَّر طويلًا لنقض آراءه التي كان قد قال بها، ثم يقول: «حقًّا لقد مات هذا العبراني!

لم يكن قد عرف في حياته سوى دموع العبراني وأحزانه، مع كراهة الطيبين والعادلين، هذا المسيح العبراني، ثم إذا ببيداء الموت تطويه …

ولم يعش في البيداء بعيدًا عن الطيبين والعادلين، لعله لو كان قد فعل لكان قد عرف كيف يعيش، وكان عندئذٍ يحب الأرض والحياة أيضًا!

ثقوا يا إخواني، إنه مات دون أن يعمل، ولو أنه كان قد عاش مثلما عشت، وعمَّر مثلما عمرت، لنقض ما كان قد قاله. أجل، إنه كان على شرف يحمله على أن ينقد ما كان قد قاله.

ولكنه لم ينضج وحبه، إنما كان حب الشباب الذي ينقصه النضج، وهذا هو علة كراهته للأرض والحياة.»

•••

إن كثيرًا من أقوال نيتشه يوهم الهوس إنْ لم نقل الجنون، وربما مما لا شك فيه أنه قضى نحو عشرين سنة وهو في جنون يكاد يكون مطبقًا؛ إذ كان في الدور الأخير من السفلس، ولعل هذا الجنون كان قد تسلل وئيدًا قبل أن يطبق عليه، ولعل أيضًا بعض هذيانه يعزى إلى هذا المرض، على أن كثيرًا من «الهذيان» لا يزيد أن يكون إسرافًا وتوترًا في التعبير، ولكن ليس من الصواب أن نحذف نيتشه بدعوى الهوى أو الهذيان أو الجنون، فإنه قد عرض لقضية إنسانية واضحة يجب على كل فيلسوف أن يواجهها في صراحة، وأن ينتهي منها إلى حكم فاصل، وليس ثَمَّ مفر من هذه المواجهة، وهذه القضية هي أن مصلحة البشر وارتقاء الإنسان يقتضيان محاربة الضعف والمرض والنقص، كما يقتضيان تشجيع وتأييد الصفات العالية كالصحة والقوة والذكاء، فما دام هذا هو الهدف، فهل من الخير للناس أن يؤسسوا المستشفيات لمعالجة المرضى؟ وهل من الخير أن يباح الزواج للأبله والمغفل والأشوه؟ ثم ما دمنا نؤمن بأننا كنا على مستوًى منخفض من الذكاء قبل مليون سنة، حين كنا والحيوان سواء، فلماذا لا نعمل في اطراد التطور، كي نزداد صحة وقوة وذكاء؟

لقد كنا في الغابة نعيش بالفطرة، وكانت الطبيعة قاسية لا ترحم ولا تعرف دواء لمعالجة المرضى، وكان الموت يفشو ويفتك بالآلاف، ولا يبقى منا غير الصالح القوي القادر على المشقات، ثم جاءت الحضارة فجمعت الضعيف إلى جانب القوي، وسادتنا أخلاق الرحمة والإخاء والتصدق، فعاش بهذه الأخلاق ناس ما كانوا ليستطيعوا العيش في الغابة، ثم هم مع ذلك يتزاحمون ويتناسلون فيجعلون المرض والضعف والدمامة مخلدة في العناصر البشرية.

وصيحة نيتشه هنا: عودوا إلى شريعة الغابة، ثم عودوا إلى تنازع البقاء، هي صيحة تستحق النظر والتأمل، ولا يغني فيها القول بأنه كان مريضًا بالسفلس أو أن هذا القول هذيان؛ إذ ليس هذا هذيانًا.

لقد كان القرن التاسع عشر عصر الإيمان بالوراثة، وهي القَدَر الذي يعيِّن لنا حظنا في الحياة بما ورثنا من كفايات من آبائنا. ومع أن القرن العشرين قد نقض كثيرًا من هذا الرأي، وأدحض بعض الأركان لهذا القدر، فإن الوراثة لا تزال تحتل جزءًا كبيرًا من التفكير البيولوجي، وكلنا يثق هذه الأيام بقيمة الوسط في التغير والتطوير، ولكن مع اختيار السلالات التي تعينت لها صفات واستقرت فيها خصائص بحيث نعود فنستغل هذه الصفات والخصائص في الوراثة.

وقد ظهرت «اليوجنية» أي علم ترقية السلالات البشرية بناءً على الإيمان بالوراثة، وهي إلى الآن يوجنية سلبية، بمعنى أن الأمم المتمدنة تعمد إلى تعقيم الناقصين والبُلْه حتى لا يتناسلوا، وقد عمد هتلر إلى شيء من اليوجنية الإيجابية بتشجيع المتفوقين على التناسل وخصهم بميزات لم يكن يحصل عليها سائر أفراد الشعب، وذلك أيام النازية. وهذا كله من وحي نيتشه كما هو من التعاليم التي فشت عقب نظرية التطور.

