العار

١

يرى أنه حلَّ مشكلة الجنس بشكلٍ مناسب لرَجُل في عمره، في الثانية والخمسين، مطلِّق. ينطلق بسيارته بعد ظهيرة أيام الخميس إلى المنطقة الخضراء.١ يضغط، في تمام الثانية بعد الظهر، جرَسًا في مدخل مقرِّ وندسور، ينطق باسمه، ويدخل. ثُريَّا في انتظاره على الباب رقم ١١٣. يدخُل مباشرةً إلى غرفة النوم، ذكيَّة الرائحة، خافتة الإضاءة؛ يخلع ملابسه. تخرج ثُريَّا من الحمَّام، تخلع الرُّوب، وتنزلق بجواره في السرير، تسأله: «هل افتقدتَني؟» فيردُّ: «أفتقدكِ باستمرار.» يداعب جسَدَها العسلي الذي لم تؤثِّر فيه الشمس، يطرحها، يقبِّل ثديَيها، يمارسان الحُب.
ثُريَّا طويلة ونحيفة، شَعرُها طويلٌ أسود، وعيناها سوداوان صافيتان. إنه تقنيًّا كبيرٌ بما يكفي ليكون أباها؛ لكنَّ المرء تقنيًّا يمكن أن يكون أبًا في الثانية عشرة. واظَبَ على مواعيدها لِما يزيد على سنة؛ يجدها مُرضِيةً تمامًا. صار الخميس واحةَ التَّرَف واللذة٢ في صحراء الأسبوع.

لا تُسرف ثُريَّا في التعبير عن عواطفها في السرير. إنَّ مِزاجها هادئ، هادئ وطيِّع. إنها في آرائها العامة أخلاقيةٌ بشكلٍ يُثير الدهشة، تشمئزُّ من السائحات اللائي يُعرِّين أثداءهن (تُسمِّيها «ضروعًا») على الشواطئ العامة؛ تعتقد أنه يجب جَمْع المتشرِّدين وتكليفهم بتنظيف الشوارع. لا يسأل كيف توفِّق بين آرائها وما تقوم به.

لأنه يستمتع بها؛ لأن متعته لا تفشل؛ فقَدْ نما بداخله شعورٌ تجاهها. يؤمن، بدرجةٍ ما، بأنَّ هذا الشعور مُتبادَل. ربما لا يكون هذا الشعور حبًّا، لكنه، على الأقل، ابن عمِّه. الاثنان — إذا وضعنا في الاعتبار البدايات غير الواعدة — محظوظان، الاثنان كلاهما؛ لأنه وجَدها، ولأنها وجدَته.

يُدرك أن مشاعره قانعة، وربما حتى خانعة. ومع ذلك لم يتوقَّف عن التمسك بها.

يدفع لها مقابل لقاء يستمرُّ تسعين دقيقةً ٤٠٠ رند،٣ يذهب نِصفُها إلى آل دسكريت إسكورت. يبدو من المثير للأسى أن يحصل آل دسكريت إسكورت على كلِّ هذا المبلغ، لكنهم يَملِكون رقم ١١٣ والشقق الأخرى في مقرِّ وندسور. وبمعنًى ما، يملِكون ثُريَّا أيضًا، هذا الجزء منها، هذه الوظيفة.

لعِبَ بفكرة أن يطلُب منها أن تراه خارج أوقات العمل. يودُّ أن يقضي المساء معها، وربما ليلةً كاملة. لكن ليس الصباحَ التالي. يعرف أنه ليس في وُسعه أن يعرِّضها للصباح التالي، حين يكون باردًا ومُكْفهرًّا ومتطلعًا للوَحدة بفارغ الصبر.

هذا مِزاجه. لا يتغيَّر مِزاجه؛ إنه أكبر من ذلك. مِزاجه ثابتٌ مستقر. إنَّ الجمجمة، يليها المزاج، أصلبُ أجزاء الجسم.

تتبعْ مِزاجك. ليست فلسفة، لا يبجِّلها بهذا الاسم. إنها قاعدة، مثل قاعدة القديس بندكت.٤

إنه في صحةٍ جيدة، ذهنه صافٍ. إنه مهنيٌّ، أو كان أكاديميًّا، وما زال العمل الأكاديمي يشغله بشكلٍ متقطع حتى النخاع. يعيش في حدود دخله، في حالته المزاجية، في معانيه العاطفية. هل هو سعيد؟ أجل، يعتقد ذلك بمعظم المقاييس، إلا أنه لا ينسى الكورس الأخير في أوديب: لا تصِفْ إنسانًا بأنه سعيدٌ حتى يوافيه الأجل.

مع أن مِزاجه في مجال الجنس قوي، إلا أنه لم يكُن عاطفيًّا أبدًا. لو كان له أن يختار طوطمًا لاختار الثعبان. يتخيَّل أن الجماع بينه وبين ثُريَّا يشبه بالضرورة إلى حدٍّ ما سفاد الثعابين: طويل ومُنهِك، لكنه مجرَّد إلى حدٍّ ما، وجافٌّ إلى حدٍّ ما، حتى في أحرِّ لحظاته.

هل طوطمُ ثُريَّا الثعبان أيضًا؟ لا شكَّ في أنها امرأة أخرى مع الرجال الآخرين: السيدة المتقلبة.٥ إلا أن صلتها به على مستوى المِزاج يمكن ألَّا تكون زائفة.

مع أنها بالوظيفة امرأةٌ مُنْحلَّة إلَّا أنه يثق فيها، في حدود. يتكلم معها — أثناء لقاءاتهما — ببعض الحرية، حتى إنه يُفضي لها بهمومه أحيانًا. تعرف حقائق حياته؛ سمعتْ قصتَي زواجه، تعرف عن ابنته وعن نجاحات ابنته وإخفاقاتها، تعرف الكثير من آرائه.

لا تبوح ثُريَّا بشيء عن حياتها خارج مقرِّ وندسور. إنه على يقين من أن «ثُريَّا» ليس اسمها الحقيقي. هناك علامات على أنها أنجبت طفلًا، أو أطفالًا. ربما لا تكون محترِفة إطلاقًا. ربما لا تعمل لهذه الوكالة إلا بعد ظهيرة يوم أو يومين في الأسبوع، وتعيش فيما تبقى حياةً محترَمة في الضواحي، في ريلندز أو أثلون. ذلك غير معتاد بالنسبة لمُسلِمة، لكنَّ كلَّ شيء محتمَلٌ في هذه الأيام.

يتكلم قليلًا عن وظيفته، لا يريد أن يُصيبها بالضجر. يكسب عيشه من العمل في جامعةِ كيب للتقنية، وكان اسمها من قبلُ كليةَ جامعة كيب تاون. ما إن صار بروفيسورًا في اللغات الحديثة، حتى صار بروفيسورًا مساعدًا في الاتصالات؛ لأن اللغات الكلاسيكية والحديثة لم تعد جزءًا من العقلانية العظيمة. ومثل كل العقلانيين، سُمِح له بتقديم مقرَّرٍ دراسي في مجالٍ خاصٍّ واحد في السنة، بصرف النظر عن التسجيل؛ لأن ذلك مفيد معنويًّا. يقدِّم هذه السنة مقرَّرًا دراسيًّا عن الشعراء الرومانسيين. يدرِّس بالإضافة إلى ذلك «اتصالات ١٠١، مهارات الاتصال»، و«اتصالات ٢٠١، مهارات متقدمة في الاتصالات».

ومع أنه يكرِّس كلَّ يوم ساعات لتخصُّصه الجديد، إلا أنه يجدُ أنَّ مقدمته المنطقية الأولى، كما ذُكرت في كتاب الاتصالات ١٠١ منافيةً للعقل: «ابتكر المجتمع الإنساني اللغةَ لتتواصل أفكارنا ومشاعرنا ونوايانا.» تكمُن أصول الكلام، في رأيه الذي لا يستطيع إعلانه، في الغناء، وتكمُن أصول الغناء في الحاجة إلى ملء الروح الإنسانية الهائلة والخاوية إلى حدٍّ ما.

نشرَ في مسيرته التي تمتدُّ ربع قرنٍ ثلاثةَ كتب، لا أحدَ منها حرَّك شيئًا أو حتى هزَّه؛ الأول عن الأوبرا (بويتو٦ وأسطورة فاوست: نشأة مفيستوفيليس)، والثاني عن الرؤية كشهوة (رؤية ريتشارد من سانت فيكتور٧ والثالث عن وردزورث والتاريخ (وردزورث وعبء الماضي).

انشغل في السنوات القليلة الماضية بفكرةِ عمل عن بيرون. اعتقد في البداية أنه سيكون كتابًا آخر، معزوفة نقدية أخرى. لكن كل انطلاقاته في كتابته عجزتْ عن التقدم في الضجر. تعِبَ حقًّا من النقد، تعِبَ من نَثْر يُقاس بالياردة. يريد أن يكتب موسيقى: بيرون في إيطاليا، تأمُّل في الحُب بين الجنسَين في شكل أوبرا الغرفة.

تمرُّ في عقله، وهو يواجه فصول الاتصالات، العباراتُ والنغمات وأجزاء متفرِّقة من أغنيةٍ من العمل غير المكتوب. لم يهتمَّ أبدًا بأنْ يكون معلِّمًا؛ إنه في هذه المؤسسة التعليمية المتحولة والعاجزة، في رأيه، في مكانٍ غير مناسب أكثر من أيِّ وقت مضى. لكنه، مثل بقية الزملاء الآخرين من العصور الماضية، مُثقَل بتنشئةٍ لا تُناسب المهامَّ الموكلة إليه؛ إنهم كهنةٌ في عصرِ ما بَعْد الدِّين.

لا يؤثِّر على طلابه لأنه لا يحترم المادة التي يدرِّسها. يتفحَّصونه حين يتكلم، وينسون اسمه. تُثير لا مبالاتهم سخطَه أكثر ممَّا يقبل. إلا أنه يُنجز الرسالة التي تعهَّد بها لهم ولآبائهم وللدولة. يدوِّن شهرًا بعد شهر، ويجمع، ويقرأ، ويضع حواشي دروسهم، ويصحِّح الأخطاء بدِقَّة، الهجاء والاستخدام، واضعًا علامة استفهام على الحُجج الواهية، مُذيِّلًا كل بحث بنقدٍ موجَز وقيِّم.

يستمر في التدريس لأنه يمدُّه بأسباب العيش، ولأنه أيضًا يعلِّمه التواضع، ويجعله يفهم موقعه في العالم. لا تُفارقه المفارقة: يتعلَّم مَن يأتي ليعلِّم أروع الدروس، ومَن يأتون ليتعلموا لا يتعلمون شيئًا. سمةٌ لمهنته لا يُشير لثُريَّا إليها. يشكُّ في وجود مفارقة تُناظِرها في مهنتها.

في مطبخ الشقة في المنطقة الخضراء برَّاد، وأكواب من البلاستيك، وبرطمان من القهوة الجاهزة، وإناء به أكياس من السكر. في الثلاجة زجاجات مياه. في الحمام صابون ومجموعة من الفوط، في خزانة المفارش النظيفة. تحتفظ ثُريَّا بأدوات زينة في حقيبة لاستخدام ليلةٍ واحدة. مكانٌ للمقابلات الغرامية، ليس إلا، عمليٌّ ونظيف ومنظَّم.

كانت تضع، حين استقبلتْه في المرة الأولى، أحمر شفاه قِرْمزيًّا وظلالَ عينٍ ثقيلة. ولأنه لا يحبُّ الإفراط في الزينة؛ طلب منها إزالته. أطاعت، ولم تضَعْه بعد ذلك. متعلمةٌ مستعِدَّة، ومطيعة، ومرِنة.

يحبُّ أن يقدِّم لها هدايا. قدَّم لها في السنة الجديدة سِوارًا مطليًّا، وفي العيد٨ مالكٌ الحزين من الملَكيت٩ لفتَ نظره في محلٍّ للتُّحف، تُسعده متعتها الطبيعية تمامًا.

يندهش لأنَّ تلك الدقائق التسعين أسبوعيًّا في صُحبة امرأةٍ كافيةٌ لإسعاده، وقد اعتاد أن يفكِّر في أنه يحتاج إلى زوجة، بيت، زواج. تبيَّن أن احتياجاته بسيطةٌ تمامًا رغْمَ كلِّ شيء، بسيطةٌ وعابرة كاحتياجات الفراشة. لا عواطف، أو لا عواطف إلا الأعمق، التي لا يمكن توقُّع مكانها؛ مثل موسيقى خافتة عن القناعة، مثل دندنة المرور التي تُهَدهِد ساكنَ المدينة لينام، أو مثل صمت الليل لأهل الريف.

يفكر في إمَّا بوفاري١٠ وقد عادت إلى البيت مُتخَمة، بعينَين برَّاقتَين، من ممارسةٍ جنسيةٍ مستهترة بعد الظهيرة. تقول إمَّا معجَبةً بنفسها في المِرآة: هذه هي النعمة! هذه هي النعمة التي يتحدَّث عنها الشعراء! حسنًا، لو وجدت «إمَّا» المسكينة طريقَها في شكلِ شبح إلى كيب تاون في وقت من الأوقات؛ لأخَذَها معه بعد ظهيرة خميس ليُريها ماذا يمكن أن تكون النعمة؛ نعمةٌ لطيفة، نعمةٌ هادئة.

وفي صباح سبتٍ يتغيَّر كل شيء. إنه في المدينة في مهمَّة؛ تقع عيناه وهو يسير في شارع القديس جورج على شخصٍ نحيفٍ أمامه مباشرةً في الزحام. إنها ثُريَّا بكلِّ تأكيد، حولها طفلان ولَدَان. يحملون رِزَمًا؛ كانوا يتسوَّقون.

يتردَّد، ثم يتتبَّعهم عن بُعْد. يختفون في خان أسماك كابتن دوريجو. للولدَين شعرُ ثُريَّا اللامع وعيناها الداكنتان. لا يمكن إلَّا أن يكونا ابنيها.

يواصل السَّير، يرجع، يمرُّ ثانيةً بخان كابتن دوريجو. يجلس الثلاثة إلى طاولة في الشُّرفة. تلتقي عَينَا ثُريَّا بعينَيه لحظةً عَبْر الزجاج.

كان دائمًا رَجلَ المدينة، يشعر بالأُلفة بين سَيْل الأجسام حيث تتهادى الشهوة وتُومِض كالسهام، لكنه يندم فورًا على هذه النظرة بينه وبين ثُريَّا.

لم يذكُر أيٌّ منهما الحدَثَ في لقاءِ الخميس التالي، إلا أنَّ الذكرى تحلِّق فوقهما باضطراب. لا يرغب في أن يُفسد ما لا بدَّ أنه، بالنسبة لثُريَّا، حياةٌ مزدوَجةٌ محفوفة بالمخاطر. إنه كله للحَيَوات المزدوَجة، الحَيَوات الثلاثية، حيوات تُعاش في المقصورات. يشعر، إذا كان هناك من شعور، بعاطفةٍ أعظمَ تجاهها. يودُّ لو يقول: سرُّك آمنٌ معي.

لكنْ لا هو ولا هي يمكن أن يتجاهلا ما حَدَث. الولدان الصغيران بينهما، يلعبان بالضبط كالظلال في رُكْن الغرفة حيث تضطجع أمُّهما والرجل الغريب. يُصبح في ذراعَي ثُريَّا، بشكلٍ عابر، أبًا لهما؛ أبًا بالتربية، أبًا بالزواج من الأم، أبًا ظلًّا. وبعد أن يُغادِر سريرها، يشعر بعيونهما تُرفرِف عليه خفيةً بفضول.

تتحوَّل أفكاره رغمًا عنه إلى الأب الآخر، الأب الحقيقي. هل لديه فكرة عمَّا تفعل زوجته، أم اختار نعمة الجهل؟

هو نفسه ليس له ابن. قضى طفولته في أسرةٍ من النساء. حين تموت الأمُّ والخالات والأخوات، يحلُّ مكانَهن في الوقت المناسب مُعلِّماتٌ وزوجاتٌ وابنة. جعلتْه صحبةُ النساء محبًّا للنساء، وزير نساء إلى حدٍّ ما. يُعتبر دائمًا، بطُوله وعظامه المتينة وجلده الزيتوني وشعره المنساب، على قدْرٍ من الجاذبية. إذا نظَرَ إلى امرأة بطريقةٍ معيَّنة، بنيَّةٍ معيَّنة، يمكن أن تُبادِله النظرة، يمكن أن يعتمد على ذلك. هكذا كان يعيش؛ لسنوات، لعقود، كان ذلك العمودَ الفقري لحياته.

وذات يومٍ انتهى ذلك كله. تلاشتْ قُواه بدون إنذار. تتبدَّد النظرات التي استجابتْ ذات يوم لنظراته؛ خلفه، خلاله. صار في ليلة وضُحاها شبحًا. إذا أراد امرأةً فعليه أن يتعلَّم مطاردتَها؛ أن يشتريها غالبًا، بطريقة أو أخرى.

وُجِد في موجةٍ متلهِّفة من العلاقات الجنسية. كانت له علاقات مع زوجاتِ زملائه؛ الْتقَط سائحاتٍ في البارات على الشواطئ أو في مَلْهى إيطاليا، نام مع بغايا.

تم تقديمه لثُريَّا في غرفةِ جلوسٍ بسيطةٍ مُعتِمة أمام مكتب دسكريت إسكورت، بستائرِ البندقية١١ على النوافذ، وزَهريَّات زرع في الأركان، ودخان كريه عالق في الهواء. كانت في دفاترهم تحت «غرباء». أظهرتْها الصورة الفوتوغرافية بوردةٍ عاطفيةٍ حمراء في شعرها، وخطوطٍ باهتة في زوايا العينَين. قال المُدخل: «بعد الظهيرة فقط.» ذلك ما قرَّره؛ وعدَّ الغُرَف المغلَقة، المُلاءات الباردة، والأوقات المُختلَسة.

كان الأمر من البداية مُرْضيًا، ما أراده بالضبط؛ عين مهًا. لم يحتَجْ خلال سنة أن يعود إلى الوكالة.

ثم كان ما حدث بشارع القديس جورج، والتحفظ بعد ذلك. مع أن ثُريَّا ما زالت تحافظ على مواعيدها، إلا أنه يشعر ببرودٍ متزايد وكأنها صارت امرأةً أخرى، وكأنه صار زبونًا آخر.

لديه فكرةٌ ذكية عن طريقة كلام البغايا فيما بينهن عن الرجال الذين يتردَّدون عليهن، وخاصةً الرجال الأكبر سنًّا. يَحكِينَ قصصًا، يَضحكْنَ، ويرتجفْنَ أيضًا، كما يرتجف المرء من صَرصار في حوض الاستحمام في منتصف الليل. بسرعةٍ سيرتعد بلذَّة وخُبث. قَدَرٌ لا يستطيع الهروب منه.

في الخميس الرابع بعد الحدث، وهو يغادر الشقة، تُعلن ثُريَّا أمرًا تجمَّدَ أمامه: «أمي مريضة، سآخُذ إجازةً لأرعاها. لن أكون هنا الأسبوع القادم.»

– «هل أراكِ الأسبوع الذي يليه؟»

– «لستُ متأكِّدة. يعتمد على تطوُّر حالتها. من الأفضل أن تتصل أولًا.»

– «لا أعرف الرقم.»

– «اتصل بالوكالة. سيعرفون.»

ينتظر بضعة أيام، ثم يتصل بالوكالة. ثُريَّا؟ يردُّ الرَّجل: ثُريَّا تركتْنا. لا، لا يمكن أن نجعلك تلتقي بها؛ ذلك يخالف قواعد الدار. هل تريد أن نقدِّمك إلى واحدةٍ أخرى من مُضيفاتنا؟ هناك غريباتٌ كُثرٌ يمكنك الاختيار من بينهن: ماليزيَّات، تايلانديَّات، صينيَّات. حدِّدْ.

يقضي المساء مع ثُريَّا أخرى — صار ثُريَّا، على ما يبدو، اسمًا استهلاليًّا١٢ عامًّا — في غرفة فندق في شارع لونج. لا تتجاوز الثامنة عشرة، تفتقر للخبرة، يراها فظَّة. «هكذا ماذا تفعل؟» تقول وهي تخلع ملابسها. يقول: «تصدير واستيراد.» تقول: «أنت لا تقول.»

في القسم الذي يعمل به سكرتيرة جديدة. يأخذها للغداء في مطعم على مسافةٍ معقولة من حَرَم الجامعة ويستمع إليها، وهو يأتي على سَلَطة الجمبري، وهي تشكو من مدرسة أبنائها؛ تقول: «يتعلق باعة العقاقير حول الملاعب، ولا يفعل البوليس شيئًا.» على مدى السنوات الثلاث الماضية وضعَت اسمها واسم زوجها في قنصلية نيوزيلندا للهجرة. «أنتم أناسٌ تعاملتم معها بشكلٍ أبسط. أقصد، بصرف النظر عن صواب الوضع وأخطائه، عرفتم على الأقل أين كنتم.»

يقول: «أنتم أناس؟ أيُّ أناس؟»

«أقصد جيلكم. الناس الآن ينتقون القوانين، ويختارون منها ما يرغبون في إطاعته؛ فوضى. كيف يربِّي المرء أبناءه حين تعمُّ الفوضى؟»

اسمها داون. يتوقفان، حين يصطحبها للخروج في المرة الثانية، في منزله ويمارسان الجنس. سقوط، وثبٌ وخدش، تنهمك في فورة الإثارة التي تنفِّره في النهاية. يقدِّم لها مشطًا، يعود بها إلى الحَرَم الجامعي.

يتجنبها بعد ذلك، يحرص على تجنُّب المرور بالمكتب الذي تعمل به. وفي المقابل ترمُقه بنظرةٍ قاسية، وتزدريه.

كان عليه أن يستسلم، ينسحب من اللعبة. يتساءل: في أيِّ عمرٍ خصى أوريان١٣ نفسه؟ ليس أرحمَ الحلول، لكنَّ الشيخوخة أيضًا ليست مهمَّةً رحيمة. الاستعداد على الأقل بحيث يحوِّل المرء تفكيره إلى المهمَّة الحقيقية في الشيخوخة: الاستعداد للموت.

هل يذهب المرء إلى طبيب ويطلب منه ذلك؟ عمليةٌ بسيطة تمامًا، بالتأكيد يجرونها للحيوانات كلَّ يوم، وتبقى الحيوانات على قيد الحياة بصورةٍ جيدة، إذا تجاهل المرء قدْرًا معيَّنًا من الأسى. قطْع، ربْط؛ بمخدر موضعي ويدٍ ثابتة وقدْرٍ ضئيل من رباطة الجأش يمكن أن يجريها المرء لنفسه، بالرجوع إلى كتاب. رجلٌ على كرسي يقطع جزءًا من جسمه؛ منظرٌ بشِع، لكنه ليس أبشعَ من منظورٍ معيَّن، من أن يتطفل الرَّجل نفسُه على جسَد امرأة.

لا تزال ثُريَّا هناك. عليه أن يُغلق ذلك الفصل. بدلًا من ذلك يدفع لوكالة استخبارات لتتبُّعها. في خلال أيام يعرف اسمها الحقيقي، وعنوانها، ورقم تليفونها. يتَّصل في التاسعة صباحًا، حين يخرج الزوج والأبناء، يقول: «ثُريَّا؟ أنا ديفيد. كيف حالكِ؟ متى يمكن أن أراكِ مرةً أخرى؟»

تصمتُ طويلًا قبل أن تتكلم، تقول: «لا أعرف مَن أنت. تُزعجني في منزلي. أطلب منك ألَّا تتصل بي هنا مرةً أخرى، أبدًا.»

أطلب: تقصد آمُرك. تُدهشه حِدَّتُها؛ لم تكن هناك أيُّ بادرة لها من قبل. لكن، ماذا يُمكن لمفترِسٍ أن يتوقَّع حين يقتحم عشَّ الثَّعلبة في عرين ذئابها؟

يضع التليفون. تمرُّ به ظلالٌ من الحَسَد لزوجٍ لم يرَه أبدًا.

٢

الأسبوع بدون ألحان الخميس، بلا ملامح كالصحراء. هناك أيام لا يعرف ماذا يفعل فيها.

يقضي معظم الوقت في مكتبة الجامعة، يقرأ كلَّ ما يعثُر عليه عن الدائرة الأوسع لبيرون، ويُضيف إلى الملاحظات التي تملأ ملفَّين ضخمَين. يستمتع بهدوء الأصيل في غرفة القراءة، ويستمتع بالعودة إلى البيت بعد ذلك؛ هواء الشتاء المُنعِش، والرطوبة، والشوارع المضيئة.

يرى، وهو عائد إلى البيت في مساء جمعة من الطريق الطويل عبر حدائق الكلية القديمة، إحدى تلميذاته على الطريق أمامه مباشرةً. اسمها «مِلانيي إسحاق»، من فصل الرومانسية. ليست أفضلَ الطالبات لكنها ليست الأسوأ؛ ماهرةٌ بما يكفي، وغيرُ مخطوبة.

تتوانى؛ يلحَقُ بها سريعًا. يقول: «أهلًا.»

تبتسم له بدَورها، تهزُّ رأسها، ابتسامتها ماكرةٌ لا خجولة. ضئيلةُ الجسم ونحيفة، شَعرُها أسودُ مقصوصٌ جدًّا، وعِظام وَجْنتَيها عريضة، صينيَّة تقريبًا، وعيناها واسعتان وغامقتان. ملابسها لافتةٌ دائمًا. ترتدي اليوم ميني جيب كستنائية وسويتر بلونِ الخردل وجواربَ سوداء، الحُليُّ الذهبية على حزامها متناسقةٌ مع الكُرات الذهبية في قُرطها.

ينجذب إليها باعتدال. ليس أمرًا عظيمًا، ليس إلا مصطلحًا يمرُّ حين لا يُغرم بإحدى ضحاياه. كيب تاون مدينةٌ سخيَّة بالحُسن والجمال.

هل تعرف أنه يضع عينه عليها؟ ربما، تُدرك النساء قيمةَ نظرةِ الرغبة.

يتساقط المطر، يأتي رذاذٌ خفيفٌ من الماء من جداول جانبية.

يُعلِّق: «موسمي المفضَّل، وقتي المفضَّل من اليوم. هل تعيشين قريبًا من هنا؟»

– «في الناحية الأخرى، أُشارك في شقة.»

– «هل أنتِ من كيب تاون؟»

– «لا، نشأتُ في جورج.»١٤

– «أسكُن قريبًا من هنا. يمكن أن أدعوكِ لتناول مشروب؟»

وقفةُ حذَر. «أجَل. لكن عليَّ أن أعود في السابعة والنصف.»

يمرَّان من الحدائق إلى زُقاق سكني هادئ حيث يعيش منذ اثنتَي عشرة سنة، مع روزالِند في البداية، ثم وحده بعد الطلاق.

يفتح بوابةَ الأمن، يفتح الباب، يُشير للفتاة بالدخول، يُشعل الأنوار، يأخذ حقيبتها، على شعرها قطراتٌ من المطر، يُحدِّق بِافتتانٍ صريح، تخفض عينَيها، تبتسم الابتسامةَ نَفْسها البسيطة المراوِغة، وربما الجذَّابة، التي ابتسمتْها من قبل.

في المطبخ يفتح زجاجة ميرلست١٥ ويجهِّز بسكويتًا وجبنًا. تقف حين يعود عند أرفف الكتب ورأسُها مائل، تقرأ العناوين، يشغِّل موسيقى: خماسية المزمار لموتسارت.١٦

نبيذ، موسيقى؛ طقسٌ يمارسه الرجال والنساء معًا. لا خطأَ في الطقوس، اختُرعتْ لتسهِّل الصعب. لكن الفتاة التي أتى بها إلى البيت ليست فقط أصغر منه بثلاثين عامًا؛ إنها طالبة، طالبةٌ عنده، تحت وِصايته. سيلتقيان مرةً أخرى، بصرف النظر عمَّا يحدث بينهما الآن، كمدرِّس وتلميذة. هل هو مستعد لهذا؟

يسأل: «هل تستمتعين بالمقرَّر؟»

– «أحبُّ بليك. أحببتُ مجموعة وُندرهورن.١٧ «وَندرهورن».»

– «لستُ مجنونةً جدًّا بوردزورث.»

– «لا يجب أن تقولي ذلك لي. وردزورث أحد أساتذتي.»

صحيح. لقيتْ إيقاعات المقدمة،١٨ بقدْرِ ما يتذكَّر، صدًى عنده.

– «ربما في نهاية المقرر أقدِّره أكثر، ربما يكبر معي.»

– «ربما، لكن من خبرتي يصلكِ الشِّعر من النظرة الأولى أو لا يصل إطلاقًا. ومضةُ إلهام وومضةُ استجابة؛ كالبَرْق، كالوقوع في الحُب.»

كالوقوع في الحُب. هل ما زال الشباب يقَعُون في الحب، أمْ إن هذه الآلية أصبحتْ عتيقة، غيرَ ضرورية، غريبةً كالمحرِّكات البُخارية؟ إنه غيرُ مطَّلِع، عتيق. ربما صار الوقوع في الحُب موضةً قديمة وقليلًا ما يعود، هذا كلُّ ما يعرفه.

يسأل: «هل تكتبين الشِّعر؟»

– «كتبتُ وأنا في المدرسة، لم أكتب بشكلٍ جيد. ليس لديَّ وقتٌ الآن.»

– «والعواطف؟ هل لديكِ أيَّةُ عواطفَ أدبية؟»

تعبس عند الكلمة الغريبة. «درسنا أدريان ريتش١٩ وتوني موريسون٢٠ في السنة الثانية، وأليس ووكر.٢١ تورَّطتُ باعتدال. لكن لا أُسمِّي ذلك عاطفةً بالضبط.»

من ثَم ليستْ مخلوقةً عاطفية. بأكثر الطُّرق التواءً، هل تدفِّئه؟

يقول: «سأعدُّ بعض الطعام للعشاء. تأكلين معي؟ سيكون بسيطًا جدًّا.»

تبدو متردِّدة.

يقول: «هيَّا! قولي نعم!»

– «أجل، لكن يجب أن أقوم باتصالٍ تليفوني أولًا.»

تستغرق المكالمة أطولَ ممَّا توقَّع. يسمع من المطبخ همهمةً تتخلَّلها فترات صَمْت.

يسأل بعد ذلك: «ما خُططكِ لمستقبلكِ؟»

– «المسرح، والتصميم. سأعمَل دبلومًا في المسرح.»

– «ولماذا تَدرُسين الشعر الرومانسي؟»

تفكِّر، تفرُك أنفها، تقول: «اخترتُه من أجل الجوِّ العام. لم أشَأ أن أدرُس شكسبير مرةً أخرى؛ درستُ شكسبير في العام الماضي.»

ما يعدُّه للعشاء بسيطٌ حقًّا؛ أنشوجة على المكرونة مع حساء من عشِّ الغراب. يسمح لها بتقطيع عشِّ الغراب، وباستثناء ذلك تجلس على مقعد، تشاهده وهو يطبخ. يأكلان في غرفة الطعام، يفتحان زجاجةً أخرى من النبيذ. تأكل دون قيود؛ شهيَّة سليمةٌ بالنسبة لشخصٍ بهذه النحافة.

تسأل: «هل تطبخ لنفسك دائمًا؟»

– «أعيش وحدي. لن يطبخ لي أحدٌ إذا لم أطبخ.»

– «أكره الطبخ. أظنُّ أنَّ عليَّ أن أتعلَّمه.»

– «لماذا؟ إذا كنتِ تكرهينه حقًّا، فتزوَّجي رجلًا يطبخ.»

يتأمَّلان الصورة معًا: الزوجة الشابَّة بملابس الجراءة وجواهرَ مبهرجة تخطو عبْرَ الباب الأمامي، تستنشق الهواء بنفادِ صبر. الزوج، مستر رايت بلا لون، يلبس مريلة، يقلِّب إناءً في مطبخٍ مشبَّع بالبخار. أدوارٌ معكوسة، مادة كوميديا برجوازية.

يقول في النهاية حين يفرُغ الإناء: «ذلك كلُّ شيء. لا حلوَ إلا إذا أردتِ تفاحةً أو بعضَ الزبادي. آسف؛ لم أعرف أنه سيكون عندي ضيفة.»

تقول وهي تأتي على كأسها وتنهض: «كان رائعًا. شكرًا.»

«لا تذهبي الآن.» يأخذها من يدها ويقودها إلى الكنبة. «عندي شيءٌ أريكِ إياه. هل تحبِّين أن ترقُصي؟ ليس الرقص أن ترقصي.» يضع شريطًا في الفيديو. «فيلم لرجلٍ اسمه نورمان ماك ليرن،٢٢ قديم جدًّا، وجدتُه في المكتبة. انظري، ما رأيكِ.»
يجلسان جنبًا إلى جنب يشاهدان: يتحرك راقصان على مسرحٍ مكشوف، مصوَّر بكاميرا ستروبوسكوب،٢٣ ترفرِف صُوَرهما، أشباحُ حركاتهما خلفَهما كخفقِ الأجنحة. شاهَدَ الفيلم أول مرة منذ ربع قرن، ويفتنُه حتى الآن؛ اللحظة الحالية وماضي تلك اللحظة، الزائلة، أسيرةٌ في الفضاء نفسه.

يريد أن تُفتَن الفتاة أيضًا، لكنه يشعُر أنها لا تُفتَن.

حين ينتهي الفيلم تنهض، تتجوَّل في الغرفة، ترفع غطاء البيانو، وتضرب على «سي» الأوسط. تقول: «هل تعزف؟»

– «قليلًا.»

– «كلاسيكيةً أم جازًا؟»

– «لا أعزف جازًا، أخشى.»

– «تعزف شيئًا لي؟»

– «ليس الآن، لستُ في حالةٍ تسمح لي بالعزف. مرةً أخرى، حين نتعارف بشكلٍ أفضل.»

تحدِّق في مكتبه. تقول: «هل أُلقي نظرة.»

– «أشعلي النور.»

يضع مزيدًا من الموسيقى: سوناتات سكرلاتي،٢٤ موسيقى الجاز.

تقول حين تخرج: «لديك كتبٌ كثيرة لبيرون، هل هو كاتبك المفضَّل؟»

– «أكتب عن بيرون، عن أيامه في إيطاليا.»

– «هل مات صغيرًا؟»

– «في السادسة والثلاثين، ماتوا كلهم صغارًا، أو نضَبُوا، أو جُنُّوا وعُزِلوا؛ لكنَّ بيرون لم يمُت في إيطاليا، مات في اليونان. ذهب إلى إيطاليا هروبًا من فضيحة٢٥ وأقام هناك، استقرَّ، عاش آخرَ حبٍّ كبير في حياته. كانت إيطاليا مقصدًا عامًّا للإنجليز في تلك الأيام، اعتقدوا أن الإيطاليين ما زالوا على طبيعتهم؛ أقل انشغالًا بالتقاليد، أكثر عاطفية.»

تدور دورةً أخرى في الغرفة. تتوقَّف أمام صورةٍ فوتوغرافية في إطار على طاولة القهوة، تسأل: «زوجتُك؟»

– «أمي، ماتت صغيرة.»

– «هل أنت متزوج؟»

– «كنتُ، مرتَين؛ لكني لستُ متزوجًا الآن.» لا يقول: أفعلُها الآن مع من تقع في طريقي. لا يقول: أفعلها الآن مع البغايا. «هل أقدِّم لك ليكورا؟»٢٦

لا تريد ليكورا، لكنها تقبل جرعة من الويسكي على قهوتها. وهي ترشف، يَميل ويلمس خدَّها. يقول: «أنتِ جميلةٌ جدًّا، أدعوكِ إلى عملٍ متهوِّر.» يلمسها مرةً أخرى. «ابقَي، اقضي الليلةَ معي.»

تنظُر إليه عبْرَ حافة الكوب بثبات: «لماذا؟»

– «لأنَّ عليكِ أن تبقَي.»

– «لماذا عليَّ أن أبقى؟»

– «لماذا؟! لأن جمال المرأة لا يخصُّها وحدَها، إنه جزءٌ من الهِبة التي تجلبها إلى العالم، عليها أن تتقاسمه.»

ما زالت يده تستريح على خدِّها. لا تتراجع، لكنها لا تستسلم أيضًا.

– «وماذا إذا كنتُ أتقاسمه بالفعل؟» في صوتها بعض اللُّهاث. مثيرٌ دائمًا ليُغازَل، مثيرٌ ممتع.

– «عليكِ إذَن أن تتقاسميه بشكلٍ أوسع.»

كلماتٌ ناعمة، قديمةٌ قِدمَ الإغواء نفسه، إلا أنه في هذه اللحظة يؤمن بها. ليست مِلكًا لنفسها؛ الجمال ليس مِلكًا لنفسه.

يقول: «من أجمل المخلوقات نرغب في المزيد.٢٧ ربما لهذا لا تموت وردة الجمال أبدًا.»

ليست نقلةً صحيحة. تضيع ابتسامتُها المازحة، خاصيَّة متقلِّبة. البيت الخماسي، الذي كان إيقاعه ذاتَ يومٍ ييسِّر مرور كلماتِ الثعبان، يجعلها الآن غريبةً فقط. صار مدرِّسًا مرةً أخرى، رجُل الكتاب، حارس ذخيرة الثقافة. تضع كوبها: «لا بدَّ أن أنصرف، على ما أتوقَّع.»

انقشعت السُّحب، النجوم ساطعة. «ليلةً جميلة.» يقول. يفتح بوابة الحديقة. لا تنظُر. «أسير معكِ إلى البيت؟»

– «لا.»

– «حسنٌ جدًّا … ليلةً طيبة.» يصل إلى الخارج، يطوِّقها. للحظةٍ يمكن أن يشعر بثديَيها على جسمه. تفلتُ من عِناقه وتمضي.

٣

كان عليه أن يتوقف عند هذه النهاية. لكنه لا يتوقف. في صباح الأحد يقود سيارته إلى حَرَم الجامعة الخالية ويدخل إلى مكتب القسم. يستخرج من خِزانة الملفات بطاقة تسجيل «مِلانيي إسحاق»، وينسخ بياناتها الشخصية: عنوان البيت، العنوان في كيب تاون، رقم التليفون.

يطلب الرقم، يردُّ صوت امرأة.

– «مِلانيي؟»

– «سأناديها، مَن يتكلم؟»

– «قولي لها ديفيد لوريي.»

مِلانيي لحن، إيقاعٌ مبهرج، اسم لا يناسبها. يغيِّر اللهجة. مِلاني: السوداء.٢٨

– «أهلًا!»

يسمع في الكلمة كلَّ شُكوكها. صغيرة جدًّا. لن تعرف كيف تتعامل معه؛ عليه أن يتركها لحالها. لكنه في قبضةِ شيءٍ ما. وردة الجمال: تنطلق القصيدة كالسهم مباشرةً. لا تملك نفسها؛ ربما لا يملك نفسه أيضًا.

يقول: «أظنُّ أنكِ قد تحبِّين الخروج لتناول الغداء، أُقابلكِ، لنَقُلْ في الثانية عشرة.»

ما زال أمامها وقتٌ لتنطق بكذبة، تتملَّص. لكنَّها مشوَّشةٌ جدًّا. تنقضي اللحظة.

حين يصِلُ تكون في انتظاره على جانب الطريق خارج المبنى الذي تقيم فيه. تَلبَس رداءً ضيِّقًا أسودَ وسويتر أسود. فخذاها نحيفان كفخذَي طفلة في الثانية عشرة.

يصطحبها إلى خليج هوت٢٩ إلى جانب المَرفأ. يحاول طَمْأنتها وهما في السيارة. يسأل عن مقرَّراتها الدراسية الأخرى. تقول إنها تمثِّل في مسرحيةٍ من متطلبات دبلومها. تستغرق البروفات معظم وقتها.

ليس لها شهيَّة في المطعم، تحدِّق بكآبة في البحر.

– «هل هناك مشكلة؟ هل تريدين أن تقولي لي …؟»

تهزُّ رأسها.

«هل أنتِ قلِقةٌ لوجودنا معًا؟»

تقول: «ربما.»

– «لا حاجة لذلك. آخُذ حذري، لن أدَع الأمور تمضي بعيدًا جدًّا.»

بعيدًا جدًّا. ما البعيد، ما البعيد جدًّا في أمرٍ كهذا؟ هل البعيد جدًّا بالنسبة لها كالبعيد جدًّا بالنسبة له؟

يتساقط المطر، تتدفق المياه عبر الخليج الفارغ. يقول: «نغادر المكان؟»

يعود بها إلى بيته. على أرضية غرفة المعيشة، وصوت المطر يضرب على النوافذ، يمارس الحُب معها. جسمها نقيٌّ وبسيط، ومكتملٌ بطريقته؛ مع أنها كانت سلبيةً أثناء الممارسة، إلا أنه يجِدُ العملية ممتعةً، ممتعة لدرجة أنه من ذروتها يهوي في حالةٍ من النسيان التام.

حين يستردُّ وعيه يكون المطر قد توقف. الفتاة راقدة تحته، وعيناها مغلقتان، ويداها خامدتان على رأسها، وبعض العبوس على وجهها. يداه تحت سويترها المصنوع بشكلٍ رديء، على ثديَيها. رداؤها الضيِّق وملابسها الداخلية مكوَّمة على الأرضية، وبنطلونه حول كاحلَيه. بعد العاصفة، يفكِّر: مباشرة من جورج جروس.٣٠

تحرِّر نفسها، مُشيحةً بوجهها، وتجمع أشياءها. في دقائقَ معدودات ترتدي ملابسها مرةً أخرى. تهمس: «لا بدَّ أن أذهب.» لا يحاول احتجازها.

يستيقظ في الصباح التالي في حالةٍ جيدة حقًّا، لا تُفارقه. مِلانيي ليست في الفصل. من مكتبه يتصل ببائعة الزهور. وَرْد؟ ربما ليس وردًا. يطلب قَرَنفلًا. تسأل المرأة: «أحمر أم أبيض؟» أحمر؟ أبيض؟ يقول: «أرسلي اثنتَي عشرة قرنفلية.» «ليس لديَّ اثنتا عشرة قرنفلية؛ أُرسل لك خليطًا؟» يقول: «أرسلي خليطًا.»

يتساقط المطر طوال الثلاثاء من سُحبٍ كثيفةٍ تزحف على المدينة من الغرب. يَلمحها في المدخل، وهو يعْبُر بهْوَ مبنى الاتصالات في نهاية اليوم، وسط مجموعة من الطلبة في انتظار توقُّف انهمار المطر لبعض الوقت. يأتي خلفها، يضع يده على كتفها. يقول: «انتظريني هنا، أوصلك إلى البيت.»

يعود بمظلة، يعبر الميدان إلى الجراج، يقرِّبها إليه ليقيها. تَقلِب عاصفةٌ مفاجئةٌ المظلةَ من الداخل إلى الخارج؛ يجريان معًا بارتباك إلى السيارة.

ترتدي سُترة مطر صفراء ملساء؛ في السيارة تُنزل القَلَنسُوة. وجهها متورِّد؛ يدرك ارتفاع صدرها وهبوطه. تَلعَق قطرةً من المطر من على شفتها العليا. يفكر: طفلة! ليست إلا طفلة! ماذا أفعل؟ إلا أن قلبه يترنَّح بالرغبة.

يسيران بالسيارة في المرور المكتظِّ وقت الأصيل. يقول: «افتقدتُكِ أمس. هل أنتِ على ما يُرام؟»

لا تردُّ، محدِّقةً في المسَّاحة.

في إشارةٍ حمراءَ يأخُذ يدها الباردة في يده. يقول: «مِلانيي!» يحاول الحفاظ على نبرته مُشرِقة. لكنه نسي كيف يتودَّد. الصوت الذي يسمعه صوتُ أبٍ يتملَّق، لا صوت عاشق.

يتوقف أمام المبنى الذي تقيم فيه. تقول: «شكرًا.» وهي تفتح باب السيارة.

– «ألن تدعيني للدخول؟»

– «أعتقد أن شريكتي في الشقة بالداخل.»

– «ماذا عن هذا المساء؟»

– «عندي بروفة هذا المساء.»

– «متى نلتقي مرةً أخرى؟»

لا تجيب. تكرِّر: «شكرًا.» وتنزل.

تجلس يوم الأربعاء على كرسيِّها المعتاد في الفصل. ما زالوا في وردزورث، في الكتاب السادس من المقدمة، الشاعر في جبال الألب.

يقرأ بصوتٍ مرتفع:

من قمةٍ جرداء،
نظرنا أيضًا أولًا.
كشفنا قمة مونت بلانك٣١ وانتابنا الأسى؛
أن ترى صورةً بلا رُوح على العين
التي استولت على فكرةٍ حيَّة،
لا يمكن أن توجد أبدًا بعد الآن.
‏«هكذا. يُصبح الجبل الأبيض المبجَّل، مونت بلانك، مخيِّبًا للآمال. لماذا؟ لنبدأ من صيغة الفعل الشاذ يستولي على. هل نظَرَ إليه أحدٌ في قاموس؟»

صَمْت.

– «إذا نظرتم، فستجدون أنَّ يستولي على يعني يقتحم أو ينتهك. يستولي يتغلب تمامًا. الفعل التام ليستولي على؛ الاستيلاء يكمِّل عملية الاستيلاء.

«يقول وردزورث انقشعَت السحب، انكشفت القِمَّة وانتابنا الأسى لرؤيتها. استجابةٌ غريبة من مسافر إلى الألب. لماذا الأسى؟ يقول لأن صورةً بلا رُوح مجردُ صورة على الشبكية، انتهكتْ ما يُصبح من الآن فكرةً حيَّة. ماذا كانت تلك الفكرة الحيَّة؟»

صمتٌ مرةً أخرى. ينسدل الجوُّ الحقيقي الذي يتكلم فيه بتوانٍ مثل مُلاءة. رجلٌ ينظر إلى جبل، لماذا الأمر معقَّد بهذه الصورة، يريدون أن يشكُوا؟ أيَّة إجابة يقدِّمها لهم؟ ماذا قال لمِلانيي في ذلك المساء الأول؟ لا شيءَ بدون ومضةِ إلهام. أين ومضةُ الإلهام في هذه الغرفة؟

يُلقي نظرةً سريعةً عليها. رأسُها محنيٌّ، مستغرِقة في الكتاب، أو هذا ما يبدو.

«تتكرر كلمة يستولي بعد عدَّة سطور. الاستيلاء من التِّيمات الأكثر عمقًا لسلسة الألب. تجِدُ الأنماط القديمة العظيمة للعقل، الأفكار الخالصة، نفسها وقد استولتْ عليها صور حسية.

إلا أننا لا يمكن أن نعيش الحياة اليومية في عالَم من الأفكار الخالصة، متشرنِقين بعيدًا عن الخبرة الحِسِّية. ليس السؤال: كيف نحفظ التخيُّل خالصًا محميًّا من اعتداءات الواقع؟ لكن السؤال: هل نعثُر على طريقة يتواجد بها الاثنان معًا؟

انظروا إلى السطر ٥٩٩، يكتُب وردزورث عن حدود حاسَّة الإدراك. تِيمةٌ لمسناها من قبل. حيث تصِلُ أعضاءُ الإحساس حدودَ قدراتها، يبدأ نُورها في الخفوت. إلا أن ذلك الضوء يتوهَّج في لحظة النهاية مرةً أخيرة مثل لَهَب الشمعة، مقدِّمًا لنا لمحةً عن المحجوب. المرور صعب؛ ربما حتى يتعارض مع لحظة مونت بلانك. ومع ذلك يبدو أن وردزورث يتحسَّس طريقه إلى التوازن؛ ليست الفكرة الخالصة، مكلَّلة بالسحب، ولا الصورة البصرية المحترقة على الشبكية، مجتاحةً إيانا ومخيِّبةً آمالنا بنقاء حقيقتها، بل الصورة الحسية زائلةٌ بأسرع ما يمكن كمعنًى باتجاهِ تحريك الفكرة أو تنشيطها، الفكرة المدفونة في مكانٍ أكثر عمقًا في تُربة الذاكرة.»

يتوقَّف. عدمُ فَهمٍ مُطلَق. ابتعَدَ جدًّا بسرعةٍ هائلة. كيف يأتي بِهنَّ إليه؟ كيف يأتي بها؟

يقول: «كأنكَ في حُب. من الصعب أن تقع في الحُب من الوَهلة الأولى إذا كنتَ أعمى. لكن الآن، هل تأمُل حقًّا في رؤية المحبوب بالنقاءِ البارد لآلة الرؤية؟ ربما تُلقي، باهتمامٍ أفضل، نقابًا على النظرة، لتبقى حيَّة في صورتها النمطية الأثرية، صورة تشبه إلهة.»

كلامٌ صعب عن وردزورث، لكنه يُوقظهم على الأقل. يقولون لأنفسهم: الأنماط الأثرية؟ إلهات؟ عمَّ يتكلم؟ ماذا يعرف هذا العجوز عن الحُب؟

تنجرف الذاكرة إلى الوراء: على الأرض حين ينتزع السويتر، ويعرِّي ثدييها الصغيرَين الرائعَين المكتملَين. للمرة الأولى تتطلع؛ تلتقي عيناها بعينَيه، وفي ومضةٍ يرى كلَّ شيء. مرتبِكة، تخفض عينَيها.

يقول: «يكتب وردزورث عن الألب. ليس لدينا ألب في هذه البلاد، لكن لدينا دراكنزبرج،٣٢ أو بمقياسٍ أصغر جبل الطاولة،٣٣ الذي نتسلَّقه في صحوة الشعراء، آملين في إحدى تلك اللحظات الوردزورثية المُلهِمة التي سمعنا عنها جميعًا.» يتكلم الآن ليس إلا، يغطِّي. «لكنَّ تلك اللحظات لن تأتي إلا إذا تحوَّلت العين بعض الشيء إلى الأنماط الأثرية العظيمة للمخيِّلة التي نحملها معنا.»

كفاية! يشمئزُّ من صدى صوته، ويأسف من أجلها أيضًا؛ لأنَّ عليها أن تستمع إلى هذه العلاقات الخفية. يصرف الطلاب، ثم يتباطأ آمِلًا في كلمةٍ معها. لكنها تنسلُّ وسط الزحام.

منذ أسبوع كانت مجرد وجهٍ آخرَ جميل في الفصل. لها الآن وجودٌ في حياته، وجودٌ حي.

تَغرق قاعة اجتماعات اتحاد الطلبة في الظلام. يحتلُّ، دون أن يلاحظه أحدٌ، مقعدًا في الصف الخلفي. إنه المشاهِد الوحيد، باستثناء رجلٍ أصلعَ في زيِّ بوابٍ أمامه بعدَّة صفوف.

الغروب في صالون جلوب، اسم المسرحية التي يعدُّون بروفاتها؛ كوميديا لمجموعةٍ جديدة من جنوب أفريقيا في صالون حِلاقة في هيلبرو٣٤ في جوهانسبرج. على خشبة المسرح مصفِّف شَعر يُسرف في الخلاعة، يعتني بزبونَين؛ أحدهما أسود، والآخر أبيض. تدور ثرثرةٌ بين الثلاثة؛ نِكات، اتهامات. يبدو أن التطهير هو القاعدة الرئيسية؛ نجلب كل الأهواء القديمة الفظَّة في وضَحِ النهار لتُجرَف في نوباتٍ من الضحك.
تظهر شخصيةٌ رابعة على خشبة المسرح؛ فتاةٌ تنتعل حذاءً للأرصفة العالية، وشعرها مموَّج في حلقاتٍ صغيرة. يقول مصفِّف الشَّعر: «خُذي مقعدًا يا عزيزتي، سألتفتُ إليكِ بعد لحظة.» تردُّ: «أتيتُ للوظيفة؛ الوظيفة التي أعلنتَ عنها.» لهجتُها كابس٣٥ مُبتذَلة؛ هل هي مِلانيي. يقول مصفف الشعر: «أج، أَمسكي بالمِقشَّة وكُوني مفيدة.»
تُمسك بمِقشة، تتمايل حول المجموعة وتدفعها أمامها. تَشبِك المقشةَ في سلك كهربي. هناك ما يُفترَض أنها ومضة، يتبعها صرخةٌ وجَرْي، لكن ثمة خطأً في التزامُن. تمشي المُخرِجة على المسرح، ومن خلفها شابٌّ يرتدي جلدًا أسود يبدأ العبث في تجويف في الحائط. تقول المخرجة: «أسرع، أشبه بجوِّ الإخوة ماركس.»٣٦ تستدير إلى مِلانيي: «مفهوم؟» تومئ مِلانيي.
يقف البوَّاب أمامه وبتنهيدةٍ ثقيلة يغادر القاعة. يجب أن يذهب أيضًا. عملٌ غيرُ لائق أن يجلس في الظلام يتجسَّس على الفتاة (بلا داعٍ تخطُر على باله كلمةُ الشَّبَق). إلا أنَّ الرجال المسنِّين، يبدو أنه على وشك الانضمام إليهم، الصعاليك والمنحرفين بسُتراتِ المطر المصبوغة وأطقُم الأسنان المكسورة وفتحاتِ الأذن المُشعِرة؛ كانوا جميعًا ذات يوم أطفالَ الرب، بأطرافٍ مستقيمة وعيونٍ صافية. هل يمكن لومهم لارتباطهم حتى النهاية بمكانهم في المأدبة اللذيذة لحواسِّهم؟

يبدأ التمثيل مرةً أخرى على خشبة المسرح. تدفع مِلانيي مِقشتها. ضربة، ومضة، صرخاتُ إنذار. تنعق مِلانيي: «ليس خَطَئي؟ يا آلهتي، لماذا كل شيء خَطَئي دائمًا بالضرورة؟» ينهض بهدوء، ويتبع البوَّاب في الظلام إلى الخارج.

في الرابعة، عصر اليوم التالي، يكون أمام شقَّتها. تفتح الباب، ترتدي تي شيرت مجعَّدًا، وشورت لقيادة الدرَّاجات، وشبشبًا على شكل جوفر٣٧ في كتابٍ مصوَّر يراه سخيفًا، بلا معنًى.

لم يقدِّم لها أيَّ إشعار؛ تندهش حتى إنها لا تقاوم المقتحِم الذي يفرض نفسه عليها. حين يأخُذها في ذراعيه، تتكوَّم أطرافُها كأطراف دُمية متحرِّكة. كلماتٌ ثقيلة كالهِراوات تضرب في طبلة أُذنها الرقيقة. تقول وهي تقاوِم: «ليس الآن؛ ابنة عمِّي ستعود!»

لكنْ لا شيءَ يُوقِفه. يحملها إلى غرفة النوم، يخلع الشبشب السخيف، يقبِّل قدمَيها، يتعجب من الشعور الذي تستثيره. شيءٌ يرتبط بما يظهر على خشبة المسرح: الشعر المُستعار، القاع المُتذبذِب، الحديث الفجُّ. حبٌّ غريب! إلا أنه من جَعبة أفروديت، ربَّة الأمواج المُزبِدة، لا شكَّ في ذلك.

لا تقاوِم. كلُّ ما تفعله أن تبتعد؛ تُبعد شفتَيها، تُبعد عينَيها. تتركه يطرحها على السرير ويخلع ملابسها، ربما حتى تساعده، ترفع ذراعَيها ثم فخذَيها. رجفةٌ بسيطة من البرد تسري في جسمها؛ بمجرد أن تتعرَّى، تنزلق تحت اللحاف المبطَّن مثل خُلدٍ٣٨ يختبئ، وتستسلم له.

ليس اغتصابًا، ليس بالضبط، إلا أنه مرفوض، مرفوضٌ حتى النخاع. كما لو أنها قرَّرتْ أن تَخْمد، أن تموت في نفسها فترة، كالأرنب حين يقترب فكَّا الثعلب من عنقه. وكأنَّ كلَّ ما يُفعَل بها يُفعَل، إذا جاز التعبير، بعيدًا.

تقول حين ينتهي الأمر: «ستعود بولين في أيَّة لحظة. من فضلك، لا بدَّ أن تذهب.»

يُطيع، لكنه حين يصل إلى سيارته، يسيطر عليه ذلك الغم، ذلك التبلد، حتى يسقط فجأةً أمام عجلة القيادة عاجزًا عن الحركة.

