التضحية

لعل من أهم الفروق بين أمة راقية وأمة غير راقية، أن أفراد الأولى يشيع بينهم العمل لأنفسهم ولغيرهم، وأن أفراد الثانية لا يعملون إلا لأنفسهم.

ها هو الجو حولنا مشبع بالأنانية إلى أقصى حد، هذا موظف كل همه أن يرضي رؤساءه في الحدود الضيقة لينال «درجة»، ولا يهمه بعد ذلك قضيت مصالح الناس أو لم تقضَ.

وهذا موظف آخر لم يمنح من المرتب ما يشتهي، فهو يضن بمقدرته وكفايته على الناس، وكل ما يعمل أن يؤدي الأعمال الآلية التي تنجيه من العقوبة ومن التبعية القانوينة، فهو يحضر في الميعاد وينصرف في الميعاد، ثم لا روح في عمله، ولا شعور بواجبه، وهذا غني لا ينظر في تصرفاته إلا إلى شخصه مهما شقي الناس من حوله، وهذا مزارع من كبار المزارعين لا ينظر في مشروع القطن والقمح إلا بمقدار ما يحتمل أن يدخل جيوبه من مال، مهما جاعت الأمة وعدمت القوت، وهذا ثري ذو جاه يستعمل جاهه ونفوذه في الهرب من ضريبة واجبة عليه، أو يتحايل في تخفيضها إلى أقصى حد ممكن، فتكون النتيجة أن يدفع الضريبة كاملة غير القادر، ويهرب منها أو ينقص منها القادر — وهذه هي الروح الشائعة التي نراها في البيت وفي الشارع وفي المصلحة، وفي البيع والشراء، والأخذ والعطاء: أنانية مسرفة، في حدود ضيقة، لا ينظر منها الإنسان إلا إلى نفسه، وإلى نفسه فقط، يدور في خلده أن ينهب من اللذائذ ما استطاع قبل فوات الوقت، ويهرب من الواجبات ما استطاع مع المحافظة على الشكل، حتى لا يقع في يد القانون، يردد قول أبي فراس: «إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر»، ويهزأ ببيت أبي العلاء:

فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا

وبقول البارودي:

أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ
أحق بالري لكني أخو كرم

•••

ليس مظهر التضحية مقصورًا على الجنود في مواقف القتال، فليس هذا إلا مثلًا عاليًا من أمثلة التضحية، ولكن هناك أمثلتها العديدة في الحياة اليومية لكل فرد، فالذي يتنازل عن لذته الفردية الضيقة للمصلحة العامة الواسعة يكون مضحيًا على قدر ما بذل، والموظف ينال شيئًا من العناء لراحة الجمهور مضح، والمدرس يبذل أقصى جهده في إعداد درسه وإيصاله إلى طلبته مضح، والغني يتنازل عن بعض لذائذه لخير الناس مضح، والمزارع يرعى حال فلاحيه مضح، وهكذا، وعلى قدر انتشار هذه الروح في الأمة يكون مقدار رقيها ونجاحها — ولا تفلح أمة يبحث أفرادها عن لذائذهم الشخصية فقط، مهما حسن تشريعها وصلح قادتها، فشرّعْ ما شئت لتنظيم التموين فلن ينجح، ما دام كل فرد لا ينظر إلا إلى شخصه، وشرع ما شئت لتنظيم الضرائب فلن ينجح مع محاولة الأفراد الهرب منها، وشرع ما شئت لإصلاح الفلاحين فسيظلون كما هم، ما دام التشريع لا يلقى مجاوبة من نفوس القادرين.