وقد كان لكتاب البيولوجي فيسمان «الجرثومة المنوية» أكبر الأثر في الإسراف في الإيمان بالوراثة، وقد أفسد هذا الرجل ذهني بل أخلاقي مدة طويلة، ولكن رويدًا رويدًا تغيرت النبرة في التطور، فبدلًا من القول بتنازع البقاء في الطبيعة أثبت كوربنكين أن التعاون، وليس التنازع هو شريعة الغابة، ثم انتهينا في السنوات العشر الأخيرة إلى التسليم بأن الوسط يغير الحي، نباتًا أو حيوانًا أو إنسانًا، وأن هذا التغير الوسطي يعود فيثبت بالوراثة.

ففي ضوء التطورات، وفي تجارب الوسط لا نستطيع أن نسلم بمذهب نيتشه بأن نكون قساة لا نرحم، فالتطور يصبح بالتعاون، والوسط يستطيع أن يغير، ونحن البشر بما وصلنا إليه من معارف بيولوجية نستطيع أن نزيد سرعة التطور بالتنظيم الاجتماعي الذي يحقق الارتقاء البيولوجي.

•••

كثيرًا ما أعود إلى قراءة نيتشه، لا لأنني مقتنع بمنطقه؛ ولكن لأني أجد سحرًا على الدوام في تعبيره وأحيانًا في تفكيره، انظر إلى ما يقوله عن الرحمة:

إن الرحمة تناقض الشهوات الحية المنعشة التي ترفع نشاط البشر وتزيد إحساس القوة؛ إذ هي تكرب وتغم، ونحن نفقد حيويتنا حين نمارس الرحمة. وما نفقده من قوة وحيوية بسبب الألم مثلًا، يزداد ويتضاعف بالرحمة، حتى ليصير الألم معديًا بالرحمة، وقد يؤدي في بعض الظروف إلى أن نفقد الحياة ذاتها، وإذا شئت برهانًا على ذلك فاذكر هذا النصراني الذي انتهت به رحمته لأبناء البشر إلى الصليب.

وأيضًا تُفسد الرحمةُ شريعةَ التطور التي تقول ببقاء الأصلح، وهي — أي الرحمة — تستبقي ما كان يجب أن يموت، كما تعمل لمصلحة الذين حكمت عليهم الطبيعة، وهي تضفي على الحياة لونًا قاتمًا بعدد الناقصين الفاسدين الذين نعولهم، وهي تضاعف التعس كما تحافظ عليه، وهي الأداة الأولى لترويج الانحطاط، وهي تؤدي إلى الفناء، إلى إنكار الغرائز التي تنبني عليها الحياة.

وليس شك أن في هذا الكلام هذيانًا كثيرًا، ولكنه كان هذيانًا يسحرني لأول وقعه في نفسي، وأنا خام أخضر في سن العشرين كان يسحر وينبه؛ إذ كان يبعث على المراجعة والفحص عن الأخلاق العامة والتقاليد الموروثة التي كنا نعيش فيها مستسلمين غير متسائلين أو مستطلعين. أو انظر على ما يقوله عن الحياة:

إنما الحياة في صميمها امتلاك واحتياز وإيذاء، ومحق للضعفاء والعاجزين عن التلاؤم والتكيف، وهدف الحي هو إبراز شخصه والتمكن من تأدية وظائفه غير معارض أو معطل.

وهذه المقتبسات التالية هي صورة المجتمع والحضارة كما يراهما نيتشه؛ إذ يقول:

إن نظام الطبقات هو السُّنة السائدة للطبيعة، وهي سُنَّة لا تستطيع أية قوة بشرية أن تتغلب عليها، ففي كل مجتمع صحيح توجد ثلاث طبقات لكل منها أخلاقه وعمله وما يفهمه من معاني الكمال والسيادة. وتتألف الطبقة الأولى من أولئك الذين يمتازون بالتفوق الذهني على سواد الأمة، وتتألف الثانية من أولئك الذين يمتازون بالتفوق العضلي، أما الطبقة الثالثة فمن المتوسطين.

وللطبقة الأولى ميزة التمثيل للجمال والسعادة والطيبة على الأرض، وأفراد هذه الطبقة يقبلون هذا العالم كما هو، ويستخدمونه بما في مستطاعهم. وهم يجدون سعادتهم في تلك الشئون التي تدمر من هم دونهم في الصعوبات، والقسوة نحو أنفسهم ونحو غيرهم من الجهد ولذتهم في حكم أنفسهم. والنسك عندهم طبيعة وضرورة وغريزة، وهم يتحملون الواجبات الشاقة كما لو كانت امتيازات يمتازون بها، وهم يرتاضون بتحمل الأعباء التي تسحق غيرهم إلى الموت. وهم زبدة الناس وأكثرهم حبًّا وفرحًا، وهم يحكمون عفو طبيعتهم، كما أنهم ليسوا أحرارًا في أن ينتظموا في الصف الثاني.