غلطة، غلطة كبيرة. إنَّ مِلانيي في هذه اللحظة، ليس لديه شك، تحاول تنظيف نفسها من العملية، منه. يراها تفتح الحمَّام، وتدخل تحت المياه وعيناها مغلقتان كعينَي مَن يسير نائمًا. يودُّ لو يَنْسلُّ إلى حمَّامه.

تمرُّ به امرأةٌ ساقاها قصيرتان مُكتنِزتان، في ملابس عمل تنمُّ عن الجِدِّية، تدخل المبنى. هل هذه ابنة العمِّ بولين شريكةُ الشقة، المرأة التي تَخشى مِلانيي من استهجانِها؟ ينهض، وينطلق بالسيارة.

اليوم التالي، ليست في الفصل. غيابٌ مؤسِف؛ لأنه يوم امتحان منتصف الفصل الدراسي. حين يسجِّل الحضور بعد ذلك، يعلِّم على اسمها باعتبارها حاضرةً ويمنحها سبعين درجة. يدوِّن في هامش الصفحة ملحوظةً لنفسه: «مؤقَّتة.» سبعون: درجة طالبٍ متوسِّط، ليس متفوِّقًا وليس بليدًا.

تبقى بعيدةً بقية الأسبوع كله. يتَّصل بها مرةً بعد مرة ولا يتلقَّى ردًّا، ثم يرنُّ جرس الباب في منتصف ليلة أحد. مِلانيي تتَّشح بالسواد من قمة الرأس إلى أخمص القدمَين، وعلى رأسها كاب أسودُ بسيطٌ من الصوف، وجهها مُمتقِع. يستعدُّ لكلماتٍ غاضبة، لمشهد.

لا يأتي المشهد. إنها مُرتبِكة في الحقيقة. تهمس متجنِّبةً عينَه: «هل يمكن أن أنام هنا الليلة؟»

– «بالطبع، بالطبع.» يغمر قلبَه شعورٌ بالراحة. يصل إلى الخارج، يحتضنها، يضمُّها، متجمِّدة وباردة. «تعالي، أصنع لكِ بعض الشاي.»

– «لا، لا شاي، لا شيء، أنا مُنهَكة، أحتاج إلى أن «أنخمد» فقط.»

يعدُّ سريرًا لنفسه في الغرفة التي كانت مُخصَّصة لابنته، يقبِّلها ويتمنى لها ليلةً سعيدة، ويتركها مع نفسها. حين يعود بعد نصف ساعة يجِدُها غارقةً في نومٍ عميق، بكامل ثيابها. يخلع حذاءها ويغطِّيها.

في السابعة صباحًا، والطيور المُبكرة تبدأ التغريد، يطرُق بابها. إنها مستيقظة، ترقد والمُلاءة تغطِّيها حتى ذَقَنها، تبدو هزيلة.

يسأل: «كيف حالكِ؟»

تهزُّ كتفَيها.

– «هل هناك مشكلة؟ هل تريدين أن تتكلَّمي؟»

تهزُّ رأسها في صمت.

يجلس على السرير، يشدُّها إليه. تنشج بين ذراعَيه بمرارة. يشعُر، رغم كلِّ شيء، ببعض الرغبة. يهمس لتهدئتها: «هناك، هناك.» يكاد يقول: «أخبريني، ما المشكلة؟ أخبري بابا بالمشكلة.»

تُلَملِم نفسها وتحاول أن تتكلم، لكنَّ أنفَها مسدود. يقدِّم لها مِنديلًا. تقول: «هل يمكن أن أبقى هنا بعض الوقت؟»

يكرِّر بعناية: «تَبقين هنا؟» توقفتْ عن الصراخ، لكنَّ رعشةً قويةً مُخزِية ما زالت تسري في جسدها. «هل هذه فكرةٌ طيِّبة؟»

لا تقول ما إن كانت فكرةً طيِّبة أم لا. بدلًا من ذلك تضغط بجسمها عليه أكثر، وجهها دافئٌ على بطنه. تنزلق المُلاءة جانبًا، لا ترتدي إلا قميصًا داخليًّا وسِروالًا داخليًّا.

هل تعرف، في هذه اللحظة، ما هي مُقدِمة عليه؟

حين قام بالنقلة الأولى في حدائق الكلية، ظنَّ أنها مغامَرةٌ بسيطة وسريعة؛ يدخلها سريعًا، ويخرج سريعًا. الآن هي هنا في بيته، ساحبةً العواقبَ خلفَها. أيَّة لعبة تلعب؟ عليه بتوخِّي الحذر، لا شكَّ في ذلك. لكنْ كان عليه توخِّي الحذر من البداية.

يتمدَّد على السرير بجوارها. الإقامة معه آخرُ ما يحتاجه في هذا العالم من مِلانيي إسحاق. إلا أنَّ الفكرة في هذه اللحظة مُسكِرة. تكون هنا كلَّ ليلة؛ يستطيع كلَّ ليلة أن يتسلَّل إلى سريرها على هذا النحو، يتسلَّل إليها. سيعرف الناس، إنهم يعرفون دائمًا؛ سيكون هناك هَمْس، وربما فضيحة. لكن، ما تلك المسألة؟ وثبةٌ أخيرة لِلَهب الحسِّ قبل أن ينطفئ. يطوي فراش السرير جانبًا، يُداعب ثديَيها وفخذَيها. يُهَمهم: «بالطبع يمكن أن تُقيمي، بالطبع.»

في غرفة نومه، على بعد بابَين، يرنُّ المنبه. تتحوَّل بعيدًا عنه، تدفع الأغطية على كتفَيها.

يقول: «أغادر الآن، ورائي بعض المحاضرات يجب أن أحضرها. حاولي أن تنامي مرةً أخرى. أعود في الظهيرة، ويمكن أن نتكلَّم حينها.» يمسِّد شعرها، يقبِّل جبهتها. خليلة؟ ابنة؟ ماذا تحاول، من صميم قلبها، أن تكون؟ ماذا تقدِّم له؟

حين يعود في الظهيرة يجدُها مستيقظة، تجلس إلى طاولة المطبخ، تأكل توستًا وعسلًا وتشرب شايًا. تبدو وكأنها في بيتها تمامًا.

يقول: «هكذا، تبدين أفضل.»

– «نمتُ بعد أن خرجتَ.»

– «هل تقولين لي الآن ما هذا كله؟»

تتجنَّب عينه. تقول: «ليس الآن. عليَّ أن أمضي، أنا متأخِّرة. أشرح لك في المرة القادمة؟»

– «هذا المساء، بعد البروفة. هل هذا مناسب؟»

– «أجل.»

تنهض، تحمل كوبَها وطبقها إلى الحوض (لكنها لا تغسلهما)، تلتفت إليه. تقول: «هل أنت واثقٌ أنه مناسب؟»

– «أجل، مناسب.»

– «أردتُ أن أقول، أعرف أني أضعتُ الكثير من المحاضرات، لكنَّ المسرحية تأخذ كلَّ وقتي.»

«أفهم، تُخبرينني بأنَّ عملكِ في المسرحية له الأولوية. كان ذلك سيُساعد لو فسَّرتِ الأمر من قبل. هل تكونين في الفصل غدًا؟»

«أجل، أتعهَّد.»

تتعهَّد، لكن بعهدٍ ليس مُلزِمًا. يشعُر بغيظٍ وتوتُّر. تتصرف بشكلٍ سيئ، تُسرف في التمادي؛ تتعلَّم أن تستغله، وربما تستغله أكثر. لكن إذا كانت قد أسرفتْ في التمادي؛ فقد أسرفَ أكثر. إذا كانت تتصرف بشكلٍ سيئ؛ فقد تصرَّف بشكلٍ أسوأ. إنه بقَدْر ما يكونان معًا — إذا كانا معًا — الشخص الذي يقود، وهي التي تتْبع. عليه ألَّا ينسى ذلك.

٤

يمارس الحبَّ معها مرةً أخرى، على السرير في غرفة ابنته. لذيذ، لذيذٌ مثل أول مرة؛ يبدأ في معرفة الطريقة التي يتحرك بها جسدها. سريعة، ومتعطِّشة للخِبرة. إذا كان لا يشعر باشتهاءٍ جنسي كامل لها؛ فإن ذلك يرجع إلى أنها ما زالت صغيرة. تبرُز لحظة في الذاكرة؛ حين تلفُّ ساقًا خلف مؤخرته لتقرِّبَه، يشعر، ووترُ فخذها من الداخل يُحكم عليه، بموجةٍ من البهجة والرغبة. مَن يعرف؟ يفكِّر. ربما، رغم كل شيء، يكون هناك مستقبل.

تسأل بعد ذلك: «هل تفعل هذه الأشياء كثيرًا؟»

– «أفعل ماذا؟»

– «النوم مع طالباتك. هل نمتَ مع أماندا؟»

لا يُجيب. أماندا طالبةٌ أخرى في الفصل، شقراءُ نحيفة. لا يهتمُّ بأماندا.

تسأل: «لماذا طلَّقتَ؟»

– «طلقتُ مرتَين، تزوجتُ مرتَين، وطلقتُ مرتَين.»

– «ماذا حدث لزوجتِكَ الأولى؟»

– «قصةٌ طويلة، أحكيها لكِ في وقتٍ آخر.»

– «هل عندك صُوَر؟»

– «لا أجمع صورًا، لا أجمع نساءً.»

– «ألَا تجمعني؟»

– «لا، بالطبع لا.»

تنهض، تتجوَّل في الغرفة، تلتقط ملابسها بلا خجل كما لو كانت وحدها. اعتاد على نساء أكثر حياءً في ارتداء الملابس وخلعِها. لكنَّ النساء اللائي يعتاد عليهن لَسنَ صغيراتٍ مثلَها، وأجسامهن ليست في اكتمالِ جسمها.

بعد ظهيرة اليوم نفسه، طرقة على باب مكتبه، ويدخلُ شابٌّ لم يرَه من قبل. يجلس بلا دعوة، يُلقي نظرةً على الغرفة، يومئ بتقدير إلى أرفف الكتب.

طويل وممشوق، له لحيةٌ قصيرة ويلبس حَلقًا، يرتدي سُترةً جلديةً سوداء وبنطلونًا جلديًّا أسود. يبدو أكبرَ من بقيَّة الطلبة؛ يبدو مشكلة.

يقول: «أنت إذَن البروفيسور، بروفيسور ديفيد، حدثتْني مِلانيي عنك.»

– «حقًّا! وماذا قالت لك؟»

– «إنك تُضاجعها.»

صَمْت طويل. من ثَم يفكِّر؛ تأتي الدجاجات إلى البيت لتبيت ليلة. كان عليَّ أن أخمِّن بذلك؛ فتاة مثل هذه لا تأتي بلا أعباء.

يقول: «من أنت؟»

يتجاهل الزائر سؤاله. يواصل: «هل تعتقد أنك رشيق، رجل سيدات حقًّا؟ هل تعتقد أنك ستبقى رشيقًا حين تسمع زوجتُك بما تفعله؟»

– «هذا يكفي. ماذا تريد؟»

– «لا تخبرني بما يكفي.» الآن تأتى الكلمات أسرع في شكل وعيد. «ولا تعتقد أنك يمكن أن تدخل حياة الآخرين وتخرج مرةً أخرى حين يحلو لك.» رقصاتٌ خفيفة على عينَيه السوداوين. يميل إلى الأمام، يحرِّك يدَيه يمينًا ويسارًا. تتطاير الأوراق التي على المكتب.

ينهض. «يكفي هذا! لا بدَّ أن تنصرف!»

– «لا بدَّ أن تنصرف!» يكرِّر الولد ساخرًا منه. «أجل.» ينهض، يتهادى إلى الباب. «إلى اللقاء، بروفيسور شيبس،٣٩ لكن انتظرْ لترى!» ثم يمضي.

يفكِّر، بلطجي. تتورَّط مع بلطجي، والآن أتورَّط مع بلطجيِّها أيضًا! تضطرب معدتُه.

يبقى إلى وقتٍ متأخر من الليل في انتظار مِلانيي، ولا تأتي. بدلًا من ذلك، يتمُّ تخريب سيارته المركونة في الشارع. يتمُّ تفريغ الإطارات، وحقنُ غراء في أقفال الأبواب، ولصقُ جرائدَ على الزجاج الأمامي، وكحتُ الدِّهان. يجبُ تغيير الأقفال؛ الفاتورة تبلغ ستمائة رند.

يسأل صانعُ الأقفال: «لديك فكرة عمَّن فعَل ذلك؟»

يردُّ باقتضاب: «لا، إطلاقًا.»

تبتعد مِلانيي بعد هذا الهجوم المباغِت.٤٠ لا يندهش؛ إذا كان العار قد لحقَ به؛ فقد لحقَ بها أيضًا. لكنها تظهر مرةً أخرى في الفصل يوم الاثنين، وبجوارها الولد الذي يرتدي الأسود، صديقها، يُسنِد ظهره في مقعده ويداه في جيوبه بشكل ينمُّ عن غرورٍ شديد.

هناك عادةً همهمةٌ بين الطلاب. اليوم سكوت. مع أنه لا يستطيع أن يصدِّق أنهم يعرفون ما يجري، إلا أن من الواضح أنهم في انتظار أن يروا ما يفعله لهذا الدخيل.

ماذا يفعل حقًّا؟ من الواضح أن ما حدثَ لسيارته ليس كافيًا. من الواضح أن هناك أقساطًا أخرى. ماذا يفعل؟ عليه أن يكزَّ على أسنانه ويدفع، ماذا أيضًا؟

يقول منغمِسًا في مذكراته: «نواصل مع بيرون. كما رأينا الأسبوع الماضي، لم تؤثِّر السمعة السيئة والفضيحة على حياة بيرون فقط، لكنها أثَّرت أيضًا على الطريقة التي تلقى بها الناس قصائده. وجَدَ بيرون الرجلُ نفسَه منصهِرًا مع مخلوقاته الشعرية؛ مع هارولد، ومَنْفريد، وحتى دون جوان.»

فضيحة. ممَّا يثير الشفقةَ أن الفضيحة يجب أن تكون موضوعه، لكن حالته لا تسمح بالارتجال.

يختلس نظرة إلى مِلانيي. تنشغل بالكتابة عادةً. تبدو اليوم نحيلة ومُنهَكة، تجلس جاثمةً على كتابها. ينجذب قلبه إليها رغمًا عنه. يفكر: طائر صغير مسكين، ضممته إلى صدري!

طلب منهم قراءة «لارا».٤١ تتناول مذكراته «لارا». لا سبيل أمامه للتملص من القصيدة. يقرأ بصوتٍ عالٍ:
وقف غريبًا في هذا العالم الحي،
روحًا آثمة لمنبوذٍ آخر؛
شيء من تخيلات سوداء، شكَّلَ
صدفةً أخطارًا هرب منها صدفةً.

«من يفسر لي هذه الأبيات؟ لمن هذه «الروح الآثمة»؟ لماذا يُسمي نفسه «شيئًا»؟ من أي عالم يأتي؟»

توقَّف طويلًا مندهشًا من جهل طلابه. ما بعد المسيحية، ما بعد التاريخ، ما بعد الثقافة، ربما أيضًا خرجوا من البيض أمس. هكذا لا يتوقع أن يعرفوا الملائكة الهابطين أو المصدر الذي ربما قرأ فيه بيرون عنهم. ما يتوقعه دورة من التخمين المناسب، ويمكن، بالحظ، أن يشير إلى العلامة. لكنه يُقابَل اليوم بصمت، صمت عنيد يتأسس بشكلٍ محسوس حول الغريب الذي يجلس وسطهم. لن يتكلموا، لن يلعبوا لعبته، طالما كان هناك غريب يسمع ويحكم ويسخر.

يقول: «إبليس. يُطرَد الملاك من السماء. لا نعرف إلا القليل عن طريقة حياة الملائكة، لكن يمكن أن نفترض أنهم لا يحتاجون إلى أكسجين. في موطنه لا يحتاج إبليس، الملاك المظلم، للتنفس. فجأةً يجد نفسه منبوذًا في «عالم التنفس» الغريب، عالمنا. «الآثم»: كائن يختار مساره الخاص، يجازف، حتى إنه يبتكر الخطر لنفسه. لنقرأ أكثر.»

لا ينظر الولد إلى كتابه إطلاقًا. بدلًا من ذلك، بابتسامة بسيطة على شفتَيه، ابتسامة فيها، مجرد احتمال، لمسةٌ من الذهول، ينبهر بكلماته:

يمكنه
أحيانًا أن يتخلى عن حقه لصالح الآخرين،
لكن ليس شفقةً، ليس واجبًا عليه،
لكن في بعض انحرافات التفكير الغريبة،
التي دفعتْه إلى الأمام بغرورٍ دفين
ليفعل ما يفعله قليلون أو لا يفعله أحد بجانبه؛
وهذه النبضة نفسها في زمن الإغواء
دفعتْ روحه بالقدر عينه إلى الجريمة.
«إذَن، من أي المخلوقات إبليس هذا؟»

من المؤكد أن الطلاب يشعرون حتى الآن بما يجري بينهم، بينه وبين الولد. هل السؤال موجَّه إلى الولد وحده؛ ومثل نائم بعث إلى الحياة، يردُّ الولد. «يفعل ما يحب. لا يبالي إن كان خيرًا أم شرًّا. يفعله فقط.»

«بالضبط. يفعله فقط خيرًا أم شرًّا. لا يعمل طبقًا لمبدأ بل لنبضه، ومصدر نبضاته هو ظلامه. اقرأ بعدُ الأبيات التالية: «لم يكن جنونه من رأسه، بل من قلبه.» قلب مجنون. ما معنى قلب مجنون؟»

يسأل كثيرًا جدًّا. يودُّ الولد تأكيد حدسه أكثر، يستطيع أن يرى ذلك. يريد أن يبين أنه يعرف أكثر من الموتوسيكلات والملابس المبهرجة، وربما يفعل. ربما علاقاته حميمة بمن له قلب مجنون. لكن، هنا، في الفصل، أمام هؤلاء الغرباء، لن تخرج الكلمات. يهزُّ رأسه.

«لا تبالوا. لاحظوا أننا لا يُطلَب منا إدانة هذا الكائن صاحب القلب المجنون، هذا الكائن الذي به خطأ جوهري. بالعكس، نُدعى للفهم والتعاطف. لكنَّ هناك حدًّا للتعاطف؛ فمع أنه يعيش بيننا، إلا أنه ليس واحدًا منا. إنه بالضبط، كما يدعو نفسه: شيء؛ أي مسخ. أخيرًا، يوحي بيرون، من المستحيل أن نُحبه، أن نحبه بالمعنى الإنساني الأعمق للكلمة. محكوم عليه بالعزلة.»

تنحني الرءوس، يدوِّنون كلماته؛ بيرون، إبليس، قابيل؛ لا فرق بالنسبة لهم.

ينتهون من القصيدة. يحدد الأناشيد الأولى من دون جوان وينهي المحاضرة مبكرًا. يخاطبها عبر رءوسهم: «مِلانيي، هل يمكن أن أقول لك كلمة؟»
تقف أمامه مُنهَكةً بوجهٍ مُمتقِع. مرةً أخرى ينجذب قلبه إليها. لو كانا وحدهما لاحتضنها، وحاول أن يُبهجها؛ لدعاها: حمامتي الصغيرة.

بدلًا من ذلك يقول: «هل يمكن أن نذهب إلى مكتبي؟»

يقودها على السلم إلى مكتبه والصديق يمشي خلفهما. يقول للولد: «انتظِر هنا.» ويغلق الباب.

تجلس مِلانيي أمامه، برأس مُنكَّس. يقول: «عزيزتي، تَمرِّين بوقتٍ صعب، أعرف ذلك، ولا أريد أن أجعله أصعب. لكن يجب أن أتحدَّث إليك كمُدرِّس. عندي التزاماتٌ تجاه طلابي جميعًا. ما يفعله صديقك في الحرم الجامعي أمرٌ يخصُّه. لكن لا يمكن أن أتركه يُفسد محاضراتي. قُولي له ذلك، على لساني.

«وبالنسبة لك، عليك تخصيص المزيد من الوقت لعملك، عليك حضور المحاضرات بشكل أكثر انتظامًا، وعليك تأدية الامتحان الذي فاتك.»

تُحدِّق فيه بارتباك، وربما صدمة. يبدو أنها تريد القول: عزلتني عن الجميع. حمَّلتني سرَّك لم أعد مجرد طالبة. كيف تُكلمني بهذه الطريقة؟

يخرج صوتها، حين يخرج، واهيًا حتى إنه يسمعه بالكاد: «لا أستطيع تأدية الامتحان، لم أذاكر.»

ما يريد أن يقوله لا يقال، لا يقال بأدب. كل ما يمكن أن يفعله أن يشير، ويتمنى أن تفهم. «أدِّي الامتحان فقط يا مِلانيي، كأي شخص آخر. لا أهتم باستعدادك، القضية تتجاوزك. نحدد موعدًا. ماذا عن الاثنين القادم، أثناء فسحة الغداء؟ هذا يوفر لك عطلة نهاية الأسبوع لتذاكري.»

ترفع ذقنها، تواجه عينه بتحدٍّ. إما أنها لم تفهم أو أنها ترفض الفرصة.

يكرِّر: «الاثنين، هنا في مكتبي.»

تنهض، تعلق حقيبتها على كتفها.

«مِلانيي، لديَّ مسئوليات. اتخذي على الأقل الخطوات المطلوبة. لا تجعلي الوضع يتعقد أكثر من اللازم.»

مسئوليات: ترى أن الكلمة لا تستحق الرد.

وهو يقود السيارة إلى البيت من حفلة موسيقية في ذلك المساء، يتوقف في إشارة المرور. ينطلق خلفه موتوسيكل، دوكاتي فضي يحمل اثنين يرتديان ملابس سوداء. على رأسيهما خوذتان، إلا أنه يتعرف عليهما. مِلانيي، على المقعد الخلفي، تجلس وركبتاها مُنفرِجتان، وحوضها مُقوَّس. تجتاحه رجفةٌ سريعة من الشهوة. يفكر: كنتُ هناك. ثم يندفع الموتوسيكل إلى الأمام، ويحملها بعيدًا.

٥

لا تظهر يوم الاثنين لتأدية الامتحان، وبدلًا من ذلك يجد في صندوق البريد بطاقةَ انسحاب رسمي: الطالبة ٧٧١٠١٠١ س أ م الآنسة م. إسحاق انسحبت من اتصالات ٣١٢ مع التنفيذ الفوري.

يتم بعد ساعة بالكاد تحويلُ مكالمة تليفونية إلى مكتبه. «بروفيسور لوريي؟ هل لديك لحظة للحديث؟ اسمي إسحاق، أتكلم من جورج. ابنتي في فصلك، تعرفها؟ مِلانيي.»

– «أجل.»

– «بروفيسور، أسأل إن كان من الممكن أن تساعدنا. كانت مِلانيي طالبةً مُجدَّة، والآن تقول إنها ستتخلى عن الدراسة نهائيًّا. وهذه صدمةٌ مُرعبة لنا.»

– «لستُ متأكدًا من أنني أفهم.»

– «تريد أن تتخلى عن الدراسة وتحصل على وظيفة. يبدو ضياعًا أن تقضي ثلاث سنوات في الجامعة وتحقق نتائج طيبة، ثم تنسحب قبل النهاية. أسأل إن كان من الممكن أن أطلب منك، بروفيسور، أن تكلمها، تعيدها إلى صوابها!»

– «هل تكلمتَ أنت مع مِلانيي؟ هل تعرف السبب وراء هذا القرار؟»

– «قضينا عطلة نهاية الأسبوع كلها على التليفون معها، أمها وأنا، ولم نستطِع أن نعيدها إلى صوابها. إنها منهمِكة تمامًا في مسرحية تمثل فيها، وربما تكون، كما تعرف، مُجهَدة، مُرهَقة أكثر من اللازم. تأخذ الأمور بجدية دائمًا، بروفيسور، هذه طبيعتها، تنهمك تمامًا. لكن إذا تحدَّثتَ إليها، فربما تستطيع تشجيعها على التفكير مرةً أخرى. إنها تُكنُّ لك الكثير من الاحترام. لا نريدها أن تضيِّع كل تلك السنوات هباءً.»

هكذا تأخذ ملانيي-ملاني، بحليها من الساحة الشرقية وعجزها عن فهم وردزورث، الأمور بجدية. ما كان ليخمن ذلك. أي شيء آخر لم يخمنه بخصوصها؟

– «أسألُ، مستر إسحاق، إن كنتُ الشخص المناسب للحديث إلى ملانيي.»

– «أنت المناسب، بروفيسور، أنت المناسب! كما أقول، تُكنُّ ملانيي لك الكثير من الاحترام.»

احترام؟ أنت خارج الزمن، مستر إسحاق. فقدَت ابنتُك احترامَها لي منذ أسابيع، لسببٍ وجيه. هذا ما يجب أن يقوله. وبدلًا من ذلك يقول: «أرى ماذا يمكن أن أفعل.»
يقول لنفسه بعد ذلك: لن تستطيع أن تتهرب. ولن ينسى الأب إسحاق في جورج البعيدة هذه المحادثة، بكذبها ومراوغاتها. أرى ماذا يمكن أن أفعل. لماذا لا يكون صريحًا؟ كان يجب أن يقول: أنا الدودة في التفاحة. كيف يمكن أن أساعدك حين أكون المصدر الحقيقي لمحنتك؟

يتصل بالشقة ويجد ابنة العم بولين. تقول بولين بصوتٍ مرتجف: «ملانيي غير متاحة.» «ماذا تقصدين بغير متاحة؟» «أقصد أنها لا تريد أن تتحدث معك.» يقول: «أخبريها أن الأمر يتعلق بقرار انسحابها. أخبريها أنها تتصرف بتهورٍ حقيقي.»

يمضي درس الأربعاء بشكل سيئ، والجمعة بشكل أسوأ. كان الحضور ضعيفًا؛ لا يأتي إلا الطلبة الجُبناء السلبيون الطيِّعون. ليس هناك إلا تفسير واحد؛ لا بد أن القصة انتشرت.

يسمع وهو في مكتب القسم صوتًا من خلفه: «أين يمكن أن أعثر على بروفيسور لوريي؟»

يقول بدون تفكير: «هذا أنا.»

الرجل الذي تكلم ضئيل ونحيف متهدِّلُ الكتفَين، يرتدي بدلةً زرقاء واسعة جدًّا عليه، تفوح منه رائحة دخان السجائر.

– «بروفيسور لوريي؟ تحدَّثنا في التليفون، إسحاق.»

– «أجل. كيف حالك؟ هل يمكن أن نذهب إلى مكتبي؟»

– «لا حاجة لذلك.» يتوقف الرجل، يجمع شتات نفسه، يأخذ نفَسًا عميقًا. «بروفيسور»، يبدأ، يضغط على الكلمة بشدة، «ربما تكون مثقفًا جدًّا وكل ذلك، لكن ما فعلتَه ليس صائبًا.» يتوقف، يهزُّ رأسَه. «ليس صائبًا.»

لا تتظاهر السكرتيرتان بإخفاء فضولهما. هناك أيضًا طلبة في المكتب؛ يصمتون تمامًا حين يرتفع صوت الغريب.

– «نضع أبناءنا في أيديكم أيها الناس؛ لأننا نعتقد أننا يمكن أن نثق فيكم، نثق في مَن إذا كنا لا نستطيع أن نثق في الجامعة! لم نعتقد أبدًا أننا نرسل ابنتنا إلى عش الأفاعي. لا، بروفيسور لوريي، قد تكون في مكانة مرموقة وعظيمًا وحصلتَ على كل أنواع الشهادات، لكني لو كنتُ مكانك لخجلتُ من نفسي، أعنِّي يا رب. إذا كنتُ قد تناولتُ الأمر بصورة خطأ، فهذه فرصتك لتتكلم، لكن لا أعتقد ذلك، أرى ذلك من وجهك.»

الآن فرصته حقًّا: ليتكلم من يتكلم. لكنه يقف مربوط اللسان، والدماء تضخ في أذنيه. أفعى: كيف ينكر ذلك؟

يهمس: «اعذرني، ورائي عمل عليَّ أن أؤديه.» ومثل شيء خشبي يستدير ويغادر المكان.

يتبعه إسحاق في الدهليز المزدحم. يقول: «بروفيسور! بروفيسور لوريي. لا يمكن أن تجري على هذا النحو! لم تسمع حتى النهاية، أقول لك الآن!»

هذه هي البداية. تصل في الصباح التالي، في رسالة مدهشة، مذكرةٌ من مكتب نائب رئيس الجامعة (شئون الطلبة) تبلغه بشكوى مقدَّمة ضده تحت البند رقم ثلاثة فاصل واحد من لائحة الانضباط بالجامعة، ويطلب منه الحضور إلى مكتب نائب رئيس الجامعة في أقرب فرصة تُناسبه.

الإشعار — الذي يصل في ظرف مكتوب عليه سري — مُرفَق به نسخة من اللائحة. يتناول البند رقم ثلاثة التمييز أو التحرش على أساس العِرق أو الأقليات أو الدين أو النوع أو التمييز الجنسي أو الإعاقة الجسدية. ويتعلق البند رقم ثلاثة فاصل واحد بتمييز المدرِّسين بين الطلاب أو التحرش بهم.

تصف وثيقةٌ ثانيةٌ القانون وكفاءة لجان التحقيق. يقرأ، يدق قلبه بشكل بغيض. يفقد تركيزه في المنتصف. ينهض، يغلق باب مكتبه، ويجلس والورقة في يده، يحاول تخيُّل ما حدث.

لم تتخذ ملانيي هذه الخطوة من نفسها، يثق من ذلك. إنها أبرأ من أن تفعل ذلك، تجهل قدرتها تمامًا. لا بد أن الرجل الضئيل في البدلة التي لا تناسبه، وراء ذلك، هو وابنة العم بولين، الدميمة، الوصيفة. لا بد أنهما ناقشاها في ذلك، وأرهقاها، ودفعاها في النهاية إلى مكتب الإدارة.

لا بد أنهما قالا: «نريد تقديم شكوى.»

– «تقديم شكوى؟ أي شكوى؟»

ربما تدخلت ابنة العم بولين وملانيي تقف مرتبكةً: «تحرش ضد بروفيسور.»

– «اذهبي إلى غرفة كذا.»

في غرفة كذا يصبح، إسحاق، أكثر جرأةً: «نريد تقديم شكوى ضد بروفيسور عندكم.»

ردوا طبقًا للمتَّبَع: «هل فكَّرتَ في الأمر مليًّا؟ هل هذا ما تريده حقًّا؟»

رد، محدِّقًا في ابنته، مشجِّعًا إياها: «أجل، نعرف ما نريد.»

هناك نموذج لتملأه. يوضع النموذج أمامهم، وقلم. تأخذ يدٌ القلم، يد قبَّلها، يد يعرفها بشكلٍ حميم. أولًا اسم المدعية: ملانيي إسحاق، بحروفٍ مرصوصة بعناية. تحت عمود من الإطارات ترتجف اليد، بحثًا عمن يحدد لها الموضع. هناك، يشير أبوها بإصبع مصبوغ بالنيكوتين. تتباطأ اليد، تستقر، تضع إكس، علامة خطأ على استقامتها: أتهم.٤٢ ثم فراغ لاسم المتَّهم. تكتب اليد: ديفيد لوريي، بروفيسور. في النهاية، في نهاية الصفحة، التاريخ وتوقيعها: ميم أرابيسك ولام باستدارة سفلى جريئة، وهمزة تحت الألف، وتأنق القاف الأخيرة.

تنتهي العملية. في الصفحة اسمان، اسمه واسمها، جنبًا إلى جنب. اثنان في سرير، ما عادا عاشقَين بل خصمَين.

يتصل بمكتب نائب رئيس الجامعة ويُحدَّد له الخامسة، بعد ساعات العمل.

في الخامسة ينتظر في الدهليز. يظهر أرام حكيم، أنيقٌ وفتيٌّ، ويشير إليه بالدخول. في الغرفة شخصان: إلين ونتر، رئيسة القسم الذي يعمل به، وفروديا رسول من العلوم الاجتماعية، ورئيسة لجنة الجامعة عن التمييز.

يقول حكيم: «الوقت متأخر، ديفيد، نعرف سبب وجودنا هنا. لندخلْ في الموضوع مباشرةً. كيف نعالج هذه المسألة على أفضل وجه؟»

«يمكن أن تبلغني بفحوى الشكوى.»

«أجل. نتحدث عن الشكوى المقدمة من الآنسة ملانيي إسحاق. وأيضًا من …» — يلقي نظرة على إلين ونتر — «عن مخالفات سابقة يبدو أنها تخصُّ الآنسة إسحاق. إلين؟»

تأخذ إلين ونتر الخيط. لم تحبه أبدًا: تعتبره متخلفًا من آثار الماضي، من الأفضل التخلص منه أسرع. «هناك تساؤل عن حضور الآنسة إسحاق، ديفيد. طبقًا لكلامها — تحدثتُ إليها في التليفون — لم تحضر إلا درسين في الشهر الأخير. إذا كان ذلك صحيحًا، فكان لا بد من تسجيله. تقول أيضًا إنها لم تحضر امتحان منتصف الفصل الدراسي. إلا أن — تُحدق في ملف أمامها — حضورها، طبقًا لسجلاتك لا تشوبه شائبة، وتحصل على سبعين درجة في منتصف الفصل الدراسي.» تنظر إليه بسخرية. «إلا إذا كانت هناك اثنتان باسم ملانيي إسحاق …»

يقول: «لا توجد إلا واحدة. ليس لديَّ دفاع.»

يتدخل حكيم برفق: «يا أصدقاء، ليس وقت الدخول في قضايا جوهرية ولا مكانه. ما علينا أن نفعله — ينظر إلى الاثنين الآخرين — هو توضيح الإجراء. لا أحتاج إلا أن أقول، ديفيد، إن المسألة يتم تناولها بمنتهى السِّرِّية، أستطيع أن أؤكد لك ذلك. يتم التكتُّم على اسمك، ويتم التكتُّم على اسم الآنسة إسحاق أيضًا. يتم تشكيل لجنة وظيفتها تحديد إن كانت هناك أسس لإجراءات تأديبية. لك، أنت أو ممثلك القانوني، فرصة الاعتراض على تشكيلها. تُعقَد جلساتُها في سرية. وأثناء ذلك، حتى تبلغ اللجنة توصيتها إلى رئيس الجامعة ويوافق عليها مدير الجامعة، يبقى كل شيء على حاله. انسحبت الآنسة إسحاق رسميًّا من الفصل الدراسي الذي تدرسه معك، ويُتوقَّع منك أن تحجم عن أي اتصال بها. هل هناك شيء لم أذكره، فروديا وإلين؟»

بشفتَين مغلقتين، تهزُّ دكتورة رَسُّول رأسها.

«هذه المهمة المحيرة معقَّدة دائمًا، ديفيد، معقَّدة بقدر ما هي مشئومة، لكننا نؤمن بأن إجراءاتنا مناسبة وعادلة؛ لذا نأخذها خطوةً خطوة، نتصرف طبقًا للقواعد. اقتراحي الوحيد، اطلع على الإجراءات وربما تحصل على نصيحة قانونية.»

على وشك أن يرد، لكن حكيم يرفع يده محذِّرًا. يقول: «أجِّل اتخاذ القرار إلى الغد، ديفيد.»

سمع ما يكفي: «لا تقلْ لي ما يجب أن أفعله، لستُ طفلًا.»

يغادر في غضب. لكن البناية مغلقة وقد ذهب البواب إلى بيته. المنفذ الخلفي مغلق أيضًا. على حكيم أن يخرجه.

يتساقط المطر. يقول حكيم: «شاركني في المظلة.» ثم عند سيارته: «أكلمك بشكل شخصي، ديفيد، أريد أن أقول لك إنك تحظى بكل تعاطفي. حقًّا. قد تكون هذه الأشياء جحيمًا.»

عرف حكيمًا لسنوات، اعتادا لعب التنس معًا حين كان يلعب التنس، لكن حالته المزاجية لا تسمح له الآن بالود الذَّكَري. يهزُّ كتفيه بتوتر ويدخل سيارته.

يفترض أن تكون القضية سرية، لكنها بالطبع ليست كذلك، يتحدث الناس بالطبع. لماذا أيضًا، حين يدخل غرفة الاستراحة، يسقط الصمت على المتحدث؟ لماذا تضع الزميلة الأصغر، التي له معها حتى الآن علاقات قلبية ناضجة، كوب الشاي وترحل، وتحدق فيه مباشرةً وهي تمر؟ لماذا لم يحضر الدرس الأول عن بودلير إلا طالبان فقط؟

يفكر: تدور طاحونة الثرثرة نهارًا وليلًا، تطحن السمعة. مجتمع الاستقامة، يدير جلساته في الزوايا، على التليفون، خلف الأبواب المغلقة. همسات طروب. شماتة٤٣ الحكم أولًا، ثم المحاكمة.

في دهاليز مبنى الاتصالات يسجل نقطة بالمشي رافع الرأس.

يتحدث إلى المحامي الذي تناول طلاقه. يقول المحامي. «ليكونَ الأمر واضحًا في البداية، ما مدى صحة الادعاءات؟»

– «صحيحة تمامًا. كانت لي علاقة غرامية مع الفتاة.»

– «جادة؟»

– «هل الجدية تجعلها أفضل أم أسوأ؟ كل العلاقات الغرامية جادة، بعد سن معيَّنة، كالنوبات القلبية.»

– «أجل، قد تكون نصيحتي، كمسألة استراتيجية، أن تجعل امرأة تمثلك.» يذكر اسمين. «اسعَ إلى تسوية خاصة. تقدم بتعهدات معينة، ربما تأخذ إجازة لفترة، في مقابل أن تحثَّ الجامعةُ الفتاةَ، أو أسرتها، للتنازل عن الاتهامات. أفضلُ أمل لك. خذ إنذارًا. قلِّل الخسائر، انتظِر حتى تنتهي الفضيحة.»

– «أية تعهدات؟»

– «تدريب الحساسية. الخدمة الاجتماعية. المشورة. ما يمكن أن تتفاوض حوله.»

– «مشورة؟ أنا أحتاج مشورة؟»

– «لا تفهمني خطأً. أقول ببساطة إن المشورة قد تكون من الخيارات التي تعرض عليك.»

– «لإصلاحي؟ لشفائي؟ لشفائي من رغبات غير مناسبة؟»

يهزُّ المحامي كتفيه: «بصرف النظر.»

إنه أسبوع التوعية حول الاغتصاب. تعلن نساء ضد الاغتصاب، ن. ض. غ، أربعًا وعشرين ساعة من السهر تضامنًا مع «الضحايا الجدد». يوضع كُتيب تحت بابه: «النساء يتكلمن»، مكتوب بقلم رصاص أسفل الصفحة: «انتهت أيامك، كازانوفا

تناول العشاء مع زوجته السابقة روزالند. انفصلا منذ ثماني سنوات؛ ببطء، بحذر، يصبحان صديقين مرةً أخرى، بشكلٍ ما. محاربان قديمان. يطمئنُّ لأن روزالند ما زالت تعيش بالقرب منه، ربما تشعر بالإحساس نفسه تجاهه. شخص يعتمد عليه في حالة حدوث الأسوأ: السقوط في الحمام، الدماء في البراز.

يتحدثان عن لوسي، المولودة الوحيدة من زواجه الأول، تعيش الآن في مزرعة في كيب الشرقية.٤٤ يقول: «قد أراها قريبًا، أفكر في القيام برحلة.»

– «في الفصل الدراسي؟»

– «انتهى الفصل الدراسي تقريبًا. أسبوعان وينتهي، هذا كل شيء.»

– «هل يتعلق هذا بالمشاكل التي تمرُّ بها؟ أسمع أنك تمرُّ بمشاكل.»

– «أين سمعتِ ذلك؟»

– «يتكلم الناس، ديفيد. يعرف الجميع هذه العلاقة الغرامية الأخيرة، بأدق التفاصيل. لا أحد يهتم بإخمادها، لا أحد سواك. هل مسموح لي أن أخبرك كم تبدو غبية؟»

– «لا، ليس مسموحًا لك.»

– «يُسمَح لي على أية حال. غبية، وبشعة أيضًا. لا أعرف ماذا تفعل فيما يتعلق بالجنس ولا أريد أن أعرف، لكن ليست هذه الطريقة المناسبة. أنت ماذا في الثانية والخمسين؟ هل تعتقد أن تجد فتاةٌ صغيرة متعةً في الذهاب إلى السرير مع رجل في تلك السن؟ هل تعتقد أنها تجد من المناسب أن تنظر إليك في منتصف …؟ هل فكرت في ذلك أبدًا؟»

يصمت.

«لا تتوقع تعاطفًا مني، ديفيد، ولا تتوقع تعاطفًا من أي شخص آخر. لا تعاطف، لا شفقة، لا في هذا اليوم ولا في هذا الزمن. الجميع ضدك، ولماذا لا؟ حقًّا، كيف استطعتَ؟»

دخلت النبرة القديمة، نبرة السنوات الأخيرة من حياتهما الزوجية: الاتهامات العاطفية المضادة. حتى روزالند لا بد أنها تدرك ذلك، لكن ربما كان لها هدف. ربما من الصواب حقًّا أن يحمي الشباب أنفسهم من منظر كبارهم في آلام العاطفة، إلا أن هذا سبب وجود البغايا؛ أن يتحملن متع الكريهين.

تواصل روزالند: «على أية حال، تقول إنك سترى لوسي.»

– «أجل، أظن أنني سأستقل السيارة بعد التحقيق وأقضي بعض الوقت معها.»

– «التحقيق؟»

– «هناك لجنة تحقيق تنعقد الأسبوع القادم.»

– «إنها سريعة جدًّا. وبعد أن ترى لوسي؟»

– «لا أعرف. لستُ متأكدًا من السماح لي بالعودة إلى الجامعة. لستُ متأكدًا من أنني أريد العودة إليها.»

تهزُّ روزالند رأسها: «نهاية مخزية لمسيرتك، ألَا تعتقد ذلك؟ لن أسأل إن كان ما حصلت عليه من هذه الفتاة جديرًا بالثمن. كيف ستقضي وقتك؟ ماذا عن معاش التقاعد؟»

– «سأجري بعض الترتيبات معهم. لا يمكن أن يستبعدوني بدون بنس.»

– «ألَا يمكنهم؟ لا تثق في ذلك. كم عمرها أمُّورتك؟»

– «عشرون من العمر، كبيرة بما يكفي لتدرك.»

– «القصة أنها تناولت أقراصًا منومة. هل هذا صحيح؟»

– «لا أعرف شيئًا عن الأقراص المنومة. تبدو تلفيقًا ضدِّي. مَن حدَّثكِ عن الأقراص المنومة؟»

تتجاهل السؤال. «هل كانت تحبك؟ هل نبذتَها؟»

– «لا، لا هذا ولا ذاك.»

– «لماذا هذه الشكوى إذَن؟»

– «مَن يعرف؟ لم تثق بي. تدور معركة من نوعٍ ما في الكواليس، لم أكن على علم بها. لها صديق غيور. هناك أبوان ناقمان. لا بد أنها انهارت في النهاية. أخذتْني الدهشة تمامًا.»

– «كان عليك أن تعرف، ديفيد. أنت أكبر من أن تختلط بأبناء الآخرين. كان عليك أن تتوقع الأسوأ. على أية حال، الأمر كله بلا معنًى. حقًّا.»

– «لم تسألي ما إن كنتُ أحبها. ألَا يفترض أن تسألي عن ذلك أيضًا؟»

– «حسن جدًّا. هل تحب هذه المرأة الصغيرة التي مرَّغت اسمك في الوحل؟»

– «ليست مسئولة. لا تلوميها.»

– «لا تلوميها! مع مَن أنت؟ بالطبع ألومها! ألومك وألومها. الأمر كله مُخزٍ من البداية إلى النهاية، مُخزٍ وسوقيٌّ أيضًا. ولا أندم على ما قلتُ.»

في غابر الأيام كان يمكنه، عند هذه النقطة، أن يثور، لكنه اليوم لا يثور. صارت جلودهما سميكة، هو وروزالند، أمام بعضهما.

تتصل روزالند في اليوم التالي: «ديفيد، هل رأيتَ عدد اليوم من أرجوس؟»٤٥

– «لا.»

– «حسنا، تماسكْ. بها مقال عنك.»

– «ماذا يقول؟»

– «اقرأه بنفسك.»

التقرير على الصفحة الثالثة، عنوانه: «بروفيسور وتهمة جنسية.» يمرُّ بسرعة على السطور الأولى: «… من المنتظَر أن يظهر أمام مجلس تأديبي بتهمة التحرش الجنسي. تغلق جامعة كيب تاون فمها عن آخر فضيحة في سلسلة من الفضائح تشمل الإنفاق على المنح الخداعية وحلقات الجنس المزعومة التي تعمل في مساكن الطلبة. لوريي (٥٣)، مؤلف كتاب عن شاعر الطبيعة الإنجليزي وليم وردزورث، لم يكن متاحًا للتعليق.»

وليم وردزورث (١٧٧٠–١٨٥٠م) شاعر الطبيعة. ديفيد لوريي (١٩٤٥م–؟) معلِّق على وليم وردزورث وتابعه المخزي. مباركٌ الطفل الرضيع. مهما يكن منبوذًا. مباركٌ الطفل الرضيع.

٦

تُعقَد الجلسة في غرفة اللجنة بعيدًا عن مكتب حكيم. يشير بالدخول ويجلس في طرف الطاولة بجوار مَناس مَثابين، بروفيسور الدراسات الدينية، الذي يرأس التحقيق، وعلى يساره يجلس حكيم وسكرتيرته وامرأة شابة، طالبة بشكل ما، وعلى يساره ثلاثة أعضاء من لجنة مثابين.

لا يشعر بقلق. على العكس، يشعر بثقة كاملة في نفسه. يدق قلبه بانتظام، نام نومًا جيدًا. يفكر: غرور، خطورة غرور المقامر؛ غرور وثقة في النفس. يشارك في هذا باستياء، لكنه لا يبالي.

يومئ لأعضاء اللجنة. يعرف اثنين منهم: فَروديا رسول ودِسموند سوارتس، عميد كلية الهندسة. والثالثة، طبقًا للأوراق التي أمامه، تدرِّس في كلية التجارة.

يقول مثابين مفتتحًا الإجراءات: «اللجنة المجتمعة هنا لا تتمتع بسلطات، بروفيسور لوريي. كل ما يمكن أن تفعله تقديم توصيات. بالإضافة إلى أن لك حق الاعتراض على تشكيلها. لذا أسأل: هل هناك أي عضو في اللجنة تشعر أنه قد يكون مؤذيًا لك؟»

يردُّ: «ليس لديَّ أي اعتراض بالمعنى القانوني. لديَّ تحفظات فلسفية، لكني أفترض أنها خارج الموضوع.»

تحوُّل عام ومراوغة. يقول مثابين: «أعتقد أن من الأفضل أن نقتصر على المعنى القانوني. ليس لديك اعتراض على تشكيل اللجنة. هل لديك اعتراض على وجود طالبة من التحالف ضد التمييز؟»

– «لا أخشى اللجنة. لا أخشى المراقِبة.»

– «حسن جدًّا. لندخلْ في الموضوع. الشاكية الأولى هي الآنسة ملانيي إسحاق، طالبة في برنامج الدراما، وقد قدمَت إفادةً أمامنا جميعًا نسخ منها. هل أحتاج إلى تلخيص هذه الإفادة؟ بروفيسور لوريي؟»

– «هل أفهم، سيدي الرئيس، أن الآنسة إسحاق لن تَمْثل شخصيًّا؟»

«مَثَلت الآنسة إسحاق أمام اللجنة بالأمس. لأذكركَ مرةً أخرى، هذه ليست محاكمة بل تحقيق. قواعد إجرائنا ليست قواعد إجراءات محكمة قانونية. هل يمثِّل هذا مشكلة لك؟»

– «لا.»

يواصل مثابين: «يأتي اتهام ثانٍ يرتبط بالأول من أمين السجلات، من مكتب سجلات الطلبة، يتعلق بمصداقية سجل الآنسة إسحاق. اتهام بأن الآنسة إسحاق لم تحضر كل الدروس، أو تنجز كل الواجب التحريري، أو تحضر كل الامتحانات التي قيَّدتَها لها.»

– «هذا موجزها؟ هاتان هما التهمتان؟»

– «أجل.»

يأخذ نفَسًا عميقًا: «أنا على يقين من أن لدى أعضاء هذه اللجنة ما هو أفضل من قضاء وقتهم في إعادة سرد قصة لن يكون هناك نقاش حولها. أجبتُ بأنني مذنب في التهمتين. أصدروا حكمًا، ودعونا نواصل حياتنا.»

يميل حكيم على مثابين. تدور بينهما همهمة.

يقول حكيم: «بروفيسور لوريي، عليَّ أن أكرر، هذه لجنة تحقيق، دورها أن تسمع طرفَي الحالة وتصدر توصية. ليس لها سلطة اتخاذ القرارات. أسألُ مرةً أخرى، أليس من الأفضل أن يمثِّلك شخصٌ على دراية بإجراءاتنا؟»

– «لا أحتاج إلى تمثيل. أستطيع تمثيل نفسي بشكل لا تشوبه شائبة. هل أفهم أن علينا، برغم الجواب الذي قدمته، أن نستمر في عقد الجلسة؟»

– «نريد أن نقدم لك فرصة لتعبِّر عن موقفك.»

– «عبَّرتُ عن موقفي. أنا مذنب.»

– «مذنب بماذا؟»

– «بكل ما أنا متهم به.»

– «تحيرنا، بروفيسور لوريي.»

– «بكل ما تثبته الآنسة إسحاق، وبتسجيلات زائفة.»

تتدخل الآن فروديا رسول: «تقول، بروفيسور لوريي، تقبل إفادة الآنسة إسحاق، لكن هل قرأتَها؟»

– «لا أودُّ قراءة إفادة الآنسة إسحاق. أقبلُها. لا أرى سببًا يجعل الآنسة إسحاق تكذب.»

– «لكن أليس من التعقل أن تقرأ الإفادة قبل قبولها؟»

– «لا، في الحياة أشياء أكثر أهمية من التعقل.»

تسند فروديا رسول ظهرها في الكرسي: «هذا دون كيخوتي حقًّا، بروفيسور لوريي، لكن قد تتحمل تبعاته؟ يبدو لي أن من واجبنا أن نحميك من نفسك.» تبتسم لحكيم ابتسامةً باردة.

– «تقول إنك لم تطلب نصيحةً قانونية. هل استشرتَ أحدًا؛ قسًّا، على سبيل المثال، أو مستشارًا؟ هل أنت مستعدٌّ للحصول على مشورة؟»

يأتي السؤال من المرأة الشابَّة من كلية التجارة. يشعر بأنه يتخذ موقفًا عدوانيًّا: «لا، لم أطلب مشورة ولا أنوي أن أطلبها. أنا رجلٌ ناضج. لا أقبل أن تقدم لي مشورة. أنا أكبر من أن أتقبل المشورة.» يتحول إلى مثابين: «قدَّمتُ اعترافي. هل هناك داعٍ لاستمرار هذه المناقشة؟»

هناك استشارة هامسة بين مثابين وحكيم.

يقول مثابين: «يُفترض أن تُرفع أعمال اللجنة لمناقشة اعتراف بروفيسور لوريي.»

إيماءات متتالية.

– «بروفيسور لوريي، هل يمكن أن أطلب منك أن تخرج بضع دقائق، أنت والآنسة فان وايك، حتى نتدارس الأمر؟»

ينسحب هو والطالبة المراقبة إلى مكتب حكيم. لا يتبادلان كلمة؛ من الواضح أن الفتاة مرتبكة. «انتهتْ أيامك، كازانوفا.» ماذا تعتقد بشأن كازانوفا الذي تقابله الآن وجهًا لوجه؟

يُستدعَيان للدخول من جديد. جو الغرفة ليس طيبًا؛ يبدو له بغيضًا.

يقول مثابين: «هكذا، لنستأنف: بروفيسور لوريي، تقول إنك تقبل حقيقة الاتهامات الموجَّهة إليك؟»

– «أقبل كل ما تدعيه الآنسة إسحاق.»

– «دكتورة رسول، لديك شيء تودين قوله؟»

– «أجل، أريد أن أسجِّل اعتراضًا على هذه الردود من بروفيسور لوريي، أعتبرها مراوِغة أساسًا. يقول بروفيسور لوريي إنه يقبل الاتهامات. لكن حين نحاول أن نستفسر منه عما يقبله فعلًا، لا نحصل إلا على سخرية بارعة. يوحي هذا لي بأنه لا يقبل الاتهامات إلا شكليًّا. وفي حالة وجود نبرات مبهمة من هذا القبيل، تُدعى اللجنة العامة للانعقاد.»

لا يمكن السماح بذلك. يردُّ بصوتٍ حاد: «لا توجد نبرات مبهمة في هذه الحالة.»

تواصل، ترفع صوتها بيسرٍ بارع، تغطي عليه: «تُدعى اللجنة العامة لتعرف ما يعترف به تحديدًا بروفيسور لوريي، وما يلام عليه بالتالي.»

مثابين: «إذا كان مَلُومًا.»

– «إذا كان ملومًا. نفشل في القيام بمهمتنا إذا لم نبلورْ بوضوحٍ ما يلام عليه بروفيسور في عقولنا، وإذا لم نبلوره بوضوح في توصياتنا.»

– «أعتقد أنه مبلوَر بوضوح في عقولنا، دكتورة رسول. السؤال هو ما إن كان مبلورًا بوضوح في عقل بروفيسور لوريي.»

– «بالضبط. عبَّرتَ بالضبط عما أردتُ أن أقول.»

من الحكمة أن يصمت، لكنه لا يصمت. يقول: «ما يدور في عقلي أمرٌ يخصُّني، لا يخصُّكم، فروديا. صراحةً، ما تريدونه مني ليس ردًّا بل اعتراف. أجل، لن أقدم أي اعتراف. أجبتُ، وهذا حقي. مذنب بالتُّهم الموجَّهة إليَّ. هذا جوابي. هذا أقصى ما أنا مستعدٌّ للذهاب إليه.»

– «سيدي الرئيس، لا بد أن أعترض. يتجاوز الموضوع مجرد التقنيات. يجيب بروفيسور لوريي بأنه مذنب، لكني أتساءل، هل يقبل ذنبه أم إنه ببساطة يساير التيار على أمل دفن الحالة في الورق ونسيانها؟ إذا كان يساير التيار ببساطة، ألحُّ على أن نطبق أقصى عقوبة.»

يقول مثابين: «أذكرك مرةً أخرى، دكتورة رسول، ليس لنا أن نوقع عقوبات.»

– «علينا إذَن أن نوصي بأقصى عقوبة. أن يُستبعَد بروفيسور لوريي فورًا ويخسر كل حقوقه ومميزاته.»

– «ديفيد؟» يأتي الصوت من دِسموند سوارتس، الذي لم يتكلم حتى الآن. «ديفيد، هل أنت متأكد من أنك تعالج الموقف على أفضل وجه؟» يتحول سوارتس إلى الرئيس: «سيدي الرئيس، كما قلتُ وبروفيسور لوريي خارج الغرفة، أومن أن علينا كأعضاء في مجتمع جامعي ألَّا نبدأ ضدَّ زميل بطريقة شكلية باردة. ديفيد، هل أنت متأكد من أنك لا تريد التأجيل لتعطي نفسك وقتًا للتفكير وربما المشورة؟»

– «لماذا؟ ما الذي أحتاج إلى التفكير فيه؟»

– «في خطورة موقفك، وأنا على يقين من أنك لا تقدرها. لنكونَ صرحاء، أنت مهدَّد بفقد وظيفتك. ليست دعابة في هذه الأيام.»

– «إذَن، بمَ تنصحني؟ أستبعد ما تدعوه دكتورة رسول السخرية البارعة من نبرتي؟ أسكب دموع الندم؟ ماذا يكفي لإنقاذي؟»

– «ربما تجد من الصعب أن تصدِّق، ديفيد، لكننا، حول هذه الطاولة، لسنا أعداءك. لنا، جميعًا، لحظات ضعف، لسنا إلا بشرًا. حالتُكَ ليست فريدة. نودُّ أن نعثر لك على طريقة لتستمر في مسارك.»