•••

لقد أضاع علماء النفس المحدثون جمال التضحية بما أفرطوا من تحليل، وما أرجعوا من أعمال نبيلة إلى غرائزَ وضيعةٍ، وما وصلوا إليه من أن مظاهر إنكار الذات تعود في آخر أمرها إلى حب الذات، فقالوا — مثلًا —: إن السياسي الكبير الذي يدل مظهره على أنه يؤدي واجبه، ويخدم أمته، ويتحمل أشق الأعباء في سبيل مجدها ورقيها ونهوضها، لو حللت البواعث التي دفعته إلى عمله وسلوكه هذه السبيل، لوجدتها ترجع في النهاية إلى غريزة حب الذات، وشعوره الكمين بأهمية ذاته وعظم شخصه، والواعظ الذي يعظ الناس ويذكرهم بالدين، ويخلص في سبيله، ويتحمل أشد العذاب في سبيل تحقيق دعوته وانتشار عقيدته إنما نصل في النهاية عند تحليل نفسه إلى حبه إظهار شخصه، وتمجيد ذاته، والتفات الناس إليه، واتجاههم نحوه، والزاهد الذي فر من الحياة ولذاتها، واعتكف في الأديار أو التكايا أو نحوها، وتجرد من الدنيا وشئونها، لم يكن في الحقيقة عند التأمل العميق في بواعثه إلا ناظرًا لنفسه، هاربًا من تبعات الحياة وتكاليفها، والطبيب الذي يعنى بمرضاه ولا يعنى بنفسه، ويتعرض للأخطار أيام الوباء، إنقاذًا للناس، ولو كان في ذلك حتفه — قالوا — إنما يبحث وراء حسن سمعته وذيوع شهرته، والعالم الذي يقضي أوقاته في معمله أو في مكتبه باحثًا منقبًا وراء حقيقة يكتشفها، أو نظرية يعثر عليها، أو اكتشاف يخدم به الإنسانية دواءً لمرض أو إمتاعًا للناس في ناحية من نواحي حياتهم، ليس — في نظرهم — إلا مجيبًا لما ركب في طبيعته من حب الاستطلاع، والمصلح الذي يكدح ليله ونهاره في سبيل خدمة قومه وإصلاح عيوبهم، ومعالجة ما أصيبوا به من مرض اجتماعي، ليس يرجع ذلك — في رأيهم — إلا إلى حب الظهور، وإشباع رغبته في إعظام نفسه، والدوي حول شخصه، بل قالوا أكثر من ذلك وأعنف، قالوا: إن الممرضة التي تهب نفسها لخدمة المرضى، وتعمل جهدها في الرحمة بهم، وتلطيف عذابهم، وتضميد جراحهم، وتجد من نفسها السعادة في تفريج كربهم وتخفيف آلامهم، ليست في الحقيقة مدفوعة إلى ذلك إلا لداعي ما ركب في غريزتها من الاستطلاع الجنسي، قالوا: وإنما اختارت هذا الضرب من الإحسان؛ لأنه محفوف بما يغذي نفسها من مظاهر الإعجاب والمدح والثناء، والظهور بمظهر من يفني ذاته في نفع الناس، ويضحي بخيره لخير الناس.

وهكذا رجعوا كل البواعث النبيلة، ومظاهر التضحية الجميلة للغرائز الوضيعة المتأصلة في النفس، وللبواعث الذاتية المتأصلة في الإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض.

وقالوا: وما ذنبنا أن وجدنا الإنسان هكذا خلق، وعلى هذا طبع، وهو هو من بدايته إلى نهايته؟!

ولكن أحقٌّ كل هذا؟ أيستطيعون أن يستمروا في تفسيرهم لكل أنواع التضحية من شخص لا يؤمن بدين، وهو — مع هذا — يرمي بنفسه في ميدان القتال دفاعًا عن أمته، وأم تضحي براحتها ولذتها لابنها من غير أن تنتظر مثوبة أو جزاء، ونحو ذلك من أمثلة لا تعد؟

وهب ذلك كله صحيحًا، فهل ذهب جمال التضحية، وقيمة التضحية؟

لتكن كل هذه الأعمال النبيلة ناشئة عن غرائزَ شخصيةٍ وبواعثَ ذاتيةٍ، فهذه الغرائز في الحقيقة والواقع قد تتجه إلى أعمال خسيسة فنكرهها ونشمئز منها، وهي هي قد تتجه إلى أعمال تنفع الناس فنعجب بها ونمجدها، إن حب الذات قد يدفع الشخص إلى أن يقتل، استيلاءً على مال القتيل، وقد يدفعه إلى أن يقتل، دفاعًا عن أمته، أو دفاعًا عن عرض فتاة، ومحب الظهور قد يغذي غريزته بتضليل الناس، وخلق المؤامرات، وتدبير الدسائس حتى يعترف له بالمقدرة، وقد يغذي غريزته بالإحسان الكثير والإصلاح الكبير، والمرأة قد تدفعها غريزتها الجنسية إلى الاستهتار، وقد تدفعها الغريزة نفسها إلى التمريض، فالغريزة في كل هذه الحالات واحدة، ثم قد يصدر عنها الخير، وقد يصدر عنها الشر، فالعبرة بالنتائج لا بالتحليل إلى العناصر الأولية، وخطأ علماء النفس هؤلاء — إن كان ما يقولونه صحيحًا — أنهم أفرطوا في التحليل، ولم ينظروا في التركيب، بالغوا في المقدمات وأعرضوا عن النتائج.