أما الطبقة الثانية فتتألف من الأوصياء وحفظة النظام والأمن، رجال الحرب والأشراف والملك، وفوق هؤلاء القضاة حماة القوانين، وهم أسمى طرازًا من المقاتلين الحربيين، فإنهم ينفذون أوامر الطبقة الأولى ويريحونها من الأعمال اليدوية أو الخشنة التي يحتاج إليها الحكم.

وفي أسفل توجد الطبقة الثالثة من أفراد الصناعات اليدوية والتجارة ومعظم الفنون والعلوم. ومن سنن الطبيعة أن يكون كل هؤلاء من المرافق العامة في الأمة أو دواليب تدور ووظائف تؤدى. والسعادة الوحيدة التي يستطيعها أفراد هذه الطبقة هي قدرتهم على أن يكونوا آلات ذكية؛ لأن الرجل المتوسط يفهم من السعادة أنها حال التوسط. والتخصص أو التفوق في تدريب معين هو غريزتهم، ولا يليق بالذهن الضيق أن يعارض حال التوسط هذه؛ لأن هؤلاء المتوسطين ضرورة للمجتمع البشري؛ إذ يتيحون للرجل الفذ أن يوجد.

منْ مِنَ الناس أكرهه أكثر من غيره؟

أكره ذلك الاشتراكي الذي يهدم الغرائز السليمة عند العامل، بأن ينزع منه إحساس القناعة بمكانه ويجعله حسودًا ويعلمه الانتقام.

أجل يجب أن نعرف أنه ليس هناك ظلم في تفاوت الحقوق.

•••

مات نيتشه في عام ١٩٠٠، أي دفن في هذه السنة، ولكن الواقع أنه كان ميتًا منذ حوالي عام ١٨٨٥ للمرض الذي أشرنا إليه، وهو مرض لم يُقعد جسمه فقط بل أمات ذهنه، ولم يكد العالم المتمدن يحس بوجوده إلا بعد وفاته، وكان الإحساس عندئذٍ حادًّا، فمنذ عام ١٩٠٠ إلى عام ١٩٥٠ ونيتشه يعلو على جميع المفكرين الأوروبيين، بل يمثل مشكلة الضمير الأوروبي، مشكلة السياسة الأوروبية، سياسة التنازع إزاء سياسة التعاون.

وهو لو كان فيلسوفًا فقط، يكتب بالرطانة الفلسفية التي لا يفهمها غير المثقفين، لما كان خطره كبيرًا، لكنه كان شاعرًا يتغنى ويترنم؛ ولذلك كان ولا يزال يجذب إليه الشباب الذين يقودهم إلى الضلال أو يهديهم إلى الرشاد، فهو غواية وفتنة كما هو نور ومعرفة، هو جنون وعقل.

وأكاد أقول عندما أجد شابًا يقرأ نيتشه: حذار! لا تقدم، إنك على طرف هاوية، وقد تنزلق فتتردى، ولكن اقرأ دستوفسكي وغاندي وشيفتزر وبرناردشو، فهم الترياق الذي تحتاج إليه إذا قرأت نيتشه. لا بل يجب أن تقرأ نيتشه؛ لأن أقل ما فيه أن يحثك على التساؤل والاستطلاع، ويحول بينك وبين التسليم المطلق للعرف والعادة؛ إذ هو قوة تحريرية عظمى، ولكنه أيضًا يُحملك تبعات سامية بشأن المستقبل البشري على هذه الأرض، ويُكسبك العقلية الفلكية التكهنية في الفلسفة، وعندئذٍ ستعرف أن القيمة العظمى في الفلسفة ليست نظامًا منطقيًّا يقول بأن اثنين واثنين يساوي أربعة، وإنما هي في تعيين القيم والأوزان الأخلاقية التي تخدم رقي الإنسان، وفي التكهن بالمستقبل البشري والاستعداد له. وميزة نيتشه هنا أنه استطاع أن يقنع أوروبا بأن الأخلاق يجب أن تنبني على أساس بيولوجي بشري. كتب نيتشه حوالي عام ١٨٨٠ إلى أخته يقول:

عديني أنني عندما أموت لن يقف حول نعشي سوى أصدقائي، ولن يكون حولي أحدٌ من الغوغاء المتسائلين، واعملي على ألا يلقي قسيس على قبري أكاذيب، وأنا عاجز عن حماية نفسي، وودعيني إلى قبري وأنا وثني شريف.

ومات في عام ١٩٠٠ مغمورًا لم ترثه جريدة، ولم تذكره جامعة، ولكنه بعث بعد موته؛ إذ أصبح الضجة الكبرى والصيحة العالية في جميع الأوساط المثقفة، ولا يزال دويه عاليًا واسمه رمزًا للتساؤل.

وفي نفسي له حب وأسف وإقبال وصدود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