ينضم حكيم بسهولة: «نودُّ أن نساعدك، ديفيد، لتخرج مما لا بد أنه كابوس.»

إنهم أصدقاؤه. يريدون حمايته من ضعفه، وإيقاظه من كابوسه. لا يريدون رؤيته يتسول في الشوارع. يريدون عودته مرةً أخرى إلى حجرة الدراسة.

يقول: «في هذا الكورس من النوايا الطيبة، لا أسمع صوتًا أنثويًّا.»

صمت.

يقول: «حسن جدًّا، لأعترفْ. تبدأ القصة ذات مساء، أنسى التاريخ، لكن ليس منذ وقت طويل. كنتُ أمشي عبر حدائق الكلية القديمة، وتصادف أن كانت هناك المرأة الصغيرة التي نحن بصددها، الآنسة إسحاق. التقى طريقانا. تبادلنا كلمات، وفي تلك اللحظة حدث ما لن أحاول وصفه لأني لستُ شاعرًا. يكفي أن أقول إن إيروس دخل. بعد ذلك لم أكن كما كنتُ.»

تسأل المرأة من كلية التجارة بحذر: «لم تكن كما كنت مثل ماذا؟»

– «لم أكن نفسي. لم أعد المطلِّق٤٦ ابن الخمسين الذي لا يعرف ماذا يفعل. صرتُ خادمًا لإيروس.»

– «هل هذا دفاع تُقدمه لنا؟ نزوة طائشة؟»

– «ليس دفاعًا. تريدون اعترافًا، أقدم لكم اعترافًا. وكانت النزوة بعيدة عن الطيش. أخجل أن أقول إني كثيرًا ما رفضتُ نزوات مماثلة من قبل.»

يقول سوارتس: «ألَا تعتقد أن الحياة الأكاديمية بطبيعتها تستوجب بعض التضحيات بالضرورة؟»

– «تضع في عقلك تحريم المودة عبر الأجيال؟»

– «لا، ليس بالضرورة. لكننا كمدرسين نحتل مواضع القوة. ربما تحريم اختلاط علاقات القوة بالعلاقات الجنسية، وأظن أنه ما جرى في هذه الحالة، أو بحذر شديد.»

تتدخل فروديا رسول: «نلفُّ في دوائر مرةً أخرى، سيدي الرئيس. نعم، يقول إنه مذنب؛ وحين نحاول الحصول على شيء محدد، فجأةً لا يكون ما يعترف به إساءة لامرأة صغيرة، مجرد نزوة لم يستطِع مقاومتها، بدون ذكر للألم الذي تسبَّب فيه، بدون ذكر لتاريخ طويل من الاستغلال الذي تمثل هذه الإساءة جزءًا منه. لهذا أقول لا جدوى من الاستمرار في المناقشة مع بروفيسور لوريي. لا بدَّ أن نأخذ جوابه بالقيمة الظاهرية ونوصي طبقًا لذلك.»

إساءة: كان في انتظار الكلمة. تُنطق بصوت يرتجف بالاستقامة. ماذا ترى، حين تنظر إليه، فيجعلها في هذا الغضب الشديد؟ سمكة قرش بين أسماك صغيرة لا حول لها؟ أم إن لها رؤية أخرى: ذكر بعظام هائلة سميكة ينقض على طفلة، يد ضخمة تخنق صرخاتها؟ يا له من عبث! ثم يتذكر: كانوا مجتمعين هنا بالأمس في هذه الغرفة نفسها، وكانت أمامهم، ملانيي، التي تصل إلى كتفه بالكاد. عدم تكافؤ: كيف ينكر ذلك؟

تقول المرأة من كلية التجارة: «أميل للاتفاق مع الدكتورة رسول، إلا إذا كان هناك ما يودُّ بروفيسور لوريي إضافته، أظن أن علينا اتخاذ قرار.»

يقول سوارتس: «قبل أن نفعل ذلك، سيدي الرئيس، أودُّ مناشدة بروفيسور لوريي للمرة الأخيرة. هل هناك إفادةٌ مستعد لتوقيعها؟»

– «لماذا؟ لماذا من المهم أن أوقِّع إفادة؟»

– «لأن ذلك قد يساعد على تهدئة ما أصبح موقفًا مشتعلًا. بشكل مثالي، من الأفضل لنا جميعًا حل هذه المسألة بعيدًا عن صخب وسائل الإعلام. لكن ذلك ليس ممكنًا. حظيتْ بكثير من الاهتمام، اكتسبتْ نبرات مُبهَمة خرجت عن سيطرتنا. كل العيون على الجامعة لترى كيف نتناولها. لديَّ انطباع، وأنا أستمع إليك، ديفيد، بأنك تُعامَل بصورة غير عادلة. وهذا خطأ بالغ. نحن في هذه اللجنة نرى أننا نحاول التوصل إلى تسوية تحفظ لك وظيفتك؛ لذا أسأل إن كان هناك شكل لإفادة عامة يمكن أن تقبلها وتسمح لنا بأن نوصي بشيء أقل من أشد عقوبة؛ أي الفصل بدون أية حقوق.»

– «تعني أن أذلَّ نفسي وأطلب الرأفة؟»

يتنهد سوارتس: «ديفيد، ليس من المفيد أن تسخر من جهودنا. اقبلْ على الأقل تأجيلًا؛ حتى تستطيع أن تفكر في وضعك.»

– «ماذا تريد في الإفادة؟»

– «إقرارًا بأنك كنتَ مخطئًا.»

– «أقررتُ بذلك صراحةً. أنا مذنب بالاتهامات الموجَّهة إليَّ.»

– «لا تمارس معنا ألعابًا، ديفيد. ثمة فرق بين الإجابة بأنك مذنب في تهمة والإقرار بأنك كنت مخطئًا، وأنت تعرف ذلك.»

– «وهذا يرضيكم: إقرار بأني كنتُ مخطئًا؟»

تقول فروديا رسول: «لا. هذا بمثابة قلب للأشياء. أولًا يقدم بروفيسور لوريي إفادة، ثم يمكن أن نقرِّر ما إن كنا نقبلها لتخفيف العقوبة. لا نتفاوض أولًا في محتوى إفادته. يجب أن تأتي الإفادة منه، بكلماته، ثم يمكن أن نرى ما إن كانت من قلبه.»

– «وتثقين من قدرتك على التكهُّن بذلك، من الكلمات التي أستخدمها، التكهن بما إن كانت من القلب؟»

– «نرى الموقف الذي تعبر عنه. نرى ما إن كنت تعبر عن الندم.»

– «حسن جدًّا. قمتُ باستغلال مزية وضعي في مواجهة٤٧ الآنسة إسحاق. كان خطأً، وأنا نادم عليه. هل هذا طيب بما يكفيك؟»

– «ليس السؤال ما إن كان طيبًا بما يكفيني، بروفيسور لوريي، السؤال هو ما إن كان طيبًا بما يكفيك أنت. هل يعكس مشاعرك الصادقة؟»

يهزُّ رأسه: «قلتُ الكلمات لكم، تريدون الآن المزيد، تريدون مني أن أوضح صدقها. هذا محالٌ. هذا يتجاوز القانون. قلتُ ما يكفي. دعونا نرجع ونلعب اللعبة طبقًا للأصول. أجبتُ بأني مذنب. هذا ما أنا مستعدٌّ للذهاب إليه.»

يقول مثابين من موقع الرئيس: «أجل. إذا لم تكن هناك أسئلة أخرى لبروفيسور لوريي، أشكره على الحضور وأطلب منه المعذرة.»

لم يتعرفوا عليه في البداية. يسمع، وهو في منتصف السلم، الصرخة هذا هو! ويلي ذلك دبيب الأقدام. يلحقون به أسفل السلم؛ حتى إن أحدهم يقبض على سُترته ليوقفه.

يقول صوت: «هل يمكن أن نتحدث إليك دقيقةً واحدة فقط، بروفيسور لوريي؟»

يتجاهله مندفعًا إلى اللوبي المزدحم، حيث يتحول الناس للتحديق في الرجل الطويل وهو يسرع من مُطارديه.

تعوق واحدةٌ طريقه، تقول: «أمسكوه!» يدير وجهه ويفرد يده. فلاش.

تحيط به فتاة، شعرها مجدول بخرز من العنبر، يتدلى مباشرةً على جانبَي وجهها. تبتسم، وتكشف عن أسنان بيضاء. تقول: «هل يمكن أن نتوقف ونتحدث؟»

– «عن ماذا؟»

يُقحَم جهاز تسجيل باتجاهه. يدفعه بعيدًا.

تقول الفتاة: «عن كيف كان؟»

– «ما الذي كيف كان؟»

يظهر فلاش الكاميرا مرةً أخرى.

– «تعرف، الجلسة.»

– «لا أستطيع التعليق على ذلك.»

– «أجل، ما الذي يمكنك التعليق عليه؟»

– «ليس هناك ما أريد التعليق عليه.»

بدأ المتسكعون والفضوليون التجمهر حوله. إذا أراد أن يبتعد فعليه أن يشقَّ طريقه بينهم.

تقول الفتاة: «هل أنت آسف؟» يُقرَّب جهاز التسجيل أكثر. «هل تندم على ما فعلتَ؟»

يقول: «لا. لقد أثْرَتني الخبرة.»

تبقى الابتسامة على وجه الفتاة. «أي إنك قد تفعل ذلك مرة أخرى؟»

– «لا أظنُّ أنه ستسنح لي فرصة أخرى.»

– «لكن إذا سنحت لك فرصة؟»

– «ليس سؤالًا واقعيًّا.»

تريد المزيد، المزيد من الكلمات لجوف الآلة الصغيرة، لكنها في هذه اللحظة مرتبكة بشكل يجعلها لا تعرف كيف تجرُّه لمزيد من الحماقة.

يسمع شخصًا يسأل بصوت واهٍ:٤٨ ماذا فعلت به الخبرة؟

– «أثْرَته.»

ضحكة مكتومة.

يطلب أحدهم من الفتاة: «اسأليه إن كان قد اعتذر.»

– «سألتُه.»

اعترافات، اعتذارات: لماذا هذا العطش للإذلال؟ يخيم السكون. يلتفون حوله كصيَّادين حاصروا بهيمة غريبة ولا يعرفون كيف يقضون عليها.

تظهر الصورة الفوتوغرافية في عدد اليوم التالي من جريدة الطلبة، فوقها العنوان «مَن المغفَّل الآن؟» يبدو في الصورة وعيناه تُحدقان في السموات، وهو يمدُّ يدًا تتلمس طريقها إلى الكاميرا. الوضع نفسه سخيف تمامًا، لكن ما يجعل الصورة جذابة هي سلة المهملات المقلوبة التي يحملها أعلى منه شابٌّ يبتسم ابتسامةً عريضة. بخدعة في المنظور تبدو السلة على رأسه مثل قبعة المغفَّل. أية فرصة له أمام هذه الصورة؟

يقول العنوان: «تغلق اللجنة فمها على الحكم. تبحث اللجنة التأديبية تُهَم التحرش وسوء التصرف ضد بروفيسور الاتصالات ديفيد لوريي أغلقت فمها أمس على حكمها. ولم يقل الرئيس مناس مثابين سوى أن نتائجها ستُرفع إلى رئيس الجامعة لاعتمادها.

قال لوريي (٥٣) بعد الجلسة في جدل مع أعضاء نساء ضد الاغتصاب، إنه وجد خبراته مع الطالبات «مثرية».

انفجرت المشكلة في البداية حين قُدمت شكاوى ضد لوريي، متخصص في الشعر الرومانسي، من الطلاب في فصله.»

•••

يتلقى مكالمةً تليفونية في البيت من مثابين: «مرَّرت اللجنة توصيتها، ديفيد، وطلب مني رئيس الجامعة الرجوع إليك مرةً أخيرة. يقول إنه مستعدٌّ ألَّا يتَّخذ معايير صارمة بشرط أن تقدم إفادة بنفسك تكون مقنعة من وجهة نظرنا كما تكون مقنعة من وجهة نظرك.»

– «مناس، اجتزنا تلك المسألة. أنا …»

– «انتظرْ. اسمعني. أمامي إفادة تفي بمتطلباتنا. إنها قصيرة تمامًا. هل يمكن أن أقرأها لك؟»

– «اقرأها.»

يقرأ مثابين: «أسلِّم بدون تحفظ بإساءات خطيرة للحقوق الإنسانية للشاكية، وبالمثل إساءة السلطة المفوضة إليَّ من الجامعة. أعتذر بندم عن الاثنين، وأقبل أية عقوبة مناسبة قد تُوقَّع عليَّ.»

– ««أية عقوبة مناسبة»: ماذا يعني ذلك؟»

– «ما أفهمه أنك لن تُفصَل. في كل الاحتمالات، سيُطلَب منك القيام بإجازة. ما إن كنت ستعود إلى التدريس يعتمد عليك أنت نفسك، وعلى قرار عميد كليتك ورئيس القسم.»

– «هكذا؟ تلك هي الصفقة؟»

– «هذا فهمي. إذا أشرت إلى أنك ستوقع الإفادة، التي تكون في شكل التماس بالتخفيف، يكون رئيس الجامعة مستعدًّا لقبولها بتلك الروح.»

– «بأية روح؟»

– «روح الندم.»

– «مناس، خُضْنا أمس في مسألة الندم. قلتُ لك ما أعتقده. لن أفعل ذلك. ظهرتُ أمام محكمة رسمية، أمام شعبة من القانون. أمام تلك المحكمة المدنية أجبتُ بأني مذنب، جوابٌ مدني. يجب أن يفي هذا الجواب بالغرض. الندم لا مكان له. ينتمي الندم لعالم آخر، لخطاب من كون آخر.»

– «تخلط القضايا، ديفيد. لا يطلب منك أن تندم. ما يدور في روحك غامض بالنسبة لنا كأعضاء لما تدعوه محكمة مدنية إن لم نكن زملاء من البشر. تُطلَب منك إفادة.»

– «يُطلَب مني اعتذارٌ عما قد لا أكون نادمًا عليه؟»

– «ليس الفيصل إن كنت نادمًا. هذه مسألة، كما أقول، ترجع لضميرك. الفيصل إن كنت مستعدًّا للتسليم بأنك مخطئ بطريقة عامة وتتخذ خطوات لمعالجة ذلك.»

– «نتمحَّك الآن في الأمور التافهة حقًّا. اتهمتموني وأجبتُ بأني مذنب في التُّهم الموجَّهة إليَّ. هذا كل ما تحتاجون إليه مني.»

– «لا. نريد أكثر. ليس أكثر من ذلك بكثير، لكن أكثر. أتمنى أن ترى طريقك بوضوح لتعطينا ذلك.»

– «آسف. لا يمكن.»

– «ديفيد، لا يمكن أن أواصل حمايتك من نفسك. تعبتُ من ذلك، وكذلك بقية اللجنة. هل تريد وقتًا للتفكير من جديد؟»

– «لا.»

– «حسن جدًّا. لا يمكن إذَن أن أقول إلا أنك ستسمع من رئيس الجامعة.»

٧

بمجرد أن استقرَّ رأيه على المغادرة، لم يعد هناك ما يثنيه عن رأيه. ينظِّف الثلاجة، يغلق المنزل، ويكون في الظهيرة على الطريق السريع. يتوقف في أودتشورن، يشق طريقه في الفجر؛ في الضحى يقترب من غايته، بلدة سالم على طريق جرهمزتاون-كنتون في كيب الشرقية.

تقع المزرعة الصغيرة التي في حوزة ابنته في نهاية مسار قذر متعرج خارج البلدة بعدة أميال: خمسة هكتارات من الأرض، معظمها مزروعة، مضخة تعمل بالرياح، حظائر وبنايات إضافية، ومنزل ريفي منخفض ومتعرج مدهون بالأصفر، بسطح من الحديد المجلفن وفراندة مغطاة. الحدود الأمامية محددة بسياج من السلك ومجموعات من زهور السلبوت والجيرانيوم؛٤٩ بقية الواجهة من التراب والحصى.

تقف على الطريق فولكس واجن كومبي قديمة؛ يركن خلفها. من ظل الفراندة تظهر لوسي في ضوء الشمس. لا يتعرف عليها لحظة. مرَّت سنة، وازداد وزنها. فخذاها وثدياها (يبحث عن أفضل كلمة) ممتلئة. تأتي حافيةً وبسهولة لترحب به، تفرد ذراعيها وتعانقه، تقبله على خده.

يفكر وهو يعانقها: يا لها من فتاة رائعة! يا له من ترحيب رائع في نهاية رحلة طويلة!

يعود المنزل، وهو واسع ومظلم، وبارد، حتى في منتصف النهار، إلى زمن العائلات الكبيرة، والضيوف الذين يأتون بحافلة ممتلئة. منذ ست سنوات انضمَّت كعضو إلى كوميونة، مجموعة الشباب باعوا بضائع جلدية وآنية فخارية محروقة في الشمس في جرهمزتاون، وزرعوا دجَّة٥٠ بين عيدان الذُّرة. حين انهارت الكوميونة، انتقل البقية إلى بثيسدا الجديدة، وبقيت لوسي في المزرعة الصغيرة مع صديقتها هيلين. قالت إنها وقعت في عشق المكان؛ أرادت أن تزرعها بشكل صحيح. ساعدها في شرائها. الآن هي هنا، بملابس مبهرجة، حافية القدم وكل ذلك، في منزل ممتلئ برائحة الخبز، لم تعد طفلة تلعب في الزراعة بل فلاحة متمرسة، زوجة فلاح.٥١

يسأل: «كيف حال هيلين؟» هيلين امرأةٌ ضخمة، تبدو حزينة بصوت عميق وبشرة رديئة، أكبر من لوسي. لم يستطع أن يعرف أبدًا ماذا ترى لوسي فيها؛ يتمنى سرًّا أن تعثر لوسي، أو تعثر عليها، من هي أفضل.

– «عادت هيلين إلى جوهانسبرج منذ أبريل. أنا وحدي، بلا معين.»

– «لم تخبريني بذلك. ألستِ قلقة لأنك وحدك؟»

تهزُّ لوسي كتفيها: «توجد الكلاب. ما زال للكلاب معنًى. كلما زادت الكلاب زاد الردع. على أية حال، إذا كان هناك اقتحام، فلا أرى أن شخصين أفضل من شخص.»

– «هذه فلسفةٌ حقيقية.»

– «أجل، تفلسفْ حين يفشل كل شيء.»

– «لكن لديك سلاحًا.»

– «لديَّ بندقية. سأريها لك. اشتريتها من جار. لم أستخدمها أبدًا، لكنها عندي.»

– «حسن. فيلسوفة مسلحة. أوافق.»

كلاب وبندقية؛ خبز في الفرن ومحصول في الأرض. غريب أنه وأمها، وهما من سكان المدن ومثقفان، أنتجا هذه المستوطِنة الشابة القوية التي تحمل صفات الأسلاف. لكن ربما لا يكونان هما اللذان أنتجاها: ربما كان للتاريخ النصيب الأوفر.

تقدم له شايًا. جائع: يلتهم شريحتين ناشفتين من الخبز بمربَّى التين الشوكي، صناعة منزلية أيضًا. يدرك أن عينيها عليه وهو يأكل. لا بد أن يكون حذرًا: لا شيء أبغض للطفل من حركات جسد أحد الوالدين.

أظافرها ليست نظيفة تمامًا. قذارة قروية: يَفترض أنها مشرِّفة.

يفتح حقيبته في غرفة هيلين. الأدراج خالية؛ تخلو خِزانة الثياب الضخمة القديمة إلا من أفرول أزرق معلَّق. إذا كانت هيلين بعيدة فلن يكون ابتعادها لوقت قصير.

تأخذه لوسي في جولة في المزرعة والمباني. تذكره بعدم الإسراف في المياه، وبعدم تلويث خزان المياه. يعرف الدرس لكنه يستمع مطيعًا، ثم تفرجه على حظائر الكلاب. في زيارته الأخيرة لم يكن هناك إلا حظيرة واحدة. يوجد الآن خمس حظائر، مشيدة بشكل جيد، أساسات خراسانية، وأعمدة ودعامات مجلفَنة، وشبكة من العيار الثقيل، وتظللها أشجار صغيرة من الأوكالبتوس.٥٢ تنتعش الكلاب حين تراها: دوبرمان، شيفرد ألماني، ريجباك، بول تيرير، روتفيلير.٥٣ تقول: «شاهدِ الكلاب، كلها. كلاب عاملة، بعقود قصيرة: أسبوعان، أسبوع، وأحيانًا نهاية الأسبوع فقط. تكثر الحيوانات الأليفة في عطلات الصيف.»

– «والقطط؟ أليس لديك قطط؟»

– «لا تضحكْ. أفكر في التفرع إلى القطط. فقط لم أبدأ بعد.»

– «هل ما زال لك كشك في السوق؟»

– «أجل، في صباح السبت، سآخذك إليه.»

هذه هي الطريقة التي تكسب بها قوتها: من تربية الكلاب، ومن بيع الزهور ومنتجات الحدائق. لا شيء أبسط من ذلك.

– «ألَا تشعر الكلاب بالملل؟» يشير إلى كلبة، بولدوج٥٤ سمراء في قفص بمفردها، تنظر إليهما بكآبة، ورأسها بين أطرافها، ولم تشغل نفسها حتى بأن تنهض.

– «كاتي؟ إنها مهجورة. غفل عنها أصحابها. لم يُدفَع الحساب لشهور. لا أعرف ماذا أفعل لها. أفترضُ أن أحاول العثور لها على بيت. إنها عابسة، لكنها باستثناء ذلك بحالة جيدة تمامًا. آخذها أنا أو بطرس كل يوم للتدريب. جزء من الصفقة.»

– «بطرس؟»

– «ستقابله. بطرس مساعدي الجديد. في الحقيقة، منذ مارس، شريك. رفيق بمعنى الكلمة.»

يتمشى معها إلى ما بعد السدِّ المحاط بالطين، حيث تسبح عائلة من البط في هدوء، بعد خلايا النحل، وعبر الحديقة: مشاتل الزهور وخضروات شتوية؛ قرنبيط وبطاطس وجذور بنجر وحرشف وبصل. يزوران المضخة وسد التخزين على حافة المزرعة. جاءت الأمطار غزيرة في العامين الماضيين، ارتفع منسوب المياه.

تتكلم بسهولة في هذه الأمور. فلاحة طليعية من السلالة الجديدة. في الأيام الغابرة، الماشية والذرة. اليوم، الكلاب والنرجس البري. بقيت الأشياء على حالها بقدر ما تغيرت. يكرر التاريخ نفسه، وإن كان بطريقة أكثر اعتدالًا. ربما تعلَّمَ التاريخُ درسًا.

يعودان بجوار إحدى قنوات الري. تمسك أصابع لوسي الحافية بالأرض الحمراء، تترك بصمات واضحة. امرأة صلبة، انصهرت في حياتها الجديدة. حسن! إذا كان هذا ما يتركه خلفه — هذه الابنة، هذه المرأة — فعليه ألَّا يشعر بالعار.

يقول وهما في طريق العودة إلى المنزل: «لا حاجة للاحتفاء بي. أحضرتُ كتبي. أحتاج طاولةً وكرسيًّا فقط.»

تسأل بحذر: «هل تعمل في شيء محدد؟» عمله ليس، غالبًا، موضوعًا يمكن أن يتحدثا عنه.

– «لديَّ خطط. شيء عن السنوات الأخيرة لبيرون. ليس كتابًا، أو ليس على شاكلة الكتب التي كتبتها في الماضي. شيء للمسرح، على الأرجح. كلمات وموسيقى. شخصيات تتحدَّث وتغني.»

– «لم أكن أعرف أنه ما زالت لديك طموحات في ذلك الاتجاه.»

– «أعتقد أني أشبع رغباتي. لكن هناك ما هو أكثر من ذلك. يريد المرء أن يترك شيئًا وراءه، أو على الأقل يريد الرجل أن يترك شيئًا وراءه. الأمر أسهل على المرأة.»

– «لماذا أسهل على المرأة؟»

– «أسهل، أقصد، أن تُنتِج شيئًا له حياته الخاصة.»

– «ألَا تضع في حسبانك الأبوة؟»

– «الأبوة، لا يمكن أن أشعر بذلك مقارنةً بالأمومة، الأبوة مسألة مجردة. لكن لننتظرْ ونرَ ما يأتي. إذا أتى شيء، فأنتِ أول من يسمع. الأول وربما الأخير.»

– «هل ستكتب الموسيقى بنفسك؟»

– «أستعير الموسيقى، في معظمها. لا مشاكل لديَّ في الاستعارة. اعتقدتُ في البداية أنه موضوع قد يستدعي ألحانًا بالغة الثراء، مثل شتراوس، على سبيل المثال. وهو ما يتجاوز قدراتي. الآن أميل للطريقة الأخرى، باتجاه أن تكون الموسيقى المصاحبة بالغة البساطة؛ كمنجة أو تشيلو أو مزمار أو ربما بَسُّون.٥٥ لكن ذلك كله ما زال في عالم الأفكار. لم أكتب نوتة، أنا مشتت. لا بد أنك سمعتِ عن مشاكلي.»

– «ذكرتْ روز أشياء في التليفون.»

– «أجل، لن ندخل في ذلك الآن. في وقت آخر.»

– «هل تركتَ الجامعة إلى الأبد؟»

– «استقلتُ. طُلب مني أن أستقيل.»

– «هل تفتقدها؟»

– «هل أفتقدها؟ لا أعرف. لم أكن صاحب تأثير كبير كمدرِّس. كنتُ أرى أن التعاطف يقل مع طلابي. ما كانوا يهتمون بسماع ما أقوله. وهكذا ربما لا أفتقدها. ربما أستمتع بتركها.»

يقف رجل بالمدخل، رجل طويل في أفرول أزرق وحذاء من المطاط وكاب من الصوف. تقول لوسي: «ادخل بطرس، قابلْ أبي.»

يُجفِّف بطرس حذاءه. يتصافحان بالأيدي. وجهٌ محدد متأثر بالجو؛ عينان ذكيتان. أربعون؟ خمسة وأربعون؟

يلتفت بطرس إلى لوسي. يقول: «الرش، أتيتُ من أجل الرش.»

– «في الكومبي. انتظر هنا، سأحضره.»

يُترك مع بطرس. ليقطع الصمت، يقول: «أنت الذي تهتم بالكلاب.»

– «أهتم بالكلاب وأعمل في الحديقة. نعم.» يبتسم بطرس ابتسامةً عريضة: «أنا الجنايني وراعي الكلاب.» يفكر لحظة. يكرر، مستطعمًا الجملة: «راعي الكلاب.»

– «أتيتُ للتو من كيب تاون. أشعر أحيانًا بقلق لأن ابنتي وحيدة هنا في مكان منعزل تمامًا.»

يقول بطرس: «أجل، إنه خطير.» يتوقف. «كل شيء خطير اليوم. لكني أعتقد أن الأمور هنا على ما يرام.» يبتسم ابتسامةً أخرى.

تعود لوسي ومعها زجاجة صغيرة: «تعرف المقدار: ملعقة شاي على عشرة لترات من المياه.»

– «أجل، أعرف.» وينطلق بطرس إلى الخارج من المدخل المنخفض.

يُبدي ملاحظة: «يبدو أن بطرس رجلٌ طيب.»

– «عقله ثابت على الحق.»

– «هل يعيش في المزرعة؟»

– «يمتلك هو وأسرته الحظيرة القديمة. وصَّلتُ إليها الكهرباء. مريحة تمامًا. له زوجة أخرى في أدليد٥٦ وأبناء، كبر بعضهم. يرحل أحيانًا ويقضي بعض الوقت هناك.»

يترك لوسي لشئونها ويتمشى حتى طريق كنتون. يوم شتوي بارد، تسقط الشمس على الهضاب الحمراء المنقطة بأعشاب مبيِّضة متناثرة. يفكر: أرض فقيرة، تربة فقيرة. منهَكة. لا تناسب إلا الأغنام. هل تنوي لوسي حقًّا أن تقضي حياتها هنا؟ يتمنى أن تكون مجرد مرحلة.

يمرُّ به مجموعة من الأطفال في طريقهم من المدرسة إلى البيت. يُحييهم؛ يردُّون التحية. أساليب قروية. تصبح كيب تاون ماضيًا.

تعود ذكرى الفتاة بلا إنذار: ذكرى ثدييها الصغيرين الرائعين وحلمتيهما المنتصبتين، وذكرى البطن الناعم المنبسط، تسري فيه موجة من الرغبة. من الواضح أن ما حدث لم ينتهِ بعد.

يعود إلى المنزل وينهي فتح الحقائب. مضى وقتٌ طويل على آخر مرة عاش فيها مع امرأة. سيراعي تصرفاته؛ يحتاج إلى مراعاة الدقة.

ممتلئةٌ الكلمة المناسبة لوصف لوسي. بسرعة، تكون ثقيلة حقًّا. تترك نفسها، كما تحدث حين ينسحب المرء من علاقة حب. هل صارت هذا الوجهَ المؤدب، هذا الشعر الأشقر، والحواجب المعقودة؟٥٧
العشاء بسيط: حساء وخبز، ثم بطاطا. لا يحب البطاطا عادةً، لكنَّ لوسي تصنع شيئًا بقشر الليمون والزبد والفلفل الحلو٥٨ الذي يجعلها مستساغة الطعم، أكثر من مستساغة.

تسأل: «هل تبقى هنا بعض الوقت؟»

– «أسبوعًا؟ لنقُلْ أسبوعًا؟ هل تستطيعين احتمالي كل هذه الفترة؟»

– «يمكن أن تبقى كما تحب. أخشى فقط أن تشعر بالضجر.»

– «لن أضجر.»

– «وبعد أسبوع، أين تذهب؟»

– «لا أعرف حتى الآن. ربما آخذ جولة، جولة طويلة.»

– «حسن، مرحبًا بك.»

– «جميل أن تقولي ذلك، عزيزتي، لكني أودُّ الحفاظ على صداقتك. الزيارات الطويلة ليست للأصدقاء الطيبين.»

– «ماذا إذا لم نَدعُها زيارة؟ ماذا إذا دعوناها ملاذًا؟ هل تقبل ملاذًا على أساسٍ غير محدد؟»

– «تقصدين مأوًى؟ الأمر ليس بهذا السوء، لوسي. لستُ لاجئًا.»

– «قالت روز إن الجو كان كريهًا.»

– «جلبتُه لنفسي. عُرضَت عليَّ تسوية، لم أقبلها.»

– «أي نوع من التسوية؟»

– «إعادة التعلم. إصلاح الشخصية. المشورة كانت كلمة السر.»

– «وهل أنت مثالي جدًّا حتى لا تقبل بعض المشورة؟»

– «يذكرني ذلك إلى حد بعيد بماو في الصين. الاعتراف علنًا بالخطأ، النقد الذاتي، الاعتذار العام. أنا من طراز قديم، أفضل ببساطة أن أوضع أمام جدار ويطلقون النار عليَّ. وينتهي الأمر.»

– «إطلاق النار؟ بسبب علاقة غرامية مع طالبة؟ تطرُّف إلى حدٍّ ما، لا تفكر بهذا الشكل، ديفيد! لا بد أن ذلك يحدث باستمرار. من المؤكد أنه حدث وأنا طالبة. إذا قاضَوا كل حالة لهلكَ معظم أصحاب المهنة.»

يهزُّ كتفيه: «الحياة الخاصة مهمةٌ عامة في عصور التطهير. التلهف جدير بالاحترام، التلهف والعاطفة. أرادوا مشهدًا: صدرًا ينبض، ندمًا، دموعًا إن أمكن. مشهدًا تليفزيونيًّا، في الحقيقة. لستُ مضطرًّا.»

كان على وشك أن يضيف: «الحقيقة، كانوا يريدون خصائي»، لكنه لا يستطيع نطق الكلمات، نطقها أمام ابنته. تبدو خطبته كلها في الحقيقة، وهو يسمعها الآن بأذن شخص آخر، ميلودرامية جدًّا.

– «وقفتَ إذَن على أرضك ووقفوا على أرضهم. هل كان الوضع كذلك؟»

– «إلى حدٍّ ما.»

– «ليس عليك ألَّا تنحني، ديفيد. ليست بطولةً ألَّا تنحني. هل ما زال هناك وقت للتفكير من جديد؟»

– «لا، الحكم نهائي.»

– «لا استئناف؟»

– «لا استئناف. لا أشكو. لا يمكن أن يرد المرء بأنه مذنب بتُهمٍ شائنة ويتوقع فيضًا من التعاطف في المقابل. ليس بعد سن معيَّنة. بعد سن معيَّنة لا يستأنف المرء ببساطة، وهذا ما كان. على المرء أن ينهمك في عمل ويعيش بقية حياته يقضي وقته.»

– «أجل، إنه أمر يُرثى له. ابقَ هنا كما تحب. بأي شكل.»

يذهب إلى السرير مبكِّرًا. يوقظه عواء في منتصف الليل. يعوي كلبٌ معين باستمرار، بشكل آلي، بلا توقف؛ يشاركه الآخرون، ثم يهدءون، ثم مشمئزِّين من الاعتراف بالهزيمة يشاركون مرةً أخرى.

يقول للوسي في الصباح: «هل يحدث ذلك كل ليلة؟»

– «يعتاد المرء على ذلك. آسفة.»

يهزُّ رأسه.

٨

نسي شدة برودة الصباح في شتاء مرتفعات كيب الشرقية. لم يحضر الملابس المناسبة: عليه أن يستعير سويتر من لوسي.

يتمشى بين مشاتل الزهور ويداه في جيوبه. بعيدًا عن الأنظار على طريق كنتون تهدر سيارة مارَّة، ويتراجع الصوت في الهواء الساكن. يطير سرب إوز فوق رأسه. ماذا يفعل بوقته؟

تقول لوسي من خلفه: «تودُّ أن تتمشى؟»

يأخذان ثلاثة كلاب معهما: اثنان صغيران من الدوبرمان، تضع لهما لوسي سلاسل، وأنثى البولدوج، الكلبة المهجورة.

تُنصت الكلبة خلفها، تحاول أن تتبرز. لا شيء يأتي.

تقول لوسي: «لديها مشاكل. عليَّ أن أداويها.»

تواصل الكلبة العتل، وقد خرج لسانها، تحدِّق حولها بدهاء وكأنها تخجل أن يشاهدها أحد.

يتركان الطريق، ويسيران عبر أرض مُعشِبة، ثم عبر غابة يتناثر فيها الصنوبر.

تقول لوسي: «الفتاة التي تورَّطتَ معها، هل كانت جادة؟»

– «ألم تخبرك روزالند بالقصة؟»

– «ليس بالتفصيل.»

– «جاءت من هذا الجزء من العالم، من جورج. كانت في فصولي. طالبة متوسطة، لكنها جذابة جدًّا. هل كانت جادة؟ لا أعرف. من المؤكد أن النتائج كانت جادة.»

– «لكن الأمر انتهى الآن؟ لم تعد تشتاق إليها؟»

هل انتهى الأمر؟ هل ما زال يشتاق إليها؟ يقول: «توقف الاتصال بيننا.»

– «لماذا أبلغت عنك؟»

– «لم تقلْ؛ لم تسنح لي فرصة لأسأل. كانت في وضع عصيب. كان هناك شاب، عشيق أو عشيق سابق، يتربص بها. كانت هناك توترات في الفصل، ثم سمع أبواها ونزلا إلى كيب تاون. وأظنُّ أن الضغط كان هائلًا.»

– «وكنتَ الضحية.»

– «أجل، كنتُ الضحية. لا أظن أني كنتُ متساهلًا.»

وصلا إلى بوابة عليها يافطة تقول: «صناعات سابي … ممنوع اجتيازها.» يستديران.

تقول لوسي: «أجل، دفعتَ الثمن. ربما، إذا نظرنا إلى الوراء، لن تفكر فيك بقسوة شديدة. يمكن أن تتسامح النساء بشكل مدهش.»

صمتٌ. هل يفترض أن تحدثه، لوسي، طفلته، عن النساء؟

تسأل لوسي: «هل فكرتَ في الزواج مرةً أخرى؟»

– «هل تقصدين بواحدة من جيلي؟ لم أُخلَق للزواج، لوسي. رأيتِ ذلك بنفسك.»

– «أجل. لكن …»

– «لكن ماذا؟ لا يليق بك أن تواصل افتراس الأطفال؟»

– «لم أقصد ذلك. تجدين ذلك أصعب، لا أسهل، بمرور الوقت.»

لم يتحدثا، هو ولوسي، معًا عن حياته الخاصة أبدًا. لكن مع من يتكلم إذا لم يتكلم معها؟

يقول: «هل تتذكرين بليك؟ قتلُ رضيع في مهده أقرَبُ من كبت رغبات مربية.»٥٩

– «لماذا تقتبس ذلك لي؟»

– «قد تنقلب الرغبات المكبوتة بشكل بشع في الكبر كما في الشباب.»

– «لذا؟»

– «كل امرأة اقتربتُ منها علَّمتني شيئًا عن نفسي. هكذا جعلنني أفضل.»

– «أتمنى ألا تدَّعي العكس أيضًا. معرفة نسائك بك جعلتهن أفضل.»

ينظر إليها بحِدَّة. تبتسم. تقول: «مجرد نكتة.»

يعودان بطول الطريق المرصوف. عند الملف إلى المزرعة الصغيرة توجد يافطة ملونة لم يرها من قبل: «زهور مقطوعة. دوم.»٦٠ مع سهم: «أ. ك. م.»

يقول: «دوم؟ أظن أن الدوم كان ممنوعًا.»

– «زراعته ممنوعة في البرية. أزرعه من بذور. سأُريها لك.»

يسيران، يصارع الكلبان الصغيران للانطلاق، تمشي الكلبة خلفهما، تلهث.

– «وأنتِ؟ هل هذا ما تريدينه في الحياة؟» يلوح بيده باتجاه الحديقة، باتجاه المنزل وضوء الشمس يتلألأ على سطحه.

تردُّ لوسي بهدوء: «تفي بالغرض.»

السبت، يوم السوق. توقظه لوسي في الخامسة، كما اتفقا، وتقدم له القهوة. ملتفين للحماية من البرد يلحقان ببطرس في الحديقة، حيث كان يقطع الزهور بالفعل على ضوء مصباح الهلوجين.٦١

يعرض أن يقوم بالمهمة بدلًا من بطرس، لكن أصابعه تبرد بسرعة بحيث لا يستطيع ربط الباقات. يعيد الجديلة إلى بطرس، وبدلًا من ذلك يغلف ويعبئ.

في السابعة، والفجر يمس الهضاب والكلاب، تبدأ الحركة، تنتهي المهمة. تُحمَّل الكومبي بصناديق الزهور وأكياس البطاطس والبصل والكرنب. تقود لوسي السيارة، ويبقى بطرس خلفها. المدفأة لا تعمل؛ محدقةً عبر الزجاج الأمامي المندَّى، تأخذ طريق جرهمزتاون. يجلس بجوارها، يأكل السندوتشات التي أعدَّتها. يرشح أنفُه؛ يتمنى ألَّا تلاحظ لوسي.

هكذا: مغامرة جديدة. تأخذه ابنته، وقد اعتاد ذات يوم أن يأخذها بالسيارة إلى المدرسة وفصل الباليه، إلى السيرك وساحة التزلج، تأخذه في جولة، تفرِّجه على الحياة، تفرِّجه على هذا العالم الآخر غير المألوف.

في ميدان دونكين يقيم أصحاب الأكشاك بالفعل طاولات على حوامل ويعرضون بضائعهم. رائحة لحم يحترق. تخيم سحابة باردة على البلدة؛ يفرك الناس أيديهم، ويخبطون بأقدامهم، لعنة. عرض ساذج تنأى لوسي بنفسها عنه، فيشعر بالراحة.

إنه على ما يبدو حي الإنتاج. على يسارهم ثلاث نساء أفريقيات معهن لبن وماسا٦٢ وزبد ليبعنها؛ أيضًا، من دلوٍ مغطًّى بقطعة مبللة من القماش، شُربة كوارع. على يمينهم زوجان عجوزان من الأفارقة تحييهم لوسي باسم تنيت ميمز وأوم كوس، ومساعد صغير لا يتجاوز العاشرة، على رأسه خوذة. معهم، مثل لوسي، بطاطس وبصل لبيعها، ومعهم أيضًا مُربًّى في زجاجات، مواد محفوظة، فاكهة مجفَّفة، وأكياس من شاي البوكو،٦٣ وشاي أجمة العسل، أعشاب.

أحضرت لوسي مقعدين من قماش الأشرعة. يتناولان القهوة من التُّرمُس، في انتظار أول الزبائن.

منذ أسبوعين كان في فصل يشرح لشباب البلاد الضَّجِر الفرقَ بين يشرب ويتجرع، وبين احترق وقد احترق. يدل التام على فعل تم حتى نهايته. كم يبدو ذلك كله بعيدًا! أعيش، قد عشتُ، عشتُ.

بطاطس لوسي، المكوَّمة في سلة البوشل،٦٤ مغسولة جيدًا. ما زالت بطاطس كوس وميمز تحمل آثار التراب. تحصل لوسي في فترة الصباح على خمسمائة رند تقريبًا. تباع زهورها بانتظام؛ في الحادية عشرة تخفِّض أسعارها وتنتهي بقية المنتجات. في كشك الألبان واللحوم بضائع كثيرة أيضًا؛ لكن الزوجين العجوزين، اللذين يجلسان متجاورين ومتجهمين، يوفقان بصورة أقل.

معظم زبائن لوسي يعرفونها بالاسم؛ نساء، معظمهن، في منتصف العمر مع لمسة من أصحاب الأملاك في تصرفهن معها، كما لو كان نجاحها نجاحهن أيضًا. في كل مرة تقدمه: «هذا أبي، ديفيد لوريي، في زيارة من كيب تاون.» يقلن: «عليك أن تزهو بابنتك، مستر لوريي.» يرد: «أجل، أزهو حقًّا.»

تقول لوسي بعد أن تقدمه إلى إحدى الزبائن: «تدير بيف ملجأ حيوانات. أساعدها أحيانًا. يمكن أن نمرَّ بها في طريق العودة، إذا كان ذلك يناسبك.»

لم تفتنه بيف شو، امرأة قصيرة وبدينة، متعجلة، مع نمش أسود، وشعر خشن قصير جدًّا، وبلا عنق. لا يحب النساء اللائي لا يبذلن جهدًا ليكنَّ جذابات. مقاومة كان عليه أن يُبديها لصديقات لوسي من قبل. لا شيء يمكن الزهو به: حكم سابق رسَخ في ذهنه، استقر. صار ذهنه ملجأ أفكار قديمة، تافهة، فقيرة، ليس لها مكان آخر تذهب إليه. عليه أن يطردها، يُنقِّي الفرضيات. لكنه لا يبالي بذلك، أو لا يبالي بشكل كافٍ.

كان على اتحاد رعاية الحيوانات، وكان مؤسسة خيرية نشطة ذات يوم في جرهمزتاون، أن يوقف نشاطه، إلا أن حفنة من المتطوعين تقودهم بيف شو ما زالوا يديرون عيادة انطلاقًا من الفرضيات القديمة.
لا يكنُّ شيئًا ضد محبي الحيوانات الذين اختلطت معهم لوسي منذ زمن بعيد بقدر ما يتذكر. لا شك أن العالم يصبح أسوأ بدونهم. وهكذا حين تفتح بيف شو الباب الخارجي يبدو مبتسمًا، مع أنه ينفر من رائحة بول القطط وجرب الكلاب وسائل جايس٦٥ الذي يستقبلهم.

المنزل كما تخيله بالضبط: أثاث رديء، ركام من الزخارف (راعية من الخزف، أجراس البقر، منشة ذباب من ريش النعام)، ثرثرة الراديو، زقزقة الطيور في الأقفاص، القطط في كل مكان تحت الأقدام. بيف شو ليست هناك وحدها، هناك بيل شو أيضًا، بدين مثلها، يشرب الشاي على طاولة المطبخ، وجهه أحمر بلون البنجر، شعره فضي، عليه سويتر بياقة طرية. يقول بيل: «اجلس، اجلس ديف، خذ كوبًا، البيت بيتك.»

كان صباحًا طويلًا، إنه مُرهَق، آخر ما يريده تبادل كلام تافه مع هؤلاء الناس. يلقي نظرة إلى لوسي. تقول: «لن نمكث، بيل، آخذ بعض الأدوية فقط.»

يلمح عبر النافذة الفناء الخلفي لآل شو: شجرة تفاح تسقط فاكهة نخرها الدود، أعشاب منتشرة، منطقة مسيَّجة بألواح مجلفَنة من الحديد، معدات من الخشب، إطارات قديمة، حيث ينبش الدجاج، وما يبدو بشكل غير شائع أنه ديكر٦٦ يغفو في الركن.

تقول لوسي فيما بعدُ في السيارة: «فيما تفكر؟»

– «لا أريد أن أكون فجًّا. أنا على يقين من أنها ثقافة خاصة. ليس لديهما أبناء؟»

– «لا، ليس لديهما أبناء. لا تقلل من شأن بيف. ليست حمقاء. تقوم بقدرٍ هائل من أعمال الخير. ذهبتْ إلى قرية دي لسنوات، في البداية لصالح رعاية الحيوانات، والآن لوحدها.»

– «لا بد أنها معركة خاسرة.»

– «نعم، إنها كذلك. لم تعد هناك موارد مالية. ليس هناك مكان للحيوانات على قائمة اهتمامات الدولة.»

– «لا بد أنها تصاب بالقنوط. وأنت أيضًا.»

– «نعم. لا. هل ذلك مهم؟ الحيوانات التي تساعدها ليست قانطة. مستريحة بصورة كبيرة.»

– «هذا مدهش، إذَن. آسف، ابنتي، أجد فقط أن الموضوع من الصعب أن يثير الاهتمام. يثير الإعجاب ما تفعلينه وما تفعله، لكن المهتمين برعاية الحيوانات يشبهون إلى حد ما بالنسبة لي مسيحيين من نوع معين. الكل منشرح وحسن النية حتى تشتاقي بعد فترة للانفجار والقيام ببعض عمليات السلب والنهب، أو رفس قطة.»

يندهش من غضبه. ليس في حالة مزاجية سيئة، بأي شكل.

تقول لوسي: «تعتقد أن عليَّ أن أهتم بأمور أكثر أهمية.» كانا على الطريق السريع؛ تقود بدون أن تنظر إليه. «تعتقد، لأني ابنتك، أن عليَّ أن أستغل حياتي فيما هو أفضل.»

كان يهزُّ رأسه بالفعل. يهمهم: «لا … لا … لا.»

– «هل تعتقد أن عليَّ أن أرسم صور الحياة الساكنة أو أتعلم الروسية. لا تقبل أصدقاء مثل بيف وبيل شو لأنهما لا يدفعانني إلى حياة أرقى. هذه هي الحياة الوحيدة الموجودة، نتقاسمها مع الحيوانات. هذا مثال يحاول أناس مثل بيف ترسيخه. هذا مثال أحاول أن أتبعه. نتقاسم بعض مزايانا البشرية مع البهائم. لا أريد أن أعود في صورة أخرى مثل كلب أو خنزير، وعليَّ أن أعيش كما تعيش كلاب أو خنازير تحت سيطرتنا.»

– «لوسي، عزيزتي، لا تتهوري. نعم، أوافق، هذه هي الحياة الوحيدة الموجودة. وبالنسبة للحيوانات، لنكن عطوفين عليها بكل الوسائل. لكن ليس علينا أن نفقد الرؤية. إننا من رتبة من المخلوقات تختلف عن الحيوانات. لسنا أرقى، بالضرورة، لكننا مختلفون فقط. وإذا كان لنا أن نكون عطوفين، فليكن ذلك نابعًا من كرمٍ بسيط، لا لأننا نشعر بالذنب أو نخشى الجزاء.»

تسحب لوسي نفَسًا. تبدو على وشك أن تردَّ على عظته، لكنها لا ترد. يصلان إلى المنزل في صمت.

٩

يجلس في الغرفة الأمامية، يشاهد كرة القدم في التليفزيون. النتيجة صفر صفر؛ لا يبدو أيٌّ من الفريقين حريصًا على الفوز.

يتناوب التعليق بالسوتو والزوسا،٦٧ لا يفهم كلمة من اللغتين. يخفض الصوت حتى يصير مجرد همهمة. بعد ظهيرة السبت في جنوب أفريقيا: وقت مكرَّس للرجال ومتعهم. يغفو.

حين يستيقظ، يكون بطرس بجانبه على الكنبة وفي يده زجاجة بيرة. رفع الصوت.

يقول بطرس: «بوش بكز. فريقي. بوش بكز وصن داونز.»

يأخذ صن داونز ضربة ركنية. في حلق المرمى معمعة.٦٨ يتأوه بطرس ويمسك رأسه. حين ينجلي الغبار، يكون حارس مرمى بوش بكز ممدَّدًا على الأرض والكرة تحت صدره. يقول بطرس: «رائع! رائع! حارس مرمًى رائع. لا بد أن يحتفظوا به.»

تنتهي المباراة بدون أهداف. يقلب بطرس القنوات. ملاكمة: رجلان ضئيلان، ضئيلان حتى إنهما يصلان بالكاد إلى صدر الحكم، يلفان، يقفزان، يهاجم كلٌّ منهما الآخر.

ينهض، يتمشى إلى خلف المنزل. تتمدد لوسي على سرير، تقرأ. يقول: «ماذا تقرئين؟» تنظر إليه بغرابة، وتخرج سدادات الأذن من أذنيها.

«ماذا تقرئين؟» يكرر، ثم: «غير مناسب، أليس كذلك؟ هل أغادر؟»

تبتسم، وتضع كتابها جانبًا. سر إدوين درود٦٩ ليس كما توقع. تقول: «اجلس.»

يجلس على السرير، يربِّت على قدمها الحافية بتراخٍ. قدم سليمة، جميلة. عظام سليمة، كعظام أمها. امرأة في زهرة عمرها، جذابة رغم الثقل، رغم الملابس غير المغرية.

– «مناسب تمامًا، في رأيي، ديفيد، يسعدني وجودك هنا. يستغرق الأمر بعض الوقت لتتعود على إيقاع حياة الريف، هذا كل ما في الأمر. بمجرد أن تجد ما تفعله لن تشعر بهذا الضجر.»

يومئ في ذهول. يفكر: جذابة، إلا أن الرجال لا يعرفون طريقها. هل يحتاج إلى تأنيب نفسه، أم إن الأمر تحقَّق على هذا النحو على أية حال؟ لم يشعر تجاه ابنته منذ يوم ولادتها إلا بأكثر أشكال الحب تلقائية وقوة. من المستحيل أنها لم تدرك ذلك. هل كان ذلك الحب مُفرِطًا؟ هل وجدَته عبئًا؟ هل كان يضغط عليها؟ هل فهمَته بشكل أسوأ؟

يتساءل كيف تتعامل لوسي مع محبيها، كيف يتعامل محبوها معها. لم يخشَ أبدًا تتبع فكر إلى مساره المتعرج، ولا يخشى الآن. هل صار أبًا لامرأة عاطفية؟ لمَ تنجذب، ولمَ لا تنجذب، في عالم الحواس؟ هل يمكن أن يتكلما، هو وهي، عن ذلك أيضًا؟ لم تعش لوسي حياةً مغلقة. لماذا لا يكونان منفتحين معًا؟ لماذا يضعان حدودًا في أزمنة لا يفعل فيها الآخرون ذلك؟

يقول وقد عاد من تجواله: «بمجرد أن أجد ما أفعله. ماذا تقترحين؟»

– «يمكن أن تساعد في تربية الكلاب. يمكن أن تقطع اللحم للكلاب. كان ذلك صعبًا عليَّ دائمًا. ثم يأتي بطرس، لكن بطرس مشغول بتأسيس أملاكه الخاصة. يمكن أن تساعده.»

– «أساعد بطرس. أُحب ذلك. أُحب المذاق التاريخي. هل تعتقدين أن يدفع لي أجرًا مقابل عملي؟»

– «اسأله. أثق من أنه سيدفع. حصل على منحة شئون الأرض في وقت سابق من هذا العام، تكفي لشراء هكتار وجزء مني. ألمْ أخبرك؟ يمرُّ الخط الفاصل عبر السدِّ. نتشارك في السدِّ. كل شيء من هناك حتى السياج ملكه. لديه بقرة ستَلدُ في الربيع. له زوجتان، أو زوجة وصديقة. ولو لعب بأوراقه بشكل صحيح لحصل على منحة ثانية ليشيِّد منزلًا؛ ووقتها يمكن أن يترك الحظيرة. إنه بمقاييس كيب الشرقية رجلٌ صاحب ثروة. اطلب منه أن يدفع لك. يمكن أن يدفع. لستُ متأكدة من أنني أستطيع أن أدفع له أكثر من ذلك.»

– «رائع، أقطِّع اللحم للكلاب وأعرض على بطرس أن أحفر. وماذا أيضًا؟»

– «يمكن أن تساعد في العيادة. إنهم في حاجة شديدة لمتطوعين.»

– «تقصدين أساعد بيف شو.»

– «أجل.»

– «لا أعتقد أننا يمكن أن ننسجم معًا.»

– «لا تحتاج إلى الانسجام معها، ساعدْها فقط، ولا تتوقع أن يُدفَع لك مقابل. عليك أن تفعل ذلك عن طيب خاطر.»

– «إنني مرتاب، لوسي. يبدو مريبًا مثل خدمة المجتمع. يبدو وكأن شخصًا يحاول أن يكفِّر عن ذنوبه.»

– «يمكن أن أؤكد لك، ديفيد، أن الحيوانات في العيادة لن تتساءل عن دوافعك. لن تسأل ولن تبالي.»

– «موافق، أفعل ذلك، بشرط ألَّا يكون عليَّ أن أصبح شخصًا أفضل. لستُ قابلًا للإصلاح. أريد أن أبقى كما أنا. أفعله على هذا الأساس.» ما زالت يده تستريح على قدمها؛ يقبض الآن على كاحلها بشدة. «مفهوم؟»

تبتسم له ابتسامةً لا يمكن أن يصفها إلا بأنها ابتسامة حلوة: «أي إنك مصمم على أن تبقى سيئًا. مجنون، وسيئ، ومعرفتك خطيرة.٧٠ أعدك، لن يطلب منك أحد أن تتغير.»

تضايقه كما اعتادت أمُّها أن تضايقه. ذكاؤها، إذا كان ثَمة اختلاف، أكثر حدة. انجذب دائمًا للنساء الذكيات. الذكاء والجمال. مهما حاول لا يمكن أن يجد ذكاءً في ملانيي، لكن كثيرًا من الجمال.

تسري فيه مرةً أخرى رجفةٌ خفيفة من الشهوانية. يدرك أن لوسي تلاحظه. لا يبدو أنه قادر على إخفائها. ممتعة.

ينهض، يخرج إلى الفناء. الكلاب الأصغر مبتهجة لرؤيته: تهرول ذهابًا وجيئة في أقفاصها، وتعوي بلهفة. لكن أنثى البولدوج الكبيرة تتحرك بالكاد.

يدخل قفصها، يغلق الباب خلفه. ترفع رأسها، تنظر إليه، وتدع رأسها يسقط مرةً أخرى؛ ثدياها العجوزان متهدلان.

يُقرفص، يُدغدغها خلف الأذنين. يُهمهم: «هل نحن مهجوران؟»

يتمدد جوارها على الخرسانة العارية. السماء الزرقاء الشاحبة فوقهما. تسترخي أطرافه.

على هذا النحو تجده لوسي. لا بد أن النوم غلبه: أول ما يعرف، إنها في القفص ومعها علبة بها ماء، والكلبة واقفة، تشم قدميها.

تقول لوسي: «صِرتما صديقين؟»

– «ليس من السهل إقامة صداقات معها.»

– «مسكينة كاتي العجوز، في حداد. لا أحد يريدها، وهي تعرف ذلك. تكمن المفارقة في أن لها بالضرورة ذرية في جميع أنحاء المقاطعة يسعدها أن تشاركها بيوتها. لكن ليس في استطاعتها أن تدعوها. إنها جزء من الأثاث، جزء من جهاز التنبيه. تمنحنا شرف أن تعاملنا كالآلهة، ونرد بمعاملتها كالجماد.»