لتكن كل الأعمال ناتجة عن حب الذات، فلا تزال هناك أعمال نبيلة وأعمال خسيسة، ولا يزال هناك من الأعمال ما يصح أن يسمى «أثرة» وأنانية وما يصح أن يسمى إيثارًا وتضحية، وكل الفرق فرق في التعريف لا في المعرَّف، وفي العرض لا في الجوهر، فعلى قولهم تكون التضحية أن يجد المرء لذته الشخصية فيما يعود على الناس بالنفع، وعلى قول الآخرين هي أن يبعثه على عمله نفع الناس وخيرهم، ولا عبرة بالمقدمات إذا تساوت النتائج، وليس يهمنا أن يكون الباعث له على إتيان الخير لذته الشخصية أو رغبته في الصالح العام ما دام العمل ينتج هذا الخير.

ولا يزال الناس بعد هذا البحث السيكولوجي منقسمين إلى قسمين: قسم لا ينظر إلا إلى شخصه في حدوده الضيقة، وقسم ينظر إلى شخصه في حدوده الواسعة. قسم ينظر إلى ذاته كالحيوان، وقسم ينظر إلى ذاته كفرد في أمة وعضو في جسم وفرع في شجرة، يوفق بين نفعه ونفع أمته ونفعه ونفع شجرته. قسم بلغ به ضيق النظر أن يجد لذته في حرمان الناس وسعادته في شقاء الناس، أو هو على الأقل لا يهتم بالناس. وقسم قد بلغ من سعة نظره أن يجد لذته في لذة الناس، وسعادته في سعادتهم، وخيره في خيرهم، وهذا غاية الرقي.

وخيرُ الناس من استطاع أن يوفق بين غرائزه وخيرِ الناس، فإذا كان محبًّا للظهور فليظهر بما ينفع أمته، وإذا كان محبًّا للاستطلاع فلا يستطلع أخبار الناس وعيوبهم وخفاياهم، وإنما يستطلع حقيقة مجهولة في العلم أو قانونًا مجهولًا في الطبيعة، ومن كان من طبعه الخوف فليخف من شر يلحق الناس، وأذى ينالهم، ولا يخفْ من أوهامٍ من خَلْقه، وعفاريتَ من خياله، وهكذا.

مهما قيل فالتضحية أنبل ما وصل إليه الإنسان، منظرها أجمل منظر وأروعه، ولا شيء يكسب الأمة قوة كما تكسبها التضحية، فالأمة المضحية تأكل غير المضحية في سهولة ويسر؛ لأن الأمة المضحية كتلة متماسكة ووحدة واحدة، والأمة غير المضحية أفراد متفككة، وشهوات متعددة، تتحارب أجزاؤها، ويأكل النزاع والشهوات والأنانية قواها، فالأسرة التي يعمل فيها كل فرد لشخصه أسرة ميتة، والمصنع الذي يعمل فيه كل فرد لمصلحته الخاصة لا يبقى شهرًا، والحزب الذي ينظر فيه كل عضو إلى نفسه فقط حزب مصطنع لا حول له ولا قوة، والأمة التي يحسب فيها كل فرد حساب لذته الخاصة هي أفراد لا أمة.

في الأمة التي تسودها التضحية كل أفرادها أقرباء، وفي الأمة التي تسودها الأنانية كل أفرادها غرباء.

التضحية عشق وهيام، ومحال أن يصدق عشق على أساس الأنانية، وإنما يصدق يوم يقول ويؤمن بما يقول: «إني أضحي أنانيتى وسعادتي وشخصي وكل ما يقف في سبيل الحب لحبي».

لا تكون التضحية حتى يتعود القلب لذة العطاء كما يتعود لذة الأخذ، ولذة أن الناس يَجِدُون ويسعدون، كما يتعود أن يتلذذ من أن يجد ويسعد.

التضحية إرادة القوي ليقوى، وإرادة الضعيف ليتخلى عن ضعفه — هي حجر المسن تُشْحذ عليه الإرادة لتقطع الصعاب وتجتاز العقاب، وهي النار المقدسة التي تطهر النفوس وتأكل الأعشاب الطفيلية.

التضحية أشرف الطرق تسير فيه الأمة لتحقيق ذاتيتها، وأنبل السبل تسير فيه الإنسانية لتبلغ غايتها، وبدونها يصبح الإنسان حجرًا لا روح فيه، أو بهيمًا يعيش ليأكل.

التضحية أفق واسع تنعم فيه النفس بجمال السعة وبعد المدى وجلال اللانهاية، والأنانية أفق ضيق تألم فيه النفس بضيق المكان، وتنقبض فيه من كثرة السدود والحدود.

في التضحية حرارة وإيمان يُسعد، وفي الأنانية جمود بارد وإلحاد مقبض.

في التضحية حياة كلية شاملة وفناء النفس فيما حولها ومن حولها، وفي الأنانية حياة جزئية محصورة، ودوران النفس حول ذاتها في خمود وركود.

في التضحية كرم وسماحة، وفي الأنانية شح وكزازة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