يغادران القفص. تستلقي الكلبة، وتغلق عينيها.

يلاحظ: «تجادل آباء الكنيسة طويلًا في ذلك، وقرروا أنها ليست لها أرواح حقيقية. ترتبط أرواحها بأجسامها وتموت معها.»

تهزُّ لوسي كتفيها: «لستُ متأكدة من أن لي روحًا. لا أعرف الروح إذا رأيتها.»

– «ليس صحيحًا. أنت روح. نحن جميعًا أرواح، أرواح قبل أن نولد.»

تنظر إليه باستغراب.

يقول: «ماذا ستفعلين معها؟»

– «مع كاتي؟ أحتفظ بها، إذا تطلَّب الأمر.»

– «ألَا تقضين على الحيوانات أبدًا؟»

– «لا، لا أفعل. بيف تفعل. وظيفة لا يريد أحد آخر أن يقوم بها؛ لذا أخذَتها على عاتقها. وظيفة تمزقها بصورة مرعبة. إنك تقلل من شأن بيف. إنها شخصية مهمة أكثر مما تعتقد، حتى بمفاهيمك.»

مفاهيمه؛ ما هي؟ تلك المرأة القصيرة البدينة ذات الصوت البشع التي تستحق التجاهل؟ تسيطر عليه ظلال من الأسى: من أجل كاتي، وحدها في القفص، من أجل نفسه، من أجل الجميع. يتنهد بعمق، ليس التنهد الخانق. يقول: «سامحيني، لوسي.»

تبتسم ابتسامةً خفيفة ساخرة: «أسامحك؟ على ماذا؟»

– «لأني أحد الهالكَين اللذين اختيرا ليأتيا بك إلى العالم، ولأني لم أكن مرشدًا أفضل. لكني سأمضي وأساعد بيف شو، بشرط ألا أسمِّيها بيف. اسمٌ سخيف يذكرني بالماشية. متى أبدأ؟»

– «سأتصل بها.»

١٠

مكتوب على اليافطة الموجودة خارج العيادة «اتحاد رعاية الحيوانات دبليو أوه ١٥٢٩»، تحتها سطر يحدد ساعات اليوم، لكنه مشطوب. عند الباب طابور من المنتظرين، بعضهم معه حيوانات. بمجرد أن يخرج من سيارته يلتف حوله أطفالٌ من كل ناحية، يتسولون نقودًا أو يكتفون بالتحديق. يشقُّ طريقه عبر الحشد، وعبر تنافر النغمات المفاجئ وكلبين، يرجع بهما صاحباهما، يزمجران وينهش كلٌّ منهما الآخر.

حجرة الانتظار، الصغيرة العارية، محتشدة. عليه أن يخطو على ساقَي شخص ليدخل.

يتساءل: «مسز شو؟»

تومئ امرأةٌ عجوز باتجاه مدخل مغلق بستارة من البلاستيك. تمسك المرأة عنزة بحبل قصير؛ تحملق بعصبية ناظرةً إلى الكلبين، وتدقُّ حوافرها على الأرض الصلبة.

تعمل بيف شو في الغرفة الداخلية، تفوح منها رائحة البول بشكل بشع، على طاولة منخفضة عليها طبقة من الصلب. تفحص بكشاف صغير حلقَ كلب صغير يبدو وكأنه هجين من رجباك وجاكال.٧١ يركع على الطاولة طفلٌ حافي القدمين، من الواضح أنه صاحب الكلب، يمسك برأس الكلب تحت ذراعه محاولًا أن يحفظ فكَّيه مفتوحين. تأتي زمجرةٌ منخفضة تُقرقر من حلقه؛ تتوتر الأجزاء الخلفية القوية. يشارك في الصراع بصورة خرقاء، يضغط الطرفين الخلفيين للكلب معًا، ويدفعه ليجلس على مؤخرته.
تقول بيف شو: «شكرًا.» يتورَّد وجهها. «هنا خرَّاج من سن محشورة. ليس لدينا مضادات حيوية؛ لذا حافظ على هدوئه يا بطل!٧٢ لذا علينا أن نفتحه فقط على أمل أن يتحسن.»

تجسُّ داخل الفم بمشرط. ينتفض الكلب انتفاضةً مفزعة ويتخلص منه، ويكاد يتخلص من الولد. يقبض عليه وهو يخربش ليقفز من على الطاولة؛ للحظة تمتلئ عيناه بالغضب والخوف، وتحدقان في عينيه.

تقول بيف شو: «على جانبه … هكذا.» مُدندِنةً، تمسك بالكلب وتقلبه على جانبه بخبرة. يمرِّر حزامًا حوله وتربطه. تقول بيف شو: «هكذا. فكر أفكارًا مريحة، فكر أفكارًا قوية. يمكن أن تشم ما تفكر فيه.»

يميل بكل وزنه على الكلب. بحذر، بيدٍ ملفوفة في قطعة قديمة من القماش، يفتح الطفل الفكَّين مرةً أخرى بقوة. تدور عينا الكلب فزعًا. يمكن أن تشم ما تفكر فيه: يا له من هراء! يُهمهم: «هناك، هناك!» تجس بيف شو مرةً أخرى بالمشرط. يسكت الكلب، يتخشب، ثم يسترخي.

تقول: «هكذا، علينا الآن أن ندع الطبيعة تأخذ دورها.» تفك الحزام، تتحدث إلى الطفل فيما يبدو أنها زوسا مكسرة جدًّا. ينكمش الكلب، على قدميه، تحت الطاولة. على السطح دم متناثر ولعاب؛ تمسحه بيف. يلاطف الطفلُ الكلبَ ويخرج.

– «شكرًا، مستر لوريي. لك حضور طيب. أظنُّ أنك تحب الحيوانات.»

– «هل أحب الحيوانات؟ آكلها؛ لذا أفترض أني أحبها بالضرورة.»

شعرها كتلة من الضفائر الصغيرة. هل ضفرتها بنفسها، بملاقط؟ احتمال بعيد؛ قد يستغرق ساعات يوميًّا. لا بدَّ أنه كبر بهذا الشكل. لم يرَ أبدًا نسيجًا٧٣ بهذا الشكل عن قرب. العروق على أذنيها واضحة كزخرفة مزركَشة بالأحمر والأرجواني. عروق أنفها أيضًا. وذقن تخرج مستقيمة من صدرها، كذقن حمامة البَوتر.٧٤ تفتقر، بقدر عدم تناسقها، إلى الجاذبية تمامًا.

تتأمل كلماته، التي يبدو أنها لا تفهم نبراتها.

تقول: «أجل، نلتهم حيوانات كثيرة في هذه البلاد. لا يبدو أن ذلك يجعلنا أفضل. لا أعلم كيف نبرر لها ذلك.» ثم: «هل نبدأ في الحيوان التالي؟»

نبرر ذلك؟ متى؟ يوم الحساب العظيم؟ حريص على سماع المزيد، لكن الوقت ليس مناسبًا.

يمشي الجدي، جدي اكتمل نموه، بالكاد. نصف كيس خصيته، أصفر أرجواني، متورم مثل بالون؛ النصف الآخر كتلة من دم متجلط وقذارة. تقول العجوز إن الكلاب هاجمته بضراوة. لكنه يبدو متألقًا تمامًا، ومرحًا ومستعدًّا للقتال. يطلق، وبيف شو تفحصه، دفعة صغيرة من الروث على الأرض. تتظاهر المرأة، التي تقف عند رأسه وتقبض على قرنيه، بأنها توبخه.

تمسُّ بيف شو كيس الخصية بمسحة طبية. يرفس الجدي. تسأل: «هل يمكن أن تقيد قدميه؟» وتحدد الطريقة. يربط الساق اليمنى الخلفية بالساق اليمنى الأمامية. يحاول الجدي أن يرفس مرةً أخرى، يترنح. تمسح الجرح برقة. يرتجف الجدي، يُمأمئ: صوت بشع، منخفض وخشن.

يرى، والقذارة تُزال، أن الجرح يعجُّ بدود صغير يحرك رءوسه العمياء في الهواء. يرتجف. تقول بيف شو: «ذبابة. عمرها أسبوع على الأقل.» تزمُّ شفتَيها. تقول للمرأة: «كان عليك أن تُحضريه منذ فترة طويلة.» تقول المرأة: «أجل. كل ليلة تأتي الكلاب. هذا سيئ، سيئ جدًّا. تدفعين خمسمائة رند لرجل مثله.»

تنتصب بيف شو: «لا أعرف ماذا نفعل. ليس لديَّ الخبرة لأحاول إزالته. يمكن أن تنتظر دكتور أوسويزين يوم الخميس، لكن الرفيق العجوز سيخرج بلا جدوى على أية حال، وهل تريد هي ذلك؟ ثم هناك مسألة المضادات الحيوية. هل لديها استعداد لصرف فلوس على مضادات حيوية؟»

تركع مرةً أخرى بجانب الجدي، تلمس حنجرته، تمس الحنجرة بشعرها. يرتجف الجدي ويبقى ساكنًا. تشير إلى المرأة لتترك القرنين. تطيع المرأة. لا يتحرَّك الجدي.

تهمس. يسمعها تقول: «ما رأيك، يا صديقي؟ ما رأيك؟ هل هذا كافٍ؟»

يقف الجدي ساكنًا تمامًا وكأنه مُنوَّم. تواصل بيف شو مسه برأسها. يبدو أنها راحت في غفوة هي الأخرى.

تسيطر على نفسها وتقف على قدميها. تقول للمرأة: «أخشى أن يكون الوقت متأخرًا جدًّا. لا يمكن أن أجعله أفضل. يمكن أن تنتظري الدكتور يوم الخميس، أو يمكن أن تتركيه معي. يمكن أن أضع له نهاية هادئة. سيتركني أفعل له ذلك. هل أفعل؟ هل أحتفظ به هنا؟»

تتردَّد المرأة، ثم تهزُّ رأسها. تبدأ في سحب الجدي باتجاه الباب.

تقول بيف شو: «يمكنك استعادته بعد ذلك. سأساعده في ذلك، هذا كل ما في الأمر.» مع أنها تحاول السيطرة على صوتها، إلا أنه يسمع نبرات الهزيمة. يسمعها الجدي أيضًا: يرفس للتخلص من الطوق، يثب ويندفع، يهتز الانتفاخ الكريه خلفه. تُرخي المرأة الطوق، تطرحه جانبًا. يمضيان.»

يسأل: «ماذا كان ذلك كله؟»

تخبئ بيف شو وجهها، وتفرك أنفها: «لا شيء. أحتفظ بما يكفي من مادة مميتة للحالات السيئة، لكن لا يمكن أن نرغم أصحابها. حيوانهم، يريدون أن يذبحوه بطريقتهم. يا له من أمر مثير للشفقة! هذا الرفيق العجوز الطيب، كم هو شجاع ومستقيم وواثق!»

مميت: اسم دواء؟ لا يضعه بعيدًا عن شركات الأدوية. عتمة مفاجئة، من مياه نهر النسيان.٧٥

يقول: «ربما يفهم أكثر مما تظنين.» يندهش لأنه يحاول تهدئتها. «ربما مر بذلك فعلًا. يولد بمعرفة مسبقة، إذا جاز التعبير. هذه أفريقيا، رغم كل شيء. كان هنا ماعزٌ منذ الأزل. لا تحتاج إلى من يخبرها بدور الفولاذ والنار. تعرف كيف يلحق الموت بعنزة. تولد بهذا الاستعداد.»

تقول: «هل تعتقد ذلك؟ لستُ متأكدة. لا أعتقد أننا، أي واحد منا، جاهزون للموت، بدون مرافق.»

تبدأ الأشياء تتساقط في موضعها. لديه أولًا فكرة غامضة عن المهمة التي جنَّدت هذه المرأة الضئيلة البشعة نفسها لها. هذا البناء المنعزِل ليس موضعًا للعلاج — الطريقة التي تستخدمها في العلاج غير متقنة تمامًا — لكنه ملاذٌ أخير. يتذكر قصة … من؟ القِديس هوبِرت؟٧٦ الذي منح ملجأً لغزال اقتحم كنيسته، يلهث في ذهول، فارًّا من كلاب الصيادين. بيف شو، ليست بيطرية بل كاهنة، مشبعة بهراء العصر الجديد، تحاول، عبثًا، تخفيف عبء معاناة البهائم في أفريقيا. تعتقد لوسي أنه يمكن أن يجدها شيقة، لكن لوسي مخطئة. شيقة: ليست الكلمة المناسبة.
يقضي بعد الظهيرة كلها في غرفة الجراحة، يساعد قدر استطاعته. تفرجه بيف شو على الفناء بعد معالجة آخر حالات اليوم. لا يوجد في قفص الطيور إلا طائر واحد، نسر سمك٧٧ صغير بجناح في جبيرة. وتوجد كلاب: ليست كلاب لوسي، الأصيلة المعتنى بها جيدًا لكن شرذمة من كلاب مهجنة عجفاء تملأ حظيرتين إلى نقطة الانفجار، تنبح وتلغو وتئن وتقفز بحماس.

يساعدها في صب الطعام الجاف وملء أحواض المياه. تملأ حقائب وزنها عشرة كيلوجرامات.

يسأل: «كم تدفعين مقابل هذا الطعام؟»

– «نحصل عليه بالجملة. لدينا مخازن عامة. نحصل على هِبات. نقدم خدمة الخصاء مجانًا، ونحصل على مِنح في المقابل.»

– «من يقوم بالخصاء؟»

– «دكتور أوسويزين، طبيبنا البيطري. يأتي مرة أسبوعيًّا، بعد الظهيرة.»

يتفرج على الكلاب وهي تأكل. تدهشه ندرة الصراع هنا. تتراجع الصغيرة والضعيفة في انتظار دورها.

تقول بيف شو: «المشكلة أنها توجد بكثرة. لا تفهم ذلك بالطبع، وليست لدينا وسيلة لإخبارها. بكثرة بمعاييرنا، لا معاييرها. لا يمكنها إلا أن تتكاثر وتتكاثر إذا توفرت لها الوسيلة، حتى تملأ الأرض. لا تعتقد أن كثرة الإنجاب سيئة. كلما زادت الذرية كانت أسعد. القطط بالمثل.»

– «والفئران.»

– «والفئران. وهذا يذكرني بمقولة: افحص نفسك بحثًا عن البراغيث حين تصل إلى البيت.»

أحد الكلاب، متخم، تشعُّ عيناه بالصحة، يشم أصابعه عبر الشِّباك، يلعقها.

يلاحظ: «إنها متساوية حقًّا، أليس كذلك؟ لا طبقات، لا أحد منها عالٍ وعظيم جدًّا ليشم مؤخرة الآخر.» يجثم، ويسمح للكلب أن يشم وجهه، ونفَسه. يعتقد أن نظرته ذكية، مع أن من المحتمل ألا يكون هناك شيء من هذا القبيل. «هل ستموت كلها؟»

– «تلك التي لا يريدها أحد، نقضي عليها.»

– «وأنت التي تقومين بهذه المهمة.»

– «أجل.»

– «ألَا تبالين؟»

– «لا أبالي. أبالي بعمق. لا أريد أن يفعل أحد ذلك لي وهو لا يبالي. وأنت أيضًا؟»

يصمت. ثم: «هل تعرفين لماذا أرسلَتني ابنتي إليك؟»

– «أخبرَتني أنك تمرُّ بمشكلة.»

– «ليست مجرد مشكلة. إنها ما يمكن أن أدعوه عارًا.»

يشاهدها بدقة. تبدو قلقة، لكن ربما كان ذلك من وحي خياله.

يقول: «وقد عرفتِ ذلك، هل ما زلتِ في حاجة إليَّ؟»

«إذا كنتَ مستعدًّا …» تفتح يديها، وتضمهما معًا، تفتحهما مرةً أخرى. لا تعرف ماذا تقول، ولا يساعدها.

لم يقضِ مع ابنته إلا فترات قصيرة من قبل. الآن يشاركها منزلها، حياتها. عليه أن يحرص على ألَّا تتسلل العادات القديمة، عادات أب: يضع لفافة ورق التواليت على البكرة، يطفئ الأنوار، يطرد القطة بعيدًا عن الكنبة. عمل يناسب السن المتقدمة، يذكِّر نفسه. عمل مناسب. عمل لبيوت المسنين.

يتظاهر بأنه مرهق، بعد العشاء، ينسحب إلى غرفته، حيث تأتيه بالكاد أصوات لوسي وهي تعيش حياتها: أدراج تُفتَح وتُغلَق، الراديو، همهمة محادثة تليفونية. هل تتصل بجوهانسبرج، تتحدث إلى هيلين؟ هل وجوده هنا يباعد بين الاثنتين؟ هل تجرؤان على أن تتشاركا في سرير وهو في المنزل؟ إذا طقطق السرير في الليل، هل ترتبكان؟ ترتبكان بما يكفي لتتوقفا؟ لكن ماذا يعرف عما تفعله النساء معًا؟ ربما لا تكون النساء في حاجة إلى أن تُطقطق الأسرَّة. وماذا يعرف عن هاتين الاثنتين، لوسي وهيلين، خاصةً؟ ربما تنامان معًا كما يفعل الأطفال فقط، تلتصقان، تتلامسان، تُقهقهان، تبعثان الصبا؛ أختان أكثر من عشيقتين. تتشاركان في سرير، تتشاركان في البانيو، خبز كعكة الزنجبيل، ترتدي كلٌّ منهما ثياب الأخرى. عشق سافوي٧٨ عذر لزيادة الوزن.

لا يحب أن يفكر في ابنته في آلام عاطفية مع امرأة أخرى، ومع واحدة بعينها. ولكن هل يكون أسعد إذا كان الحبيب رجلًا؟ ماذا يريد للوسي حقًّا؟ لا أن تكون طفلة إلى الأبد، بريئة إلى الأبد، له إلى الأبد؛ لا يريد ذلك بالتأكيد. لكنه أب، هذا قدره، وكلما كبر الأب يتحول أكثر وأكثر — لا مفر — إلى ابنته. تصبح خلاصه الثاني، تُبعَث عروس شبابه. لا عجب، في القصص الخرافية، تحاول الملكات مطاردة بناتهن حتى يلقين حتفهن!

يتنهد. لوسي المسكينة! البنات المسكينات! يا له من مصير! يا له من عبء يحملنه! والأبناء: لا بد أن لهم محنهم أيضًا، إلا أن معرفته أقل بهذا الشأن.

يتمنى أن يتمكن من النوم. لكنه يشعر بالبرد، والنوم بعيد عنه تمامًا.

ينهض، يضع سترة على كتفيه، يعود إلى السرير. يقرأ رسائل بيرون في ١٨٢٠. يعيش بيرون، بدينًا، في منتصف العمر في الثانية والثلاثين، مع عائلة جويتشيولي٧٩ في رفينَّا٨٠ مع تريزا، الراضية عنه، سيدة قصيرة الساقين، وزوجها العليل الحاقد. حرارة الصيف، شاي المساء، الثرثرة الريفية، حيث لا شيء يخفى. يكتب بيرون: «تجلس النساء في حلقات ويلعب الرجال الفرعونية٨١ الكئيبة.» في الزنا، يُكتشف من جديد كل ملل الزواج. «نظرتُ دائمًا للثلاثين كجسر إلى بهجة حقيقية أو قوية في العاطفة.»

يتنهد مرةً أخرى. كم أن الصيف قصير، قبل الخريف ثم الشتاء! يواصل القراءة بعد منتصف الليل، ولا يستطيع أن ينام.

١١

الأربعاء؛ ينهض مبكرًا، لكن لوسي تنهض قبله. يجدها تشاهد الإوز البري على السد.

تقول: «أليست جميلة؛ تعود كل عام، الثلاث نفسها. أشعر أني محظوظة لأنها تزورني؛ لأنها اختارتني.»

ثلاث. يمكن أن تكون حلًّا من نوع ما، هو ولوسي وملانيي، أو هو وملانيي وثُريَّا.

يتناولان الفطور معًا، ثم يأخذان الكلبين الدوبرمان للتمشية.

تسأل لوسي بصورة غير متوقعة: «هل تعتقد أنك تستطيع العيش هنا، في هذا الجزء من العالم؟»

– «لماذا؟ هل تحتاجين رجلًا جديدًا لرعاية الكلاب؟»

– «لا، لم أفكر في ذلك. لكن من المؤكد أنك تستطيع الحصول على عمل في جامعة رودس — لا بد أن لك علاقات هناك — أو في بورت إليزابيث.»٨٢

– «لا أعتقد ذلك، لوسي. لم أعد صالحًا للتسويق. ستُطاردني الفضيحة، تلتصق بي. لا، إذا كان لي أن أحصل على عمل فليكن مبهمًا، مثل كاتب سجلات حسابية، إذا كان موجودًا حتى الآن، أو مرافقًا لمجموعة كلاب.»

– «لكن أليس عليك أن تدافع عن نفسك إذا أردتَ وضع حدٍّ لانتشار الفضيحة؟ ألَا يكثر الكلام إذا هربتَ؟»

كانت لوسي في طفولتها هادئة ومتواضعة، تشاهده لكنها لم تحكم عليه أبدًا، بقدر ما يعرف. بدأتْ تنفصل الآن، وهي في منتصف العشرينيات. الكلاب، زراعة البساتين، كتب التنجيم، الملابس المحتشمة: يتعرف في كلٍّ من هذه الأشياء على سمات استقلال محترمة وهادفة. النأي بنفسها عن الرجال أيضًا. تصنع حياتها الخاصة. تخرج من ظله. حسن! يستحسن ذلك!

يقول: «هل هذا ما تعتقدين أني فعلتُه؟ الهروب من مشهد الجريمة؟»

– «أجل، انسحبتَ. من الناحية العملية، ما الفرق؟»

– «تخطئين، عزيزتي. ما تريدين أن أفعله لم يعد فعله ممكنًا، كفى.٨٣ ليس في أيامنا. إذا فعلتُه فلن يلقى صدًى.»

– «ليس صحيحًا. حتى إذا كنتَ كما تقول، ديناصورًا أخلاقيًّا، فهناك فضول لسماع كلام الديناصور. أنا مثلًا فضولية. ما حالتك؟ لنسمعْها.»

يتردد. هل تريد حقًّا أن يفصح عن المزيد من شئونه الخاصة؟

يقول: «ترتكز حالتي على حقوق الرغبة، على الرب الذي يجعل حتى الطيور الصغيرة ترتجف.»

يرى نفسه في شقة الفتاة، في غرفة نومها، والمطر ينهمر في الخارج، والمدفأة في الركن تفوح منها رائحة البارافين، يركع فوقها، يعريها من ملابسها، وذراعاها ترتخيان كذراعَي ميت. كنتُ خادم إيروس: هذا ما يريد قوله، لكن هل لديه الوقاحة؟ عمل إلهٌ من خلالي. يا لها من تفاهة! إلا أنها ليست كذبةً، إطلاقًا. كان هناك في العمل الحقير السحري شيء سخي يعمل جاهدًا ليزدهر. لو عرف فقط أن الوقت كان بهذا القِصَر!
يحاول مرةً أخرى، ببطء أكثر: «كان لدى الجيران، وأنتِ صغيرة، ونحن نعيش في كنيلورث،٨٤ كلب، مسترد ذهبي. لا أعرف إن كنتِ تتذكرين.»

– «ديملي.»

– «كان ذكَرًا. كان يُستثار كلما اقتربتْ منه كلبةٌ وتستحيل السيطرة عليه، وبانتظام بافلوفي٨٥ يضربه أصحابه. واستمرَّ ذلك حتى لم يعد الكلبُ المسكين يعرف ماذا يفعل. حين يشمُّ رائحة كلبة يلف حول الحديقة وأذناه متدليتان وذيله بين ساقيه، يعوي، يحاول أن يختبئ.»

يتوقف. تقول لوسي: «لا أفهم الهدف.» وفي الحقيقة، ما الهدف؟

– «كان هناك شيء وضيع جدًّا في المشهد يئستُ منه. يبدو لي أن المرء يمكن أن يعاقب كلبًا على خطأ مثل مضغ شبشب. يتقبل الكلب هذا الحكم: ضرب بسبب المضغ. لكن الرغبة حكاية أخرى. لن يتقبل أي حيوان حكمًا بالعقاب لأنه يتبع غرائزه.»

– «يجب إذَن السماح للذكور باتباع غرائزهم بلا رقابة؟ هل ذلك أخلاقي؟»

– «لا، ليس أخلاقيًّا. الوضيع في مشهد كنيلورث أن ذلك الكلب المسكين بدأ يكره طبيعته. لم يعد يريد أن يُضرَب. كان على استعداد لعقاب نفسه. هنا كان من الأفضل أن يُضرَب بالنار.»

– «أو أن يُصلَح.»

– «ربما. لكن في أعمق المستويات أعتقد أنه قد يفضل الضرب بالنار. ربما فضل ذلك على الاختيارات التي عُرضتْ عليه؛ بين أن ينكر طبيعته، أو يقضي بقية أيامه يتجول في غرفة المعيشة، يتنهد ويشم القطة ويترهل.»

– «هل انتابك هذا الشعور دائمًا، ديفيد؟»

– «لا، ليس دائمًا. انتابني أحيانًا شعورٌ عكسي تمامًا؛ الرغبة عبء يمكن أن نكون أفضل بدونها.»

تقول لوسي: «يجب أن أقول إني أميل إلى هذا الرأي.»

ينتظر أن تواصل، لكنها لا تواصل. تقول: «على أية حال، حتى نعود إلى الموضوع، تُطرَد بسلام. يمكن أن يتنفس زملاؤك الصعداء مرةً أخرى، بينما يهيم كبش الفداء في البرية.»

إقرار؟ سؤال؟ هل تؤمن أنه مجرد كبش فداء؟

يقول بحرص: «لا أعتقد أن كبش الفداء وصف مثالي. كان كبش الفداء مؤثرًا من الناحية العملية وهو لا يزال يحمل قوة دينية. تحملين آثام المدينة على ظهر كبش وتخرجينه منها فتتطهَّر المدينة. أثَّر لأن كل شخص كان يعرف كيف يقرأ الطقوس، بما في ذلك الآلهة، ثم ماتت الآلهة، وصار عليك فجأةً أن تطهري المدينة بدون مساعدة إلهية. احتاج الأمر إلى أعمال واقعية بدلًا من الرمزية. وُلِد الرقيب بالمعنى الروماني. صارت المراقبة كلمة السر: مراقبة الجميع للجميع. حل المطهر مكان التطهير.»

ينطلق بعيدًا؛ يحاضر، يوجز: «على أية حال، وقد ودعتُ المدينة، ماذا أفعل في البرية؟ أعالج الكلاب. ألعب دور اليد اليمنى لامرأة تخصصتْ في التعقيم والقتل الرحيم.»٨٦

تضحك لوسي: «بيف؟ هل تعتقد أن بيف جزءٌ من جهاز قمعي؟ بيف تَرهَبك! أنت بروفيسور. لم تقابل أبدًا بروفيسورًا من الطراز القديم من قبل. تخشى أن تقع في أخطاء نحوية أمامك.»

يأتي في اتجاههما على الطريق ثلاثة رجال، أو رجلان وولد. يسيرون مسرعين، بخطوات ريفية واسعة. يتوقف الكلب الذي بجانب لوسي، ويأخذ موقفًا عدوانيًّا.

تُهمهم: «هل يجب أن نقلق؟»

– «لا أعرف.»

تقصِّر لوسي رباط الكلبين الدوبرمان. الرجال بقربهم. إيماءة تحية ويمرُّون بهما.

يسأل: «من هؤلاء؟»

– «لم تقع عيناي عليهم من قبل.»

يصلون إلى حدود الزراعة ويعودون. يختفي الغرباء عن الأنظار.

حين يقتربان من المنزل يسمعان الكلاب المحبوسة في حالة اهتياج. تسرع لوسي من خطوتها.

الثلاثة هناك، في انتظارهما. يقف الرجلان عن بعد بينما الولد، قرب الأقفاص، يُهسهس للكلاب ويقوم بإيماءات فجائية مهدِّدة. تنبح الكلاب وتهتاج في غضب. يحاول الكلب الذي بجانب لوسي أن يفلت منها. حتى أنثى البولدوج العجوز، التي يرى أنها تأقلمت مثله، تهدر بصوتٍ خفيض.

«بطرس!» تُنادي لوسي. لكن ليس هناك ما يدل على وجود بطرس. تصيح: «ابتعدْ عن الكلاب! ابتعد٨٧

يبتعد الولد وينضمُّ إلى رفيقَيه. وجهُه أملس خالٍ من التعبير، عيناه عينا خنزير؛ عليه قميص منقوش بالزهور، وبنطلون واسع، وقبعة صغيرة صفراء. يرتدي كلٌّ من رفيقَيه أفرولًا. أطولهما وسيم، وسيم بشكلٍ لافت، جبهته مرتفعة، وعظام وجْنتَيه منحوتة، وفتحتا أنفه واسعتان وباهرتان.

تهدأ الكلاب مع اقتراب لوسي. تفتح القفص الثالث وتضع الكلبين الدوبرمان فيه. يفكر في نفسه: إيماءة جريئة، لكن هل هي إيماءة حكيمة؟

تقول للرجال: «ماذا تريدون؟»

يتكلم الصغير: «من الضروري أن نتصل بالتليفون.»

– «لماذا من الضروري أن تتصلوا بالتليفون؟»

– «أخته» –— ينظر خلفه بصورة مبهَمة — «تعرضت لحادثة.»

– «حادثة؟»

– «أجل، سيئة جدًّا.»

– «أية حادثة؟»

– «رضيع.»

– «أخته في حالة وضع؟»

– «أجل.»

– «من أين أنتم؟»

– «من إراسموسكرال.»

يتبادل هو ولوسي النظرات. إراسموسكرال، داخل امتياز الغابة، قرية صغيرة ليس بها كهرباء ولا تليفونات. تبدو القصة معقولة.

– «لماذا لم تتصلوا من محطة الغابة؟»

– «لا أحد هناك.»

تُهمهم لوسي له: «ابقَ هنا في الخارج.» ثم للولد: «من فيكم يريد الاتصال؟»

يشير إلى الرجل الطويل الوسيم.

تقول: «ادخل.» تفتح الباب الخلفي وتدخل. يتبعها الرجل الطويل. بعد لحظة يدفع الرجل الثاني الباب خلفه ويدخل المنزل أيضًا.

هناك شيء خطأ، يعرف على الفور. «لوسي، اخرجي!» ينادي، غير متأكد إن كان من المناسب أن يتبعهم أو ينتظر ليراقب الولد.

يسود الصمت في المنزل. ينادي مرةً أخرى: «لوسي!» وكان على وشك أن يدخل حين أُغلق الباب.

يصيح بأعلى ما يستطيع: «بطرس!»

يستدير الولد وينطلق بسرعة، متَّجهًا إلى الباب الأمامي. يترك سلسلة البولدوج. يصيح: «الحقي به!» تعدو الكلبة بشدةٍ خلف الولد.

يلحق بهما أمام المنزل. التقط الولد عود فول، يستخدمه ليُبقي الكلبة بعيدًا. «امشي … امشي … امشي!» يلهث، هاجمًا بالعصا. تنبح الكلبة بصوت خفيض، وتلف يسارًا ويمينًا.

يتركهما، ويندفع عائدًا إلى باب المطبخ. الضلفة السفلى ليست مغلقة بالترباس: بعض الركلات الشديدة وتُفتَح. يزحف على أربع إلى المطبخ.

يتلقى ضربة على أمِّ رأسه. أمامه وقت ليفكر: إذا كنتُ واعيًا فأنا على ما يرام، قبل أن ترتخي أطرافه وينهار.

يُدرك أنه يُجَرُّ على أرضية المطبخ. يغيب عن الوعي.

إنه ملقًى ووجهه على قرميد بارد. يحاول الوقوف لكنَّ ساقَيه تعجزان عن الحركة. يغلق عينيه مرةً أخرى.

إنه في المرحاض، مرحاض منزل لوسي. دائخًا يبدأ في الوقوف على قدميه. الباب مغلق، والمفتاح ليس موجودًا.

يجلس على قاعدة التواليت ويحاول استرداد عافيته. المنزل ساكن؛ الكلاب تنبح، لكن النباح، على ما يبدو، تأدية واجب أكثر مما هو هياج.

«لوسي!» بصوت خفيض، ثم بصوت أعلى: «لوسي!»

يحاول ركْل الباب، لكنه ليس في حالته، والمساحة ضيقة جدًّا على أية حال، والباب قديم جدًّا وجامد.

هكذا أتى يوم الاختبار. يأتي بلا إنذار، بلا صخب، وهو في معمعته. يدق قلبه في صدره بقوة، لا بد أن القلب أيضًا يعرف بطريقته البكماء كيف يواجهان، هو وقلبه، الاختبار!

ابنته في أيدي الغرباء. في دقيقة، في ساعة، يكون الوقت متأخرًا جدًّا؛ يُنقَش ما يحدث لها، مهما يكن، في الصخر، ينتمي للماضي. لكن الوقت الآن ليس متأخرًا جدًّا. عليه الآن أن يفعل شيئًا.

مع أنه يجتهد ليسمع إلا أنه لا يلتقط أي صوت من المنزل. إذا كانت ابنته تنادي، ولو في صمت، لسمع بالتأكيد!

يضرب على الباب بعنف. يصيح: «لوسي! لوسي! كلميني!»

يُفتَح الباب، يفقد توازنه. أمامه الرجل الثاني، الأقصر، يمسك بزجاجة سعة لتر من عنقها. يقول الرجل: «المفاتيح.»

– «لا.»

يدفعه الرجل. يترنح إلى الخلف، يجلس بقوة. يرفع الرجلُ الزجاجةَ. وجهه هادئ، ليس به أثر للغضب. مجرد وظيفة يؤديها: يجد شخصًا ويسيطر عليه بأداة. يضربه بزجاجة إذا استدعى الأمر ضربه، يضربه بقدر ما يستدعي الأمر، ويكسر الزجاجة أيضًا إذا استدعى الأمر.

يقول: «خذها. خذ كل شيء، لكن اتركوا ابنتي في حالها.»

بدون كلمة يأخذ الرجل المفاتيح، يغلق عليه مرةً أخرى.

يرتعد. ثلاثي خطير. لماذا لم يعرف ذلك في الوقت المناسب؟ لكنهم لا يؤذونه، حتى الآن. هل يكفيهم ما يوجد في البيت؟ هل يتركون لوسي أيضًا بدون أذًى؟

تأتي من خلف المنزل أصوات. يعلو نباح الكلاب مرةً أخرى ويزداد الهياج. يقف على قاعدة التواليت وينظر من خلال أعمدة النافذة.

يحمل الرجل الثاني، مختفيًا حول ركن المنزل للتو، بندقية لوسي وكيس زبالة منتفخًا. يُغلَق بابُ سيارة بعنف. يعرف الصوت؛ سيارته. يظهر الرجل مرةً أخرى ويداه فارغتان. للحظةٍ ينظر كلٌّ منهما في عينَي الآخر. «هاي!» يقول الرجل، ويبتسم ابتسامةً مقيتة، ويتفوه بكلمات. نوبة ضحك. بعد لحظة ينضم إليه الولد، ويقفان تحت النافذة، يراقبان سجينهما، ويتناقشان في مصيره.

يتحدث الإيطالية، يتحدث الفرنسية، لكن الإيطالية والفرنسية لن تنقذاه في ظلمات أفريقيا. إنه يائس، الخالة سالي٨٨ شخصية من كرتون، مبشرة في رداء كاهن وقبعة من الفلين تنتظر بيدين معقودتين وعينين مشرئبَّتين، بينما يلوك الهمج لغتهم استعدادًا لتغطيسه في قِدرهم الذي يغلي، عمل تبشيري، ماذا خلَّف وراءه هذا المشروع الهائل من الرقي؟ لا يرى شيئًا.
يظهر الآن الرجل الطويل من الأمام، يحمل البندقية. بسهولة المتمرِّس يضع الخرطوشة في البندقية، ويدفع الفوهة في قفص الكلاب. ينبح عليها أكبر الكلاب الشيفرد الألمانية، ولعابه يسيل من الغيظ. منظر رهيب؛ تتناثر الدماء والأدمغة في القفص. يتوقف النباح لحظة. يطلق الرجل طلقتين أُخريين. أحد الكلاب، أُطلقَت النيران في صدره، يموت في الحال؛ الآخر، بجرح مجوف في حنجرته، يجلس بتثاقل، مفلطحًا أذنيه، متتبعًا بنظرته حركات هذا الكائن الذي لا يبالي حتى بإطلاق طلقة الرحمة.٨٩

يعمُّ السكوت. يتبقى ثلاثة كلاب، ولأنه ليس هناك مكان للاختباء، تتراجع إلى آخر الحظيرة، تلفُّ، تئن بصوت خفيض. يأخذ الرجل وقته بين الطلقات، يصطادها.

وقع خطوات في الممر، ويُفتَح باب التواليت مرةً أخرى. يقف الرجل الثاني أمامه؛ يلمح وراءه الولد بقميصه المنقوش بالزهور، يأكل من علبة آيس كريم. يحاول شق طريقه إلى الخارج، يتبع الرجل، ثم يسقط بشدة. زلة: لا بد أنهم يتدربون عليها في كرة القدم.

يتناثر عليه، وهو مستلقٍ، سائل من رأسه إلى قدمه. تحرقه عيناه، يحاول مسحهما. يعرف الرائحة: كحول مثيلي. يكافح لينهض، يدفع إلى المرحاض. حكة عود كبريت، وعلى الفور يغرق في لهب أزرق هادئ.

كان مخطئًا إذَن! لن يُترَك هو وابنته بسهولة رغم كل شيء! يمكن أن يحترق، يمكن أن يموت؛ وإذا كان معرَّضًا للموت، فلوسي أيضًا معرَّضة للموت، لوسي قبل كل شيء!

يدعك وجهه كمجنون؛ يُطقطق شعره والنيران تُمسك به؛ يلقي بنفسه هنا وهناك، وتندفع رئتان بلا شكل لا تخلفان وراءهما أي كلمة، إلا الخوف. يحاول الوقوف فيُرغَم على السقوط مرةً أخرى. للحظةٍ ينجلي بصره ويرى، على بعد بوصات من وجهه، أفرولًا أزرق وفردة حذاء. مقدمة فردة الحذاء متجهة إلى أعلى؛ هناك عشب يبرز من النعل.

يتراقص لهبٌ صامت على ظهر يده. يكافح على ركبتيه ويغمس يده في قاعدة التواليت. يُغلَق الباب عليه بالمفتاح.

يتعلق على قاعدة التواليت، ويرشُّ ماءً على وجهه، يغمر رأسه في الماء. هناك رائحة كريهة، شياط شعر. يقف، يطفئ آخر لهب في ثيابه.

يمسح وجهه بلفافة من ورق مبلل. تلسعه عيناه، أحد جفنيه مغلق. يمرر يدًا على رأسه وتبتعد أنامله مسودَّة بالسخام. يبدو أنه فقد كل شعره باستثناء بقعة على إحدى أذنيه؛ تؤلمه فروة رأسه كلها، كل شيء محترق. احترق، قد احترق.

يصيح: «لوسي! هل أنت هنا؟»

تأتيه رؤية، لوسي تكافح مع الرجلين بالأفرولين الأزرقين، تكافح ضدهما. يرتعش، يحاول محوها.

يسمع سيارته تتحرك، وصوت الإطارات على الحصى. هل انتهى الأمر؟ هل يذهبون، بشكل لا يُصدَّق؟

«لوسي!» يصيح، مرارًا وتَكرارًا، حتى يسمع نبرة جنون في صوته.

يدور أخيرًا، لحسن الحظ، المفتاحُ في القفل. وحين يُفتَح الباب، تستند لوسي عليه. ترتدي روب الحمَّام، حافية القدمين، مبللة الشعر.

يمشي وراءها إلى المطبخ، حيث الثلاجة مفتوحة والطعام مبعثر على الأرضية. تقف عند الباب الخلفي مأخوذة بالمجزرة في حظائر الكلاب. يسمعها تُهمهم: «أعزائي، أعزائي!»

تفتح القفص الأول وتدخل. ما زال الكلب المجروح في حنجرته يتنفس بشكل ما. تنحني عليه، تتحدث إليه. يهزُّ ذيله بصعوبة.

«لوسي!» ينادي مرةً أخرى، الآن يقع بصرها عليه للمرة الأولى. تتجهم، تقول: «ماذا فعلوا بك؟»

يقول: «ابنتي العزيزة!» يتبعها إلى داخل القفص ويحاول أن يأخذها في ذراعيه. تتملص منه بلطف وحسم.

تغرق غرفة المعيشة في فوضى، وكذلك غرفته. أُخِذت الأشياء: سُترته وحذاؤه الجيد؛ ليست إلا البداية.

ينظر إلى نفسه في المرآة. لم يتبقَّ من شعره إلا رماد بُني، يغطي فروة رأسه وجبهته. الفروة تحته قرنفلية ملتهبة. يلمس الجلد: مؤلم، ينزُّ. أحد جفنيه متورِّم ومقفول؛ احترق حاجباه ورموشه أيضًا.

يذهب إلى الحمَّام، لكن الباب مغلق. يقول صوت لوسي: «لا تدخلْ.»

– «هل أنت بخير؟ هل تعرضت لأذًى؟»

سؤالان غبيان؛ لا تردُّ.

يحاول إزالة الرماد تحت حنفية المطبخ، يصبُّ كوبًا من الماء بعد كوب على رأسه. ينساب الماء على ظهره؛ يرتجف من البرد.

يقول لنفسه: يحدث كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة، في كل حي من البلاد. اعتبر نفسك محظوظًا لأنك هربت بحياتك. اعتبر نفسك محظوظًا لأنك لستَ سجينًا في السيارة في هذه اللحظة، مبتعدًا بسرعة، أو في قاع مجرًى مائي جاف٩٠ ورصاصة في رأسك. ولوسي قبل كل شيء.

خطرٌ لشيء تمتلكه: سيارة، حذاء، علبة سجائر. لا تكفي لتلف حول نفسك، لا تكفي السيارات والأحذية والسجائر. الناس كثيرون جدًّا، الأشياء قليلة جدًّا. ما يوجد يجب أن يدور، لتسنح لكل شخص فرصة ليسعد يومًا. تلك هي النظرية؛ تمسك بالنظرية وراحة النظرية. ليس شرًّا إنسانيًّا، مجرد نظام دائري واسع، لا علاقة له بالشفقة والهلع. هكذا يجب أن يرى المرء الحياة في هذه البلاد؛ في وجهها العام، وإلا جُنَّ. السيارات والأحذية؛ النساء أيضًا. يجب أن يكون هناك موضع في النظام للنساء وما يحدث لهن.

تأتي لوسي خلفه. ترتدي الآن بنطلونًا وسترة مطر؛ شعرها ممشط للخلف، وجهها نظيف وخالٍ تمامًا. ينظر في عينيها. يقول: «عزيزتي، عزيزتي …» ويغصُّ في موجة مفاجئة من الدموع.

لا تحرِّك إصبعًا لتهدئه. تلاحظ: «يبدو رأسك فظيعًا. هناك زيت أطفال في خزانة الحمام، ضع بعضًا منه. هل سُرقت سيارتك؟»

– «أجل. أعتقد أنهم ساروا باتجاه بورت إليزابيث. يجب أن أتصل بالبوليس.»

– «لا يمكن. التليفون محطم.»

تتركه. يجلس على السرير وينتظر. يستمرُّ في الارتجاف مع أنه لف بطانية حوله. أحد رُسغَيه متورم ينبح من الألم. لا يتذكر كيف أصيب. تُظلم الدنيا. هل مر بعد الظهيرة كله في لمح البصر؟

تعود لوسي. تقول: «أفرغوا إطارات الكومبي. سأمشي إلى مزرعة إتنجر. لن أتأخر.» تتوقف. «ديفيد، حين يسأل الناس، هل تعتزم الالتزام بقصتك الخاصة، بما حدث لك؟»

لا يفهم.

تكرر: «تروي ما حدث لك، وأروي ما حدث لي.»

– «تخطئين»، يقول بصوت يتحول بسرعة إلى نعيب.

تقول: «لا أخطئ.»

– «ابنتي، ابنتي!» يقول مادًّا ذراعيه إليها. حين لا تأتي، يزيح البطانية، يقف، ويأخذها في ذراعيه. تتخشب في حضنه مثل القطب، ولا تلين إطلاقًا.

•••

إتنجر رجلٌ عجوز فظ يتحدث الإنجليزية بلكنة ألمانية. ماتت زوجته، وعاد أولاده إلى ألمانيا، تُرِك وحيدًا في أفريقيا. يصل في شاحنته الصغيرة ولوسي بجانبه وينتظر والمحرك دائر.

«نعم، لم أذهب إلى أي مكان بدون بريتَّا.»٩١ يبدي ملاحظة بمجرد أن يكونوا على طريق جرهمزتاون. يحسس على الجراب في فخذه. «الأفضل هو أن تنقذي نفسك؛ لأن البوليس لن ينقذ أحدًا، تأكدي من ذلك.»

هل إتنجر محقٌّ؟ إذا كان لديه بندقية، فهل كان ينقذ لوسي؟ يشكُّ في ذلك. إذا كان لديه بندقية، فربما كان ميتًا الآن، هو ولوسي.

يلاحظ أن يديه ترتجفان رجفةً خفيفة. تطوي لوسي ذراعيها على ثدييها؛ لأنها ترتجف أيضًا!

توقع أن يأخذهما إتنجر إلى قسم البوليس. لكن، كما يتضح، طلبتْ منه لوسي أن ينطلق إلى المستشفى.

يسألها: «من أجلي أم من أجلك؟»

– «من أجلك.»

– «ألَا يريد البوليس أن يراني أيضًا؟»

تردُّ: «ليس هناك ما يمكن أن تخبرهم به لا يمكن أن أخبرهم به، أم إن هناك شيئًا؟»

تسرع في المستشفى، مباشرة، عبر باب مكتوب عليه طوارئ، تملأ استمارة له، تجلسه في غرفة الانتظار. إنها قوية تمامًا، هادفة تمامًا، بينما يبدو أن الرجفة تنتشر في جسمه كله.

ترشده: «إذا أخرجوك، فانتظر هنا. سأعود لأصطحبك.»

– «ماذا عنك؟»

تهزُّ كتفيها. إذا كانت ترتجف فهي لا تُظهر دليلًا على ذلك.

يجد مقعدًا بين فتاتين قويتين ربما كانتا أختين، تمسك إحداهما طفلًا يئنُّ، ورجلًا بلفافة بها دم على يده. إنه الثاني عشر في الطابور. الساعة الخامسة وخمس وأربعون دقيقة في الساعة المعلقة على الحائط. يغلق عينه السليمة وينزلق في نشوة تواصل فيها الأختان الهمس معًا، همهمة.٩٢ لا تزال الساعة الخامسة وخمسًا وأربعين دقيقة حين يفتح عينه. هل هي مكسورة؟ لا؛ يهتز عقرب الدقائق ويستقرُّ على الخامسة وستٍّ وأربعين دقيقة.

تمرُّ ساعتان قبل أن تناديه الممرضة، وهناك مزيد من الانتظار قبل أن يأتي دوره ليعرض على الطبيبة الوحيدة في العمل، امرأة هندية شابة.

تقول إن الحروق التي في فروة رأسه ليست خطيرة، إلا أن عليه أن يحذر الالتهاب. تقضي وقتًا أطول في الكشف على عينه. الجفنان العلوي والسفلي ملتصقان معًا؛ يُثبِتُ فصلُهما أنهما مؤلمان بصورة غير عادية.

تعلِّق بعد الكشف: «أنت محظوظ. لا إصابة في العين نفسها. لو استخدموا بترولًا لاختلفت القصة.»

يخرج ورأسه ملفوف بضمادة، وعينه مغطاة، وقطعة من الثلج ملفوفة حول رسغه. يندهش حين يرى بيل شو في غرفة الانتظار. يمسكه بيل، وهو أقصر منه، من الكتفين. يقول: «فظيع، فظيع حقًّا. لوسي عندنا. كانت ستأتي لتأخذك بنفسها لكن بيف لم توافق على ذلك. كيف حالك؟»

– «أنا بخير. حروق طفيفة، لا شيء خطير. آسف لأنا أفسدنا عليكما الأمسية.»

يقول بيل شو: «هراء! ما فائدة الأصدقاء إذَن؟ كنتَ لتفعل الشيء نفسه.»

الكلمات، منطوقة بدون مفارقة، تبقى في ذاكرته ولن تفارقه. يعتقد بيف شو أنه إذا ضُرب، بيل شو، على رأسه وأُشعلت فيه النيران فسينطلق، ديفيد لوريي، إلى المستشفى ويجلس منتظرًا، بدون حتى جريدة يقرؤها، ليصطحبه إلى البيت. يعتقد بيل شو، لأنه تناول مع ديفيد كوبًا من الشاي، أن ديفيد لوريي صديقه، وأن على كلٍّ منهما التزاماتٍ تجاه الآخر. هل بيل مخطئ أم مصيب؟ هل بيل شو، الذي وُلد في هانكي، على مسافة لا تبعد أكثر من مائتَي كيلومتر، ويعمل في محل للأجهزة، لم يرَ إلا القليل من العالم بحيث لا يعرف أن هناك رجالًا ليسوا على استعداد لإقامة صداقات، موقفهم تجاه الصداقة بين الرجال أفسده الشك؟ صديق: كلمة إنجليزية حديثة من كلمة إنجليزية قديمة بمعنى يحب. هل شربُ الشاي ضمان لرابطة الحب، في عيون بيل شو؟ لكن أين هو الآن بالنسبة لبيل وبيف شو، بالنسبة لإتنجر العجوز، بالنسبة لروابط من نوع ما؟ في مزرعة مخرَّبة وتليفون مكسَّر وسط كلاب ميتة.

– «مسألة فظيعة»، يقول بيل شو مرةً أخرى في السيارة. «شنيعة. سيئة جدًّا حين تقرأ عنها في صحيفة، لكن حين تحدث لشخص تعرفه» — يهزُّ رأسه — «تكون جليةً حقًّا بالنسبة لك، وكأنك تمامًا في حرب من جديد.»

لا يهتم بالرد. اليوم ليس ميتًا حتى الآن لكنه حي. حرب، شناعة: كل كلمة يحاول أن يغلف فيها هذا اليوم، يبتلعها اليومُ في حنجرته السوداء.

تقابلهما بيف شو عند الباب. تعلن أن لوسي تناولت مهدئًا، ونامت؛ من الأفضل عدم إزعاجها.

– «هل ذهبت إلى البوليس؟»

– «نعم، هناك بلاغ عن سيارتك.»

– «وهل عرضتْ نفسها على دكتور؟»

– «تتم العناية بكل شيء. ماذا عنك؟ تقول لوسي إنك تعرَّضْتَ لحروق سيئة.»

– «أُصبتُ بحروق لكنها ليست بالسوء الذي تبدو عليه.»

– «عليك أن تأكل وتحصل على بعض الراحة.»

– «لستُ جائعًا.»

تملأ حمَّامهم الحديدي الكبير، من طراز قديم. يتمدد بطوله في ماء يتصاعد منه البخار ويحاول الاسترخاء. ينزلق وقت الخروج، ويكاد يسقط: ضعيف كرضيع، ودائخ أيضًا. عليه أن ينادي على بيل شو ويعاني من خزي المساعدة في إخراجه من الحمام، المساعدة في تنشيف نفسه، المساعدة في ارتداء البيجامة المستعارة. بعد ذلك يسمع بيل وبيف يتحدثان بصوت منخفض، ويعرف أنهما يتحدثان عنه.

جاء من المستشفى بأنبوب من المسكنات، وعلبة من ضمادات الحروق وأداة من الألمنيوم ليسند رأسه عليها. تجعله بيف شو يستقر على كنبة تفوح منها رائحة القطط؛ يغلبه النوم بسهولة مدهشة. يستيقظ في منتصف الليل في صفاء تام. رأى رؤية: تحدثَت لوسي إليه؛ ما زالت كلماتها — «تعالَ إليَّ، أنقذْني» — ترنُّ في أذنيه. في الرؤية تقف في ضوء أبيض ويداها مفرودتان، وشعرها المبلل مسرَّح إلى الخلف.

يستيقظ، يتعثر في كرسي، فيطيِّره. يضاء النور وبيف شو أمامه في ثياب النوم. «أريد أن أكلم لوسي»، يهمهم: فمه جاف، ولسانه ثقيل.

يُفتَح البابُ المؤدي إلى غرفة لوسي. ليست لوسي كما في الرؤية إطلاقًا. انتفخ وجهها من النوم، وربطت حزام ثوب واضح أنه ليس ثوبها.

يقول: «آسف، رأيتُ حلمًا.» تصبح كلمة رؤية فجأةً كلمة من طراز قديم جدًّا، شاذ جدًّا. «اعتقدتُ أنك كنتِ تنادينني.»

تهزُّ لوسي رأسَها: «لم أكن أناديك. نم الآن.»

محقة، بالطبع. الثالثة صباحًا، لكنه لا يفشل في ملاحظة أنها تحدثتْ إليه للمرة الثانية في يوم وكأنها تتحدث إلى طفل؛ طفل أو رجل عجوز.

يحاول الاستغراق في النوم مرةً أخرى فلا يستطيع. لا بد أنه تأثير الأقراص، يقول لنفسه: ليست رؤيةً، ولا حلمًا، مجرد هلوسة كيميائية. لكن شكل المرأة في الضوء يبقى أمامه. «أنقذْني!» تصرخ ابنته، كلماتها واضحة، ترنُّ مباشرة. هل يحتمل حقًّا أن روح لوسي لم تفارق جسدها وتأتي إليه؟ هل ما زالت لمن لا يؤمنون بالأرواح أرواح؟ وهل لأرواحهم حياة مستقلة؟

ساعات على شروق الشمس. يؤلمه رسغه، تحرقه عيناه، تضايقه فروة رأسه وتُوتره. يشعل اللمبة بحرص وينهض. يدفع، والبطانية ملفوفة حوله، باب لوسي ويدخل. بجوار السرير كرسي؛ يجلس. يقول له إحساسه إنها مستيقظة.

ماذا يفعل؟ يراقب فتاته الصغيرة، يحرسها من الأذى، يطرد الأرواح الشريرة. بعد فترة طويلة يشعر أنها تسترخي. دفعة رقيقة وتنفصل شفتاها، ويسمع أرقَّ شخير.

الصباح. تقدم له بيف شو فطورًا من رقائق الذرة والشاي، تختفي في غرفة لوسي.

«كيف حالها؟» يسأل حين تعود.

لا تردُّ بيف شو إلا بهزةٍ مهذبة من رأسها. يبدو أنها تقول ليس شأنك. الطمث والولادة والانتهاك وآثاره: مسائل الدم؛ عبء المرأة حكر على المرأة.

ليست المرة الأولى، يتساءل ما إن كانت النساء سيكنَّ أسعد بالعيش في مجتمعات النساء، ولا يقبلن زيارات من الرجال إلا حين يخترن. ربما يخطئ حين يعتقد أن لوسي شاذة. ربما تفضل ببساطةٍ صحبة الأنثى. أو ربما هذا حال كل السحاقيات: نساء لسن في حاجة للرجال.

لا عجب في أن تعادي هي وهيلين الاغتصاب بكل هذا الحماس. الاغتصاب، ربُّ الفوضى والامتزاج، منتهكُ العزلة. اغتصاب السحاقية أسوأ من اغتصاب العذراء: مصيبة أكبر. هل كان أولئك الرجال يعرفون ما أقدموا عليه؟ هل تم طرح الكلمة؟

يطرق، في التاسعة، بعد خروج بيل شو للعمل، باب لوسي. مستلقية ووجهها إلى الحائط. يجلس بجوارها، يلمس وجنتها؛ مبللة بالدموع.

يقول: «ليس أمرًا سهلًا يمكن الكلام فيه، لكن هل عرضتِ نفسك على طبيب؟»

تجلس منتصبةً وتفرك أنفها. «عرضتُ نفسي على الممارس العام الليلة الماضية.»

– «وهل وضع في اعتباره كل الاحتمالات؟»

تقول: «هي. هي، لا هو. لا» — والآن تظهر نبرة غضب في صوتها — «كيف يمكن لها؟ كيف يمكن لطبيب أن يضع في اعتباره كل الاحتمالات؟ بعض الإحساس!»

ينهض. إذا اختارت أن تكون متوترة، فمن الممكن أن يكون متوترًا هو الآخر. يقول: «آسف لأني سألتُ. ما خُططنا اليوم؟»

– «خططنا؟ نذهب إلى المزرعة وننظفها.»

– «ثم؟»

– «ثم نواصل حياتنا كما كانت من قبل.»

– «في المزرعة؟»

– «بالطبع، في المزرعة.»

– «كوني ذكية، لوسي. تغيَّرَ الوضع. لا يمكن أن نبدأ من حيث انتهينا.»

– «لماذا لا؟»

– «لأنها ليست فكرة مناسبة، لأنها ليست آمنة.»

– «لم تكن آمنة أبدًا، وهي ليست فكرة مناسبة أو غير مناسبة. لا أعود من أجل فكرة. أعود فقط.»

تواجهه، وهي تجلس منتصبةً في ثياب النوم المستعارة، ورقبتها متخشبة، وعيناها متألقتان. ليست فتاة أبيها الصغيرة، لم تعدْ.

١٢

يحتاج إلى تغيير ضماداته قبل أن يرحلا. تفك بيف شو الضمادات في الحمام الضيق البسيط. ما زال جفنه مغلقًا، وارتفعت البثور على فروة الرأس، لكن الضرر ليس سيئًا بالصورة المتوقعة. أكثر الأجزاء إيلامًا حافة أذنه اليمنى: الجزء الوحيد، كما قالت الطبيبة الشابة، الذي أمسكتْ به النيران.

تغسل بيف، بمحلول معقم، الجزء القرنفلي المكشوف تحت الجلد، ثم تستخدم ملقاطًا لتضع عليه الضمادة الصفراء الدهنية. تدهن برقةٍ ثنايا جفنه وأذنه. لا تتكلم وهي تعمل. يتذكر الجدي في العيادة، ويتساءل إن كان قد شعر، بين يديها، بالطمأنينة نفسها.

«هناك»، تقول في النهاية، وهي تتراجع.

يتفحص الصورة في المرآة، بالكاب الأبيض الرائع والعين المغطاة: «مرتَّبة.» يلاحظ، لكنه يفكر، مثل مومياء.

يحاول مرةً أخرى أن يثير موضوع الاغتصاب: «تقول لوسي إنها عرضتْ نفسها على الممارس العام الليلة الماضية.»

– «أجل.»

يؤكد: «هل هي معرَّضة لخطر الحمل؟ هل هي معرَّضة لخطر عَدْوى تناسلية؟ هل هي معرَّضة لخطر الإصابة بفيروس الإيدز؟ ألَا يجب أن تعرض نفسها على طبيب نساء أيضًا؟»

تحوِّل بيف شو وجهها بتوتر: «اسأل لوسي نفسها.»

– «سألتُها. لم أحصل منها على شيء.»

– «اسأل مرةً أخرى.»

الساعة تتجاوز الثانية عشرة، وليست هناك أية إشارة على ظهور لوسي. يطوف بلا هدف حول الحديقة. يسيطر عليه مزاج كئيب. لا يقتصر الأمر على أنه لا يعرف ماذا يفعل لنفسه. صدمته أحداث الأمس من الأعماق. ليس الارتجاف والضعف إلا بداية علامات تلك الصدمة وأكثرها سطحية. لديه إحساس داخلي بأن عضوًا حيويًّا جُرِح، تعرض للأذى؛ ربما قلبه. ينتابه لأول مرة إحساسٌ بما سيكون عليه كرجل عجوز، مرهق حتى النخاع، بلا آمال، بلا رغبات، لا يبالي بالمستقبل. يستلقي على كرسي من البلاستيك بين نتانة ريش الدجاج والتفاح المعطوب، يشعر أن اهتمامه بالعالم يتسرب منه نقطةً نقطة. قد يستغرق الأمر أسابيع، قد يستغرق شهورًا قبل أن يتوقف النزيف، لكنه ينزف. حين ينتهي كل ذلك، يكون كذبابةٍ ملفوفة في شبكة عنكبوت، يهش للمس، أخف من قشرة أرز، جاهزًا للإبحار بعيدًا.

لا يتوقع مساعدة من لوسي. بصبر وصمت، لا بد أن تشقَّ لوسي طريقها عائدةً من الظلام إلى النور. لتعودَ مرة أخرى كما كانت، تقع عليه مسئولية تدبير حياتهما اليومية. لكن العبء أتى مفاجئًا تمامًا. عبء ليس مستعدًّا له: المزرعة والحديقة والكلاب. مستقبل لوسي ومستقبله ومستقبل الأرض ككلٍّ؛ يريد أن يقول: كل هذا لا يعنيه؛ ليذهبْ كل شيء للكلاب، لا أبالي. وبالنسبة للرجال الذين آذوهما، يتمنى أن يلحق بهم الأذى، أينما كانوا، وباستثناء ذلك لا يريد أن يفكر فيهم.

يقول لنفسه: تأثير لاحق، تأثير ما بعد الغزو. في لحظة يصلح الكائن نفسَه، الشبح في داخله، أعود إلى ذاتي القديمة مرةً أخرى. لكن الحقيقة، كما يعرف، غير ذلك. تبددتْ متعته في الحياة. بدأ يطفو إلى النهاية مثل ورقة نبات في تيار، مثل فطر على جليد. يراها بوضوح تام، وتملؤه (لن تبتعد الكلمة) باليأس. تغادر دماء الحياة جسده ويحل اليأس مكانها، يأس يشبه غازًا، بلا رائحة، بلا طعم، بلا مصدر. تستنشقه فتسترخي أطرافك وتكف عن الاهتمام حتى حين يلمس الفولاذ حنجرتك.

ثمة رنة من جرس الباب: شابَّان من البوليس في زي جديد أنيق، مستعدان لبدء التحقيقات. تظهر لوسي من غرفتها وتبدو مُنهَكة، ترتدي ملابس الأمس. ترفض الفطور. يتبع رجلا البوليس بيف في سيارتهما، تقودهما إلى المزرعة.

جثث الكلاب ملقاة في القفص حيث سقطت. ما زالت البولدوج كاتي تلف هنا وهناك: يلقيان نظرة عليها وهي تتسلل قرب الحظيرة، ويبقيانها بعيدة. لا دليل على وجود بطرس.

في الداخل يخلع رجلا البوليس قبعتَيهما، ويضعانهما تحت ذراعيهما. يقف بعيدًا، يترك لوسي تحكي لهم ما تختار من القصة. يستمعان باحترام، مدونين كل ما نطقت به، يندفع القلم بعصبية عبر صفحات الدفتر. إنهما من جيلها، لكنهما ينفران منها، وكأنها مخلوقة ملوَّثة، ويمكن أن يقفز تلوُّثُها إليهما ويوسخهما.

تحكي: كانوا ثلاثة رجال، أو رجلين وولدًا، دخلوا المنزل بالخداع، وأخذوا (تعدد ما أخذوه) نقودًا وملابس وتليفزيونًا ومشغِّل أقراص مدمجة وبندقية بالذخيرة. هجموا على أبيها حين قاومهم، وصبوا عليه كحولًا، وحاولوا إشعال النار فيه، ثم أطلقوا النار على الكلاب وانطلقوا في سيارته. تصف الرجال وملابسهم، تصف السيارة.

تنظر لوسي إليه بثبات، طوال حديثها، كأنها تستمد القوة منه، أو بشكل آخر تشجعه على أن يعارضها. حين يسأل أحد الضابطين: «كم استغرقت الحادثة كلها؟» تقول: «عشرين دقيقة، ثلاثين دقيقة.» وهذا غير حقيقي، كما يعرف، وكما تعرف. استغرقت أكثر من ذلك بكثير. كم استغرقتْ؟ بقدر ما يحتاج الرجال لإنهاء مهمتهم مع سيدة المنزل.

ومع ذلك لم يتدخل. مسألة لا مبالاة: يستمع بالكاد ولوسي تواصل قصتها. تأخذ الكلمات شكلًا رفرف من الليلة الماضية على حواف الذاكرة. المرحاض مغلق على سيدتين عجوزين/كانتا هناك من الاثنين إلى السبت/لا أحد يعرف أنهما كانتا هناك.٩٣ المرحاض مغلق عليه وابنته تغتصب. أغنية من طفولته تعود لتشير بإصبع ساخر. يا عزيزي، ماذا يمكن أن تكون المسألة؟٩٤ سر لوسي؛ عاره. يتحرك رجلا البوليس بحرص في المنزل، يفحصان. لا دماء، لا أثاث مقلوب. انتهت الفوضى التي كانت في المطبخ (بواسطة لوسي؟ متى؟) خلف باب المرحاض عودا ثقاب مستخدمان، لا يمكن حتى ملاحظتهما.
السرير المزدوج في غرفة لوسي عارٍ. يتأمل: مسرح الجريمة. وكما لو كان رجلا البوليس يقرآن الأفكار، يحوِّلان عيونهما، ويمضيان.

منزل هادئ في صباح شتوي، لا أكثر ولا أقل.

يقولان وهما يغادران: «سيأتي مخبر لرفع البصمات. حاولا ألَّا تلمسا شيئًا. إذا تذكرتما أي شيء آخر أخذوه فاتصلوا بنا في القسم.»

بمجرد أن غادرا يصل رجال إصلاح التليفونات، ثم إتنجر العجوز. يشير إتنجر لبطرس الغائب بشكل غامض: «لا يجب أن تثقوا في أحد منهم.» يقول إنه سيرسل صبيًّا ليصلح الكومبي.

في الماضي رأى لوسي تستشيط غضبًا عند استخدام كلمة صبي. الآن لا تبدي أي رد فعل.

يسير مع إتنجر إلى الباب.

يقول إتنجر: «لوسي المسكينة. لا بد أن ذلك كان سيئًا بالنسبة لها، إلا أنه كان يمكن أن يكون أسوأ.»

– «حقًّا؟ كيف؟»

– «كان من الممكن أن يأخذوها معهم.»

يوقفه ذلك فجأةً. إتنجر ليس أحمق.

هو ولوسي وحدهما أخيرًا. يعرض: «سأدفن الكلاب إذا أريتني أين. ماذا ستقولين لأصحابها؟»

– «أقول لهم الحقيقة.»

– «هل تأمينك يغطي ذلك؟»

– «لا أعرف. لا أعرف إن كانت سندات التأمين تغطي المذابح. عليَّ أن أعرف ذلك.»

وقفة. «لماذا لم تحكي القصة كاملةً، لوسي؟»

– «حكيتُ القصة كاملة، القصة كاملة كما حكيتها.»

يهزُّ رأسه في شك: «إنني على يقين من أن لديك مبرراتك، لكن في السياق العام هل أنت متأكدة من أن ذلك هو السبيل الأفضل؟»

لا تردُّ، ولا يضغط عليها إطلاقًا. لكن أفكاره تذهب إلى المقتحمين الثلاثة، المعتدين الثلاثة، رجال قد لا يراهم مرةً أخرى أبدًا، لكنهم الآن جزء من حياته إلى الأبد، ومن حياة ابنته. يرى الرجالُ الصحفَ، ويستمعون إلى الثرثرة. يعرفون أن البحث جارٍ عنهم في جريمة سرقة واعتداء ولا شيء آخر. يتبين لهم أن الصمت سحب على جسد المرأة مثل بطانية. يقول كلٌّ منهم للآخر: مخجل جدًّا، مخجل جدًّا بحيث لا يمكن أن يقال، ويضحكون فيما بينهم بزهو، متذكرين بطولتهم. هل لوسي مستعدة لمنحهم هذا الانتصار؟

يحفر حفرةً في موضع تحدده لوسي قرب الخط الفاصل. مقبرة لستة كلاب مكتملة النمو: حتى في الأرض المحروثة حديثًا يستغرق الأمر منه ساعة كاملة، وحين ينتهي من العمل يشعر بوجع في ظهره، بوجع في ذراعيه، ويؤلمه رسغه مرةً أخرى. ينقل الجثث في عربة يد. لا يزال الكلب الذي جرح في حنجرته يكشف عن أسنانه الملطخة بالدم. يفكر: مثل سمكة أُطلقت عليها النيران في برميل. أمر وضيع، إلا أنه منعش، ربما، في بلاد تُربَّى فيها الكلاب لتنبح بمجرد أن تشم رائحة رجل أسود. عملٌ مُرضٍ بعد الظهيرة، عنيف، مثل الانتقام تمامًا. يضع الكلاب واحدًا بعد الآخر في الحفرة، ثم يردمها.

يعود ليجد لوسي تنصب سريرًا من أسرَّة المعسكرات في المخزن الصغير العفن الذي تستخدمه للتخزين.

يسأل: «لمن هذا؟»

– «لي.»

– «ماذا عن الغرفة الإضافية؟»

– «سُرقتْ ألواح السقف.»

– «والغرفة الكبيرة في الخلف؟»

– «تصدر الثلاجة ضوضاء شديدة.»

ليس صحيحًا. الثلاجة في الغرفة الخلفية لا تكاد تصدر صوتًا. لن تنام لوسي فيها لما تحتويه الثلاجة: الفضلات والعظام، ولحم الكلاب الذي لم تعد في حاجة إليها.

يقول: «خذي غرفتي. أنام هنا.» ويبدأ إخلاءَ أشيائه في الحال.

لكن هل يريد الانتقال حقًّا إلى هذه الصومعة، بصناديقها التي تحتوي على برطمانات الأطعمة المحفوظة الخالية مكومة في ركن ونافذتها الوحيدة الصغيرة القِبلية؟ إذا كانت أشباح منتهِكي لوسي ما زالت تُرفرف في غرفة نومها، فمن المؤكد أنه يجب مطاردتها، وعدم السماح لها باتخاذها مُعتكَفًا. هكذا ينقل متعلقاته إلى غرفة لوسي.

يهبط المساء. ليسا جائعين لكنهما يأكلان. الأكل طقس، والطقوس تسهِّل الأمور.

بأقصى ما يستطيع من ذوق، يطرح سؤاله مرةً أخرى: «لوسي، عزيزتي، لماذا لا تريدين أن تتكلمي؟ جريمة. لا خزي في أن تكوني ضحية جريمة. لم تختاري أن تكوني الضحية. أنت الطرف البريء.»

تجلس لوسي على الطرف المقابل له على الطاولة، تسحب نفَسًا عميقًا، تستجمع قوتها، تزفر مرةً أخرى وتهزُّ رأسها.

يقول: «هل يمكن أن أخمِّن؟ هل تحاولين أن تذكريني بشيء ما؟»

– «بمَ أحاول أن أذكِّرك؟»

– «بما تتعرض له النساء على أيدي الرجال.»

– «لا شيء أبعد من ذلك عن أفكاري. هذا لا يشغلني، ديفيد. تريد أن تعرف لماذا لم أقدم اتهامًا معينًا للبوليس. أخبرك، إذا وافقتَ ألَّا تثير الموضوع مرةً أخرى؛ لأن ما حدث لي، بقدر ما أعرف، شأن خاصٌّ تمامًا. في وقت آخر، في مكان آخر قد يعتبر شأنًا عامًّا. لكنه في هذا المكان وهذا الزمان ليس كذلك. يخصني، يخصني وحدي.»

– «ما هذا المكان؟»

– «هذا المكان جنوب أفريقيا.»

– «لا أوافق، لا أوافق على ما تفعلين. هل تعتقدين أنكِ بالخنوع لما حدث لك، يمكن أن تنأَي بنفسك عن فلاحين مثل إتنجر؟ هل تعتقدين أن ما حدث هنا اختبارٌ تحصلين، إذا اجتزتِه، على دبلوم وتصلين بأمان إلى المستقبل، أم علامة تضعينها على عتبة الباب تُجنبك الوباء؟ لا يعمل الانتقام بهذه الطريقة، لوسي. الانتقام كالنار؛ كلما قدمتِ له أكثر ازداد جوعًا.»

– «كف عن ذلك، ديفيد! لا أريد سماع هذا الكلام عن الأوبئة والنيران. لا أحاول الهروب بجلدي. إذا كان هذا ما تفكر فيه، فأنت مخطئ تمامًا.»

– «ساعديني إذَن. هل تحاولين تحقيق شكل من الخلاص الخاص؟ هل تأملين في التكفير عن جرائم الماضي بالمعاناة في الحاضر؟»

– «لا. تواصلُ فهمي خطأً. الإثم والخلاص مجردان. لا علاقة لي بالمجردات. إلى أن تبذل جهدًا لرؤية ذلك، لا يمكن أن أساعدك.»

يريد أن يردَّ، لكنها أنهت الكلام فجأةً: «ديفيد، اتفقنا، لا أريد الاستمرار في هذه المحادثة.»

لم يكونا أبدًا بعيدَين بهذا الشكل وبهذه المرارة. يرتعد.

١٣

يوم جديد. يتصل إتنجر بالتليفون، عارضًا أن يعيرهم بندقية «في هذه الأثناء». يردُّ: «أشكرك. نفكِّر في ذلك.»

يخرج أدوات لوسي ويصلح باب المطبخ قدر ما يستطيع. عليهما أن يركِّبا حواجز وبوابات أمان وسياجًا حول المزرعة، كما فعل إتنجر. عليهما أن يحوِّلا منزل المزرعة إلى حصن. على لوسي أن تشتري مسدسًا وجهازًا لا سلكيًّا يرسل ويستقبل، وتتدرب على إطلاق النار. لكن هل يمكن أن توافق؟ إنها هنا لأنها تحب الأرض والطريقة الريفية٩٥ القديمة في الحياة. إذا حُكم على هذه الحياة بالفشل، فماذا يتبقى لها لتحبه؟

تخرج كاتي بلطفٍ من مكانها الخفي وتوضع في المطبخ. تتبع لوسي، قريبةً من كعبيها باستكانة وجُبن. تغيرت الحياة في لحظة. يبدو المنزل غريبًا، مُنتهَكًا؛ يقظان باستمرار، ينصتان للأصوات.

ثم يعود بطرس. يجأر لوري قديم على الممر الممتلئ بالحفر ويقف بجوار الإسطبل. ينزل بطرس من الكابينة، في بدلة ضيقة تمامًا، وراءه زوجته والسائق. من على ظهر اللوري يُنزِل رجلان كراتين، وأقطابًا مدهونة بالكريسوت،٩٦ وألواحًا من الحديد المجلفَن، ولفافة من الأنابيب البلاستيك، وأخيرًا، بكثير من الضجيج والفوضى، خروفين في منتصف العمر، يقيدهما بطرس في عمود السياج. يندفع اللوري حول الإسطبل ويتراجع إلى الممر. يختفي بطرس وزوجته في الداخل. تتصاعد سحابة من الدخان من أنبوب المدخنة المصنوع من الأسبستوس.٩٧

يواصل المشاهدة. بعد لحظة، تظهر زوجة بطرس، وبحركة واسعة وسلِسة تفرغ إناء بقايا الطعام. يفكِّر: امرأة بارعة بجيبة طويلة وطرحة مكومة إلى أعلى، طراز ريفي. امرأة بارعة ورجل محظوظ. لكن أين كانا؟

يخبر لوسي: «عاد بطرس، بحمل من مواد البناء.»

– «حسن.»

– «لماذا لم يخبرك برحيله؟ ألَا تستغربين اختفاءه بشكل مريب في هذا الوقت بالذات؟»

– «لا أستطيع إصدار أوامر لبطرس. إنه سيد نفسه.»

إجابة غير منطقية، يتركها تمرُّ. قرَّر تمرير كل شيء، مع لوسي، في الوقت الحالي.

تنكفئ لوسي على نفسها، لا تُفصح عن مشاعرها، ولا تُبدي اهتمامًا بشيء من حولها. عليه هو، من يجهل كل شيء عن الزراعة، إخراج البط من حظيرته، والإشراف على نظام التحكم في المياه وفتح المياه لإنقاذ الحديقة من الجفاف. تقضي لوسي وقتها مستلقيةً في السرير، تحدق في الفراغ أو تلقي نظرة على مجلات قديمة يبدو أن لديها مخزونًا لا ينفد منها. تتصفحها بنفاد صبر، وكأنها تبحث عن شيء ليس فيها. ليست هناك إشارة أخرى عن إدوين درود.

يلمح بطرس خارجًا عند السد، في أفرول الشغل. يبدو غريبًا ألَّا يحضر هذا الرجل حتى الآن إلى لوسي. يتجول، يتبادل التحيات: «لا بد أنك سمعتَ، لقد تعرضنا لسرقة كبيرة يوم الأربعاء وأنت غير موجود.»

يقول بطرس: «أجل، سمعتُ. أمر سيئ، سيئ حقًّا. لكنكما بخير الآن.»

هل هو بخير؟ هل لوسي بخير؟ هل يطرح بطرس سؤالًا؟ لا يبدو سؤالًا، لكن لا يمكن أن يأخذه بشكل آخر، ليس من الذوق. إنه سؤال، ما الإجابة؟

يقول: «أنا على قيد الحياة. طالما كان المرء على قيد الحياة فهو بخير، على ما أفترض. نعم إذَن، أنا بخير.» يتوقف، ينتظر، يسمح بصمت، صمت على بطرس أن يملأه بالسؤال التالي: وكيف حال لوسي؟

إنه مخطئ. يسأل بطرس: «هل تذهب لوسي إلى السوق غدًا؟»

– «لا أعرف.»

يقول بطرس: «لأنها ستخسر كشكها إذا لم تذهب. ربما.»

يخبر لوسي: «بطرس يريد أن يعرف إن كنتِ ستذهبين إلى السوق غدًا. يخشى أن تفقدي كشكك.»

تقول: «لماذا لا تذهبان أنتما؟ لستُ على استعداد لذلك.»

– «هل أنت متأكدة؟ مما يدعو للأسف أن تتأخري أسبوعًا.»

لا تردُّ. تكاد تخبئ وجهها، وهو يعرف السبب؛ بسبب العار، بسبب الخجل. ذلك ما فعله من اعتدوا عليهما؛ هذا ما فعلوه بهذه المرأة الشابة العصرية الواثقة من نفسها. تنتشر القصة مثل بقعة في المقاطعة. لا تنتشر قصتها بل قصتهم: أصحابها. كيف وضعوها في مكانها؟ كيف أروها ما خُلقت له المرأة؟

بعين واحدة وكاب أبيض على جمجمته، ومعيار خاص للحياء بشأن الظهور على الملأ. لكنه يذهب من أجل لوسي لإنجاز مهمة السوق، يجلس بجوار بطرس عند الكشك، يتحمل نظرات الفضول وهو يردُّ بأدب على نظرات أصدقاء لوسي الذين يواسونه. يقول: «أجل، فقدنا سيارة. والكلاب، بالطبع، كلها إلا كلبة. لا، ابنتي بخير، معتلة اليوم فقط. لا، لا أمل لدينا، البوليس مُرهَق، أنا متأكد من أنكم تعرفون ذلك. نعم، سأخبرها بالتأكيد.»

يقرأ قصتهما كما كُتبت في الهيرالد. مهاجمون مجهولون، هكذا يُدعى الرجال. «اعتدى ثلاثة مهاجمين على الآنسة لوسي لوريي وأبيها العجوز في مزرعة صغيرة خارج بلدة سالم، وهربوا بملابس وأجهزة إليكترونية وسلاح ناري. في تطور شاذ، أطلق اللصوص النار أيضًا وقتلوا ستة من كلاب الحراسة قبل أن يفروا في تويوتا كرولا موديل ١٩٩٣م، مسجلة تحت رقم سي إيه ٥٠٧٦٤٤ باسم مستر لوريي، الذي تعرض لجروح طفيفة أثناء الهجوم، وعولج في مستشفى المستوطنين وخرج.»

يُسعده عدم الربط بين الأب العجوز للآنسة لوريي وديفيد لوريي، المتخصص في شاعر الطبيعة وليم وردزورث، وكان حتى وقت قريب بروفيسورًا في الجامعة التقنية في كيب.

بالنسبة للتجارة الفعلية، ليس هناك ما يفعله. بطرس هو من يعرض بضائعهما، من يعرف الأسعار ويأخذ الفلوس ويقوم بالتبديل. بطرس في الحقيقة هو من يعمل، وهو يجلس ويدفئ يديه. بالضبط كما كان في غابر الأيام: الريس والعامل.٩٨ باستثناء ذلك لا يفترض أن يصدر أوامر لبطرس. يفعل بطرس ما يجب أن يُفعَل، هذا ما كان.

إلا أن ما حصلوا عليه كان منخفضًا: أقل من ثلاثمائة رند. والسبب غياب لوسي، بدون شك. يجب إعادة تحميل صناديق الزهور وحقائب الخضراوات في الكومبي. يهزُّ بطرس رأسه. يقول: «ليس جيدًا.»

لم يقدم بطرس حتى الآن تفسيرًا لغيابه. لبطرس الحق في أن يأتي ويذهب كما يشاء؛ مارس هذا الحق؛ من حقه أن يصمت. لكن تبقى الأسئلة. هل يعرف بطرس أولئك الغرباء؟ هل بسبب كلمة تفوَّه بها بطرس دون قصد جعلوا لوسي هدفهم بدلًا من إتنجر، مثلًا؟ هل عرف بطرس مقدَّمًا ما كانوا يخططون له؟

في الأيام الغابرة كان المرء يستطيع طرحها على بطرس. في الأيام الغابرة كان يمكن للمرء طرحها حتى يفقد أعصابه ويصرفه ويستخدم شخصًا آخر بدلًا منه. لكن مع أن بطرس يتقاضى أجرًا، فإنه لم يعد، بدقة، مُستخدَمًا. من الصعب تحديد من هو بطرس بدقة. إلا أن الكلمة التي تبدو مناسبة هي جار. بطرس جار يتصادف حاليًّا أنه يبيع قوة عمله؛ لأن ذلك يناسبه. يبيع عمله بعقد، عقد غير مكتوب، وهذا العقد ليس به بند للطرد بناءً على شكوك. يعيشون، هو ولوسي وبطرس، في عالم جديد. يعرف بطرس ذلك، ويعرف هو ذلك، ويعرف بطرس أنه يعرف ذلك.

برغم ذلك يشعر بألفة مع بطرس، وهو مستعد، وإن يكن بحرص، أن يحبه. بطرس رجل من جيله. مرَّ بطرس بالكثير بلا شك، لدى بطرس قصة يحكيها بلا شك. لا يستبعد سماع قصة بطرس ذات يوم. لكن من الأفضل ألَّا تُختزل إلى الإنجليزية. يقتنع تدريجيًّا أن الإنجليزية وسيط غير مناسب لحقيقة جنوب أفريقيا. امتدادات الإنجليزية جعلت الجمل كلها مكتظة، وفقدت فصاحتها وروابطها ووضوحها. تجمدت اللغة مثل ديناصور يخمد ويستقرُّ في الوحل. قد تخرج قصة بطرس مفككة وعتيقة إذا ضغطت في قالب إنجليزي.

يعجبه في بطرس وجهه، وجهه ويداه. إذا كان هناك شيء من قبيل الكدح الصادق، فبطرس يحمل علاماته. رجل الصبر والطاقة والمرونة. فلاح، فلاح،٩٩ رجل ريفي، متآمر، ومخطِّط، وبدون شك كذاب أيضًا، مثل الفلاحين في كل مكان. كدح صادق ومكر صادق.
لديه شكوكه الخاصة عما يقدم عليه بطرس، على المدى البعيد. لن يقنع بطرس بحرثِ هكتار ونصف إلى الأبد. ربما بقيَت لوسي أطول من أصدقائها الهيبز الغجر، لكن لوسي ما زالت بالنسبة لبطرس كمًّا تافهًا: هاوية، متحمسة للحياة الريفية أكثر منها فلاحة. يودُّ بطرس أن يأخذ أرض لوسي. ويود لو يأخذ أرض إتنجر أيضًا، أو يكتفي بإطلاق قطيع عليها. سيكون إتنجر بندقة أجمد من أن يكسرها. لوسي مجرد عابرة؛ إتنجر فلاح آخر، رجل الأرض، متشبث بحقوقه، عميق الجذور.١٠٠ لكن إتنجر سيموت في أحد هذه الأيام، وابن إتنجر هرب. وبذلك كان إتنجر غبيًّا. الفلاح الناصح يحرص على إنجاب الكثير من الأبناء.

لا مكان في رؤية بطرس للمستقبل لأناس مثل لوسي. لكن ذلك لا يتطلب خلق عدو لبطرس. كانت الحياة الريفية دائمًا موضوعًا لجيران يخططون ضد بعضهم، يأمل كلٌّ منهم في وقوع الأذى بالآخرين، محاصيل سيئة، وانهيار مالي، إلا أنهم في وقت الأزمات على استعداد لمدِّ يد العون.

القراءة الأسوأ، الأكثر ظلمةً يمكن أن تكون أن بطرس تورَّط مع الرجال الثلاثة ليلقِّن لوسي درسًا دافعًا لهم مع ما نهبوه. لكنه لا يستطيع تصديق ذلك، تبسيط شديد. الحقيقة الفعلية، كما يتوقع، شيء أبعد — يفتش عن الكلمة — أنثروبولوجيًّا، شيء قد يستغرق الأمر شهورًا للوصول إلى حقيقته، شهورًا من الصبر، محادثة غير متعجلة مع حفنة من الناس، ومكاتب المفسِّرين.

يؤمن، من الناحية الأخرى، أن بطرس كان يعرف أن شيئًا على وشك الحدوث؛ يؤمن أن بطرس كان يستطيع تحذير لوسي. هذا السبب لن يجعله يخوض في الموضوع. هذا الذي يجعله يواصل إزعاج بطرس.

أفرغ بطرس سدَّ التخزين الأسمنتي، ينظفه من الطحالب. مهمة شاقة. مع ذلك، يعرض المساعدة. وقدماه محشورة في حذاء لوسي المطاط، يتسلق إلى السد، يخطو بحذر على القاع الأملس. يعمل هو وبطرس فترة في تناغم، يكشطان، يَحكَّان، ويجرفان الوحل، ثم يتوقف فجأةً.

يقول: «هل تعرف، بطرس؟ لا أصدِّق أن الرجال الذين أتوا إلى هنا غرباء. لا أصدق أنهم وصلوا من مكان مجهول، فعلوا ما فعلوا، واختفوا بعد ذلك وكأنهم أشباح. ولا أصدق أن سبب اعتدائهم علينا أننا كنا أول من التقوا بهم من البيض في ذلك اليوم. ماذا تعتقد؟ هل أنا مخطئ؟»

يدخن بطرس غليونًا، غليونًا من طراز قديم بساق معقوفة وكاب فضي صغير على الانبعاج. يعتدل الآن، يخرج الغليون من جيب الأفرول، يفتح الكاب، يحشو التبغ في الانبعاج، يسحب نفسًا. يحدق مفكرًا في حائط السد، في الهضاب، في البلاد المفتوحة. تعبيره هادئ تمامًا.

يقول أخيرًا: «لا بد أن يعثر عليهم البوليس. لا بد أن يعثر عليهم البوليس ويضعهم في السجن. هذه وظيفة البوليس.»

«لكن البوليس لن يعثر عليهم بدون مساعدة. كان لدى أولئك الرجال معلومات عن محطة الغابة. أنا مقتنع بأنه كانت لديهم معلومات عن لوسي. كيف حصلوا على هذه المعلومات إذا كانوا غرباء تمامًا عن المقاطعة؟»

يختار بطرس ألَّا يعتبره سؤالًا. يضع الغليون في جيبه، يستبدل جاروفًا بالمكنسة.

يؤكد: «لم تكن مجرد سرقة، بطرس. لم يأتوا لمجرد السرقة. لم يأتوا لمجرد أن يفعلوا هذا بي.» يلمس الضمادات، يلمس عُصابة العين. «أتوا ليفعلوا شيئًا آخر أيضًا. تعرف ما أقصد، وإذا لم تكن تعرف يمكن بالتأكيد أن تخمن. بعد أن فعلوا ما فعلوا، لا يمكن أن تتوقع أن تواصل لوسي حياتها في هدوء كما كانت من قبل. أنا أبو لوسي. أريد أن يقبض على أولئك الرجال ويمثلوا أمام القانون ويعاقَبوا. هل أنا مخطئ؟ هل أنا مخطئ لأني أريد العدالة؟»

لا يبالي بالطريقة التي تخرج بها الكلمات من فم بطرس الآن، يريد فقط أن يسمعها.

– «لا، لستَ مخطئًا.»

تنتابه نوبة غضب، بقوة تكفي لإثارة دهشته. يلتقط جاروفه ويزيل كميات من الوحل والعشب الضار من قاع السدِّ، ويقذفها على كتفه، وعلى الحائط. يحذر نفسه: تضرب نفسك بسياط الغضب. توقف عن ذلك! إلا أنه يودُّ في هذه اللحظة أن يمسك بخناق بطرس. يودُّ أن يقول لبطرس: لو كانت زوجتك بدل ابنتي، لما كنت تنقر غليونك وتزن كلماتك بهذا التعقل. انتهاك: هذه هي الكلمة التي يودُّ أن يدفع بطرس إلى النطق بها. يودُّ أن يسمع بطرس يقول: أجل، كان انتهاكًا؛ أجل، كان هجومًا وحشيًّا.

ينتهي هو وبطرس في صمت، جنبًا إلى جنب، من المهمة.

هكذا تنقضي أيامه في المزرعة. يساعد بطرس في تنظيف نظام الري. يحافظ على الحديقة من الخراب. يعبئ المنتجات لتسويقها. يساعد بيف شو في العيادة. يكنس الأرضيات، يطبخ الوجبات، يفعل كل ما لم تعدْ لوسي تفعله. ينشغل من الفجر إلى الغروب.

تبرأ عينه بسرعة مدهشة: يستطيع استخدامها مرةً أخرى بعد أسبوع واحد. تستغرق الحروق وقتًا أطول. يُبقي على غطاء الجمجمة والضمادة على الأذن. تبدو الأذن، حين تكون مكشوفة، مثل حيوان رخوي قرمزي عارٍ: لا يعرف متى تُواتيه الجرأة الكافية ليكشفها أمام عيون الآخرين.

يشتري قبعة لتحميه من الشمس، وتخبئ وجهه إلى حد ما. يحاول أن يعتاد على أن يبدو غريبًا، أسوأ من غريب، منفِّر؛ أحد تلك الكائنات المأسوف عليها ممن يحدق فيهم الأطفال ببلاهة في الشوارع. يسألون أمهاتهم: «لماذا يبدو هذا الرجل مضحكًا بهذا الشكل؟» فيتم إسكاتهم.

لا يذهب إلى المحلات في سالم بقدر ما يستطيع، ولا يذهب إلى جرهمزتاون إلا أيام السبت. انعزل فجأة، صار قرويًّا منعزلًا. نهاية جوال. مع أن القلب ما زال عاشقًا والقمر ما زال ساطعًا. من كان يتوقع أن تحين نهايته بهذه السرعة وبهذا الشكل المفاجئ: الجوَّال، العاشق!

ليس لديه سبب ليصدق أن محنهم ترجع إلى دائرة الثرثرة في كيب تاون. إلا أنه يريد أن يتأكد من أن روزالند لا تسمع القصة محرَّفة. يحاول الاتصال بها مرتين، ولا ينجح. في الثالثة يتصل بوكالة السفر التي تعمل فيها. يقال له إن روزالند في مدغشقر، في رحلة استكشافية؛ يحصل على رقم الفاكس في فندق في أنتاناناريفو.١٠١

يؤلف: «تعرَّضنا أنا ولوسي لبعض سوء الحظ. سُرقَت سيارتي، وكان هناك شِجار أيضًا، نلتُ فيه بعض الضربات. لا شيء خطير. نحن الاثنان بخير، رغم الصدمة. فكرتُ أن أخبرك خوفًا من الإشاعات. أتمنى لك وقتًا طيبًا.» يعطي الصفحة للوسي لتقرَّها، ثم إلى بيف شو لترسلها إلى روزالند في أفريقيا الأكثر ظلمة.

لا تتحسن لوسي. تقف طوال الليل، تدَّعي أنها لا تستطيع أن تنام؛ يجدها بعد الظهيرة نائمة على الكنبة، وإبهامها في فمها كطفلة. فقدتْ شهيتها للطعام: هو الشخص الذي عليه أن يغريها بتناوله، يطبخ أطباقًا غير مألوفة لأنها ترفض لمس اللحم.

لا يأتي لهذا؛ الالتصاق في خلفية آخر العالم الآخر، تجنب الشياطين، ورعاية ابنته، والاهتمام بمشروع يحتضر. إذا كان قد أتى لشيء فهو استجماع نفسه، استجماع قواه. هنا يفقد نفسه يومًا بعد يوم.

لا تفارقه الشياطين. يرى كوابيس يتمرغ فيها في سرير من الدماء، أو يئنُّ ويصيح بلا صوت، يعدو من رجل بوجه يشبه الصقر، مثل قناع بينين،١٠٢ مثل تحوت.١٠٣ ذات ليلة، يمشي شبه نائم، شبه معتوه، ينزع ملاءات سريره، حتى يقلب المفرش، ويبحث عن بقع.

يبقى مشروع بيرون. لم يتبقَّ من الكتب التي أتى بها من كيب تاون سوى مجلدين من الرسائل، البقية في صندوق السيارة المسروقة. المكتبة العامة في جرهمزتاون ليس بها إلا مختارات من القصائد. لكن هل هو في حاجة لمواصلة القراءة؟ ما الذي يحتاج إلى معرفته أكثر عن الطريقة التي قضى بها بيرون وصديقته وقتهما في رَفينَّا القديمة؟ ألَا يستطيع، الآن، ابتكار بيرون حقيقي بالنسبة لبيرون، وتريزا أيضًا؟

كان، إذا كان للحقيقة أن تقال، يؤجلها شهورًا: اللحظة التي عليه أن يواجه فيها الصفحة البيضاء، يسجل الملحوظة الأولى، يرى ما هو جدير به. النُّتفُ منطبعة في ذهنه عن العاشقين في الثنائي، تلتف الإيقاعات الصوتية، السوبرانو١٠٤ والصادح،١٠٥ بلا كلمات حول بعضها ووراء بعضها مثل الحيات. تناغم بلا ذروة؛ همس قشور الزواحف على السلالم الرخامية؛ وباريتون١٠٦ الزوج المهان يخفق في الخلفية. هل يجلب هنا الثلاثي المظلم أخيرًا إلى الحياة: ليس في كيب تاون بل في كفراريا١٠٧ القديمة؟

١٤

الخروفان الصغيران مقيدان طوال اليوم بجوار الإسطبل على بقعة جرداء من الأرض. تزعجه مأمأتهما، وهي ثابتة على وتيرة واحدة. يتمشى إلى بطرس الذي يقلب دراجته ويعمل فيها. يقول: «هذا الخروفان، ألَا تعتقد أنك يمكن أن تربطهما حيث يمكن أن يرعيا؟»

يقول بطرس: «إنهما لحفل. أذبحهما يوم السبت لحفل. يجب أن تأتي أنت ولوسي.» يمسح يديه. «أدعوك أنت ولوسي للحفل.»

– «يوم السبت؟»

– «أجل، أقيم حفلًا يوم السبت، حفلًا كبيرًا.»

– «شكرًا. لكن حتى لو كان الخروفان للحفل، أفلَا تعتقد أنهما يمكن أن يرعيا؟»

ما زال الخروفان مقيدين بعد ساعة، ما زالا يمأمئان بكآبة. لا يرى بطرس. يفكُّهما ساخطًا، ويسحبهما جوار السد، حيث يتوفر العشب.

يستغرق الخروفان فترة طويلة في الشرب، ويرعيان بغبطة. إنهما فارسيان بوجهين أسودين، متماثلان في الحجم، في السمات، وحتى في الحركات. توءم، احتمال قوي، كتبت عليهما سكين الجزار منذ الولادة. حسنًا، لا شيء غير عادي في ذلك. متى مات خروف من كبر السن؟ الخراف ليست ملك نفسها، لا تملك حياتها. توجد لتُستغَلَّ، كل أوقية منها يؤكل لحمها، تطحن عظامها وتقدم للدجاج. لا شيء ينجو، ربما إلا المرارة، التي لا يأكلها أحد. ربما فكر ديكارت في ذلك. الروح معلقة في الظلام، العصارة الصفراوية المرة مختفية.

يخبر لوسي: «دعانا بطرس لحفل. لماذا يقيم حفلًا؟»

– «بمناسبة انتقال الأرض، على ما أظنُّ. تنتقل رسميًّا أول الشهر القادم. يوم عظيم بالنسبة له. علينا أن نظهر على الأقل، ونأخذ هدية.»

– «سيذبح الخروفين. لم أعتقد أن الخروفين سيذهبان بعيدًا جدًّا.»

– «بطرس بخيل جدًّا. في الماضي كان يمكن أن يكون ثورًا.»

– «لستُ على يقين من أني أحب الطريقة التي يتصرف بها؛ يحضر بهائم الذبح إلى البيت ليراها من سيأكلونها.»

– «ماذا تفضِّل؟ أن يتم الذبح في مجزر حتى لا تحتاج إلى التفكير فيه؟»

– «أجل.»

– «استيقظ ديفيد. هذا ريف. هذه أفريقيا.»

ثَمة فظاظة في لوسي هذه الأيام لا يرى مبررًا لها. ردُّ فعله المعتاد أن ينسحب في صمت. هناك نوبات يشبه فيها الاثنان غريبين في منزل واحد.

يقول لنفسه: عليه التحلِّي بالصبر، ما زالت لوسي تعيش في ظلال الهجوم، لا بد من مرور وقت قبل أن تعود إلى سابق عهدها. لكن ماذا لو كان مخطئًا؟ ماذا لو لم يعد المرء، بعد هجوم كهذا، إلى سابق عهده مرةً أخرى أبدًا؟ ماذا لو حوَّل المرءَ هجومٌ كهذا إلى شخص مختلف وأكثر ظلمة تمامًا؟

ثَمة تفسير أكثر شؤمًا لتقلُّب مزاج لوسي، تفسير لا يستطيع التخلص منه. يسأل في اليوم نفسه، بشكل غير متوقع: «لوسي، ألَا تخبئين شيئًا عني، هل تخبئين؟ ألم تصابي بشيء من أولئك الرجال؟»

تجلس على الكنبة ببيجامة وروب، تلعب مع القطة. بعد الظهر. القطة صغيرة، نشطة، لا تستقر. تدلي لوسي حزام الروب أمامها. تقفز القطة على الحزام، ضربات برجلها سريعة وخفيفة؛ واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع.

تقول: «رجال؟ أي رجال؟» تضرب الحزام على جانب فتندفع القطة وراءه.

أي رجال؟ يتوقف قلبه. هل جُنَّت؟ هل ترفض أن تتذكر؟

لكنها، على ما يبدو، تضايقه فقط. «ديفيد، لم أعدْ طفلة. عرضتُ نفسي على طبيب، أجريتُ اختبارات، عملتُ كل ما يجب عمله. ليس أمامي الآن إلا أن أنتظر.»

– «أجل. وبكلمة أنتظر تقصدين أنتظر ما أعتقد أنك تقصده؟»

– «نعم.»

– «وكم يستغرق ذلك؟»

تهزُّ كتفيها: «شهرًا، ثلاثة شهور، أكثر. لم تضع العلوم حدًّا للفترة التي على المرء أن ينتظرها. ربما إلى الأبد.»

تنقضُّ القطة بسرعة على الحزام، لكن المباراة انتهت الآن.

يجلس بجوار ابنته؛ تقفز القطة من فوق الكنبة، وتبتعد. يأخذ يدها. إنه الآن بجوارها، تصله رائحة خفيفة كريهة وقذرة. يقول: «على الأقل لن يكون للأبد، عزيزتي. تجنَّبي ذلك على الأقل.»

يقضي الخروفان بقية اليوم قُرب السد حيث قيَّدهما. يعودان في الصباح في البقعة الجدباء جوار الإسطبل.

يُفترض أن يبقيا حتى صباح السبت، يومين. تبدو طريقة تعيسة لقضاء آخر يومين في حياة كائن. طرق ريفية؛ ذلك ما تصف به لوسي شيئًا من هذا النوع. لديه كلمات أخرى: لا مبالاة، تحجُّر القلب. إذا كان للريف أن يصدر حكمًا على المدينة فيمكن أيضًا للمدينة أن تصدر حكمًا على الريف.

يفكِّر في شراء الخروفين من بطرس. لكن ما الفائدة؟ لن يستخدم بطرس الفلوس إلا لشراء حيوانين آخرين للذبح، ويختزن الفرق. وماذا يفعل بالخروفين على أية حال بمجرد أن يبيعهما مرة أخرى للاستعباد؟ هل يتركهما طليقين على الطريق العام؟ يضعهما في أقفاص الكلاب ويطعمهما حشائش؟

يبدو أن ارتباطًا نشأ بينه وبين الخروفين الفارسيين، لا يعرف كيف. ليس ارتباطًا عاطفيًّا، وليس حتى ارتباطًا خاصًّا مع هذين الاثنين اللذين لا يستطيع أن يخلصها من غوغائي في حقل. ومع ذلك يهتم بمصيرهما، فجأةً وبلا سبب.

يقف أمامهما، تحت الشمس، في انتظار إشارة من عقله ليستقرَّ، في انتظار علامة.

تحاول ذبابة أن تزحف داخل أذن أحدهما. تهتزُّ الأذن. تطير الذبابة، تلف، تعود، تستقرُّ. تهتزُّ الأذن مرةً أخرى.

يخطو خطوة إلى الأمام. يبتعد الخروف في قلق إلى حدود قيده.

يتذكر بيف شو وهي تدفع الجدي الزميل العجوز ذا الخصيتين التالفتين، تلاطفه، تريحه، تدخل حياته. كيف تعتبر هذا التواصل مع الحيوانات صائبًا؟ لا يتمتع ببعض الحيلة. على المرء أن يكون شخصية من نوع معين، ربما، بمضاعفات أقل.

تضرب الشمس وجهه بكل إشعاعها الربيعي. يفكر؛ هل عليَّ أن أتغير؟ هل عليَّ أن أصبح مثل بيف شو؟

يتحدث إلى لوسي: «فكرتُ في هذه الحفلة التي يقيمها بطرس. عمومًا، أفضِّل ألَّا أذهب. هل هذا محتمل بدون أن أكون فظًّا؟»

– «هل لهذا علاقة بالخروفين؟»

– «نعم. لا. لم أغيِّر أفكاري، إذا كان هذا ما تقصدين. ما زلتُ لا أومن بأن هذه الحيوانات لها حياة فردية حقًّا، تعيشها وتموت، ليست، بقدر ما أعرف، جديرةً بالألم من أجلها. ومع ذلك …»

– «ومع ذلك؟»

– «مع ذلك، أنا منزعج في هذه الحالة. لا أعرف السبب.»

– «حسنًا، لن يتخلَّى بطرس وضيوفه بالتأكيد عن شرائح الضأن مراعاةً لك ولأحاسيسك.»

– «لا أطلب ذلك. أفضل فقط ألَّا أكون واحدًا ممن يحضرون الحفل، أفضل في هذا الوقت. آسف. لم أتخيل أبدًا أن ينتهي الأمر بي إلى الكلام بهذه الطريقة.»

– «يتصرف الرب بطرق غامضة، ديفيد.»

– «لا تهزئي مني.»

يلوح السبت، يوم السوق. يسأل لوسي: «هل يجب أن ندير الكشك؟» تهزُّ كتفيها. تقول: «أنت من يقرر.» لا يدير الكشك.

لا يتساءل عن قرارها؛ يشعر حقًّا أنه تخلَّصَ من عبء.

تبدأ الاستعدادات لاحتفالات بطرس ظُهر السبت مع وصول فرقة من النساء قوامها نصف دستة، يرتدين ما يبدو له ملابس مبهرجة للذهاب إلى الكنيسة. يشعلون نارًا خلف الإسطبل. تهبُّ بسرعة ريحُ نتانة نفايات تغلي، يستنتج أن الفِعلة نُفِّذت، الفعلة المزدوجة، انتهت تمامًا.

هل يأسى؟ هل من المناسب أن يأسى لموت كائنات لا تعرف الأسى فيما بينها؟ يتفحص قلبه، لا يجد إلا حزنًا مبهمًا.

يفكر: قريبًا جدًّا، نعيش قريبًا جدًّا من بطرس. وكأنهما يشاركان غرباء في منزل، ويشاركانهم في الضوضاء، ويشاركانهم في الروائح.

يطرق على باب لوسي. يسأل: «هل ترغبين في التمشية؟»

– «شكرًا، لا. خذ كاتي.»

يأخذ البولدوج، لكنها بطيئة وعابسة بشكل يُوتِّره، يتركها تعود إلى المزرعة، وينطلق وحيدًا على ملف طوله ثمانية كيلومترات، يمشي بسرعة، يحاول أن يهد نفسه.

في الخامسة يصل الضيوف، بالسيارة، بالتاكسي، على الأقدام. يتفرج من خلف ستارة المطبخ. معظمهم من جيل مضيفهم، ورزانته وصلابته. ثَمة امرأة عجوز تحظى باهتمام خاص: يقطع بطرس، في بدلته الزرقاء وقميصه القرنفلي المبهرج، الطريق كله إلى الممر ليرحب بها.

يحلُّ الظلام قبل ظهور الضيوف الأصغر سنًّا. تأتي مع النسيم همهمة، ضحك وموسيقى، موسيقى يربط بينها وبين جوهانسبرج في شبابه. يفكر مع نفسه: محتملة تمامًا؛ ربما حتى مبهجة تمامًا.

تقول لوسي: «حان الوقت. هل تأتي؟»

على غير المعتاد، ترتدي فستانًا إلى الركبة وتنتعل حذاءً بكعبٍ عالٍ، وعقد بحبات خشبية ملونة، وحلق متوافق معه. يشكُّ في أنه يحب تأثير ذلك.

– «أجل، آتي. أنا مستعد.»

– «ليست لديك بدلة هنا؟»

– «بلى.»

– «إذَن ضعْ ربطة عنق على الأقل.»

– «اعتقدتُ أننا في الريف.»

– «هناك سبب كافٍ للتأنق. إنه يوم عظيم في حياة بطرس.»

تحمل كشَّافًا صغيرًا. يقطعان الطريق إلى منزل بطرس، أب وابنته، ذراعًا في ذراع، تنير الطريق، ويحمل ما يقدمانه.

يتوقفان عند الباب المفتوح، يبتسمان. لا يُرى بطرس في أي مكان، تأتي فتاة صغيرة في ثياب الحفل وتقودهما إلى الداخل.

الإسطبل القديم بلا سقف وبلا أرضية حقيقية، لكنه على الأقل رحب، وعلى الأقل به كهرباء. مصابيح مظللة وصور على الجدران (زهور عباد الشمس لفان جوخ، سيدة ترتشيكوف١٠٨ في الأزرق، جين فوندا في ثياب بربريلا،١٠٩ ودكتور كومالو١١٠ يحرز هدفًا) تخفف الكآبة.

لا يوجد من البيض غيرهما. يتواصل رقص على موسيقى الجاز الأفريقية القديمة التي استمع إليها. تُلقى عليهما نظرات حذرة، أو ربما على قبعته فقط.

تعرف لوسي بعض النساء. تبدأ التقديم. يظهر بطرس بجوارهما. لا يلعب دور المضيف المتلهف، لا يقدم لهما مشروبات، لكنه يتكلم: «لم يعد هناك كلاب. لم أعد راعي الكلاب.» وتختار لوسي أن تعتبرها دعابة؛ وهكذا تسير كل الأمور، على ما يبدو، بشكل طيب.

تقول لوسي: «أحضرنا لك هدية، لكن ربما علينا أن نقدمها لزوجتك. إنها للمنزل.»

من منطقة المطبخ، إذا كان هذا ما يطلقونه عليه، يستدعي بطرس زوجته. أول مرة يراها عن قرب. صغيرة — أصغر من لوسي — وجهها لطيف أكثر مما هو جميل، خجولة، من الواضح أنها حامل. تأخذ يد لوسي لكنها لا تأخذ يده، ولا تلتقي بعينيه.

تتكلم لوسي بضع كلمات بالزوسا وتقدم لها العلبة. حولهما في هذه اللحظة نصف دستة من المتفرجين.

يقول بطرس: «يجب أن تفتحها.»

تقول لوسي: «أجل، يجب أن تفتحيها.»

بحذر، تفتح الزوجة الشابة الهدية مجتهدةً ألَّا تمزق الورقة الجميلة المرسوم عليها آلات المندولين وأغصان الغار. قطعة قماش جذابة إلى حدٍّ ما بتصميم أشنتي.١١١ تهمس بالإنجليزية: «شكرًا.»

تشرح لوسي لبطرس: «ملاءة سرير.»

يقول بطرس: «لوسي خيرها علينا.» ثم إلى لوسي: «خيرك علينا.»

تبدو له كلمة غير مستساغة، بحدَّين، تفسد اللحظة. لكن هل يمكن لوم بطرس؟ اللغة التي يستخدمها بهذه الثقة، إذا كان يعرفها، مُرهَقة، هشة، متآكلة من داخلها كما لو بفعل النمل الأبيض. لم يعد ممكنًا الاعتماد إلا على الكلمات ذات المقطع الواحد، وليس حتى عليها جميعًا.

ما الذي يجب فعله؟ لا يعرف شيئًا، هو من كان ذات يوم مدرِّسًا للاتصالات. لا شيء لا يبدأ تمامًا من جديد مع الأبجدية. مع الوقت تعود الكلمات الكبيرة مبنية بناءً جديدًا، منقَّاة، مناسبة لاكتساب الثقة من جديد، ويكون قد مات منذ زمن بعيد.

يرتجف، وكأن مغفلًا داس على قبره.

يسأل زوجة بطرس: «الطفل، متى تتوقعين أن يأتي الطفل؟»

تنظر إليه بعدم فهم.

يتدخل بطرس: «في أكتوبر، يأتي الوليد في أكتوبر. نتمنى أن يكون ولدًا.»

– «أوه. ما الذي جعلك ضد البنات؟»

يقول بطرس: «نُصلي من أجل ولد. الأفضل دائمًا أن يكون الأول ولدًا؛ ليستطيع أن يُرِي أخواته، يريهن كيف يجب أن يتصرفن. أجل.» يتوقف. «البنت مكلفة جدًّا.» يحكُّ الإبهام والسبابة معًا. «فلوس دائمًا، فلوس، فلوس.»

مضى وقتٌ طويل منذ آخر مرة رأى فيها تلك الإيماءة. استخدمها اليهود في العصور القديمة: فلوس – فلوس – فلوس، مع هزة الرأس ذات المغزى نفسه. لكن يُفترض أن بطرس بريء من أثر التقاليد الأوروبية.

يشير، ليدلي بنصيبه في المحادثة: «قد يكون الأولاد مكلفين جدًّا أيضًا.»

– «يجب أن تشتري لهن هذا، يجب أن تشتري لهن ذلك.» يواصل بطرس، موضِّحًا، ولم يعد يسمع. «الآن، اليوم، الرجل لا يدفع للمرأة. أنا أدفع.» يرفع يدًا على رأس زوجته؛ باحتشامٍ تخفض عينيها. أنا أدفع. لكنها عادة قديمة. ملابس، أشياء جميلة، على حد سواء: أدفع، أدفع، أدفع.» يكرر حكة الإصبعين. «لا، ولدٌ أفضل. باستثناء ابنتك. ابنتك مختلفة. ابنتك جيدة مثل ولد. تقريبًا!» يسخر من انطلاقته. «هاي، لوسي!»

تبتسم لوسي، لكنه يعرف أنها مرتبكة. تُهمهم: «أذهب للرقص.» وتبتعد.

ترقص على الأرض وحدها بطريقة ذاتية يبدو أنها موضة الآن. بسرعة ينضمُّ إليها شابٌّ طويل، مرن الأطراف، متأنق. يرقص أمامها، يجعل ابتساماتها تبرق، يُراودها عن نفسها.

تبدأ النسوة في الدخول من الخارج، يحملن صواني اللحم المشوي. الهواء مفعم بروائح شهية. يتدفق للداخل فريق جديد من الضيوف، شباب، صاخب، حيوي، ليس من الطراز القديم إطلاقًا. يدخل الحفل منعطفه.

يصل طبق من الطعام إلى يديه. يمرره لبطرس. يقول بطرس: «لا، إنه لك، وإلا فإننا سنُمرر الأطباق طوال الليل.»

يقضي بطرس وزوجته وقتًا طويلًا معه، ليشعر أنه في بيته. يفكر: أناس عطوفون. أناس قرويون.

يلقي نظرة على لوسي. يرقص الشاب على بعد بضع بوصات فقط منها الآن، يرفع ساقيه إلى أعلى، ويدفعهما إلى أسفل، يدفع ذراعيه مستمتعًا.

يحتوي الطبق الذي معه على قطعتين من الضأن، وبطاطس محمرة، ومغرفة من أرز يسبح في الشُّربة، وشريحة من القرع. يجد مقعدًا يجلس عليه، يشاركه فيه رجل عجوز نحيف، عيناه ملتهبتان. يقول لنفسه: سآكل هذا، سآكله وأطلب المغفرة بعد ذلك.

لوسي بجانبه، تنهج، وجهها متوتر. تقول: «هل يمكن أن ننصرف؟ إنهم هنا.»

– «من هنا؟»

– «رأيتُ أحدهم يخرج في الخلف. ديفيد، لا أريد إثارة ضجة، لكن هل يمكن أن ننصرف فورًا؟»

– «أمسكي هذا.» يعطيها الطبق، ويخرج إلى الباب الخلفي.

في الخارج عدد من الضيوف يساوي تقريبًا عدد من بالداخل، يحتشدون حول النار، يتحدثون ويشربون ويضحكون. من على الجانب البعيد للنار يحدِّق شخص فيه. تتضح الأمور فورًا. يعرف ذلك الوجه، يعرفه بدقة. يشقُّ طريقه بين الأجسام. يفكِّر: سأثير ضجة. يأسف، على هذا دائمًا. لكن بعض الأشياء لا تنتظر.

يتسمَّر أمام الولد، ثالثهم، الغلام ذو الوجه الغبي. يقول بتجهم: «أعرفك.»

لا يبدو الولد مرتبكًا. على العكس، يبدو الولد وكأنه في انتظار هذه اللحظة، محتشدًا لها. يخرج الصوت من حنجرته مفعمًا بالغيظ. يقول: «من أنت؟» وتعني الكلمات شيئًا آخر: بأي حق أنت هنا؟ يشعُّ جسمه كله بالعنف.

ثم بطرس معهما، يتحدث سريعًا بالزوسا.

يضع يدًا على كم بطرس. يتوقف بطرس، محملقًا فيه بنفاد صبر. يوجه السؤال إلى بطرس: «هل تعرف هذا؟»

يقول بطرس بغضب: «لا، لا أعرفه. لا أعرف ما المشكلة. ما المشكلة؟»

«كان — هذا السفاح — هنا من قبل، مع صاحبَيه. إنه واحد منهم. لكن دعه يخبرك عن سبب هذا. دعه يخبرك لماذا يطلبه البوليس.»

يصيح الولد: «ليس صحيحًا!» يتحدث مرةً أخرى إلى بطرس، وابل من الكلمات الغاضبة. تواصل الموسيقى الانتشار في هواء الليل، لكن لم يعد أحدٌ يرقص: يحتشد ضيوف بطرس حولهم، يتدافعون، يتصادمون، يقتحمون. الجو ليس طيبًا.

يتحدث بطرس: «يقول إنه لا يعرف عمَّ تتحدث.»

– «يكذب. إنه يعرف جيدًا. سوف تؤكد لوسي.»

لكن لوسي بالطبع لن تؤكد. كيف يمكن أن يقبل أن تخرج لوسي أمام هؤلاء الغرباء، وتواجه الولد، وتشير بإصبعها، وتقول: نعم، إنه أحدهم. إنه واحد ممن عملوا العَملة!

يقول: «سأتصل بالبوليس.»

همهمةٌ مستنكرة بين المشاهدين.

يُكرِّر لبطرس: «سأتصل بالبوليس.» يتحجر وجه بطرس.

في سحابة صمت يعود إلى الداخل، حيث تقف لوسي في انتظاره. يقول: «لنذهبْ.»

يفسح الضيوف الطريق لهما. تخلو نظرتهم من الودِّ. نسيتْ لوسي الكشاف: يتوهان في الظلام؛ تخلع لوسي حذاءها؛ يمشيان في أرض البطاطس قبل أن يصلا إلى منزل المزرعة.

يمسك التليفون في يده فتوقفه لوسي: «ديفيد، لا، لا تفعل هذا. ليست غلطة بطرس. إذا استدعيت البوليس أفسدتَ عليه الأمسية. تعقَّلْ.»

يندهش، يندهش حتى ينقلب على ابنته: «بالله، لماذا ليست غلطة بطرس؟ بطريقة أو أخرى، هو الذي أتى بهؤلاء الرجال في البداية. والآن لديه من الوقاحة بحيث يدعوهم للعودة. لماذا أتعقل؟ حقًّا، لوسي، من البداية إلى النهاية أفشل في الفهم. أفشل في فهم السبب الذي لم يجعلك توجهين لهم الاتهامات الحقيقية، والآن أفشل في فهم السبب الذي يجعلك تحمين بطرس. بطرس ليس طرفًا بريئًا، بطرس معهم

– «لا تصحْ فيَّ، ديفيد. هذه حياتي. أنا التي عليها أن تعيش هنا. ما حدث لي يخصني، يخصني وحدي، لا يخصك، وإذا كان لي حق واحد فهو الحق في ألَّا أرفع قضية من هذا النوع، لأحصل على العدالة لنفسي؛ أو لك، أو لأي شخص آخر. وبطرس ليس عاملًا أجيرًا يمكن أن أطرده لاختلاطه ببعض الأشرار. ذهب هذا كله، ذهب مع الريح. إذا أردتَ معاداة بطرس، فتأكدْ من الحقيقة أولًا. لا يمكن أن تستدعي البوليس. لا أريده. انتظر حتى الصباح. انتظر حتى تسمع القصة من وجهة نظر بطرس.»

– «لكن الولد سيختفي!»

– «لن يختفي. بطرس يعرفه. على أية حال، لا أحد يختفي في كيب الشرقية. ليس مكانًا من هذا النوع.»

«لوسي، لوسي، أتوسل إليك! تريدين التعويض عن أخطاء الماضي، لكن ليس بهذه الطريقة. لن ترفعي رأسك مرةً أخرى إذا فشلتِ في الدفاع عن نفسك في هذه اللحظة. ربما تحزمين حقائبك وترحلين أيضًا. وإذا كنت رقيقة لدرجة ألَّا تستدعي البوليس الآن، فكان يجب ألَّا نُورطه في البداية. كان علينا فقط الاحتفاظ بهدوئنا وانتظار الهجوم التالي، أو قطع رقبتينا.»

– «توقفْ عن هذا، ديفيد! لا أحتاج إلى الدفاع عن نفسي أمامك. أنت لا تعرف ما حدث.»

– «لا أعرف؟»

– «أجل، لا تعرف. توقف وفكر في ذلك. وبالنسبة للبوليس، دعني أذكرك لماذا استدعيناه في البداية: من أجل التأمين. ملأنا تقريرًا لأننا لو لم نفعل ذلك لضاع علينا التأمين.»

– «لوسي، تُحيرينني. ليس صحيحًا ببساطة، تعرفين ذلك. وبالنسبة لبطرس، أكرر: إذا تراجعتِ عند هذه النقطة، إذا فشلتِ، فلن تستطيعي التعايش مع نفسك. عليك واجب لنفسك، للمستقبل، لاحترامك لنفسك. دعيني أستدعِ البوليس، أو استدعيه أنتِ بنفسك.»

– «لا.»

لا: تلك آخر كلمة تنطق بها لوسي له. تنسحب إلى غرفتها، تغلق الباب عليه، تغلق عليه وهو في الخارج. ينفصلان خطوةً خطوة، بعناد وكأنهما رجل وزوجته، ولا حيلة له في ذلك. صارت مشاجراتهما الحقيقية مثل مشاحنات زوجين، محبوسين معًا وليس هناك مكان آخر يذهبان إليه. كم كان عليها أن تأسف على اليوم الذي أتى فيه ليعيش معها! لا بدَّ أنها تتمنى أن يذهب، وكلما عجَّل كان أفضل.

إلا أن عليها هي الأخرى أن تذهب، على المدى البعيد. كامرأة وحيدة في مزرعة لا مستقبل لها، هذا واضح. حتى أيام إتنجر، ببنادقه والأسلاك الشائكة وأنظمة الإنذار، معدودة. لو كان للوسي عقل لرحلت قبل أن ينزل بها مصير أسوأ من الموت. لكنها بالطبع لا ترحل. إنها عنيدة، ومنغمسة، أيضًا، في الحياة التي اختارتها.

ينسلُّ خارج المنزل. يتسحب بحذر في الظلام، يقترب من الإسطبل من الخلف.

انطفأت النار الكبيرة، توقفت الموسيقى. عند الباب الخلفي حشد من الناس، باب واسع يكفي لدخول جرار. يحدق فوق رءوسهم.

في مركز الأرضية يقف أحد الضيوف، رجل في منتصف العمر، حليق الرأس ضخم العنق؛ في بدلة سوداء، وحول عنقه سلسلة ذهبية تتدلى منها ميدالية في حجم القبضة، من النوع الذي استخدمه شيوخ القبائل رمزًا للمكانة. رموز ضُربت في مسابك كوفنتري١١٢ أو برمنجهام؛ مختومة من ناحية برأس فيكتوريا١١٣ المتجهمة، ملكة وإمبراطورة،١١٤ وعلى الجانب الآخر ظباء أو أبو قردان. ميداليات، شيوخ قبائل، للاستخدام. تبحر في كل مكان من الإمبراطورية القديمة: إلى نجبور،١١٥ وفيجي،١١٦ وساحل الذهب،١١٧ وكفراريا.

يتحدث الرجل، يخطب في فترات دائرية تعلو وتهبط. لا يعرف عمَّ يتكلم الرجل، لكن هناك من وقت لآخر وقفة وهمهمة موافقة من جمهوره، ويسود بينهم، صغارًا وكبارًا، حالة مما يبدو أنه رضًا تام.

يتلفت حوله. الولد واقف بالقرب منه، داخل الباب تمامًا. تطير عينا الولد إليه بعصبية. وتتحول العيون الأخرى أيضًا باتجاهه: باتجاه الغريب، الشخص الغريب. يتجهم صاحب الميدالية، يتلعثم لحظة، ثم يرفع صوته.

بالنسبة له، لا يبالي بالاهتمام. يفكر: ليعرفوا أني ما زلتُ هنا، ليعرفوا أني لستُ متواريًا في البيت الكبير. وإذا كان ذلك يفسد جمعهم، فليفسده. يرفع يدًا إلى قبعته البيضاء. للمرة الأولى يشعر بالسعادة لأنها توجد؛ لأنه يضعها على رأسه.

١٥

تتجنبه لوسي طوال الصباح التالي. لا يتمُّ اللقاء الذي وعدت به مع بطرس. بعد الظهيرة يطرق بطرس نفسه على الباب الخلفي، عملي كالعادة، يرتدي أفرولًا وينتعل بُوتًا. يقول: إنه وقت توصيل المواسير. يريد توصيل مواسير بي في سي١١٨ من سد التخزين إلى منزله الجديد، مسافة مائتَي متر. هل يمكن أن يستعير أدوات؟ وهل يمكن أن يساعده ديفيد في تثبيت المنظِّم؟

«لا أعرف شيئًا عن المنظِّمات. لا أعرف شيئًا عن السباكة.» إنه في حالة مزاجية لا تسمح له بمساعدة بطرس.

يقول بطرس: «ليست سباكة. عملية توصيل مواسير. مجرد عملية لتوصيل مواسير.»

يتحدث بطرس في الطريق إلى السد عن مختلف أنواع المنظِّمات، عن صمامات الضغط، عن التوصيلات؛ ينطق الكلمات بزهوٍ، متباهيًا ببراعته. يقول: يجب أن تمر الماسورة الجديدة بأرض لوسي؛ من الرائع أنها سمحتْ بذلك. «تنظر إلى الأمام. سيدة تنظر إلى الأمام، لا تنظر إلى الخلف.»

لا يذكر بطرس شيئًا عن الحفل أو عن الولد ذي العينين البرَّاقتين. كأن شيئًا لم يكن.

يتضح بسرعةٍ دوره عند السد. لا يحتاج إليه بطرس ليقدم له النصيحة في توصيل المواسير أو السباكة لكن ليمسك أشياء، ليناوله أدوات؛ ليكون مناولًا، في الحقيقة. ليس دورًا يعترض عليه المرء. بطرس عامل بارع، يتعلم المرء حين يشاهده. بدأ بطرس نفسه يكرهه. يشعر بمزيد من التحفظ تجاه بطرس وهو يتحدث عن خططه. لا يتمنى أن يُعزَل مع بطرس على جزيرة صحراوية. ومن المؤكد أنه لا يتمنى أن يقيم معه علاقة حميمة. شخصية مسيطرة. تبدو الزوجة الشابة سعيدة، لكنه يتساءل عن القصص التي يمكن أن تحكيها الزوجة العجوز.

أخيرًا، وقد تحمَّل ما يكفي، يقطع المسار، ويقول: «بطرس، هذا الشاب الذي كان في منزلك ليلة أمس، ما اسمه؟ وأين هو الآن؟»

يخلع بطرس قبعته، ويمسح جبهته. يضع اليوم قبعة عليها شارة فضية لطيران جنوب أفريقيا والمواني. يبدو أن لديه مجموعة من أغطية الرأس.

يقول بطرس بتجهم: «ترى، ديفيد، ما تقوله صعب، هذا الولد لصٌّ. إنه غاضبٌ حقًّا لأنك تسميه لصًّا. هذا ما يقوله للجميع. وأنا، أنا من عليه أن يحفظ السلام؛ لذا الأمر صعب بالنسبة لي أيضًا.»

– «لا أنوي توريطك في القضية، بطرس. أخبرْني باسم الولد ومكانه وسأنقل المعلومات إلى البوليس. نترك الأمر للبوليس ليحقق ويقدمه هو وصديقيه للعدالة. لن تتورط، لن أتورط، ستكون مسألة أمام القانون.»

يتمطى بطرس، معرِّضًا وجهه لبريق الشمس: «لكن التأمين سيعطيك سيارةً جديدة.»

هل هو سؤال؟ تصريح؟ أية لعبة يلعبها بطرس؟ يشرح محاولًا التحلِّي بالصبر: «لن يعطيني التأمين سيارة جديدة. بافتراض عدم الإفلاس الآن نتيجة سرقات السيارات في هذه البلاد، سيقدم لي التأمين نسبة مئوية من ثمنها واضعًا في الاعتبار ثمن سيارة قديمة، ولن تكفي لشراء سيارة جديدة. إنها، على أية حال، مسألة مبدأ. لا يمكن أن نترك لشركات التأمين تحقيق العدالة. ليست وظيفتها.»

– «لكنك لن تستعيد سيارتك من هذا الولد. لا يستطيع أن يعطيك سيارتك. لا يعرف مكان سيارتك. سيارتك ذهبَت. الأفضل أن تشتري سيارة بالتأمين، ويكون لديك سيارة مرة أخرى.»

كيف وصل إلى هذه النهاية المسدودة؟ يحاول في مسار آخر. «بطرس، لأسألْكَ، هل هذا الولد قريبك؟»

يواصل بطرس متجاهلًا السؤال: «ولماذا تريد أن تأخذ هذا الولد للبوليس؟ إنه صغير جدًّا، لا تستطيع أن تسجنه.»

– «يمكن أن يُحاكَم إذا كان في الثامنة عشرة. يمكن أن يُحاكَم إذا كان في السادسة عشرة.»

– «لا، لا، ليس في الثامنة عشرة.»

– «كيف تعرف؟ يبدو لي في الثامنة عشرة، يبدو أنه تجاوز الثامنة عشرة.»

– «أعرف، أعرف! مجرد صبي، لا يمكن أن يُسجَن، ذلك هو القانون، لا يمكن أن تسجن صبيًّا، لا بد أن تدعه يذهب!»

بالنسبة لبطرس يبدو أن ذلك يحسم المناقشة. يستقرُّ بتثاقل على إحدى ركبتيه، ويبدأ العمل في تثبيت الماسورة الخارجية.

– «بطرس، تريد ابنتي أن تكون جارة طيبة، مواطنة طيبة وجارة طيبة. تحبُّ كيب الشرقية. تريد أن تعيش حياتها هنا، تريد العيش في وئام مع الجميع. لكن كيف تفعل ذلك حين تكون مُعرَّضة للهجوم في أية لحظة على أيدي سفاحين يهربون بعد ذلك بلا عقاب؟ من المؤكد أنك تفهمني!»

يكافح بطرس لتثبيت الماسورة بشكل مناسب. تظهر على جلد يديه شقوقٌ عميقة خشنة؛ لا يتكلم وهو يعمل؛ لا يوجد حتى دليل على أنه يسمع.

يعلن فجأةً: «لوسي آمنة هنا. كل شيء على ما يرام. يمكن أن تتركها، إنها آمنة.»

– «لكنها ليست آمنة، بطرس! من الواضح أنها ليست آمنة! تعرف ما حدث هنا في الحادي والعشرين.»

– «نعم، أعرف ما حدث، لكن الأمور الآن على ما يرام.»

– «من يقول إنها على ما يرام؟»

– «أنا أقول.»

– «أنت تقول؟ هل تحميها؟»

– «أحميها.»

– «لم تحمِها آخر مرة.»

يلطخ بطرس الماسورة بمزيد من الشحم.

– «تقول إنك تعرف ما حدث، لكنك لم تحمها آخر مرة»، يكرِّر. «ذهبتَ بعيدًا، وظهر أولئك السفاحون الثلاثة، والآن يبدو أنك صديق لأحدهم. ماذا يفترض أن أستنتج؟»

هذا هو أقرب شيء إلى اتهام بطرس. لكن لماذا لا؟

يقول بطرس: «الولد ليس مذنبًا، ليس مجرمًا، ليس لصًّا.»

ما أتحدث عنه ليس مجرد سرقة. هناك جريمة أخرى أيضًا، جريمة أفظع بكثير. تقول إنك تعرف ما حدث. لا بد أنك تعرف ما أرمي إليه.

– «ليس مذنبًا. إنه صغير جدًّا. مجرد غلطة كبيرة.»

– «تعرف؟»

– «أعرف.» الماسورة في موضعها. يطوي بطرس الدعامة ويحكم ربطها، ينتصب، يفرد ظهره. «أعرف. أقول لك أعرف.»

– «تعرف. تعرف المستقبل. ماذا يمكن أن أقول عن ذلك؟ تكلمتَ. هل تريدني معك هنا بعد ذلك؟»

– «لا، الأمر سهلٌ الآن، الآن يجب أن أضع الماسورة في الحفرة.»

برغم ثقة بطرس في صناعة التأمين، لا تتحرك دعواه. يشعر، بدون سيارة، أنه سجين في المزرعة.

يُفضي، بعد ظهيرة يوم في العيادة، بهمومه لبيف شو، يقول: «أنا ولوسي لسنا على وئام. لا شيء لافت في ذلك، على ما أفترض. لم يُخلَق الآباء والأبناء للعيش معًا. لو كانت الظروف طبيعية لرحلتُ الآن، عائدًا إلى كيب تاون. لكن لا أستطيع ترك لوسي وحدها في المزرعة. ليست آمنة. أحاول أن أحثَّها على إسناد العملية لبطرس والراحة لبعض الوقت. لكنها لا تستمع إليَّ.»

– «عليك التخلِّي عن أبنائك، ديفيد. لا يمكنك رعاية لوسي إلى الأبد.»

– «تخلَّيتُ عن لوسي منذ وقت بعيد. كنتُ أقل الآباء رعاية لها. لكن الموقف الحالي مختلف. لوسي موضوعيًّا في خطر. وقد تبين لنا ذلك.»

– «سيكون كل شيء على ما يرام. سيأخذها بطرس تحت جناحه.»

– «بطرس؟ أي اهتمام لبطرس بأخذها تحت جناحه؟»

– «تُقلِّل من شأن بطرس. عملَ بطرس على استمرار تسويق منتجات الحديقة من أجل لوسي. بدون بطرس ما كانت لوسي حيث هي الآن. لا أقول إنها تدين له بكل شيء، لكنها تدين له بالكثير.»

– «قد يكون الأمر كذلك. السؤال: بمَ يدين بطرس لها؟»

– «بطرس رجل كبير طيب، يمكنك الاعتماد عليه.»

– «أعتمد على بطرس؟ لأن بطرس له لحية ويدخن غليونًا ويحمل عصًا، تعتقدين أن بطرس كافر١١٩ من طراز قديم، رجل كبير طيب إلى حد ما. بطرس، في رأيي، يزعج لوسي ليدفعها إلى ترك المكان. إذا كنتِ تريدين إثباتًا، يكفي أن تنظري لما حدث لي أنا ولوسي. ربما لم يكن من بنات أفكار بطرس، لكن من المؤكد أنه أغمض عينه عنه، من المؤكد أنه لم يحذِّرنا، ومن المؤكد أنه حرص على ألَّا يكون قريبًا.»

يثير حماسه دهشة بيف شو، تهمس: «لوسي المسكينة، عانت كثيرًا!»

– «أعرف ما عانت لوسي. كنتُ هناك.»

تحدِّقُ فيه بعينين واسعتين: «لكنك لم تكن هناك، ديفيد. أخبرتْني. لم تكنْ.»

لم تكن هناك. لا تعرف ما حدث. يحتار. لم يكن أين، طبقًا لكلام بيف شو، وطبقًا لكلام لوسي! في الغرفة التي مارَس المقتحمون فيها انتهاكاتهم؟ هل تعتقدان أنه يجهل معنى الاغتصاب؟ هل تعتقدان أنه لم يعانِ مع ابنته؟ ماذا كان من الممكن أن يشاهد أكثر مما يتخيل؟ أم تعتقدان أنه، حيث إن الأمر يتعلق بالاغتصاب، لا يمكن أن يحل رجلٌ مكان المرأة؟ بصرف النظر عن الإجابة، يغضب؛ يغضب لأنه يُعامَل وكأنه شخص غريب.

يشتري تليفزيونًا صغيرًا بدل المسروق. في الأمسيات، بعد العشاء، يجلس هو ولوسي متجاورين على الكنبة يشاهدان الأخبار، إذا استطاعا احتمالها، ثم برامج المنوعات.

صحيح، مضى على الاعتداء، في رأيه وفي رأي لوسي، وقت طويل جدًّا. ترهقه حياة التنقل، يرهقه الاستماع طوال الوقت إلى سحق الحصى على الطريق. يريد أن يتمكن من الجلوس على طاولته مرةً أخرى، وينام في سريره. لكن كيب تاون بعيدة جدًّا، تكاد تكون دولة أخرى. برغم مشورة بيف، برغم تأكيدات بطرس، برغم عناد لوسي، ليس مستعدًّا لهجر ابنته. يعيش هنا، حاليًّا: في هذا الوقت، في هذا المكان.

استعادت عينه القدرة على الرؤية تمامًا. تلتئم جمجمته؛ لم يعدْ في حاجة إلى وضع ضمادة بالمرهم. لا تزال الأذن فقط في حاجة إلى اهتمام يومي. لم يَشفِ الزمن كل شيء. يُفترض أن لوسي شفيت أيضًا، وإذا لم تكن شفيت فقد نسيت، نسيج الندبة النامية حول ذكرى ذلك اليوم، تغلِّفه، تغلق عليه. يمكن أن تقول ذات يوم: «يوم سُرقنا.» وتفكِّر فيه باعتباره مجرد يوم سُرقا فيه.

يحاول قضاء ساعات النهار في الخارج، تاركًا لوسي تتنفس بحرية داخل المنزل. يعمل في الحديقة؛ حين يُرهَق يجلس جوار السد، يشاهد تقلبات عائلة البط، ويفكِّر في مشروع بيرون.

لا يتحرك المشروع. لا يمسك إلا بشظايا. ما زالت الكلمات الأولى من الفصل الأول تُعانده؛ تراوغه الملاحظات الأولى كخيوط الدخان. يخشى أحيانًا أن تكون شخصيات القصة، وكانت بمثابة رفاقه الأشباح لما يربو على العام، قد بدأت تتلاشى. حتى أكثرها إغراءً، مرجريتا كوني،١٢٠ التي يهاجم صوتها العاطفي بقوة زوج صاحبة بيرون تريزا جويتشيولي الذي يتألم لسماعه، تغيب عن ذاكرته. يملؤه ضياع الشخصيات يأسًا، يأسًا شاحبًا وربما تافهًا، في الإطار الأكبر، كالصداع.

يذهب إلى عيادة العناية بالحيوانات بقدر ما يستطيع، وينشغل بمهامَّ لا تتطلب مهارة: تقديم الطعام والتنظيف والمسح.

معظم الحيوانات التي يتولى رعايتها في العيادة كلاب، وقطط بمعدل أقل بكثير: بالنسبة للماشية، يظهر أن قرية دي لديها معرفتها البيطرية وأدويتها ومعالجوها. تعاني الكلاب التي تأتي من حمى، من كسور في الأطراف، من عضات ملتهبة، من جرب، من إهمال، حميد أو خبيث، من تقدم العمر، من سوء التغذية، من طُفيليات معوية، لكن معظمها يعاني من الخصوبة. توجد ببساطة أعدادٌ كبيرة جدًّا منها. حين يأتي الناس بكلب لا يقولون صراحةً «أتيتُ بهذا الكلب لتقتله»، لكن هذا هو المتوقَّع: يتخلصون منه، يُخفونه، يلقونه إلى غياهب النسيان. ما يطلب، في الحقيقة، هو إخماد الألمانية دائمًا للتعامل مع تجريد خاوٍ بصورة مناسبة:١٢١ التسامي، كما يتسامى الكحول من الماء، بدون أن يخلف بقايا، بدون أن يبقى له طعم.
وهكذا يقفل باب العيادة بعد ظهيرة الأحد ويغلق بالمفتاح، ويساعد بيف شو لتخمد١٢٢ الكلاب غير الضرورية التي أتت على مدار الأسبوع. يُخرجها من القفص في الخلف ويقودها أو يحملها إلى المسرح. تقدم بيف شو لكلٍّ منها، في لحظاته الأخيرة، أقصى اهتمام، تداعبه، تتحدث إليه، تُهوِّن عليه الأمر. وإذا فشل الكلب، وهو ما يحدث غالبًا، في أن يُفتَن، فذلك يعود إلى وجوده: تفوح منه رائحة خطأ (يمكن أن تشم أفكارك)، رائحة الخجل. إلا أنه من يمسك بالحيوان ساكنًا والإبرة تعثر على الوريد والعقار يشلُّ القلب والأطراف ويعتم العينين.

اعتقد أنه اعتاد على ذلك، وهو ما لم يحدث. كلما زادت مرَّات القتل التي يساعد فيها زاد شعوره بالعصبية. في إحدى أمسيات الأحد، وهو في طريقه إلى البيت في كومبي لوسي، يتوقف على جانب الطريق ليستجمع قواه. تتدفق الدموع على وجهه بشكل لا يستطيع إيقافه؛ ترتعش يداه.

لا يفهم ما يحدث له. لم يكن حتى الآن يبالي بالحيوانات إلى حدٍّ ما. مع أنه بصورة مجردة ينفر من الوحشية، إلا أنه لا يستطيع أن يحدِّد إن كان بطبيعته وحشيًّا أم عطوفًا. هو لا شيء ببساطة. يفترض أن من تُطلب منهم الوحشية في سياق المهام التي يؤدونها، من يعملون في المجازر، مثلًا، يضعون أغطية خارجية على أرواحهم. العادة تقسِّي: لا بد أنها كذلك في معظم الحالات، لكن لا يبدو أنها كذلك في حالته. لا يبدو أن لديه موهبة القسوة.

يسيطر ما يحدث في المسرح على كل كينونته. يقتنع بأن الكلاب تعرف أن وقتها حان. برغم الصمت وخلو العملية من الألم، برغم الأفكار الطيبة التي تعتنقها بيف شو ويحاول اعتناقها، برغم الحقائب المحكمة التي يربطانها على الجثث الجديدة، تشمُّ الكلاب في الفِناء ما يحدث في الداخل. تفلطح آذانها، وتدلي ذيولها، وكأنها تشعر أيضًا بعار الموت؛ أرجلها مربوطة، سواء سحبها أو دفعها أو حملها على العتبة. يتحرك بعضها على الطاولة بوحشية يسارًا ويمينًا، وبعضها بكآبة؛ ولا أحد منها ينظر مباشرة، في يد بيف، إلى الإبرة التي يعرفون بطريقةٍ ما أنها تؤذيهم بشكل فظيع.

الأسوأ هي تلك التي تشمُّه وتحاول لحس يده. لم يحب أبدًا أن يُلحَس، والانسحاب أول ما يخطر له. لماذا يتظاهر المرء بأنه صديق حميم حين يكون في الحقيقة قاتلًا؟ لكنه يرقُّ. لماذا يجعله مخلوق، وظل الموت فوقه، يشعر بأنه يجفل وكأن لمسته بغيضة؟ لذا يتركها تلحسه، إذا أرادت، بالضبط كما تداعبها بيف شو وتقبِّلها إذا سمحتْ لها.

يأمل ألَّا يكون عاطفيًّا. يحاول ألَّا يتصرف بعاطفة مع حيوانات يقتلها، أو يتصرف بعاطفة مع بيف شو. يتجنب أن يقول لها: «لا أعرف كيف تفعلين ذلك!» حتى لا يسمعها تردُّ: «على شخصٍ ما أن يفعل ذلك.» لا يستبعد احتمال أن تكون بيف شو في أعمق المستويات شيطانًا لا ملاكًا محرِّرًا، وقد يختبئ تحت استعراضها العاطفي قلبٌ متحجِّر كقلب الجزار. يحاول أن يبقي عقله متفتحًا.

لأن بيف شو هي التي تغرس الإبرة، فهو الذي يحمل عبء التخلص من البقايا. في الصباح التالي لكل جلسة قتل، يقود الكومبي محمَّلةً إلى أراضي مستشفى المستوطنين، إلى المحرقة، حيث يسلم الجثث في حقائبها السوداء للهب.

قد يكون الأبسط حمل الحقائب إلى المحرقة بعد الجلسة مباشرة وتركها هناك ليتخلص منها المسئولون عن المحرقة. لكن ذلك قد يعني تركها في مقلب النفايات مع بقية نفايات نهاية الأسبوع: مع قمامة عنابر المستشفى، والجيف الملقاة على جانب الطريق، والمهملات النتنة من المدبغة؛ خليط عشوائي وفظيع. ليس مستعدًّا لتعريضها لهذه الإهانة.

هكذا يأتي في أمسيات الأحد بالحقائب إلى المزرعة على ظهر كومبي لوسي، ويركنها طوال الليل، وينطلق بها صباح الاثنين إلى أراضي المستشفى. هناك يحملها بنفسه، واحدًا في كل مرة، على الترولي الذي يغذي المحرقة، ويشغل الآلية التي تسحب الترولي عبر البوابة الصُّلب إلى اللهب، ويجذب الرافعة ليفرغها من مكوناتها، ويعيدها، بينما يقف العمال، الذين يؤدون هذه الوظيفة عادة، عن قرب ويتفرجون.

في أول اثنين له تركها لهم ليقوموا بعملية الحرق. تصلَّبت الجثث نتيجة التيبس في الليل. تشابكت الأرجل الميتة في أعمدة الترولي، وحين عاد الترولي من رحلته إلى الفرن، عاد الكلب أيضًا وكأنه لم يحمل على ظهره، مسودًّا ومكشِّرًا، تفوح منه رائحة الجلد المحروق، وقد احترق غطاؤه البلاستيك. بدأ العمال بعد برهة يضربون الحقائب بظهور المجارف قبل أن يحمِّلوها ليكسروا الأطراف المتيبسة. ومن حينها تدخَّل وأخذ المهمة على عاتقه.

تدار المحرقة بالفحم، مع مروحة كهربية لشفط الهواء عبر المداخن؛ يخمن أنها تعود إلى الخمسينيات، حين شُيِّدت المستشفى نفسها. تعمل ستة أيام أسبوعيًّا، من الاثنين إلى السبت. تستريح في اليوم السابع. حين يصل الطاقم للعمل ينظفون في البداية رماد اليوم السابق، ثم يوقدون النار. في التاسعة صباحًا يتم توليد حرارة تصل إلى ألف درجة مئوية في الغرفة الداخلية، وهي درجة كافية لتكليس العظام. تبقى النيران متوهجة إلى الضحى؛ وتستغرق بعد الظهيرة كلها لتبرد.

لا يعرف أسماء أفراد الطاقم ولا يعرفون اسمه. إنه بالنسبة لهم ببساطة الرجل الذي بدأ يصل الاثنين بحقائب من رعاية الحيوانات، وصار منذ ذلك الوقت يبكِّر أكثر في المجيء. يأتي، ويقوم بعمله، ويذهب؛ لا يشكل جزءًا من مجتمع يتمحور حول المحرقة، برغم وجود سياج من السلك وبوابة مغلقة ويافطة بثلاث لغات.

لأن السياج اختُرق منذ زمن طويل، يتم تجاهل البوابة واليافطة ببساطة. بمرور الوقت يصل التمرجية في الصباح بحقائب نفايات المستشفى، ويكون هناك عدد من النساء والأطفال في انتظار أن يلتقطوا سرنجاتٍ ودبابيسَ، وضمادات يمكن غسلها، وكل ما له سوق، وخاصةً الأقراص، التي يبيعونها لمحلات الأدوية١٢٣ أو باعة الشوارع. هناك متشردون أيضًا، يتسكعون في أراضي المستشفى بالنهار وينامون في الليل بجوار جدار المحرقة، وربما حتى في النفق، طلبًا للدفء.

ليست جمعية خيرية يحاول الانضمام إليها. لكنهم يكونون هناك حين يكون هناك؛ وإذا كان ما يأتي به لمقلب النفايات لا يشدُّ انتباههم، فذلك يرجع إلى أن أجزاء الكلب لا تُباع ولا تؤكل.

لماذا حمل على عاتقه هذه المهمة؟ ليخفف العبء عن بيف شو؟ يكفي أن ينزل الحقائب في مقلب النفايات ويبتعد بالسيارة. من أجل الكلاب؟ لكن الكلاب ميتة؛ وماذا تعرف الكلاب عن الشرف أو المهانة على أية حال؟

من أجل نفسه، إذَن. من أجل فكرته عن العالم، عالم لا يستخدم فيه الرجال المجارف لضرب الجثث لتتحول إلى شكل أكثر مواءمة للعملية.

تُجلَب الكلاب إلى العيادة لأنها غير مرغوبة؛ لأننا كثير جدًّا.١٢٤ من هنا يدخل حياتها. ربما لا يكون مخلِّصها، من ليسوا كثيرًا جدًّا بالنسبة له، لكنه مستعدٌّ لرعايتها بمجرد أن تعجز، تعجز بمعنى الكلمة، عن رعاية أنفسها، بمجرد أن تغسل بيف شو يدها منها. راعي الكلاب، وصف بطرس نفسه ذات مرة. حسنًا، صار الآن راعي الكلاب: حانوتي الكلاب؛ مبهج الكلاب؛ هَريجان.١٢٥

غريبٌ أن يقدم رجل أناني مثله نفسَه لخدمة الكلاب الميتة. لا بدَّ أن هناك طرقًا أخرى، أكثر فاعلية، يعطي بها المرء نفسه للعالم، أو لفكرة عن العالم. يمكن، على سبيل المثال، أن يعمل المرء ساعاتٍ أطول في العيادة. يمكن أن يحاول المرء حثَّ الأطفال في مقلب النفايات على عدم ملء أجسامهم بالسموم. حتى الجلوس مع نص أوبرا بيرون بعزيمة أقوى ربما، وقت الضيق، يمثل خدمة للبشرية.

لكنَّ هناك بشرًا آخرين يقومون بهذه الأشياء — رعاية الحيوانات، التأهيل الاجتماعي، حتى الكتابة عن بيرون. ينقذ شرف الجثث لأنه ليس هناك شخص آخر غبي بما يكفي ليفعل ذلك. هذا ما آل إليه: غبي ومعتوه وأحمق.

•••

ينتهي العمل في العيادة يوم الأحد. الكومبي محملة بحمولتها الميتة. كمهمة أخيرة يمسح أرضية غرفة الجراحة.

تقول بيف شو وهي تدخل من الفناء: «سأفعل ذلك. تحتاج للعودة.»

– «لستُ متعجلًا.»

– «لكن، لا بد أنك اعتدتَ على نوع مختلف من الحياة.»

– «نوع مختلف من الحياة؟ لم أعرف أن الحياة أنواع.»

– «أقصد، لا بد أنك تجد الحياة رتيبة جدًّا هنا. لا بدَّ أنك تفتقد دائرتك. لا بدَّ أنك تفتقد الصديقات.»

– «صديقات، تقولين. من المؤكد أن لوسي أخبرتْكِ بسبب مغادرتي كيب تاون. لم تجلب الصديقات لي مزيدًا من الحظ هناك.»

– «يجب ألَّا تقسو عليها.»

– «أقسو على لوسي؟ ليس لديَّ ما يجعلني قاسيًا على لوسي.»

– «ليست لوسي؛ الفتاة في كيب تاون. تقول لوسي إن فتاةً تسبَّبَت لك في مشاكل كثيرة.»

– «أجل، كانت هناك فتاة. لكني كنتُ سبب المشاكل في تلك الحالة. تسببتُ لتلك الفتاة في مشاكل على الأقل بقدر ما تسبَّبت لي.»

– «تقول لوسي إنه كان عليك أن تتخلى عن مركزك في الجامعة. لا بد أن ذلك كان صعبًا. هل تندم على ذلك؟»

يا له من فضول! غريب أن رائحة الفضيحة تثير النساء بقوة. هل تعتقد هذه المخلوقة البسيطة الدميمة أنه عاجز عن أن يصدمها؟ أم إنها تُصدم بإحدى المهام الأخرى التي تقوم بها، كراهبة تستلقي لتُنتهَك فتقلَّ بذلك كمية الانتهاك في العالم؟

– «هل أندم على ذلك؟ لا أعرف. ما حدث في كيب تاون أتى بي إلى هنا. لستُ غير سعيد هنا.»

– «لكنك وقتها، هل ندمتَ وقتها؟»

– «وقتها؟ هل تقصدين في حرارة الحدث؟ بالطبع لا. لا شك في حرارة الحدث. مثلما أنا على يقين من أنك تعرفين بالضرورة.»

تحمرُّ خجلًا. مضى وقتٌ طويل على آخر مرة رأى فيها امرأة في منتصف العمر تحمرُّ خجلًا بهذه الصورة، إلى جذور شعرها.

تُهمهم: «لكن لا بد أنك تجد جرهمزتاون هادئة جدًّا، بالمقارنة.»

– «لا أهتم بجرهمزتاون. أنا على الأقل بعيد عن طريق الإغواء. إضافة إلى أني لا أعيش في جرهمزتاون. إني أعيش في مزرعة مع ابنتي.»

بعيد عن طريق الإغواء: شيء قاسٍ حين يقال لامرأة، حتى لو كانت امرأة دميمة. إلا أنها ليست دميمة في عيون الجميع. لا بد أن بيل شو في وقت من الأوقات رأى شيئًا في بيف الشابة. رجال آخرون أيضًا، ربما.

يحاول تخيلها وهي أصغر بعشرين عامًا، والوجه المقلوب على رقبتها القصيرة يبدو مفعمًا بالحيوية، والبشرة المجعدة تبدو أليفة، وسليمة. بتهور يقترب منها ويمرر إصبعه على شفتيها.

تخفض عينيها ولا تجفل. على العكس، تستجيب، تحكُّ شفتيها في يده — حتى يمكن أن يقال إنها قبَّلتْها — وتحمرُّ خجلًا بشدةٍ طوال الوقت.

ذلك كل ما يحدث. هذا أقصى ما يذهبان إليه. بدون كلمة أخرى يغادر العيادة. يسمعها تطفئ الأنوار خلفه.

في اليوم التالي تتصل به بعد الظهر، تقول: «هل يمكن أن نلتقي في العيادة، في الرابعة؟» ليس سؤالًا بل إبلاغ، بصوت مرتفع متوتر. يكاد يسأل: «لماذا؟» لكنه بشعور طيب لا يسأل. إلا أنه يندهش. يمكن أن يخمن أنها لم تسر في هذا الطريق من قبل. هكذا تفترض، ببراءتها، أن الزنا يتم بهذا الشكل: باتصال تليفوني لمطاردها، معلنةً أنها جاهزة.

لا تفتح العيادة أيام الاثنين. يدخل، يدير المفتاح ويغلق الباب. بيف شو في غرفة الجراحة، تقف وظهرها له. يضمُّها بين ذراعيه؛ تحكُّ أذنَها في ذقنه؛ تمس شفتاه الضفائر الصغيرة المحكمة في شعرها. تقول: «هناك بطاطين، في الخزانة، على الرف السفلي.»

بطانيتان؛ واحدة قرمزية، وأخرى رمادية، هرَّبتْها امرأة من بيتها وربما كانت تستحم في الساعة الأخيرة وتضع المساحيق والكريمات استعدادًا؛ امرأة، كل ما يعرفه عنها، كانت تضع المساحيق والكريمات كل أحد، وتختزن البطانيتين في الخزانة، في هذه الحالة فقط. من يعتقد، لأنه يأتي من المدينة الكبيرة، لأن فضيحة ترتبط باسمه، أنه يمارس الحب مع نساء كثيرات، ويتوقع أن يمارس الحب مع كل امرأة يصادفها في طريقه؟

الاختيار بين طاولة الجراحة والأرضية. يفرش البطانيتين على الأرضية؛ الرمادية تحت، والقرمزية فوقها. يطفئ الأنوار، يترك الغرفة، يتأكد أن الباب الخلفي مغلق، ينتظر. يسمع صوت الملابس وهي تخلعها. بيف، لم يحلم أبدًا أن ينام مع بيف.

تتمدد تحت البطانية ولا يظهر إلا رأسها. حتى في العتمة لا شيء يفتن في المشهد. يخلع ملابسه الداخلية، يدخل بجوارها، يمرر يده على جسدها. ليس لها ثديان يمكن الحديث عنهما. قوية، بدون خصر تقريبًا، كأنبوبة سميكة صغيرة.

تمسك يده، تعطيه شيئًا. مانع حمل. يشرد تمامًا مقدَّمًا، من البداية إلى النهاية.

يمكن على الأقل أن يقول عن جماعهما إنه يفعل ما عليه. بدون عاطفة لكن بدون اشمئزاز أيضًا، بحيث يمكن أن تشعر بيف شو في النهاية بالرضا عن نفسها. تحقق كل ما سعت إليه. هو، ديفيد لوريي، يُسعَف، كما تُسعف امرأةٌ رجلًا؛ ساعدَت صديقتها لوسي لوريي بزيارة صعبة.

يقول لنفسه وهو يستلقي جوارها بعد أن انتهيا: لن أنسى هذا اليوم. بعد اللحم الحلو لملانيي إسحاق، هذا ما أصل إليه. هذا ما عليَّ أن أتعود عليه، هذا وربما أقل من هذا.

تقول بيف شو: «الوقت متأخر، يجب أن أرحل.»

يزيح البطانية وينهض بدون أن يبذل جهدًا ليواري نفسه. يفكر في نفسه: لتملأْ عينيها من روميو، من كتفيه المقوستين وساقيه النحيلتين. الوقت متأخر حقًّا. في الأفق آخر ومضة قرمزية؛ يلوح القمر في السماء؛ يعلق الدخان في الهواء؛ عبر قطعة أرض خربة، من الصفوف الأولى من الأكواخ، يأتي صوت هرج ومرج. عند الباب تضغط بيف شو جسمها في جسمه مرةً أخيرة، وتريح رأسها على صدره. يتركها تفعل ذلك، كما تركها تفعل كل ما كانت تحتاج إلى فعله. يذهب تفكيره إلى إمَّا بوفاري تختال أمام المرآة بعد أول أمسية كبرى لها، تغني إمَّا لنفسها: لي عشيق! لي عشيق! حسنًا، لتذهب بيف شو إلى البيت وتغني أيضًا. وليتوقفْ عن وصفها ببيف شو المسكينة، إذا كانت مسكينة فهو مفلس.

١٦

استعار بطرس جرَّارًا، لا يعرف من أين، وضم إليه المحراث الدوَّار القديم الذي علاه الصدأ خلف الإسطبل قبل مجيء لوسي. حرث أرضه كلها في ساعات. رشيق تمامًا وعملي؛ على خلاف الأفارقة تمامًا. في سالف الزمان، من عشرة أعوام على سبيل المثال، كان الأمر يستغرق أيامًا بالمحراث اليدوي والثيران.

ما فرصة لوسي أمام بطرس الجديد؟ وصل بطرس كحفَّار، وشيَّال، ومسئول عن الماء. صار الآن مشغولًا جدًّا بشكل لا يسمح له بالقيام بهذه الأعمال. أين تعثر لوسي على شخص يحفر ويحمل ويروي؟ لو كانت هذه مباراة شطرنج، لقال إن لوسي هُزمت على كل الجبهات. لو لديها إحساس لانسحبتْ: تفاتح البنك العقاري، تعمل صفقة، وتسلم المزرعة لبطرس، وتعود إلى المدنية. يمكن أن تفتح مؤسسة للكلاب في الضواحي؛ ويمكن أن تتوسع بالقطط. يمكن أيضًا أن تعود إلى ما كانت تفعله وأصدقاؤها في أيام التصعلك: نسيج عنصري، زخرفة عنصرية على الأواني، صناعة سلال عنصرية؛ بيع الخبز للسائحين.

مهزومة. ليس من الصعب تخيُّل لوسي بعد عشر سنوات: امرأة ثقيلة وخطوط الأسى على وجهها، في ملابس من طرز عتيقة، تتحدث إلى الحيوانات، وتأكل وحدها. ليسَت حياة. لكنها أفضل من قضاء أيامها في الخوف من الهجمة التالية، حين لا تكون الكلاب كافيةً لحمايتها ولا يكون هناك من يرد على التليفون.

يقترب من بطرس في مكان اختاره لمسكنه الجديد، على ارتفاع بسيط يطل على منزل المزرعة. قام مسَّاح الأراضي بزيارته، والعلامات الحدودية في موضعها.

يسأل: «لن تقوم بالبناء بنفسك، أليس كذلك؟»

يضحك بطرس بينه وبين نفسه. يقول: «بلى، البناء وظيفة تتطلب مهارة. رص الطوب، وضع الأسمنت، يتطلب كل ذلك مهارة. نعم، أحفر البالوعات، هذا ما يمكن أن أفعله بنفسي، فهي مهمة لا تتطلب مهارة، مهمة يمكن أن يقوم بها ولد. للحفر يكفي أن يكون لديك ولد.»

ينطق بطرس الكلمة بمتعة حقيقية. ذات يوم كان ولدًا، الآن لم يعد كذلك. الآن يمكنه أن ينهمك في دور، كما كان يمكن لماري أنطوانيت أن تنهمك في دور حالبة البقر.

يأتي إلى جوهر الموضوع: «إذا عدتُ أنا ولوسي إلى كيب تاون، فهل أنت مستعدٌّ لإدارة نصيبها من المزرعة؟ ندفع لك راتبًا، أو يمكنك القيام بذلك مقابل نسبة مئوية، نسبة من الأرباح.»

يقول بطرس: «يجب أن أحافظ على مزرعة لوسي دائرة، يجب أن أكون مدير المزرعة.» ينطق الكلمات وكأنه لم يسمعها أبدًا من قبل، وكأنها انطلقَت أمامه كما ينطلق أرنب من قبعة.

– «نعم، يمكن أن ندعوك مدير المزرعة إذا أحببتَ.»

– «وتعود لوسي ذات يوم.»

– «أنا متأكد من أنها ستعود. ترتبط ارتباطًا قويًّا بهذه المزرعة. لا تنوي التخلي عنها. لكنها مرَّت حديثًا بأوقاتٍ عصيبة. تحتاج لراحة، إجازة.»

يقول بطرس: «على البحر»، ويبتسم ابتسامةً تكشف عن أسنان صفراء من أثر التدخين.

– «نعم، على البحر، إذا أرادت.» ينزعج من عادة بطرس في ترك الكلام معلَّقًا في الهواء. فكر في وقت أنه وبطرس قد يصبحان صديقين. يمقته الآن. الحديث مع بطرس يشبه ثقب حقيبة مليئة بالرمال. يقول: «لا أرى أيًّا منا مشغولًا بسؤال لوسي إن كانت تقرر أخذ راحة، لا أنا ولا أنت.»

– «ما الفترة التي يجب أن أكون فيها مديرًا للمزرعة؟»

– «لا أعرف حتى الآن، بطرس. لم أناقش الموضوع مع لوسي، أستعرض الاحتمال فقط، لأرى إن كنتَ موافقًا.»

– «وسيكون عليَّ أن أفعل كل شيء؛ عليَّ أن أطعم الكلاب، وعليَّ أن أزرع الخضراوات، وعليَّ أن أذهب إلى السوق.»

– «بطرس، لا حاجة إلى سرد قائمة. لن تكون هناك كلاب. أسأل عمومًا فقط، إذا أخذَت لوسي إجازة، فهل أنت مستعدٌّ للاهتمام بالمزرعة؟»

– «كيف أذهب إلى السوق إن لم تكن الكومبي معي؟»

– «هذه تفاصيل. يمكن مناقشة التفاصيل فيما بعد. أريد فقط إجابة عامة، نعم أم لا.»

يهزُّ بطرس رأسه. يقول: «كثير جدًّا، كثير جدًّا.»

تأتي من السماء مكالمة من البوليس، من عريف المباحث إسترهيوز في بورت إليزابيث. تم استعادة سيارته. إنها في فناء محطة بريتون الجديدة،١٢٦ حيث يمكنه أن يتعرف عليها ويستردَّها. تم القبض على رجلين.

يقول: «مدهش، كدتُ أفقد الأمل.»

– «لا، سيدي، تستمر المتابعة سنتَين.»

– «ما حالة السيارة؟ هل تسير؟»

– «نعم، يمكنك قيادتها.»

ينطلق في حالة استثنائية من النشوة مع لوسي إلى بورت إليزابيث ومنها إلى بريتون الجديدة، حيث يتبعان الاتجاهات إلى شارع فان دِفِنتر، إلى قسم بوليس مسطح يشبه الحصن، محاط بسياجٍ ارتفاعه متران على قمته سلكٌ شائك. يافطات تمنع بحسمٍ وقوف السيارات أمام القسم. يركنان السيارة بعيدًا على الطريق.

تقول لوسي: «أنتظر في السيارة.»

– «هل أنت جادة؟»

– «لا أحب هذا البوليس. أنتظر.»

يقدم نفسه في مكتب الشكاوى، يتم إرشاده عبر ممرات تشبه المتاهة إلى وحدة المركبات المسروقة. عريف المباحث إسترهيوز، رجل ممتلئ أشقر قصير، يبحث في ملفاته، يوصله إلى فناء حيث تقف مجموعة من المركبات خلف بعضها. يصعدان ويهبطان بين الماركات.

يسأل إسترهيوز: «أين عثرتم عليها؟»

– «هنا في بريتون الجديدة. أنت محظوظ. عادة مع سيارات الكورولا الأقدم يحولها التافهون إلى قطع.»

– «قلتَ إنكم قبضتم على شخصين.»

– «رجلين. اشتبهنا فيهما. وجدنا منزلًا كاملًا مليئًا ببضائع مسروقة. أجهزة تليفزيون وفيديو وثلاجات، ما حدَّدتَه.»

– «أين الرجلان الآن؟»

– «خرجا بكفالة.»

– «ألم يكن من الأفضل استدعائي قبل إطلاق سراحهما لأتعرف عليهما؟ الآن وهما في الخارج بكفالة سيختفيان. تعرف ذلك.»

يصمت المخبر تمامًا.

يقفان أمام كورولا بيضاء. يقول: «ليست سيارتي. كان في سيارتي لوحات سي إيه. هذا مكتوب في الرخصة.» يشير إلى الرقم على الورقة: سي إيه ٥٠٧٦٤٤.

– «يرشُّونها. يضعون لوحات مزيفة. يبدلون اللوحات.»

– «ليست سيارتي حتى لو كان الأمر كذلك. هل يمكن أن تفتحها؟»

يفتح المخبر السيارة. تفوح منها رائحة جرائد مبللة ودجاج مشوي.

يقول: «ليس لديَّ نظام صوتي. ليست سيارتي. هل أنت متأكد أن سيارتي ليست في موضع آخر بين السيارات؟»

يكملان جولتهما بين السيارات. سيارته ليست هناك. يهرش إسترهيوز رأسه. يقول: «أراجع الأمر. لا بدَّ أن هناك خلطًا. اترك لي رقمك وسأتصل بك.»

تجلس لوسي خلف عجلة قيادة الكومبي، عيناها مغلقتان. يطرق على النافذة فتفتح الباب. يقول وهو يدخل: «الأمر كله خطأ. لديهم كورولا، لكنها ليست سيارتي.»

«هل رأيتَ الرجلين؟»

– «الرجلين؟»

– «قلتَ إنه تم القبض على رجلين.»

– «إنهما في الخارج مرةً أخرى بكفالة. على أية حال، ليست سيارتي؛ وبالتالي فإن من قُبض عليهما ليسا من أخذا سيارتي.»

صمتٌ طويل. تقول: «هل يصحُّ ذلك بالضرورة منطقيًّا؟»

تدير المحرك، تقود السيارة بعنف.

يقول: «لم أدرك أنك مهتمة بالقبض عليهما.» يسمع التوتر في صوته ولا يفعل شيئًا لمراجعة الأمر. «إذا قُبض عليهما فهذا يعني محاكمة، وكل ما تتطلبه المحاكمة، سيكون عليك الإثبات. هل أنت مستعدة لذلك؟»

توقف لوسي المحرِّك. وجهها جامد وكأنها تقاوم الدموع.

– «على أية حال، المحاكمة فاترة. لن يتم القبض على أصدقائنا، لن يقبض عليهم البوليس في الولاية التي يعيشون فيها. علينا أن ننسى.»

يستجمع قُواه. يشعر بانزعاج وضجر، لكن لا حيلة له في ذلك. «لوسي، حان الوقت المناسب لتُواجهي اختياراتك؛ أن تبقي في منزل مليء بذكريات بشعة وتواصلي السكوت على ما حدث لك، أو أن تضعي الحادث كله خلف ظهرك وتبدئي فصلًا جديدًا في مكان آخر. هذان هما البديلان في رأيي. أعرف أنك قد تودين البقاء، لكن ألَا يجب على الأقل أن تفكري في الطريق الآخر؟ ألَا يمكن أن نتحدث عنه بشكل عقلاني؟»

تهزُّ رأسها: «لا يمكن أن أتحدث أكثر من ذلك، ديفيد، لا يمكن فقط». تقول، متحدثةً بهدوء وسرعة، وكأنها تخشى أن تنضب الكلمات. «أعرف أني لستُ واضحة. أتمنى أن أستطيع التفسير، لكني لا أستطيع؛ لأنك أنت ولأني أنا، لا أستطيع. آسفة. آسفة على سيارتك. آسفة على خيبة الأمل.»

تريح رأسها على ذراعيه؛ يهتزُّ كتفاها وتستسلم.

تجرفه المشاعر مرةً أخرى: خمول، لا مبالاة، وتفاهة أيضًا، كأنه تآكل من الداخل ولم يتبق إلا الغشاء المتآكل لقلبه. يفكر مع نفسه؛ كيف يمكن لرجل في وضعه أن يجد كلمات، أن يجد موسيقى تبعث الموتى؟

تجلس، على جانب الطريق، على مسافة لا تزيد على خمس ياردات، امرأةٌ بشبشب وملابس رثة تحدق فيهما بغضب. يضع يدًا واقية على كتف لوسي. يفكر: ابنتي، ابنتي الأعز. من هبط ليرشدني. من يرشدني في هذه الأيام.

هل يمكن أن تشم أفكاره؟

هو الذي يقود. في منتصف الطريق إلى البيت، تتحدث لوسي؛ مما أثار دهشته. تقول: «كان شخصيًّا جدًّا. فُعل بضغينة شخصية. هذا ما صعقني أكثر من أي شيء آخر. كانت البقية … متوقعة. لكن لماذا كانوا يكرهونني إلى هذا الحد؟ لم تقع عيناي عليهم أبدًا.»

ينتظر المزيد للحظة، لكن لا مزيد. يعرض في النهاية: «تحدث التاريخ من خلالهم. تاريخ الخطأ. فكِّري في الأمر على هذا النحو، إذا كان ذلك يفيد. ربما بدا شخصيًّا، لكنه لم يكن شخصيًّا. ينحدر من الأسلاف.»

– «هذا لا يجعل الأمر أسهل. لا تنقضي الصدمة ببساطة، أقصد صدمة أن تكون مكروهًا، في الفعل.»

في الفعل. هل تقصد ما يعتقد أنها تقصده؟

يسأل: «هل ما زلتِ خائفة؟»

– «نعم.»

– «خائفة من أن يعودوا؟»

– «نعم.»

– «هل اعتقدت أنهم ما كانوا ليعودوا إذا لم تقدِّمي بلاغًا للشرطة ضدهم؟ هل هذا ما قلتِه لنفسك؟»

– «لا.»

– «ماذا قلتِ إذَن؟»

تصمت.

– «لوسي، يمكن أن يكون الأمر بسيطًا جدًّا. أغلقي حظيرة الكلاب. افعلي ذلك فورًا. أغلقي المنزل، ادفعي لبطرس ليحرسه. خذي إجازة ستة أشهر أو سنة، حتى تتحسن الأوضاع في هذا البلد. سافري عبر البحار. اذهبي إلى هولندا. سأدفع. حين تعودين يمكن أن تحصلي على قرض، وتبدئي بداية جديدة.»

– «إذا غادرتُ الآن، ديفيد، فلن أعود. شكرًا على العرض، لكنه لن يُنفَّذ. لا يمكن أن تقترح شيئًا لم أفكر فيه أنا نفسي مائة مرة.»

– «ما الذي تنوين فعله إذَن؟»

– «لا أعرف. لكن بصرف النظر عما أقرره أريد أن أقرره بنفسي، بدون أن أُدفَع إليه. هناك أشياء لا تفهمها.»

– «ما الذي لا أفهمه؟»

– «بدايةً، أنت لا تفهم ما حدث لي في ذلك اليوم. أنت مشغول بي، وأنا أقدر ذلك، وتعتقد أنك تفهم، لكنك في النهاية لا تفهم؛ لأنك لا تستطيع.»

يبطئ ويخرج عن الطريق. تقول لوسي: «لا تفعل. ليس هنا. هذا امتداد سيئ، أخطر من أن تقف فيه.»

يسرع. يقول: «على العكس، أفهم جيدًا كل ما حدث. أنطق الكلمة التي أخفيناها حتى الآن. تم اغتصابك، عدة مرات، بواسطة الرجال الثلاثة.»

– «ثم؟»

– «كنتِ في خوف على حياتك. كنتِ خائفة من أن تُقتلي بعد الاعتداء عليك، يتخلصون منك؛ لأنك لم تكوني شيئًا بالنسبة لهم.»

– «ثم؟» صوتها الآن هامس.

– «لم أفعل شيئًا. لم أنقذك.»

ذلك هو اعترافه.

تنقر نقرةً خفيفة بيدها تنمُّ عن نفاد الصبر: «لا تلمْ نفسك، ديفيد. لا يمكن توقع أن تحميني. إذا أتوا قبل ذلك بأسبوع، لوجدوني وحدي في المنزل. لكنك مصيب، لم أعنِ شيئًا لهم، لا شيء. يمكن أن أشعر بذلك.»

وقفة. تواصل وصوتُها أكثر ثباتًا الآن: «أعتقد أنهم فعلوها من قبل. فعلها الاثنان الأكبر على الأقل. أعتقد أنهم مغتصبون أولًا وقبل كل شيء. السرقة حادث عرَضي فقط، شيء جانبي. أعتقد أنهم يقومون بالاغتصاب.»

– «هل تعتقدين أنهم سيعودون؟»

– «أعتقد أنني في أرضهم. علَّموني. سيعودون من أجلي.»

– «إذَن يحتمل ألَّا تستطيعي البقاء.»

– «لماذا لا؟»

– «لأن ذلك قد يكون بمثابة دعوة لهم بالعودة.»

تمكث وقتًا طويلًا قبل أن تردَّ: «لكن أليست هناك طريقة أخرى للنظر في الأمر، ديفيد؟ ماذا إذا … ماذا إذا كان ذلك ثمنًا على المرء أن يدفعه للبقاء؟ ربما هكذا ينظرون إلى الأمر؛ ربما هكذا يجب أن أنظر إليه أيضًا. يرون أني أمتلك شيئًا. يرون أنفسهم محصِّلي ديون، جباة ضرائب. لماذا يجب أن يُسمَح لي بالعيش هنا دون أن أدفع؟ ربما ذلك ما يقولونه لأنفسهم.»

– «إنني على يقين من أنهم يقولون لأنفسهم أشياء كثيرة. يهتمون باختلاق قصص تبرر أفعالهم. لكن ثقي في مشاعرك. قلتِ إنك شعرتِ فقط بالكراهية منهم.»

– «كراهية … حين يتعلق الأمر بالرجال والجنس، ديفيد، لا شيء يدهشني أكثر من ذلك. ربما كراهية المرأة، بالنسبة للرجال، تجعل الجنس أكثر إثارة. أنت رجل، لا بد أنك تعرف. حين تمارس الجنس مع امرأة غريبة — حين تصطادها، حين تُخضعها، تجعلها تحتك، تضع كل وزنك عليها — ألَا يشبه ذلك القتل؟ غرس سكين؛ الإثارة بعد ذلك، ترك الجسد وراءك مغطًّى بالدماء؛ ألَا يشبه القتل، يشبه الإفلات من جريمة قتل بلا عقاب؟»

أنت رجل، لا بد أنك تعرف؛ هل يتكلم المرء مع أبيه بهذه الطريقة؟ هل هو وهي على المستوى نفسه؟

يقول: «ربما، أحيانًا، بالنسبة لبعض الرجال.» ثم بسرعةٍ دون تفكير: «هل كان الأمر على حدٍّ سواء مع كلٌّ منهما؟ مثل مقاومة الموت؟»

– «يحثُّ كلٌّ منهما الآخر. ربما لذلك فعلاها معًا، كالكلاب في قطيع.»

– «والشخص الثالث، الولد؟»

– «كان موجودًا ليتعلم.»

تجاوزا إشارة الدوم. مرَّ الوقت تقريبًا.

يقول: «إذا كانا من البيض ما كنتِ لتتحدثي عنهما بهذه الطريقة. إذا كانا سفاحين من البيض من القتلة، على سبيل المثال.»

– «ما كنتُ؟»

– «لا، ما كنتِ. لا ألومك، ليست هذه هي القضية. لكنك تتحدثين عن شيء جديد؛ الاستعباد، يريدونك جارية لهم.»

– «ليس استعبادًا؛ إخضاع، تحكم.»

يهزُّ رأسه: «كثير جدًّا، لوسي. بيعي. بيعي المزرعة لبطرس وابتعدي.»

– «لا.»

هنا تنتهي المحادثة. صدى كلمات لوسي في ذهنه. مغطاة بالدماء. ماذا تعني؟ هل كان مصيبًا حين حلم بسرير من الدماء، حمَّام من الدماء؟
يقومون بالاغتصاب. يفكر في الزائرين الثلاثة، ينطلقون في تويوتا ليست قديمة جدًّا، والمقعد الخلفي مكدس بمحتويات البيت، وقضبانهم، أسلحتهم، مدسوسة دافئة وراضية بين ساقيها. النَّونوة هي الكلمة التي ترد إلى ذهنه. لا بد أنهم كانت لديهم كل الأسباب التي أسعدتهم بعملهم بعد الظهيرة؛ لا بد أنهم سعدوا بمهمتهم.
يتذكر، وهو طفل، يُحدق في كلمة اغتصاب في التقارير الصحفية، محاولًا حل لغز معناها الحقيقي، متسائلًا ماذا يفعل حرف التاء، وهو حرف رقيق عادة، وسط كلمة تتضمن هذا الهلع الذي لا يبوح أحد به. في أحد كتب الفن في المكتبة كانت هناك لوحة تُدعى اغتصاب السابينات.١٢٧ رجال على صهوات الجياد في دروع رومانية هزيلة، ونساء في أحجبة من الشاش يطوحن بأذرعهن في الهواء وينتحبن. ماذا كان يفعل هذا التصنع كله أن مع ما يتوقع أن يكونه الاغتصاب: يستلقي الرجل على المرأة ويندفع فيها؟

يفكر في بيرون. كان هناك بلا شك بين فيالق الكونتيسات والخادمات اللائي اندفع بينهن بيرون ما يُسمى اغتصابًا. لكن من المؤكد أنه ليس منها ما سبَّب الخوف الذي تُسببه جلسة قد تنتهي بقطع رقبتها. من موقعه، من موقع لوسي، يبدو بيرون في الحقيقة من طراز عتيق جدًّا.

شعرت لوسي برعب، رعب حتى الموت. احتُبس صوتها، فقدت القدرة على التنفس، تخدَّرت أطرافُها. تقول لنفسها والرجال يرغمونها على الخضوع: هذا لا يحدث؛ مجرد حلم، كابوس. بينما انتشى الرجال، من ناحيتهم، بخوفها، عربدوا فيه، فعلوا كل ما يمكن ليؤذوها، ليهددوها، ليزيدوا من رعبها. قالوا لها: نادي على كلابك. استمرِّي، نادي على كلابك! لا كلاب؟ دعينا إذن نُرِكِ الكلاب!
تقول بيف شو: لا يمكن أن تفهم، لم تكن هناك. حسنًا، إنها مخطئة. حدس لوسي مصيبٌ رغم كل شيء؛ لا يفهم، يستطيع، إذا ركَّز، إذا استغرق في التفكير، أن يكون هناك، أن يكون الرجال، أن يَسْكنهم، أن يملأهم بشبح نفسه. السؤال هو: هل يستطيع أن يكون المرأة؟

من الوحدة في غرفته يكتب رسالة لابنته:

«عزيزتي لوسي،

بكل الحب في العالم، يجب أن أقول ما يلي: أنت على حافة خطأ خطير. تتمنين أن تقهري نفسك أمام التاريخ. لكن الطريق التي تسلكينها الطريق الخطأ. ستجردك من الشرف تمامًا؛ لن تستطيعي العيش مع نفسك. أتوسل إليك، اسمعيني.

أبوك»

بعد ذلك بنصف ساعة، يُدفَع ظرفٌ تحت باب غرفته. «عزيزي ديفيد، لم تستمع إليَّ. لستُ من تعرف. أنا ميتة ولا أعرف بعدُ ما يعيدني إلى الحياة. كل ما أعرفه هو أني لا أستطيع أن أرحل.»

– «أنت لا ترى هذا، ولا أعرف ماذا أفعل أكثر من ذلك لترى. كما لو أنك اخترتَ متعمدًا أن تجلس في ركن لا تسطع فيه أشعة الشمس. أفكر فيك كواحد من الشمبانزي الثلاثة، الشمبانزي الذي كفَّاه على عينيه.»

– «نعم، قد يكون الطريق الذي أسلكه الطريق الخطأ. لكن إذا تركتُ المزرعة الآن أتركها مهزومة، وأشعر بطعم هذه الهزيمة بقية حياتي.»

– «لا يمكن أن أكون طفلة إلى الأبد. لا يمكن أن تكون أبًا إلى الأبد. أعرف ما تعنيه جيدًا، لكنك لستَ المرشد الذي أحتاج إليه في هذا الوقت.»

– «ابنتك، لوسي.»

هذا ما يتبادلانه؛ تلك الكلمة الأخيرة للوسي.

تنتهي عملية قتل الكلاب اليوم، الحقائب السوداء معبَّأة عند الباب، كلٌّ منها بجثة وروح داخلها. هو وبيف شو كلٌّ منهما يرقد في ذراعَي الآخر على أرضية غرفة الجراحة. بعد نصف ساعة تعود بيف إلى زوجها بيل ويبدأ في تحميل الحقائب.

تقول بيف شو: «لم تحدثني أبدًا عن زوجتك الأولى. ولوسي أيضًا لا تتحدث عنها.»

– «أم لوسي هولندية. لا بد أنها أخبرتك بذلك. إفيلينا إفي عادت بعد الطلاق إلى هولندا. تزوجت بعد ذلك. لم تنسجم لوسي مع زوج أمها. طلبت العودة إلى جنوب أفريقيا.»

– «هكذا اختارَتكَ.»

– «بمعنًى ما. اختارت أيضًا محيطًا معينًا، أفقًا معينًا. الآن أحاول أن تغادر مرةً أخرى، ولو في إجازة. لها أسرة في هولندا، أصدقاء. قد لا تكون هولندا المكان الأكثر جاذبيةً للعيش، لكنها على الأقل لا تولِّد الكوابيس.»

– «ثم؟»

يهزُّ كتفيه: «لوسي لا تميل، حاليًّا، لسماع أية نصيحة أقدِّمها لها. تقول إني لستُ مرشدًا مناسبًا.»

– «لكنك كنتَ معلِّمًا.»

– «بشكل عرَضي تمامًا. لم يكن التعليم مهنةً مناسبة لي أبدًا. من المؤكد أني لم أطمح أبدًا أن أعلِّم الناس كيف يعيشون. كنتُ ما يُسمى عادة أكاديميًّا. كتبتُ كتبًا عن موتى. هذا ما تُقتُ إليه. درَّستُ لأكسب قوت يومي فقط.»

تنتظر المزيد، لكنه في حالة مزاجية لا تسمح بالاستمرار.

تغرب الشمس، يبرد الجو. لم يمارسا الحب؛ توقفا في الواقع ليتظاهرا بأن ذلك ما يفعلانه معًا.

في ذهنه بيرون، وحيدًا على المسرح، يسحب نفَسًا ليغني. على وشك الانطلاق إلى اليونان. يفهم في الخامسة والثلاثين أن الحياة نفيسة.

الأشياء تدمع والمحن الإنسانية تمسُّ القلب:١٢٨ ستكون هذه كلمات بيرون، إنه متأكد من ذلك. والموسيقى، ترفرف في مكان ما في الأفق، لم تأتِ بعد.

تقول بيف شو: «لا تقلقْ.» رأسها على صدره، يُفترض أنها تسمع قلبه، مع أية نبضة يستمر إيقاع البيت السداسي. «بيل وأنا نرعاها. نذهب كثيرًا إلى المزرعة. وهناك بطرس. سيفتح بطرس عينه.»

– «بطرس الأبوي.»

– «نعم.»

– «تقول لوسي لا يمكن أن أستمر أبًا إلى الأبد. لا يمكن أن أتخيل، في هذه الحياة، ألَّا أكون أبًا للوسي.»

يُمرر أصابعه في جذور شعرها. تهمس: «ستكون الأمور على ما يرام. سترى.»

١٧

المنزل جزء من تطور لا بدَّ أنه بدأ، منذ خمسة عشر عامًا أو عشرين، حين كان جديدًا، منعزلًا إلى حدٍّ ما، لكنه منذ ذلك الوقت تحسَّن بأرصفة زُرعت نجيلًا وأشجارًا ونباتات متسلقة تسقط على الجدران الفيبركريت. رقم ٨ زقاق رستهولم به بوابة حديقة مدهونة وأنسرفون.

يضغط الزر. تتحدث فتاة صغيرة: «أهلًا؟»

– «أريد مستر إسحاق. اسمي لوريي.»

– «لم يعد إلى البيت بعد.»

– «متى تتوقعين حضوره؟»

– «الآن، الآن.» طنين؛ يطقطق المزلاج؛ يفتح الباب.

يؤدي الممر إلى الباب الأمامي حيث تقف فتاةٌ نحيلة تشاهده. ترتدي زيًّا مدرسيًّا؛ سترة بزرقة البحر، جوربًا أبيض إلى الركبة، قميصًا مفتوح الرقبة. لها عينا ملانيي، وعظام وجْنتَي ملانيي الواسعتين، وشعر ملانيي الأسود؛ إنها، مع ذلك، أجمل. الحديث عن أخت ملانيي الأصغر، التي لا يعرف اسمها حتى اللحظة.

– «مساء الخير. متى تتوقعين أن يعود أبوك إلى البيت؟»

– «تخرج المدرسة في الثالثة، لكنه يتأخر عادة. حسنًا، يمكن أن تدخل.»

تُبقي الباب مفتوحًا من أجله، تبتعد وهو يمرُّ. تأكل شريحة من الكيك، تمسكها بتلذذ بين إصبعين. توجد فتافيت على شفتها العليا. لديه رغبة مُلحَّة في أن يقترب منها، ويمسحها؛ تجتاحه في اللحظة نفسها ذكرى أختها بموجة حارَّة. يفكر: نجِّني يا رب! ماذا أفعل هنا؟

– «يمكن أن تجلس إذا شئتَ.»

يجلس. الأثاث يبرق، الغرفة رائعة تمامًا.

يسأل: «ما اسمك؟»

– «دِزايري.»

دِزايري: يتذكر الآن. ملانيي البكر، السوداء، ثم دزايري، المرغوبة.١٢٩ من المؤكد أنهم أغروا الآلهة بإعطائها اسمًا مثل هذا!

– «اسمي ديفيد لوريي.» يراقبها بدقة، لكنها لا تبدي ما يفيد التعرف عليه. «أنا من كيب تاون.»

– «أختي في كيب تاون. إنها طالبة.»

يومئ. لا يقول: أعرف أختك، أعرفها جيدًا. يفكر: ثمرة من الشجرة نفسها، ربما حتى في أدق التفاصيل. إلا أن هناك اختلافًا: نبضات الدم مختلفة، اندفاعات العاطفة مختلفة. الاثنتان في السرير واحد: تجربة جديرة بملك.

يرتجف قليلًا، ينظر في ساعته. «تعرفين ماذا، دِزايري؟ أعتقد أني سألحق به في مدرسته، إذا أخبرتِني كيف أذهب إلى هناك.»

المدرسة في منطقة سكنية: بناء منخفض بنوافذ من الفولاذ وسقف من الأسبستوس، في منطقة مُغبرة حولها سياج من السلك الشائك. تقول الكتابة على عمود ف. س. ماريس، وتقول الكتابة على الآخر مدرسة متوسطة.
الأرضيات جرداء. يتلفت حوله حتى تقع عيناه على يافطةٍ مكتوب عليها: مكتب. تجلس في الداخل سكرتيرة ممتلئة في منتصف العمر تزين أظافرها. يقول: «أبحث عن مستر إسحاق.»

تنادي: «مستر إسحاق، هنا زائر يسأل عنك!» تلتفت إليه: «ادخلْ.»

إسحاق، خلف طاولته، يقف نصف وقفة، يتوقف، ينظر إليه بارتباك.

«هل تتذكرني؟ ديفيد لوريي، من كيب تاون.»

يقول إسحاق: «أوه.» ويجلس مرةً أخرى. يرتدي البدلة الواسعة نفسها: تختفي رقبته في السترة، يبدو منها كطائر بمنقار حاد مُقيَّد في كيس. النوافذ مغلقة، هناك رائحة دخان فاسد.

يقول: «أرحل فورًا إذا كنتَ لا تريد رؤيتي.»

يقول إسحاق: «لا. اجلس. أراجع الحضور فقط. هل يزعجك أن أنهي ذلك أولًا؟»

– «تفضَّلْ.»

في إطار على الطاولة صورة. لا يستطيع رؤيتها من حيث يجلس، لكنه يعرف ماذا تكون: ملانيي ودِزايري، تفاحتا عين أبيهما، وأمٌّ تحملهما.

يقول إسحاق وهو يغلق آخر سجل: «هكذا، لمن أدين بهذه المتعة؟»

توقع أن يكون متوترًا، لكنه في الحقيقة يجد نفسه هادئًا تمامًا.

يقول: «بعد أن قدمَت ملانيي شكواها، أجرت الجامعة تحقيقًا رسميًّا. ونتيجةً لذلك فقدتُ وظيفتي. هذا هو التاريخ؛ لا بد أنك على علم به.»

يحدِّق إسحاق فيه باستغراب، ولا يحرك ساكنًا.

– «من وقتها وأنا بلا وظيفة. كنتُ أمرُّ بجورج اليوم، وفكرتُ أن أتوقف وأتحدث معك. أتذكر أن لقاءنا الأخير كان … ساخنًا. لكني فكرتُ أن أتوقف على أية حال، وأقول ما في قلبي.»

هذا صحيح إلى حدٍّ بعيد. يريد البوح بما في قلبه. السؤال: ماذا في قلبه؟

في يد إسحاق قلم بيك رخيص. يُمرر أصابعه أسفل القلم، يقلبه، يُمرر يده أسفل القلم، مرة بعد أخرى، في حركة آلية لا تنمُّ عن نفاد الصبر.

يواصل: «سمعتَ القصة من وجهة نظر ملانيي. أودُّ أن أقدم لك القصة من وجهة نظري، إذا كنت مستعدًّا لسماعها.

بدأَت بدون تعمُّد من ناحيتي. بدأَت كمغامرة، إحدى المغامرات الصغيرة الفجائية التي يقوم بها رجال من نوع معين، أقوم بها، أستمر. اعذرني على الكلام بهذه الطريقة. أحاول أن أكون صريحًا.

في حالة ملانيي، مع ذلك، حدث شيء غير متوقع. أفكر فيه كأنه نار. أشعلَت نارًا فيَّ.»

يتوقف. يواصل القلم رقصته. مغامرة صغيرة فجائية. رجال من نوع معين. هل للرجل الجالس خلف الطاولة مغامرات؟ كلما رآه أكثر زادت شكوكه. لا يندهش لو كان إسحاق يعمل في كنيسة، شماسًا أو خادمًا.

– «نار: ما اللافت للنظر في ذلك؟ إذا انطفأت النار تحكُّ عود ثقاب وتبدأ أخرى. هكذا اعتدتُ أن أفكر. إلا أن الناس في العصور القديمة كانوا يؤلِّهون النار. كانوا يفكرون مرتين قبل أن يتركوا لهبًا يخمد، لهب الرب. كان ذلك النوع من اللهب ما أشعلته ابنتُك فيَّ. لم يكن متوهجًا بما يكفي لحرقي، لكنه كان حقيقيًّا: نارًا حقيقية.»

حرق – احترق – قد احترق.

توقف القلم عن الحركة. «مستر لوريي.» يقول والد الفتاة، وعلى وجهه ابتسامة ملتوية ومؤلمة. «أسأل نفسي ماذا تعتقد أنك مقدم عليه، تأتي إلى مدرستي وتحكي لي قصصًا.»

– «آسف، أعرف أنه شيء لا يطاق. تلك هي النهاية. ذلك كل ما أردتُ قوله، دفاعًا عن النفس. كيف حال ملانيي؟»

– «ملانيي بخير، حيث إنك تسأل. تتصل أسبوعيًّا. عادت إلى دراستها، منحوها إعفاءً لتعود، أنا متأكد من أنك تفهم، في الظروف الحالية. تواصل العمل المسرحي في الوقت المتبقي، وتحرز نجاحًا. ملانيي بخير. ماذا عنك؟ ماذا عن خططك الآن بعد أن تركت مهنتك؟»

– «أنا نفسي عندي بنت، ستهتم بأن تسمع ذلك. لديها مزرعة؛ أتوقع أن أقضي بعض وقتي معها، أساعدها. لديَّ كتاب أكمله، كتاب من نوع ما. أحاول أن أنشغل بشكل أو آخر.»

يتوقف. ينظر إليه إسحاق بما يراه انتباهًا ثاقبًا.

«هكذا.» يقول إسحاق بهدوء، وتترك الكلمة شفتيه وكأنها تنهيدة: «يُسقَط العظيم!»

يُسقَط؟ نعم، كان هناك سقوط، لا شك في ذلك. لكن العظيم؟ هل العظيم وصف له؟ يفكر في نفسه كشخصية غامضة تزداد غموضًا، شخصية على هامش التاريخ.

يقول: ربما تجعلنا سقطة من حين لآخر في حالة جيدة، طالما لم ننكسر. للمرة الأولى يلمح أثر ملانيي فيه: جمال الفم والشفتين. يتخطى الطاولة باندفاع، ويحاول مصافحة يد الرجل، وينتهي بالضرب برقة على ظهرها. جلد بارد خالٍ من الشَّعر.

يقول إسحاق: «مستر لوريي، هل هناك شيء آخر تريد أن تخبرني به، إضافة إلى قصتك مع ملانيي؟ ذكرتَ أن في قلبك شيئًا.»

– «في قلبي؟ لا. لا، توقفتُ فقط لأعرف أخبار ملانيي.» ينهض. «شكرًا على استقبالي، أقدِّر ذلك.» يمد يده، مفتوحة هذه المرة. «إلى اللقاء.»

– «إلى اللقاء.»

وهو على الباب — إنه، في المكتب الخارجي، الخالي الآن — ينادي إسحاق: «مستر لوريي! دقيقة فقط!»

يعود.

– «ما خططك لهذا المساء؟»

– «هذا المساء؟ حجزتُ في فندق. ليست لديَّ خطط.»

– «تعالَ وتناولْ وجبة معنا. تعالَ لتناول العشاء.»

– «لا أعتقد أن ترحب زوجتك بذلك.»

– «ربما. ربما لا. تعالَ على أية حال. تناول الخبز معنا. نأكل في السابعة. أكتب العنوان لك.»

– «لا تحتاج لذلك. ذهبتُ إلى بيتك، وقابلتُ ابنتك. وهي التي دلَّتني على هنا.»

لا يرجف جفن لإسحاق. يقول: «حسنًا.»

يفتح إسحاق الباب الأمامي بنفسه. يقول: «ادخل، ادخل.» ويقوده إلى غرفة المعيشة. لا دليل على وجود الزوجة، ولا الابنة الثانية.

يقول، وهو يُخرج زجاجة من النبيذ: «أحضرتُ هدية.»

يشكره إسحاق، لكنه يبدو غير واثق مما يفعله بالنبيذ. «أحضر لك بعضًا منها؟ أذهب وأفتحها.» يغادر الغرفة؛ في المطبخ همس. يعود. «يبدو أننا فقدنا الفتَّاحة. لكن دِزي تستعير واحدة من الجيران.»

من الواضح أنهم لا يتناولون الخمور. كان عليه أن يفكر في ذلك. أسرة برجوازية صغيرة بسيطة متزمتة، مقتصدة، مدبرة. سيارة مغسولة، عشب مشذب، مدخرات في البنك. تتركز كل مصادرها في دفع الابنتين الجوهرتين إلى المستقبل: ملانيي الماهرة بطموحاتها المسرحية؛ دِزايري الجميلة.

يتذكر ملانيي، في الأمسية الأولى من تعارفهما عن قرب، تجلس جانبه على الكنبة تشرب القهوة وكأسًا صغيرة من الويسكي كان الهدف منها أن — تأتي الكلمة بصعوبة — يفكَّها. جسدها الصغير الأنيق؛ ملابسها المثيرة؛ تومض عيناها بالإثارة. تخطو في الغابة حيث يجوس الذئب المتوحش.

تدخل دزايري الجميلة ومعها الزجاجة والفتَّاحة. تتردد لحظة وهي تعبر باتجاههما، وتدرك أن التحية واجبة. «بابا؟» تُهمهم بارتباك، ممسكةً الزجاجة.

هكذا: عرفَت من هو. تناقشوا بشأنه، ربما حدثت بينهم مشاداتٌ حوله: الزائر غير المرغوب، الرجل الذي اسمه عتمة.

أمسكَ أبوها بيدها في يده. يقول: «دزايري، هذا مستر لوريي.»

– «أهلًا، دزايري.»

رجع الشَّعر الذي كان يغطي وجهها إلى الخلف. تقابل نظرته، ما زالت مرتبكة، لكنها أقوى الآن لأنها تحت جناح والدها. تُهمهم: «أهلًا.» يفكر: يا إلهي! يا إلهي!
لا تستطيع أن تواري عنه ما يدور في عقلها: هذا إذَن هو الرجل الذي تعرَّت أختها معه! هذا إذَن هو الرجل الذي فعلتْها معه! هذا الرجل العجوز!

غرفة الطعام صغيرة منفصلة، تفتح على المطبخ. أربعة أماكن معدَّة بأفضل لوازم المائدة. تحترق الشموع. يقول إسحاق: «اجلس.» لا دليل حتى الآن على وجود الزوجة. «عن إذنك لحظة.» يختفي إسحاق في المطبخ. يُترَك في مواجهة دزايري عبر المائدة. تُعلِّق رأسها، لم تعد شجاعة كما كانت.

يعود الزوجان معًا. يقف. «لم تقابلْ زوجتي. دورين، ضيفنا، مستر لوريي.»

– «أنا ممتنٌّ لك لاستقبالي في بيتكم، مسز إسحاق.»

مسز إسحاق امرأة قصيرة، بدينة في منتصف العمر، بساقين مقوستين مما يجعلها تمشي ببعض الترنح. لكنه يستطيع أن يرى من أين اكتسبت الأختان شكلهما. لا بدَّ أنها كانت جميلة جمالًا حقيقيًّا في شبابها.

تبقى ملامحها متجمدة، تتجنب عينه، لكنها لا تأتي بأية إيماءة. مهذبة؛ زوجة ومساعدة طيبة. وتكونون كجسدٍ واحد. هل تكون الابنتان مثلها؟

تأمر: «دزايري، تعالي وساعدي في الحمل.»

تنهض الطفلة من مقعدها برضًا.

يقول: «مستر إسحاق، أسبب لكم قلقًا في البيت. كان لطفًا منك أن تدعوني، أقدر ذلك، لكن الأفضل أن أنصرف.»

يثير دهشته أن يبتسم إسحاق ابتسامة فيها بعض البهجة. «اجلس، اجلس! سنكون على ما يرام! سنكون!» يميل أكثر. «عليك أن تكون قويًّا!»

تعود دزايري وأمها تحملان الأطباق: دجاج في حساء طماطم يغلي تفوح منها نكهة الزنجبيل والكمون، وأرز، وصف من السلطات والمخلل. الطعام الذي افتقده كثيرًا وهو يقيم مع لوسي.

زجاجة النبيذ موضوعة أمامه، وكأس واحدة من النبيذ.

يقول: «هل أنا الوحيد الذي يشرب؟»

يقول إسحاق: «تفضلْ. هيَّا.»

يصب كأسًا. لا يحب النبيذ الحلو، اشترى الليت هارفيست١٣٠ متخيلًا أنها ستكون مستساغة بالنسبة لهم. أجل، الأسوأ كثيرًا بالنسبة له.

يبقى التضرع ليواصل. تأخذ عائلة إسحاق بيديه؛ لا شيء إلا أن يمد يديه أيضًا، يسارًا إلى والد الفتاة، يمينًا إلى والدة الفتاة. يقول إسحاق: «من أجل ما نحن على وشك تناوله ندعو الرب أن يجعلنا من الشاكرين حقًّا.» تقول زوجته وابنته: «آمين.» وهو أيضًا، ديفيد لوريي، ينطق «آمين» بصوت خفيض ويلمس اليدين، يد الأب الباردة كالحرير، ويد الأم الصغيرة، البدينة، الدافئة من أعمالها.

تقدم مسز إسحاق الأطباق. تقول وهي تقدم له طبقه: «انتبه، إنه سخن.» لم توجه له إلا تلك الكلمات.

يحاول أثناء تناول الطعام أن يكون ضيفًا طيبًّا، أن يتحدث حديثًا مسليًا ليقطع الصمت. يتحدث عن لوسي، عن تربية الكلاب، عن تربية النحل ومشاريع البستانين، عن عمله صباح السبت في السوق. يتكتم على الاعتداء، ذاكرًا فقط سرقة سيارته. يتحدث عن اتحاد رعاية الحيوانات، ولا يتحدث عن محرقة المستشفى أو الأمسيات التي يقضيها خلسةً مع بيف شو.

تمرُّ القصة، مترابطة بهذه الطريقة، بلا ظلال. حياة ريفية بكل بساطتها الغبية. كم يتمنى أن يكون ذلك صحيحًا! إنه مرهق من الظلال، من التعقيد، من المعقَّدين. يحب ابنته، لكنه يتمنى أحيانًا أن تكون كائنًا أبسط: أبسط، أكثر أناقةً. كان الرجل الذي اغتصبها، زعيم العصابة، على ذلك النحو. مثل نصل يقطع في الرياح.

يرى نفسه ممدَّدًا على طاولة عمليات. يبرق المشرط؛ يُلقى مفتوحًا من عنقه حتى أسفل البطن؛ إلا أنه يرى ذلك كله بلا ألم. ينحني عليه جرَّاح بلحية، متجهم. يدمدم الجراح: «ما كل هذه الأحشاء؟» ينخس الحوصلة المرارية. ما هذه؟ يقطعها، ويلقي بها جانبًا. ينخس القلب. ما هذا؟؟

يسأل إسحاق: «ابنتك، هل تدير المزرعة وحدها؟»

– «معها رجل يساعدها أحيانًا. بطرس. أفريقي.» يتحدث عن بطرس، بطرس الصلب الذي يمكن الاعتماد عليه، وزوجتيه وطموحاته المعتدلة.

إنه أقل جوعًا مما كان يعتقد. تفتر المحادثة، لكنهم يأتون على الطعام بشكل ما. تستأذن دزايري لإنجاز واجباتها. تنظف مسز إسحاق المائدة.

يقول: «يجب أن أنصرف. عليَّ أن أبدأ غدًا مبكرًا.»

يقول إسحاق: «انتظرْ، ابقَ لحظة.»

إنهما وحدهما. لا يمكن أن يراوغ أكثر من ذلك.

يقول: «بشأن ملانيي.»

– «نعم؟»

– «كلمة أخرى، ثم أنتهي. أعتقد أن الأمر أخذ شكلًا مختلفًا، بيننا نحن الاثنين، رغم عمرنا. لكنَّ هناك شيئًا فشلتُ في توصيله، شيئًا» — يبحث عن الكلمة — «غنائيًّا. أفتقر إلى الغنائي. أمارس الحب بشكل رائع جدًّا. حتى وأنا أحترق لا أغنِّي، إذا كنتَ تفهمني. لذلك آسف. آسف على ما جررتُ ابنتك إليه. لك أسرة مدهشة. أعتذر عن الأسى الذي سببته لك ولمسز إسحاق. أطلب الصفح.»

مدهشة ليست الكلمة الصحيحة. الأفضل أن تكون نموذجية.

يقول إسحاق: «هكذا، اعتذرتَ أخيرًا. تساءلتُ متى يأتي.» يفكر باستغراق. لم يأخذ مقعده؛ الآن يروح ويجيء. «أنت آسف. تقول إنك افتقرت للغنائية. إذا لم تكن تفتقر للغنائية، لما كنا هنا الآن. لكني أقول لنفسي، نأسف حقًّا حين نُكتشف. حينها نأسف حقًّا. ليس السؤال: هل نأسف؟ السؤال: ما الدرس الذي تعلمناه؟ السؤال: ماذا نفعل الآن بأسفنا؟»

على وشك أن يردَّ، لكن إسحاق يرفع يدًا. هل أنطق كلمة رب في سمعك؟ لستَ ممن يقلقون حين يسمعون اسم الرب؟ السؤال: ماذا يريد الرب منك، بالإضافة إلى أن تأسف حقًّا؟ هل لديك فكرة، مستر لوريي؟

يحاول، مع أنه فقد تركيزه بحركة إسحاق ذهابًا وإيابًا، التقاط كلماته بدقة. يقول: «أقول عادةً إن المرء بعد سنٍّ معينة يكون أكبر من أن يتعلم دروسًا. يمكن فقط أن يُعاقَب ويُعاقَب. لكن ربما كان ذلك خطأً، خطأً دائمًا. أنتظر لأرى. وبالنسبة للرب، لستُ مؤمنًا، ويمكن أن أترجم ما تدعوه الرب ورغبات الرب إلى مفاهيمي الخاصة. إني، بمفاهيمي الخاصة، أُعاقَب لما حدث بيني وبين ابنتك. إني غارق في حالة من العار ليس من السهل أن أتخلص منها. على العكس، أعيشها من يوم لآخر، أحاول تقبل العار كحالة وجود. يكفي الرب، على ما تعتقد، أني أعيش في العار بلا نهاية؟»

– «لا أعرف، مستر لوريي، أقول عادة، لا تسألني، اسأل الرب. ولكن حيث إنك لا تصلي، فليست لديك وسيلة لتسأل الرب. وهكذا لا بد أن يجد الرب وسائل خاصة ليخبرك. لماذا تعتقد أنك هنا، مستر لوريي؟»

يصمت.

– «أخبرك. كنتَ تمرُّ بجورج، وتصادف أن أسرة تلميذتك من جورج، وفكرت مع نفسك، لماذا لا؟ لم تخطط لذلك، إلا أنك تجد نفسك الآن في بيتنا. لا بد أن ذلك يدهشك. هل أنا مصيب؟»

– «ليس بالضبط. لم أقل الحقيقة. لم أكن أمرُّ بجورج. أتيتُ إلى جورج لسبب وحيد: أن أتحدث إليك. فكرتُ في ذلك بعض الوقت.»

– «أجل، أتيتَ لتتحدث إليَّ، كما تقول، لكن لماذا أنا؟ من السهل أن أتحدث، من السهل جدًّا. يعرف ذلك كل الأطفال في مدرستي. مع إسحاق تعرف بسهولة. ذلك ما يقولون.» يبتسم، مرة أخرى، ابتسامة ملتوية كالابتسامة السابقة. «إذَن لمن أتيتَ حقًّا لتتحدث إليه؟»

يتأكد الآن: لا يحب هذا الرجل، لا يحب حِيَله.

ينهض، يمشي بارتباك عبر غرفة الطعام الخالية إلى الممر. يسمع همهمة خلف الباب الموارب. يفتح الباب. تجلس دزايري وأمها على السرير، يفعلان شيئًا ما بشلة من الصوف. يندهشان لرؤيته، يخيم الصمت.

يركع، بمراسيم حذرة، على ركبتيه ويمسُّ الأرض بجبهته.

يفكر: هل ذلك يكفي؟ هل يؤثر ذلك؟ وإذا لم يؤثر، فماذا أفعل أكثر؟

يرفع رأسه. ما زالت الاثنتان تجلسان هناك، متجمدتين. يلتقي بعينَي الأم، ثم بعينَي الابنة، ومرة أخرى يندفع التيار، تيار الرغبة.

يقف على قدميه، بصرير أكثر قليلًا مما يودُّ. يقول: «مساء الخير. شكرًا على عطفكما. شكرًا على الطعام.»

تأتيه في الحادية عشرة مكالمة في غرفته بالفندق. إسحاق. «أتصل لأتمنى لك القوة من أجل المستقبل.» وقفة. «مستر لوريي، ثَمة سؤال لم أسأله أبدًا. ألَا تتمنى أن نتدخل لتسوية النزاع مع الجامعة نيابةً عنك، أليس كذلك؟»

– «تتدخل؟»

– «أجل. لنعيدك إلى وظيفتك، على سبيل المثال.»

– «لم تخطر الفكرة على بالي إطلاقًا. انتهيتُ من الجامعة.»

– «لأن المسار الذي تسير فيه ليس المسار الذي رسمه الرب لك. ليس لنا أن نتدخل.»

– «مفهوم.»

١٨

يدخل كيب تاون مرةً أخرى في الثانية ظهرًا. ابتعد عنها أقل من ثلاثة شهور، إلا أن مستوطنات الأكواخ عبرت الطريق السريع وانتشرَت شرق المطار. على سيل السيارات أن يتوقف وطفل معه عصًا يسوق بقرة شاردة على الطريق. يفكر؛ بعناد، يأتي الريف إلى المدينة. بسرعة تكون هناك ماشية مرةً أخرى على تقاطع رُندبوش؛ بسرعة يكمل التاريخ الدائرة.

في البيت مرةً أخرى. لا يبدو أنه عاد إلى البيت. لا يتخيل السكن مرةً أخرى في منزل على طريق تورَنس، في ظلال الجامعة، يتسلل كمجرم، يتجنب الزملاء السابقين. عليه أن يبيع المنزل، وينتقل إلى شقة أرخص في مكانٍ ما.

اضطربَت موارده المالية. لم يدفع فاتورة منذ رحل. يعيش على الرصيد؛ يمكن أن ينتهي رصيده في أي يوم.

نهاية المطاف. ماذا يأتي بعد نهاية المطاف؟ يرى نفسه، وقد ابيضَّ شعره، منحنيًا، يجرُّ ساقيه إلى محل في ركن لشراء نصف لتر من اللبن ونصف رغيف؛ يرى نفسه يجلس خاويًا إلى طاولة في غرفة مليئة بالأوراق الصفراء، ينتظر انتهاء النهار ليطبخ وجبة المساء وينام. حياة أكاديمي متقاعد، بلا أمل، بلا تطلُّع: هل هذا ما يستعدُّ له؟

يفتح البوابة الأمامية. في الحديقة عشب كثير، صندوق البريد مكتظ بالنشرات والإعلانات. مع أن المنزل مزود بمعظم المعايير، إلا أنه ظلَّ خاليًا لشهور: أطول من أن يأمل ألَّا يُسرَق. يعرف، حين يفتح الباب الأمامي ويشمُّ الهواء، أن هناك خطأً. ينبض قلبه باهتياج مَرَضي.

لا صوت. رحل من كانوا هنا. لكن كيف دخلوا؟ يمشي على أطراف أصابعه من غرفة إلى أخرى، ويعرف بسرعة. كُسِرت أعمدة نافذة خلفية من الحائط وثُنيَت للخلف، وحُطِّم زجاج النافذة، هناك فتحة تكفي لمرور طفل أو حتى رجل ضئيل. تكوَّمَت على الأرضية طبقة من أوراق الأشجار والرمل جرفتها الريح.

يلفُّ في البيت ويسجِّل ما فقده. نُهبت غرفةُ نومه، أُفرغت الدواليب تمامًا. سُرقت معدات الصوت، شرائطه وتسجيلاته، جهاز الكمبيوتر. كُسرت، في مكتبه، خِزانةُ الملفات وفُتحت؛ تتناثر الأوراق في كل مكان. جُرِّد المطبخ تمامًا؛ أدوات المائدة والأواني الفخارية والآلات الصغيرة. سُرِق مخزن الخمور. حتى دولاب الأطعمة المعلبة فارغ.

ليس سطوًا عاديًّا. هجمَت عصابة، نظَّفَت المكان، وانسحبَت محمَّلةً بالحقائب والصناديق وحقائب السفر. غنيمة؛ تعويضات حرب؛ حادث آخر في الحملة الكبيرة لإعادة التوزيع. من ينتعل، في هذه اللحظة، حذاءه؟ هل عثر بيتهوفن ويانتشك١٣١ على بيتين لهما أم ألقي بهما إلى الزبالة؟

تأتي من الحمَّام رائحة كريهة. حُبست حمامة في المنزل وماتت في الحوض. يحمل بحذرٍ بقايا العظام والريش في كيس من البلاستيك ويغلقه.

الأنوار مقطوعة والتليفون ميت. يقضي الليل في الظلام إذا لم يفعل شيئًا. لكنه مكتئب بدرجة لا تجعله يفعل شيئًا. يفكر: ليذهب الكل إلى الجحيم؛ يغطس في كرسي ويغلق عينيه.

ينهض، حين يحل الظلام، ويغادر المنزل. بدَت أولى النجوم. عبر الشوارع الخالية، عبر الحدائق المثقَلة بأريج نبات رعي الحمام١٣٢ والنرجس الأسلي،١٣٣ يشق طريقه إلى الحرم الجامعي.

ما زالت معه مفاتيح مبنى الاتصالات. ساعة مناسبة للمطاردة: الدهاليز خاوية. يأخذ المصعد إلى مكتبه في الدور الخامس. أُزيلت بطاقة الاسم التي كانت على بابه. مكتوب على البطاقة الجديدة: دكتور س. أوتُّو. من تحت الباب ينبعث ضوء خافت.

يطرق. لا صوت. يفتح الباب بالمفتاح ويدخل.

تغيَّرت الغرفة. ذهبَت كتبه وصوره، تاركةً الحائط عاريًا موفرة مساحة لصورة في حجم ملصق للوحة كتاب مصور: سوبرمان رأسه معلق ولويس لين١٣٤ توبِّخه.

يجلس خلف الكمبيوتر، في ضوء خافت، شابٌّ لم يرَه من قبل. يتجهم الشاب. يسأل: «من أنت؟»

– «أنا ديفيد لوريي.»

– «نعم؟ و؟»

– «أتيتُ لآخذ بريدي. كان هذا مكتبي.» في الماضي، يضيف تقريبًا.

– «أوه، حقًّا، ديفيد لوريي. آسف، ما كنتُ أعتقد. وضعتُها كلها في صندوق. وبعض أشيائك الأخرى التي وجدتُها.» يطوح بيده. «هناك.»

– «وكتبي؟»

– «كلها في الطابق السفلي في المخزن.»

يلتقط الصندوق. يقول: «شكرًا.»

يقول دكتور أوتو الشاب: «لا بأس. هل تستطيع حمله؟»

يأخذ الصندوق الثقيل إلى المكتبة ليفرز بريده. لا تقبل الماكينة بطاقته حين يصل إلى حاجز الدخول. عليه أن يفرز بريده على أريكة في اللوبي.

متوتر بدرجة لا تجعله ينام. يتجه في الفجر إلى سفح الجبل ويبدأ السير لمسافة طويلة. أمطرَت، التيارات متدفقة. يتنفس في الأريج المنبعث من الأناناس. هو اليوم رجلٌ حر، لا مهام لديه إلا تجاه نفسه. الوقت أمامه يقضيه كيف يشاء. الشعور مشوش، لكنه يفترض أنه سيعتاد عليه.

لم تحوله الفترة التي قضاها مع لوسي إلى شخصٍ ريفي. إلا أنه يفتقد بعض الأشياء؛ عائلة البط، على سبيل المثال، تتهادى البطة الأم على سطح السد، وصدرها منتفخ بالزهو، بينما تجدف إينيي ومينيي ومنيي ومو بهمة، واثقة من أنها في مأمن من كل أذًى طالما كانت أمها هناك.

والكلاب، لا يريد أن يفكر فيها. من الاثنين تُلقى الكلاب التي تنتهي حياتها بين جدران العيادة في النار فلا يلاحظها أو يأسى عليها. هل تُغفَر له هذه الخيانة؟

يزور البنك، يأخذ حملًا من الغسيل للمغسلة. في المحلِّ الصغير الذي اشترى منه قهوته لسنوات يتظاهر البائع بأنه لا يعرفه. تُدير جارته، وهي تروي حديقتها، ظهرَها له متعمِّدةً.

يفكر في وليم وردزورث في إقامته الأولى في لندن، حين يزور البانتومايم، ويرى جاك القاتل العملاق يتحرك على المسرح في مرح، شاهرًا سيفه، تحميه كلمة خفي مكتوبةً على صدره.

يكلِّم لوسي في المساء من تليفون عمومي. يقول: «فكرتُ أن أتصل حتى لا تقلقي عليَّ. أنا بخير. أتوقع أن يستغرق الأمر بعض الوقت حتى أستقر. أتحرك في المنزل مثل حبة بسلة في زجاجة. أفتقد البط.»

لا يذكر الغارة على المنزل. ما جدوى أن يثقل على لوسي بمشاكله؟

يسأل: «وبطرس؟ هل يرعاك بطرس، أم ما زال مشغولًا ببناء بيته؟»

– «بطرس يساعدني. الجميع يساعدونني.»

– «حسنًا، يمكن أن أعود حين تحتاجين إليَّ. ليس عليك إلا أن تتكلمي.»

– «شكرًا، ديفيد. ليس الآن، ربما، لكن في يوم من الأيام.»

من كان يخمِّن، حين وُلدت طفلتُه، أن يزحف إليها في وقت من الأوقات طالبًا أن يزورها؟

وهو يتسوق في السوبر ماركت، يجد نفسه في صفٍّ خلف إلين ونتر، رئيسة القسم الذي كان يعمل فيه ذات يوم. معها ترولي محمل بالبضائع، وليس معه إلا سلة. تردُّ بعصبية على تحيته.

يسأل ببهجة، قدر ما يستطيع: «كيف يسير القسم بدوني؟»

بصورة طيبة جدًّا في الحقيقة: هذه هي الإجابة الصريحة تمامًا، نسير بصورة طيبة جدًّا بدونك. لكنها مؤدبة بدرجة لا تسمح لها بنطق هذه الكلمات. تردُّ بصورة مبهمة: «أوه، كفاحٌ مستمرٌّ كالعادة.»

– «هل استطعتم توظيف أحد؟»

– «أخذنا شخصًا جديدًا، بعقد. شاب.»

قد يردُّ: قابلتُه. قد يضيف: وخزة صغيرة حقًّا. لكنه أيضًا حسن التربية. يسأل بدلًا من ذلك: «ما تخصصه؟»

– «الدراسات اللغوية التطبيقية، في تعليم اللغة.»

هكذا كثير للشعراء، هكذا كثير للأساتذة الموتى. يجب أن يقول، الذين لم يرشدوه جيدًا. الذين لم يستمع إليهم جيدًا على أية حال.١٣٥
تأخذ المرأة التي أمامهما في الصف دورها للدفع. ما زال هناك وقتٌ أمام إلين لتسأل السؤال التالي، الذي يجب أن يكون، وكيف تسير الأمور معك، ديفيد؟ وله ليرد: جيدة جدًّا، إلين، جيدة جيدًا.

تقترح بدل ذلك: «ألَا تحبُّ التقدم قبلي؟» ملمِّحةً لسلته. «معك قليل جدًّا.»

يردُّ: «لا أحلم بذلك، إلين.» ويحظى بمتعة وهو يشاهدها تفرغ أشياءها على المنضدة: ليس فقط الخبز ومنتجات الزبد، بل أيضًا المتع الصغيرة التي تكافئ امرأة تعيش وحدها نفسها بها؛ آيس كريم كامل الدسم (لوز حقيقي، زبيب حقيقي)، كعك مستورد من إيطاليا، قطع شيكولاته، ورزمة من الفوط الصحية أيضًا.

تدفع ببطاقة الائتمان. تشير من الجانب البعيد من الحاجز له مودعةً. ارتياحها واضح. يقول من على رأس الصراف: «إلى اللقاء! تحياتي للجميع!» لا تنظر خلفها.

في مركز الأوبرا، كما تصورها منذ البداية، لورد بيرون وخليلته الكونتيسة جويتشيولي، محصورين في فيلا جويتشيولي في حرارة الصيف الخانق في رَفينَّا، يتجسس عليهما زوج تريزا الغيور، قد يطوف الاثنان في غرف الرسم الكئيبة يغنيان عاطفتهما الآثمة. تشعر تريزا أنها سجينة؛ تحترق من الامتعاض وتشكو لبيرون ليحملها بعيدًا إلى حياة أخرى. وبيرون مفعم بالشكوك، إلا أنه حريص بحيث لا يبوح بها. لا تتكرر نشوتهما الأولى أبدًا، كما يتوقع. حياته ساكنة؛ يتوق بشكل غامض لخلوة هادئة؛ في حالة غيابها، للتمجيد، للموت. لا تشعل ألحان تريزا المرتفعة شرارة فيها؛ يتجاوزها إيقاعه الصوتي الخاص، غامضًا، معقَّدًا، يمر خلالها، عليها.

هكذا تصورها: مسرحية غرفة عن الحب والموت، مع امرأة شابة عاطفية ورجل أكبر كان عاطفيًّا ذات يوم لكنه الآن أقل من عاطفي؛ تمثيل مع موسيقى معقدة متوترة من خلفه، تغني بإنجليزية تسير باستمرار باتجاه إيطالية متخيَّلة.

التصور، شكليًّا، ليس سيئًا. تتوازن الشخصيات معًا بشكل جيد: اثنان محصوران، خليلة منبوذة تخبط على النوافذ، زوج غيور. الفيلا أيضًا، وقرود بيرون المدللة تتعلق بتكاسل من الثريات وتثير الطواويس جلبة في الذهاب والإياب بين أثاث مزخرف من نابولي، لها الحق في مزيج صحيح من الخلود والانحلال.

إلا أن المشروع فشل، بدايةً في مزرعة لوسي والآن مرة أخرى هنا، في أن يشغله من الأعماق. فيه شيءٌ يتصوره خطأً، شيءٌ لا ينبع من القلب. تشكو امرأة للنجوم من أن تجسس الخدم يضطرها وعشيقها إلى إشباع رغباتهما في غرفة الكنس. من يبالي؟ يمكن أن يجد كلمات لبيرون، لكن تريزا التي تركها له التاريخ — شابة، شرهة، عنيدة، مشاكسة — لا تتوافق مع الموسيقى التي حلم بها، موسيقى يسمع أنغامها، خريفية لذيذة إلا أنها محفوفة بالمفارقة، متخيَّلة في أذنه الداخلية.

يحاول في مسار آخر. يتخلَّى عن صفحات الملاحظات التي كتبها، يتخلَّى عن تريزا المفعمة بالحيوية، المتزوجة حديثًا في سن مبكرة مع نبيلها الإنجليزي الأسير، يحاول التقاطها في منتصف العمر. تريزا الجديدة أرملة بدينة بسيطة تقيم في فيلا جامبا مع أبيها العجوز، تدير المنزل، مقتِّرة، تفتح عينيها باستمرار حتى لا يسرق الخدم السكر. مات بيرون، في النسخة الجديدة، منذ زمن طويل؛ ادعاء تريزا الوحيد الباقي إلى الأبد، وعزاء لياليها الوحيدة، خزانة مليئة بالرسائل وتذكارات تحتفظ بها تحت سريرها، ما تسميه بقاياها، تفتحها حفيدات الإخوة بعد موتها ويتفحصنها برهبة.

هل هذه البطلة التي يبحث عنها طوال الوقت؟ هل تشغل تريزا الأكبر قلبه في حالته الراهنة؟

لم يرحم مرور الوقت تريزا. تبدو بأزمتها الاقتصادية الثقيلة، وجذعها السمين وساقيها الضامرتين، فلاحة، مزارعة،١٣٦ أكثر مما تبدو أرستقراطية. الهيئة التي شغفَت بيرون ذات يوم صارت محمومة؛ تنتابها في الصيف نوباتُ ربو تتركها على حافة الموت.
يخاطبها بيرون في الرسائل التي كتبها لها بصديقتي، ثم حبيبتي، ثم حبيبتي إلى الأبد. لكن هناك رسائل منافسة في الوجود، رسائل لم تستطِع الوصول إليها وإشعال النيران فيها. يذكرها بيرون في هذه الرسائل، التي أرسلها بيرون إلى أصدقائه الإنجليز، بوقاحة بين فتوحاته الإيطالية، ويسخر من زوجها، ويلمح إلى نساء من دائرتها نام معهن. في السنوات التي انقضت على موت بيرون، كتب أصدقاؤه سيرةً بعد أخرى، معتمدين على الرسائل. بعد الاستيلاء على تريزا الشابة من زوجها، تدور القصة التي يحكونها، ضجر بيرون منها بسرعة؛ وجدها خاوية الرأس؛ مكث معها من باب الواجب فقط؛ وليهربَ منها أبحر إلى اليونان ولقي حتفه.

يؤذيها تشهيرهم في العمق. تشكل سنواتها مع بيرون ذروة حياتها. عِشقُ بيرون كلُّ ما يميزها. لا شيء بدونه: امرأة قضت شبابها، بدون فرص، تعيش أيامها في بلدة ريفية، تتبادل الزيارات مع صديقاتها، وتدلِّكُ ساقَي أبيها حين تؤلمانه، وتنام وحيدة.

هل يمكن أن يجد في قلبه أنه يحب هذه المرأة العادية الدميمة؟ هل يمكن أن يحبها بما يكفي ليكتب لها لحنًا؟ ماذا يتبقى له إذا لم يستطِع؟

يعود الآن إلى ما يفترض أنه المشهد الافتتاحي. نهاية نهار يوم آخر خانق. تقف تريزا في إحدى نوافذ الدور الثاني في منزل والدها، تتطلع إلى المستنقعات وحفيف صنوبر رومانا١٣٧ تجاه شمس تتلألأ على الأدرياتي. نهاية المقدمة الموسيقية؛ سكوت؛ تأخذ نفَسًا. تغني: يا بيروني،١٣٨ ينبض صوتها بالحزن. يردُّ مزمار وحيد، يخفت، يخيم الصمت. تقول مرةً أخرى، بصوت أقوى: يا بيروني.

أين بيرونها؟ بيرونها ضائع، تلك هي الإجابة. يطوف بيرون بين الظلال. وهي ضائعة أيضًا، تريزا التي أحبَّها، ابنة التاسعة عشرة بجدائل شقراء وقد استسلمَت بمتعة لرجل إنجليزي مستبدٍّ، وبعد ذلك داعبَت حاجبه وهو مستلقٍ على صدرها العاري، يتنفس بعمق، يهجع بعد عاطفته الكبيرة.

تغني للمرة الثالثة: يا بيروني. ومن مكانٍ ما، من كهوف العالم السفلي، يردُّ صوتٌ مغنيًا، مرتجفًا وطليقًا، صوت شبح، صوت بيرون يغني: أين أنت؟ وكلمة لا تريد سماعها: يجف، يجف. جف نبع كل شيء.
يأتي، بهذا الشحوب، بهذا الترنح، صوت بيرون، وعلى تريزا أن تردَّ على كلماته مغنية، تساعده نفَسًا نفَسًا، وترده إلى الحياة: طفلها، ولدها. تغني، تَدعمه، تنقذه من الهبوط: أنا هنا. أنا مصدرك. هل تتذكر كيف زرنا معًا نبع أركوا؟١٣٩ معًا، أنا وأنت. كنتُ لوراك. هل تتذكر؟

هكذا تكون البداية، من هنا: تبعث تريزا حبيبها، وهو، الرجل في منزل منهوب، يبعث تريزا. يساعد الأعرجُ الكسيحَ، من أجل الأفضل.

يعمل بأسرع ما يستطيع، يلتصق بتريزا، يحاول تخطيط الصفحات الاستهلالية من نص الأوبرا. يقول لنفسه: دوِّن الكلمات على الورق. بمجرد أن تدونها، يسهل كل شيء. هناك وقت للبحث في الأساتذة — في جلوك،١٤٠ مثلًا — حاملًا الألحان، ربما — مَن يعرف؟ — حاملًا الأفكار أيضًا.

يتبين، وهو يبدأ أيامه أكثر امتلاءً مع تريزا وبيرون الميت، أن الأغاني المستعارة لن تكون جيدة بما يكفي، يحتاج الاثنان موسيقى خاصة. تأتي الموسيقى، بشكل يثير العجب، بدفعات صغيرة غير منتظمة. يخطر له أحيانًا إطارٌ قبل أن تكون لديه فكرة عن الكلمات نفسها؛ تستدعي الكلمات الإيقاع أحيانًا؛ تظهر أحيانًا ظلال لحن، رفرفتْ أيامًا على حافة السمع، وتتجلَّى لحسن الحظ. يستدعي العمل، وهو ينكشف أكثر، تغيرات نغمية مناسبة وانتقالات يشعر بها في دمه حين لا تكون لديه مصادر موسيقية لتحقيقها.

يجلس إلى البيانو ليجمع المقطوعات معًا ويدوِّن الافتتاحيات. في صوت البيانو شيء يعوقه؛ دائري جدًّا، فيزيقي جدًّا، غنيٌّ جدًّا. من الغرفة العلوية، من صندوق مليء بكتب قديمة ودُمى لوسي، يُخرِج بنجو١٤١ صغيرًا وغريبًا بسبعة أوتار اشتراه لها من شوارع كواماشو١٤٢ وهي طفلة. يبدأ بمساعدة البنجو تدوين الموسيقى التي تغنيها تريزا، الآن في حداد، الآن غاضبة، لحبيبها الميت، والتي يردُّ بها بيرون عليها مغنِّيًا بصوت شاحب من أرض الظلال.

كلما تتبع الكونتيسة أعمق في عالمها السفلي، مغنيًا كلماتها أو مدندنًا إيقاعاتها الصوتية، زادت استحالة انفصاله عن، مما يدهشه، بلَنك – بلُنك، الإيقاع السخيف للبنجو الدمية. يتجاهل الألحان المرتفعة التي حلم بأن يعطيها لها تمامًا؛ لم تبقَ إلا خطوة قصيرة ليضع الآلة في يديها. بدل أن تتهادى على المسرح، تجلس تريزا محدقةً في المستنقعات إلى بوابة الجحيم، حاملةً مندولين تعتمد عليه في انطلاقاتها الغنائية؛ وعلى ناحية، يملأ ثلاثيٌّ رصين في بنطلونات إلى الركبة (التشيلو، والناي، والمزمار) الفواصل أو يعلقون باقتضاب بين المقاطع.

يجلس على كرسيه، ينظر إلى الحديقة المعشبة، يتعجب مما يتعلَّمه من البنجو الصغير. اعتقد منذ ستة شهور أن مكانه الشاحب في بيرون في إيطاليا بين تريزا وبيرون: بين الحنين لإطالة صيف الجسد العاطفي ودعوة الممانعة من نوم السلوان الطويل. كان مخطئًا. ليس الشهواني ما يدعوه رغم كل شيء، ولا الكئيب، ولا الهزلي. في الأوبرا ليس تريزا أو بيرون أو حتى مزيجًا من الاثنين: تقيده الموسيقى نفسها، النغمة السلسة البسيطة المنبعثة من أوتار البنجو الصغير، الصوت الذي يتوتر لينطلق من الآلة السخيفة لكنه يُكبَح، مثل سمكة في طابور.

يفكر: هذا هو الفن إذَن، وهكذا يعمل! كم هو غريب! كم هو فاتن!

يقضي أيامًا كاملة في قبضة بيرون وتريزا، ويعيش على قهوة سوداء وفطور من الحبوب. الثلاجة خاوية، سريره غير مرتَّب؛ تتناثر أوراق الشجر على الأرضية من النافذة المكسورة. يفكر: لا بأس، ليدفن الموتى أمواتهم.

من الشعراء تعلمتُ أن أحب، يغني بيرون بنغمة مشروخة، تسعة مقاطع على سي الطبيعية؛ لكنني وجدتُ الحياة (ينزل بشكل كروماتي١٤٣ إلى إف)، حكاية أخرى. بلِنك – بلَنك – بلُنك تصدر من أوتار البنجو. لماذا، أوه، لماذا تتحدث بهذه الطريقة؟ تغني تريزا في منحنًى تأنيبي طويل. بلِنك – بلَنك – بلُنك، تواصل الأوتار.
تريد تريزا أن تُحَبَّ، أن تُحَبَّ حبًّا خالدًا؛ تريد أن ترتفع إلى صحبة لورا وفلورا في الأيام الخوالي. وبيرون؟ سيكون بيرون وفيًّا في الموت، لكن ذلك كل ما يعد به. ليرتبط الاثنان حتى يرحل المرء.
يا حبي. تغني تريزا، تضخِّم الكلمة الإنجليزية الدسمة أحادية المقطع التي تعلمتها في سرير الشاعر. تردد الأوتار الصدى: بلِنك. في الحب امرأة، تنغمس في الحب؛ تعوي قطة على السطح؛ تدوِّم بروتينات معقدة في الدماء، تمدد الأعضاء الجنسية، وتعرِّق الكفَّين وتخشِّن الصوت، والروح تقذف أشواقها إلى السموات. لهذا خُلقت ثُريَّا والأخريات: يمتصصن البروتينات المعقدة من الدماء كَسمِّ الأفعى، ويتركن المرء صافي الذهن وجافًّا. تريزا في منزل أبيها في رفينا، لسوء حظها، ليس هناك من يمتص السم منها. تصيح: تعالَ إليَّ، يا بيروني، تعالَ إليَّ، أحِبَّني! وبيرون، وقد أُبعِد عن الحياة، شاحبًا كما يكون الشبح، يردِّد صداها بسخرية: اتركيني، اتركيني، اتركيني أذهب!

منذ سنوات، وهو يعيش في إيطاليا، زار الغابة التي تقع بين رفينا وشاطئ الأدرياتي، حيث اعتاد بيرون وتريزا، قبل قرن ونصف، أن يذهبا على صهوات الجياد. توجد بالضرورة، بين الأشجار، البقعة التي رفع فيها الرجل الإنجليزي أول مرة جيبة ساحرته بنت الثامنة عشرة، عروس رجل آخر. يمكن أن يطير إلى البندقية غدًا، ويستقل القطار إلى رفينا، ويقتفي آثار القوافل القديمة، ويمر بالمكان الحقيقي. يبتكر الموسيقى (أو تبتكره الموسيقى) لكنه لا يبتكر التاريخ. على أشواك الصنوبر أخذ بيرون حبيبته تريزا — «جبانة مثل غزالة»، هكذا وصفها — مجعِّدًا ثيابها، واضعًا الرمل في ثيابها الداخلية (تقف الجياد قريبةً طوال الوقت، لا مبالية)، ومن اللحظة وُلدت عاطفةٌ جعلت تريزا تعوي للقمر بقية حياتها الطبيعية في حمَّى جعلته يعوي أيضًا، بطريقته.

تقوده تريزا؛ يتبعها صفحةً صفحة. ينبثق ذات يوم من الظلام صوتٌ آخر، صوت لم يسمعه من قبل، لم يتوقع أن يسمعه. يعرف من الكلمات أنه صوت أليجرا١٤٤ ابنة بيرون؛ لكن من أي مكان بداخله يأتي؟ تنادي أليجرا: لماذا تركْتَني؟ تعالَ وخذني! تشكو: حارَّة جدًّا، حارَّة جدًّا، حارَّة جدًّا! في إيقاع خاص يمزق صوتَي الحبيبين بإلحاح.
لا يأتي ردٌّ على نداء الطفلة المزعجة ابنة الخامسة. بكراهية، مكروهة، يهملها أبوها الشهير، تتنقل من يد إلى يد، وفي النهاية تُترَك في رعاية الراهبات. حار جدًّا، حار جدًّا! تئنُّ من السرير في الدير وهي تحتضر من الملاريا. لماذا نسيتَني؟

لماذا لا يردُّ أبوها؟ لأنه نال ما يكفي من الحياة؛ لأنه لا يعود من حيث ذهب، على الشاطئ الآخر للموت، يغرق في نومه القديم. طفلتي الصغيرة المسكينة! يغني بيرون، بتردد، بلا رغبة، بصوت هادئ حتى إنها لا تسمعه. ثلاثي الآلات جالسون على جانب يعزفون موتيفة شبه سرطانية، إيقاع يعلو، وآخر ينخفض، تلك هي أوبرا بيرون.

١٩

تتحدث روزالند في التليفون: «تقول لوسي إنك عدتَ إلى البلدة. لماذا لم تتصل؟» يردُّ: «لستُ مهيئًا بعدُ للمجتمع.» تعلِّق روزالند بجفاء: «وهل كنتَ مهيئًا له في أي وقت؟»

يلتقيان في كوفي شوب في كلرمونت.١٤٥ تقول: «نقص وزنك. ماذا حدث لأذنك؟» يردُّ: «لا شيء.» ولا يشرح أكثر من ذلك.

تظلُّ نظرتها، وهما يتحدثان، محدقةً في الأذن المشوهة. يتأكد من أنها قد ترتعد إذا لمستْها. ليست من النوع المسعف. ما زالت أفضل ذكرياته عن الشهور الأولى التي قضياها معًا: ليالي الصيف الرطبة في دربان، ملاءات تغرق في العرق، يتقلب جسد روزالند الطويل الشاحب بطريقة أو أخرى في انفعالات لذة يصعب تمييزها عن الألم. شهوانيان: هذا ما جمع بينهما طالما بقيت الشهوة.

يتحدثان عن لوسي، عن المزرعة. تقول روزالند: «اعتقدتُ أن لها صديقة كانت تعيش معها. جريس.»

– «هيلين. عادت هيلين إلى جوهانسبرج. أظنُّهما انفصلتا إلى الأبد.»

– «هل لوسي آمنة على نفسها في ذلك المكان المنعزل؟»

– «لا، ليست آمنة، مجنونة لو شعرَت بالأمان.»

– «قلتَ إن سيارتك سُرقت.»

– «كانت غلطتي. كان عليَّ أن أكون أكثر حذرًا.»

– «نسيتُ أن أذكر: سمعتُ حكاية محاكمتك. الحكاية الداخلية.»

– «محاكمتي؟»

– «التحقيق معك، استجوابك، بصرف النظر عن الاسم. سمعتُ أنك لم تؤدِّ بصورة جيدة.»

– «أوه؟ كيف سمعتِ؟ اعتقدتُ أنها سرية.»

– «لا يهمُّ. سمعتُ أنك لم تعطِ انطباعًا جيدًا. كنت متصلبًا جدًّا وفي موقف دفاعي.»

– «لم أحاول إعطاء انطباع. كنتُ أدافع عن مبدأ.»

– «ربما الأمر كذلك، ديفيد، لكنك بالتأكيد تعرف أن المحاكمات لا تتعلق الآن بالمبادئ، بل تتعلق بكيفية اجتيازها بشكل موفق. طبقًا لمصدري، اجتزتها بشكل رديء. ما المبدأ الذي كنتَ تدافع عنه؟»

– «حرية الكلام. حرية الصمت.»

– «يبدو ذلك عظيمًا جدًّا. لكنك كنتَ دائمًا مخادعًا عظيمًا لنفسك، ديفيد، مخادعًا عظيمًا ومخادعًا عظيمًا لنفسك. ألستَ متأكدًا من أنها لم تكن مجرد حالة من العُري التام؟»

لا يقع في الفخ.

– «على أية حال، مهما يكن المبدأ، كان مبهمًا جدًّا على مستمعيك. اعتقدوا أنك مشوَّش. كان عليك أن تتدرب مقدَّمًا. ماذا ستفعل بشأن الفلوس؟ هل حرموك من معاش التقاعد؟»

– «سأسترد ما كنت فيه. سأبيع المنزل. إنه كبير جدًّا بالنسبة لي.»

– «ماذا تفعل بوقتك؟ هل تبحث عن وظيفة؟»

– «لا أعتقد ذلك. إني مشغول. أكتب شيئًا ما.»

– «كتابًا؟»

– «أوبرا، في الحقيقة.»

– «أوبرا! حسنًا، سَفرٌ جديد. أتمنى أن تُدرَّ عليك قدرًا كبيرًا من المال. هل تنتقل للعيش مع لوسي؟»

– «الأوبرا مجرد هواية، شيء أنشغل به. لن تُدرَّ فلوسًا. ولا، لن أنتقل للعيش مع لوسي. ليست فكرة طيبة.»

– «لماذا لا؟ كنتما منسجمين دائمًا. هل حدث شيء؟»

أسئلة روزالند متطفلة، لكنها لم تنزعج أبدًا من تطفُّلها. قالت ذات يوم: «شاركتَني السرير عشر سنوات، لماذا تخبئ أسرارك عني؟»

يرد: «ما زلنا أنا ولوسي منسجمين بشكل جيد. لكنه ليس جيدًا بما يكفي لنعيش معًا.»

– «قصة حياتك.»

– «أجل.»

يخيِّم الصمت وهما يتأملان، كلٌّ من زاويته الخاصة، قصة حياته.

تقول روزالند مغيِّرةً الموضوع: «رأيتُ صديقتك.»

– «صديقتي؟»

– «حبيبتك، ملانيي إسحاق. أليس هذا اسمها؟ تشترك في مسرحية في مسرح الدوك. ألَا تعرف؟ يمكن أن أرى لماذا وقعتَ فيها. عينان سوداوان واسعتان. جسد صغير مُراوغ جذَّاب. لا بد أنك اعتقدتَ أنها ستكون علاقة أخرى من علاقاتك السريعة، من هفواتك. والآن انظر إلى نفسك. ضيَّعتَ حياتك، ومن أجل ماذا؟»

– «حياتي لم تضع، روزالند. اعقلي.»

– «لكنها كذلك! فقدتَ وظيفتك، تلوَّثَ اسمُك، يتجنبك أصدقاؤك، تختفي في طريق تورانس كسلحفاة تخشى أن تُبرز عنقها من ترسها. يَسخر منك من لا يستحقون أن يربطوا حذاءك. قميصك ليس مكويًّا، يعلم الرب من قصَّ شعرك، نلتَ …» — توقف تقريعها — «ستنتهي كأحد أولئك المُسنِّين التعساء الذين يُفتشون في صناديق الزبالة.»

يقول: «سأنتهي في حفرة في الأرض، وأنت أيضًا، ونحن جميعًا.»

– «يكفي هذا، ديفيد، يزعجني هذا، لا أريد الدخول في جدال.» تجمع أشياءها. «حين تتعب من الخبز والمربى، اتصل بي لأطبخ لك وجبة.»

يُقلقه ذكر ملانيي إسحاق. لم يستسلم أبدًا لعلاقات طويلة. حين تنتهي علاقة، يضعها خلف ظهره. لكن هناك شيئًا لم ينتهِ في مسألة ملانيي. في أعماقه تُختزن رائحتها، رائحةُ رفيقة. هل تتذكر رائحتَه أيضًا؟ من نوعك، قالت روزالند، من يعرف. ماذا إذا تقاطع طريقاهما، طريقه وطريق ملانيي، من جديد؟ هل تكون هناك ومضة من الشعور، علامةً على أن العلاقة لم تكتمل؟

إلا أن فكرة الارتباط بملانيي من جديدٍ فكرةٌ مجنونة. لماذا تتكلم مع رجل أُدِينَ باضطهادها؟ وماذا تظنُّ به على أية حال؟ مغفل بأذن مضحكة، وشعر غير مقصوص، وياقة مجعدة.

زواج كرونوس وهارموني١٤٦ غير طبيعي. هذا ما انعقدت المحاكمة لتعاقبه عليه، وتعرَّت الكلمات الجميلة كلها فورًا. في محاكمة لطريقته في الحياة. لعمليات غير طبيعية: لنشر بذرة قديمة، بذرة مرهَقة، بذرة لا تُحيِي، ضد الطبيعة.١٤٧ كيف يكون مستقبل الجنس البشري إذا افترس المسنون الصبايا؟ كانت تلك، في القاع، فحوى إقامة الدعوى. نصف الأدب عن هذه النقطة: صبايا يكافحن للهروب من ثقل المسنين، من أجل الجنس البشري.

يتنهد. الشابة في ذراعَي شخص آخر، طائشة، منهمكة، في موسيقى حسية. هذا ليس بلدًا للرجال المسنين. يبدو أنه يتنهد كثيرًا. آسف: ملاحظة مؤسفة، عليه أن يخرج.

حتى عامين كان مسرح الدوك مخزنَ تبريد تُعلَّق فيه جثث الخنازير والثيران في انتظار نقلها عبر البحار. صار الآن بقعة رائعة للتسلية. يصل متأخرًا، يجلس على كرسيه والأضواء تُطفأ. «نجاح حاسم، أعيدت بناءً على طلب الجماهير»: هكذا يُعلن عن الغروب في صالون جلوب في إنتاجها الجديد. الفرقة أكثر أناقة، الإخراج أكثر مهنية، وهناك ممثل رئيسي جديد. إلا أن المسرحية، في رأيه، بدعابتها الفجَّة وهدفها السياسي الصريح، لا تُحتمل كما كانت من قبل.

احتفظت ملانيي بدور جلوريا، مصففة الشعر المستجدة. ترتدي قفطانًا١٤٨ قرنفليًّا فوق رداء لاميه محكم ومذهَّب، وجهها مبهرج بالمكياج، شعرها ملفوف في جدائل فوق رأسها، تتمايل على المسرح بكعب عالٍ. دورها متوقع، لكنها تؤديه بتوقيت بارع بنبرة نحيب كابس. إنها عمومًا أكثر ثقة بنفسها من ذي قبل. إنها، جيدة في الدور، موهوبة حقًّا. هل يمكن أن تكون قد كبرَت، وجدَت نفسها، في الشهور التي ابتعد فيها. ما لا يقتلني يجعلني أقوى.١٤٩ ربما كانت المحاكمة محاكمة لها أيضًا؛ ربما عانت أيضًا، واجتازت التجربة.

يتمنى أن تكون لديه علامة. إذا كانت لديه علامة لعرف ما يفعل. إذا كانت تلك الملابس الغريبة، على سبيل المثال، لتحرق جسدها في لهيب بارد وخاص، وكان عليها أن تقف أمامه، بإلهامٍ يخفى عليه وحده، عارية وبارعة كما كانت في تلك الليلة الأخيرة في غرفة لوسي القديمة.

يجلس بين من يقضون الإجازات، وجوههم متوردة، أجسامهم الثقيلة مسترخية، يستمتعون بالمسرحية. انبهروا بملانيي-جلوريا؛ يضحكون ضحكات مكتومة على النكات الجريئة١٥٠ ويقهقهون حين تتبادل الشخصيات الاتهامات والإهانات.

ومع أنهم أهل بلاده، لا يشعر بينهم إلا أنه أكثر غربة، أكثر غربة من مدَّعٍ. إلا أنهم حين يضحكون على دور ملانيي لا يستطيع مقاومة فورة الزَّهو. مِلكي! يودُّ لو يقول، مستديرًا إليهم، كما لو كانت ابنته.

بدون إنذار تعود إليه ذكرى سنوات مضت: التقط امرأة في الواحدة ظهرًا خارج ترومبسبرج، استسلمت له، امرأة في العشرينيات تسافر وحدها، سائحة من ألمانيا، مغبرة لفحتْها الشمس. انطلقا بالسيارة حتى نهر تووز، نزلا في فندق؛ أطعمها ونام معها. يتذكر ساقيها الطويلتين الرفيعتين؛ يتذكر نعومة شعرها، كان في خفة الريش بين أصابعه.

في انفجار فجائي بلا صوت، وكأنه سقط في حلم يقظة، يتدفق تيار من الصور، صور نساء عرفهن في قارتين، بعضهن بعيدات في الزمن حتى إنه يتعرف عليهن بالكاد. يعبرن من أمامه مختلطات كأوراق شجر تعصف بها الرياح. حقلٌ صافٍ مكتظٌّ بالناس: تشابكتْ حيوات بالمئات تشابكًا تامًّا مع حياته. يكتم نفَسَه، لتستمر الرؤية.

ماذا حدث لهن، لكل أولئك النسوة، لكل تلك الحيوات؟ هل هناك لحظات يغطسن فيها أيضًا، أو بعضهن، في محيط الذاكرة؟ الفتاة الألمانية: هل يُحتمل أنها تتذكَّر في هذه اللحظة ذاتها الرجلَ الذي التقطها من على قارعة الطريق في أفريقيا وقضى الليلة معها؟

أثْرَت: تلك هي الكلمة التي تناولتها الصحف بالسخرية. كلمة غبية ما كان يجوز أن يزلَّ بها لسانه، في تلك الظروف، إلا أنه الآن، في هذه اللحظة، يمكن أن يدافع عنها. ملانيي، الفتاة عند نهر تووز؛ روزالند، وبيف شو، وثُريَّا: أَثْرتْه كل منهن، والأخريات أيضًا، حتى أقلهن، حتى حالات الفشل. يفيض قلبه، كزهرة يانعة في صدره، بالشكر.

من أين تأتي هذه اللحظات؟ ترتبط بالنوم، بلا شك؛ لكن ماذا يفسر ذلك؟ إذا كان يُقاد، فأي ربٍّ يقوده إذَن؟

تتواصل المسرحية. أتوا إلى نقطة حيث تشبك مقشة ملانيي في الكَبل الكهربائي. ومضة من الماغنسيوم، ويغرق المسرح في الظلام فجأةً. «يسوع المسيح، أنت فتاة غبية.»١٥١ يصرخ مصفف الشعر.

بينه وبين ملانيي عشرون صفًّا من المقاعد، لكنه يتمنى أن تشمَّه، تشمَّ أفكاره، في هذه اللحظة، عبر الفضاء.

يرتطم شيءٌ خفيف برأسه، يعيده إلى العالم. بعد لحظة يطير شيء ويرتطم في المقعد الذي أمامه: قطعة ورق ممضوغة في حجم بلية. ضربة ثالثة في الرقبة. إنه الهدف، لا شكَّ في ذلك.

يُفترض أن يلتفت ويحملق. من فعل ذلك؟ يُفترَض أن ينبح، أو يحدق أمامه بثبات متظاهرًا بأنه لا يلاحظ.

ترتطم طلقة رابعة بكتفه وترتدُّ في الهواء. يختلس رجل في الكرسي المجاور نظرةً مرتبكة.

تقدَّم التمثيل على المسرح. سِدْني مصفف الشعر يفتح الظرف القاتل، يمزقه ويقرأ بصوت عالٍ إنذار صاحب الأرض. عليهم دفع الإيجار المتأخر قبل نهاية الشهر، وفي حالة عدم الدفع يُغلَق الجلوب. «ماذا نفعل؟» تنوح مِريام، المرأة التي تغسل الشعر.

«هس.» يأتي هسيس من خلفه، بصوت منخفض لا يكاد يُسمَع. «هس».

يلتفت، ترتطم طلقة في صدغه. يقف على الحائط الخلفي ريان، الرفيق الذي يضع حلقًا في أذنه وله لحية صغيرة. تلتقي عيناهما. يهمس ريان بصوتٍ أجش. برغم الغيظ في تصرفه يبدو هادئًا تمامًا وعلى شفتَيه ابتسامة صغيرة.

تستمر المسرحية، لكن حوله الآن موجةٌ واضحة من الاضطراب. «هس.» يهسهس ريان مرةً أخرى. «اهدأ!» تتعجب المرأة التي على بُعد مقعدَين، متجهةً إليه، مع أنه لم يصدر عنه أي صوت.

هناك خمسة أزواج من الرُّكَب عليه يصارعها (سامحني! سامحني!) ونظرات متداخلة، وهمهمة غاضبة، قبل أن يتمكن من الوصول إلى الممر، ويعثر على طريقه للخروج، في ليل عاصف بلا قمر.

خلفه صوت. يلتفت. سيجارة مشتعلة: يتبعه ريان إلى موقف السيارات.

يقول بصوت حاد: «هل تبرر تصرفك؟ هل تبرر هذا السلوك الصبياني؟»

يسحب ريان نفسًا من سيجارته. «فقط أقدِّم لك جميلًا، بروفيسور ديفيد. ألم تتعلم درسَك؟»

– «ماذا كان درسي؟»

– «تبقى مع نوعك.»

نوعك: من هذا الولد ليحدد له نوعه؟ ماذا يعرف عن القوة التي تدفع أبعد الناس عن بعض إلى أذرع بعضهم البعض، وتجعلهم أقارب، من نوع واحد، أبعد من أي تعقل؟ تتمنى كل قومية، مهما تكن، أن تكتمل بنفسها.١٥٢ تندفع بذرة الجيل، لتحسين نفسها، اندفاعًا عميقًا في جسد المرأة، تندفع لجلب المستقبل إلى الوجود. تندفع اندفاعًا.

يتحدث ريان: «دعها وشأنها يا رجل! تبصق ملانيي في عينك إذا رأتك.» يلقي بسيجارته، يقتربُ خطوة. قد يعتقد المرء، تحت النجوم الساطعة، أن كلًّا منهما يواجه الآخر على نار. «اعثر لنفسك على حياة أخرى، بروفيسور. صدِّقني.»

يرجع بسيارته ببطء بطول الشارع الرئيسي في المنطقة الخضراء. تبصق في عينك: لم يكن ليتوقع ذلك. ترتجف يده على عجلة القيادة. صدمات الوجود: يجب أن يتعلم تناولها بشكل أبسط.

المارَّة في الشارع أكثر من أن يُحصَوا؛ تلتقي عينه عند إشارة المرور بواحدة منهن، فتاة طويلة بجيبة قصيرة سوداء من الجلد. يفكِّر: لماذا لا، في ليلة الإلهامات هذه؟

٢٠

يتنزهان في طريق مسدودة على منحدرات هضبة سيجنل. الفتاة مخمورة أو ربما تحت تأثير عقاقير: لا يفهم شيئًا منها. إلا أنها تؤدي عملها معه بالجودة التي يتوقعها، وتستلقي ووجهها في حضنه، تستريح. إنها أصغر مما بدت في أنوار الشارع، أصغر حتى من ملانيي. يضع يدًا على رأسها. تتوقف الرعشة. يشعر بوخم وقناعة؛ بحماية غريبة أيضًا.

يفكر: هذا إذَن كل ما يستغرق الأمر. كيف أنسى ذلك؟

ليس رجلًا سيئًا لكنه أيضًا ليس رجلًا طيبًا. ليس باردًا لكنه ليس حارًّا، حتى في أحرِّ حالاته. لا بمقياس تريزا؛ ولا حتى بمقياس بيرون. يفتقر إلى النار: هل يكون ذلك حكم المحلفين عليه، مُحلَّفي الكون وعينه التي تبصر كل شيء؟

تتحرك الفتاة، تنتصب، تُهمهم: «إلى أين تأخذني؟»

– «أعيدك إلى حيث وجدتُكِ.»

يبقى على اتصال تليفوني بلوسي. تجتهد في محادثاتهما لتؤكد له أن كل شيء على ما يرام في المزرعة، فيعطيها انطباعًا بأنه لا يشك فيها. تخبره بأنها تعمل بجدية في شتلات الزهور، حيث يزدهر محصول الربيع الآن. تم إحياء مؤسسة الكلاب. لديها كلبان يقيمان إقامة كاملة وتأمل في المزيد. بطرس مشغول بمنزله، لكنه ليس مشغولًا بدرجة لا تسمح له بالمساعدة. يزورها شو وزوجها باستمرار. لا، لا تحتاج فلوسًا.

لكن في نبرة لوسي ما يزعجه. يتصل ببيف شو. يقول: «أنت الوحيدة التي يمكن أن أسألها. كيف حال لوسي، بصدق؟»

بيف شو تحترس: «ماذا قالت لك؟»

– «تقول لي إن كل شيء رائع. لكنها تبدو مثل زومبي.١٥٣ تبدو وكأنها تحت تأثير مهدئات. هل هي كذلك؟»

تتهرب بيف شو من السؤال. ومع ذلك، تقول — ويبدو أنها تختار كلماتها بعناية — كانت هناك «تطورات».

– «أية تطورات؟»

– «لا يمكن أن أخبرك، ديفيد. لا تحرجني. على لوسي أن تخبرك بنفسها.»

يتصل بلوسي. يقول كاذبًا: «عليَّ القيام برحلة إلى دربان. هناك احتمال أن أحصل على وظيفة. هل يمكن أن أتوقف عندك يومًا أو اثنين؟»

– «هل كانت بيف تتحدث معك؟»

– «لا علاقة لبيف بذلك. هل آتي؟»

يطير إلى بورت إليزابيث ويؤجر سيارة. يتحول بعد ساعتين عن الطريق إلى المسار الذي يأخذه إلى المزرعة، مزرعة لوسي، نصيب لوسي من الأرض.

هل هي أرضه أيضًا؟ لا تبدو أرضه. رغم الوقت الذي قضاه هنا، تبدو كأنها أرض غريبة.

هناك تغيرات. سياج من السلك، ليس قائمًا بمهارة، يعلِّم الحدود بين أرض لوسي وأرض بطرس. يرعى، على ناحية بطرس، عجلان هزيلان. أصبح منزل بطرس حقيقة. يقف، رماديًّا بلا ملامح، على ربوة شرق بيت المزرعة القديم؛ يخمِّن: لا بد أن له ظلًّا طويلًا في الصباح.

تفتح لوسي الباب في جلباب بلا ملامح، قد يكون أيضًا ثوبًا للنوم. انتهت حالتها القديمة التي تنمُّ عن صحة جيدة ونشاط. شاحبة، لم تغسل شعرها. تردُّ على عناقه بفتور. تقول: «ادخل. أعددتُ شايًا للتو.»

يجلسان معًا إلى طاولة المطبخ. تصبُّ الشاي، تقدِّم له شرائح من الزنجبيل. تقول: «حدِّثني عن عرض دربان.»

– «يمكن لهذا أن ينتظر. أنا هنا، لوسي، لانشغالي عليكِ. هل أنت بخير؟»

– «أنا حامل.»

– «أنت ماذا؟»

– «أنا حامل.»

– «ممن؟ من ذلك اليوم؟»

– «من ذلك اليوم.»

– «لا أفهم. ظننتُ أنك احتطتِ من ذلك، أنت والممارس العام.»

– «لا.»

– «ماذا تعنين بلا؟ هل تعنين أنك لم تحتاطي؟»

– «احتطتُ. احتطتُ بكل السبل المناسبة بعد ما ألمحتَ إليه بوقت قصير. لكني لم أُجهض. هذا شيء لستُ مستعدة للتعرض له مرةً أخرى.»

– «لم أعرف أن هذا موقفك. لم تخبريني أبدًا أنك لا تؤمنين بالإجهاض. لماذا تثار مسألة الإجهاض على أية حال؟ اعتقدتُ أنك تناولتِ أُفرال.»١٥٤

– «لا علاقة لهذا بالإيمان. ولم أقل أبدًا إني تناولتُ أُفرال.»

– «كان يمكن أن تخبريني قبل ذلك. لماذا كتمتِ ذلك عني؟»

– «لأني لا أستطيع مواجهة نوبة من نوبات انفجارك. ديفيد، لا يمكن أن أعيش حياتي طبقًا لما تحبُّ أن أفعل وما لا تحب. لا أحتمل أكثر من ذلك. تتصرف كأن كل ما أفعل جزءٌ من قصة حياتك. أنت الشخصية الرئيسية، وأنا شخصية ثانوية لا تظهر إلا في منتصف الطريق. حسنًا، لا ينقسم الناس، عكس ما تعتقد، إلى شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية. لي حياتي الخاصة، وهي مهمة لي قدْرَ أهميةِ حياتك لك، وفي حياتي أنا من تتخذ القرارات.»

انفجار؟ أليس هذا انفجارًا حقيقيًّا؟ يقول، يأخذ يدها عبر الطاولة: «يكفي هذا، لوسي. هل تقولين إنك في سبيلك لإنجاب طفل؟»

– «نعم.»

– «طفل من أحد أولئك الرجال؟»

– «نعم.»

– «لماذا؟»

– «لماذا؟ أنا امرأة، ديفيد. هل تعتقد أني أكره الأطفال؟ هل أعادي الطفل بسبب أبيه؟»

– «هذا معروف. متى تتوقعين ذلك؟»

– «في مايو. نهاية مايو.»

– «وذهنك مستعد؟»

– «نعم.»

– «حسن جدًّا. هذه بمثابة صدمة لي، أعترف، لكن سأقف بجانبك، بصرف النظر عن القرار الذي تتخذينه. لا شكَّ في ذلك. الآن أتمشى بعض الوقت. يمكن أن نتحدث مرةً أخرى فيما بعد.»

لماذا لا يتحدثان الآن؟ لأنه مهتزٌّ، لأن هناك خطرًا أن ينفجر هو الآخر.

تقول إنها ليست على استعداد للخوض في ذلك مرةً أخرى. تعرضَت لإجهاض قبل ذلك. لم يخمِّن ذلك أبدًا. متى كان ذلك؟ وهي تعيش في البيت؟ هل عرفَت روزالند وظلَّ في الظلام؟

عصابة الثلاثة. ثلاثة آباء في واحد. مغتصبون أكثر من لصوص — وصفتهم لوسي — مغتصبون وجباة ضرائب أيضًا يجولون في المنطقة، يهاجمون النساء، وينغمسون في مُتعهم العنيفة. حسنًا، أخطأت لوسي. ما كانوا يغتصبون، كانوا يتزاوجون. لم يدر العرضَ مبدأُ المتعة بل الخُصي. أكياس تنتفخ ببذور تتألم لتكتمل. والآن انظر وشاهد، الطفل! يسميه الطفل فعلًا وهو مجرد دودة في رحم ابنته. أي طفل يمكن أن تمنحه الحياةَ بذرةٌ من هذا القبيل، بذرة دُفعت في امرأة بالكراهية لا الحب، تُخلَط بشكل مشوش، لتلطِّخها، لتَصِمَها، مثل بول الكلب؟

أب لا يشعر أن له ابنًا: هل هكذا ينتهي الأمر تمامًا؟ هل هكذا ينتهي دوره، مثل ماء ينقِّط في الأرض؟ من كان يفكر في هذا؟! يوم كأي يوم آخر، سموات صافية، شمس معتدلة، لكن كل شيء يتغيَّر فجأةً، يتغير حقًّا!

يقف إلى حائط خارج المطبخ، يخبِّئ وجهه بيديه، يتنهد ويتنهد ويصرخ في النهاية.

يمكث في غرفة لوسي القديمة، التي لم تَستردَّها. يتجنبها بقية بعد الظهيرة، يخشى أن تأتي بعمل طائش.

على العشاء هناك بوح جديد، تقول: «بالمناسبة، عاد الولد.»

– «الولد؟»

– «نعم، الولد الذي تشاجرت معه في حفل بطرس. يقيم مع بطرس، يساعده. اسمه بولوكس.»

– «ليس منسيديسي؟ ليس نقابيًّا كهي؟ اتضح كل شيء، بولوكس ليس إلا …؟»

– «ب-و-ل-و-ك-س. ديفيد، هل يمكن أن نستريح بعض الشيء من سخريتك المزعجة؟»

– «لا أعرف ما تقصدين.»

– «تعرف بالطبع. استخدمتَها سنواتٍ ضدي وأنا طفلة، لتُميتَني. لا يمكن أن تنسى. على أية حال، اتضح أن بولوكس أخو زوجة بطرس. لا أعرف ما إن كان ذلك يعني أنه أخ حقيقي. لكن لبطرس التزامات تجاهه، التزامات عائلية.»

– «هكذا ينكشف كل شيء. الآن يعود بولوكس الصغير إلى مسرح الجريمة، وعلينا أن نتصرف وكأن شيئًا لم يكن.»

– «لا تسخط، ديفيد، ذلك لا يفيد. طبقًا لما يقوله بطرس، خرج بولوكس من المدرسة ولا يستطيع العثور على وظيفة. فقط أريد أن أحذِّرك أنه قريب. أتجنبه إذا كنتُ مكانك. أتوقع أن لديه مشكلة. لكن لا أستطيع أن آمره بترك المزرعة، ليس في قدرتي.»

– «خصوصًا …» لا ينهي الجملة.

– «خصوصًا ماذا؟ قلْها.»

– «خصوصًا حين يكون أبًا لطفل تحملينه. لوسي، وضعك سخيف، أسوأ من سخيف، منحوس. لا أعرف كيف تفشلي في رؤيته. أتوسل إليك، اتركي المزرعة قبل فوات الأوان. هذا الشيء المعقول الوحيد المتبقي لتفعليه.»

– «كُفَّ عن وصفها بالمزرعة، ديفيد، إنها مجرد قطعة أرض أربِّي أشياء فيها. نعرف ذلك. لكن لا، لن أتخلى عنها.»

يذهب إلى السرير بقلب مثقل. لا شيء تغير بينه وبين لوسي، لا شيء التأم. ينهش كلٌّ منهما الآخر وكأنه لم يغب إطلاقًا.

الصباح. يتسلق السياج المبني حديثًا. زوجة بطرس تنشر الغسيل خلف الإسطبلات القديمة. يقول: «صباح الخير، مولو.١٥٥ أبحث عن بطرس.»

لا تلتقي عيناها بعينيه، لكنها تشير بفتور إلى المبنى. حركاتها بطيئة، وثقيلة. أوشكت على الانتهاء من عملها، حتى هو يمكن أن يرى ذلك.

يطلي بطرس النوافذ. هناك ثرثرةٌ طويلة من الترحيب عليه أن يمرَّ بها، لكن حالته المزاجية لا تسمح بذلك. يقول: «تخبرني لوسي بعودة الولد مرةً أخرى. بولوكس. الولد الذي اعتدى عليها.»

ينظِّف بطرس سكينه بالكشط ويضعها جانبًا. يقول، يدغم حرف الراء: «إنه قريبي. الآن هل آمره بالابتعاد بسبب ما حدث؟»

– «قلتَ لي إنك لا تعرفه. كذبتَ عليَّ.»

يضع بطرس غليونه بين أسنانه الصفراء ويسحب بقوة، ثم يبعد الغليون ويبتسم ابتسامة عريضة. يقول: «أكذب، أكذب عليك.» يسحب نفسًا آخر. «لماذا أكذب عليك؟»

– «لا تسألْني، اسأل نفسك، بطرس. لماذا تكذب؟»

تلاشت الابتسامة. «ذهبتَ، وعدتَ من جديد. لماذا؟» يرمقه بتحدٍّ. «لا عمل لديك هنا. تأتي لترعى طفلتك. أنا أيضًا أرعى طفلي.»

– «طفلك؟ الآن هو طفلك، بولوكس هذا؟»

– «نعم. إنه طفل، من أسرتي، من أهلي.»

هكذا. لم يعد يكذب. أهلي. إجابة صريحة قدر ما يتمنى. حسنًا، لوسي أهله.

يواصل بطرس: «تقول ما حدث كان سيئًا. أقول أيضًا كان سيئًا. لكنه انتهى.» يأخذ الغليون من فمه، يضرب ساق الغليون بعنف في الهواء. «انتهى.»

– «لم ينتهِ. لا تتظاهر بأنك لا تعرف ما أقصده. لم ينتهِ. بالعكس، يبدأ للتو. يستمر طويلًا بعد موتي وموتك.»

يحدِّق بطرس بتأمل، لا يتظاهر بعدم الفهم. يقول في النهاية: «سوف يتزوجها. سوف يتزوج لوسي، إنه فقط صغير جدًّا، أصغر من أن يتزوج. ما زال طفلًا.»

– «طفل خطير. سفاح صغير. ابن آوى.»

يتجاهل بطرس الإهانات: «نعم، إنه صغير جدًّا، صغير جدًّا. ربما يستطيع أن يتزوج ذات يوم، لكن ليس الآن. أتزوج.»

– «تتزوج من؟»

– «أتزوج لوسي.»

لا يصدق أذنيه. هكذا، ذلك ما كان من أجله كل هذا الصراع في الظل: إنها مؤامرة، إنها صفعة! وهنا يقف بطرس عنيدًا، ينفخ في الغليون الفارغ، في انتظار الرد.

يقول باحتراس: «تتزوج لوسي. اشرح لي ما تقصد. لا، انتظرْ، من الأفضل ألَّا تشرح. إنه شيء لا أريد أن أسمعه. نحن لا نفعل الأشياء بهذه الطريقة.»

نحن: إنه على وشك أن يقول نحن الغربيين.

يقول بطرس: «نعم، يمكن أن أرى، يمكن أن أرى.» يضحك ضحكة حقيقية. «لكني أخبرك، وأنت تخبر لوسي؛ فينتهي كل هذا السوء.»

– «لوسي لا ترغب في الزواج، لا ترغب في الزواج من رجل. ليس اختيارًا يمكن أن تفكر فيه. لا يمكن أن أكون أوضح من ذلك. تريد أن تعيش حياتها بطريقتها.»

يقول بطرس: «نعم، أعرف.» ربما يعرف حقًّا. أحمق لو قلل من شأن بطرس. يقول بطرس: «لكن هنا، خطر، خطر جدًّا. لا بدَّ للمرأة أن تتزوج.»

يقول للوسي فيما بعد: «حاولتُ تناول الأمر ببساطة، مع أني ما كنتُ أصدِّق ما أسمع. كان ابتزازًا صريحًا وبسيطًا.»

– «لم يكن ابتزازًا. أنت مخطئ في ذلك. أتمنى ألَّا تكون قد فقدت أعصابك.»

– «لا، لم أفقد أعصابي. قلتُ سأنقل عرضه، هذا كل شيء. قلتُ أشكُّ في أنك ستهتمين بالأمر.»

– «هل انزعجتَ؟»

– «انزعجتُ من فكرة أن أكون حما بطرس؟ لا. أُخذتُ على حين غِرَّة، دُهشتُ، صُعقتُ، لكن لا، لم أنزعج، صدقيني في ذلك.»

– «لأنها، يجب أن أخبرك، ليست المرة الأولى. يأتي بطرس ببعض التلميحات منذ فترة. وأجد من الأكثر أمنًا أن أصبح جزءًا من مؤسسته. ليست نكتة، وليس تهديدًا. إنه جاد بمستوًى من المستويات.»

– «ليس لديَّ شك في أنه جاد بمعنًى ما. السؤال: بأي معنًى؟ هل يدرك أنك …؟»

– «تقصد: هل يدرك حالتي؟ لم أخبره. لكني متأكدة من أنه وزوجته سيبحثان المسألة جيدًا.»

– «ولن يجعله ذلك يغير رأيه؟»

– «لماذا؟ يجعلني ذلك جزءًا آخر من العائلة. على أية حال، لا يتطلع إليَّ، إنه يتطلع إلى المزرعة؛ المزرعة دوطتي.»

– «لكن هذا محال، لوسي! إنه متزوج! قلتِ إن له زوجتين. كيف يمكن حتى أن تفكري في الأمر؟»

– «لا أعتقد بأنك تفهم الموضوع، ديفيد. لا يعرض بطرس عليَّ عرسًا كنسيًّا يتبعه شهر عسل على الساحل البري.١٥٦ يعرض حلفًا، صفقة. أشارك بالأرض، مقابل أن يُسمَح لي بأن أزحف تحت جناحه. يريد بطريقة أخرى أن يذكِّرني بأني بدون حماية، بأني لعبة جميلة.»

– «وذلك ليس ابتزازًا؟ ماذا عن البعد الشخصي؟ أليس هناك بعدًا شخصيًّا في العرض؟»

– «هل تقصد ما إن كان بطرس يتوقع أن أنام معه؟ لستُ متأكدة من أن بطرس يريد أن ينام معي، إلا إذا كنتُ لا أفهم رسالته. لكن، بصراحة، لا، لا أريد أن أنام مع بطرس. لا بالتأكيد.»

– «إذَن لسنا في حاجة لمناقشة الموضوع أكثر من ذلك. هل أنقل قرارك إلى بطرس؟ هذا العرض غير مقبول، ولن أقول لماذا!»

– «لا. انتظرْ. قبل أن تعتلي صهوة حصانك مع بطرس، انتظرْ لحظة لتفكِّر في موقفي بموضوعية. بموضوعية أنا امرأة وحيدة، لا إخوة لي؛ لي أب، لكنه بعيد، وعلى أية حال لا حول له فيما يدور هنا. إلى من ألجأ لحمايتي، لنصرتي؟ لإتنجر؟ ليست إلا مسألة وقت قبل أن يوجد إتنجر وطلقة في ظهره. عمليًّا، لا يوجد إلا بطرس. ربما لا يكون بطرس رجلًا عظيمًا لكنه عظيم بما يكفي لشخصية صغيرة مثلي. وأنا على الأقل أعرف بطرس. لا أوهام لديَّ بشأنه. أعرف لماذا أتورط.»

– «لوسي، أعرض المنزل في كيب تاون للبيع. أنا مستعدٌّ لإرسالك إلى هولندا. وبديلًا لذلك مستعدٌّ لإعطائك ما تحتاجين إليه للبدء من جديد في مكان أكثر أمنًا من هنا. فكري في ذلك.»

كأنها لم تسمعه. تقول له: «ارجع إلى بطرس. اقترح ما يلي: قل إني أقبل حمايته. قل يمكن أن يضع ما يحبُّ من القصص عن علاقتنا ولن أعارضه. إذا أراد إعلان أني زوجته الثالثة، فليكن. خليلته، فهو كذلك. ويكون الطفل في هذه الحالة طفله أيضًا. يصبح الطفل جزءًا من عائلته. بالنسبة للأرض، قل إنني سأوقِّع له عليها إذا بقي المنزل لي. أصبح نزيلة في أرضه.»

– «مزارعة.»١٥٧

– «مزارعة. لكن يبقى المنزل لي، أكرر ذلك. لا أحد يدخل هذا المنزل بدون إذني. بما في ذلك هو نفسه. وسأحتفظ بحظائر الكلاب.»

– «هذا ليس عمليًّا، لوسي. ليس عمليًّا من الناحية القانونية. تعرفين ذلك.»

– «إذَن ماذا تقترح؟»

تجلس في ثياب المنزل والشبشب وجريدة الأمس في حجرها. يتدلى شعرها خفيفًا؛ وزنها زائد، مترهلة. بدأت تبدو أكثر شبهًا بامرأة من النسوة اللائي يمشين بتثاقل حول دهاليز دور الرعاية ويهمسن لأنفسهن. لماذا يهتم بطرس بالتفاوض؟ لا تستطيع أن تصمد؛ اتركْها وحدها تسقطْ قريبًا كثمرة فاسدة.

– «قدَّمتُ اقتراحي؛ اقتراحين.»

– «لا، لن أغادر. اذهب إلى بطرس وأخبرْه بما قلتُ. أخبرْه أني أتخلى عن الأرض. أخبرْه أنه يستطيع امتلاكها، سند الملكية وكل شيء. سيرحب بذلك.»

بينهما وقفة.

يقول في النهاية: «يا لها من مَذلَّة! تنتهي الأماني السامية بهذا الشكل.»

– «نعم، أوافق، إنها مذلة. لكن ربما كانت نقطة مناسبة أبدأ منها مرةً أخرى. ربما هذا ما عليَّ أن أتعلم قبوله، أن أبدأ من مستوى الأرض، بلا شيء، بلا شيء إطلاقًا، بلا شيء؛ بلا كروت، بلا أسلحة، بلا ملكية، بلا حقوق، بلا كرامة.»

– «مثل كلبة.»

– «نعم، مثل كلبة.»

٢١

خرج في الضحى ومعه البولدوج كاتي للتمشية. يندهش لأن كاتي تسير بسرعته؛ لأنه صار أبطأ أو لأنها صارت أسرع. تنهج وتلهث كما كانت دائمًا، ويبدو أن هذا لم يعد يزعجه.

حين يقتربان من المنزل يلاحظ الولد، الولد الذي قال بطرس إنه من أهلي، يقف ووجهه للحائط الخلفي. يظنُّ في البداية أنه يتبول؛ يدرك أنه يحدِّق من نافذة الحمَّام، يحدِّق في لوسي.

تتذمر كاتي، لكن الولد مستغرق حتى إنه لا يلتفت، وهو يستدير يكونان على رأسه. تلطم راحته وجه الولد. يصيح: «أنت خنزير!» ويلطمه ثانية حتى يترنح. «أنت خنزير قذر!»

يحاول الولد، مروَّعًا لا متألمًا، أن يجري فتتعثر قدماه. تلحقه الكلبة فورًا. تغلق أسنانها على كوعه؛ تثبِّتُ ساقيها الأماميتين وتشدُّ وتتذمَّر. يحاول الإفلات منها بصرخة ألم. يضربها بقبضته، لكن ضرباته تفتقر إلى القوة فتتجاهلها الكلبة.

ما زالت الكلمة ترنُّ في الهواء: خنزير! لم يشعر أبدًا بهذا الغيظ العنيف. يودُّ أن يلقِّنَ الولد ما يستحق: علقة حقيقية. تعبيرات تجنبها طوال حياته تبدو فجأةً مضبوطة وصحيحة: لقِّنه درسًا، عرِّفه مركزه. يفكِّر: هكذا يبدو الأمر! هكذا يبدو حين يكون المرء سوقيًّا!

يركل الولد بقوة، فينبطح أرضًا. بولوكس! يا له من اسم!

تغير الكلبة الوضع، تعتلي جسد الولد، وتشدُّ ذراعه بقوة، وتمزِّق قميصه. يحاول الولد دفعها فلا تتزحزح. يصرخ متألمًا: «آه آه آه آه آه!» يصرخ: «سأقتلك!»

ثم تظهر لوسي في المشهد. تأمر: «كاتي!»

تنظر إليها الكلبة شذرًا ولا تطيعها.

تنزل لوسي على ركبتيها، تمسك الكلبة من طوقها، تكلِّمها بهدوء وحزم. ترخي الكلبة قبضتها على مضض.

تقول: «هل أنتَ بخير؟»

يئنُّ الولد من الألم. يسيل المخاط من أنف الولد. يتنهد: «سأقتلك!» يبدو على وشك الصراخ.

تشمِّر لوسي كمَّه. هناك آثار واضحة لعض الكلبة؛ وهما يشاهدان، تنبثق قطرات من الدم على الجلد الأسود.

تقول: «تعالَ، نذهب ونغسله.» يمتصُّ الولد المخاط والدموع، ويهزُّ رأسه.

لا ترتدي لوسي إلا دثارًا. وهي تنهض، ينزلق الحزام فيتعرَّى ثدياها.

كان ثديا ابنته، حين رآهما آخر مرة وهي في السادسة، برعمين خجولين. هما الآن ثقيلان، مستديران، يحتويان على لبن تقريبًا. يخيم الصمت. يحدِّق؛ يحدِّق الولد أيضًا بلا خجل. يتملكه الغيظ ثانية، ويعميه.

تبتعد لوسي عن الاثنين، تغطِّي نفسها. بحركة واحدة سريعة يقف الولد على قدميه وينطلق بعيدًا. يصرخ: «سنقتلكم جميعًا!» يستدير؛ يسحق شتلات البطاطس متعمِّدًا؛ ينحني تحت السياج السلك وينسحب باتجاه منزل بطرس. يمشي بزهو، إلا أنه ما زال يمسك بذراعه.

لوسي على حق. فيه عيب، عيب في رأسه. طفل عنيف في جسم رجل صغير. لكن في الموضوع، إضافة إلى ذلك، زاويةً لا يفهمها. ما تقوم به لوسي، حماية الولد؟

تتكلم لوسي: «لا يمكن أن يستمر هذا، ديفيد. أستطيع التعامل مع بطرس وأتباعه،١٥٨ أستطيع التعامل معك، ولا يمكن أن أتعامل معكم جميعًا.»

– «كان يحدِّق فيك من النافذة. هل تدركين ذلك؟»

– «إنه مختل، طفل مختل.»

– «هل هذا عذر؟ عذر عما فعله بك؟»

تتحرك شفتا لوسي، ولا يسمع ما تقول.

يواصل: «لا أثق فيه. متقلب. يشبه ابن آوى، يشمُّ حوله، يبحث عن الأذى. قديمًا كانت هناك كلمة نطلقها على مثل هؤلاء الناس: ناقص، ناقص ذهنيًّا، ناقص خُلقيًّا. يجب أن يكون في مصحة.»

– «هذا حديثٌ متهور، ديفيد. إذا أردتَ التفكير بهذه الطريقة فاحتفظْ به لنفسك من فضلك. على أية حال، ما تفكر فيه أمرٌ فرعي. إنه هنا، لن يختفي في نفخة دخان، إنه حقيقة من حقائق الحياة.» تنظر إليه مباشرة، محدِّقةً في ضوء الشمس. تقعي كاتي على أقدامها، تلهث لهاثًا خفيفًا، سعيدة بنفسها، بإنجازاتها. «ديفيد، لا يمكن أن نستمر بهذا الشكل، استقرَّ كل شيء، كان كل شيء قد هدأ من جديد، حتى عدتَ. لا بدَّ أن أعيش في سلام. أنا مستعدة لعمل أي شيء، للقيام بأية تضحية، من أجل السلام.»

– «وأنا جزء مما أنت مستعدة للتضحية به؟»

تهزُّ كتفيها: «لم أقل ذلك، قلتَه أنت.»

– «أحزم حقائبي إذَن.»

ما زال، بعد الحدث بساعات، يشعر بوخز خفيف في يده من الضربات. يغلي غضبًا حين يفكر في الولد وتهديداته. ويخجل، في الوقت ذاته، من نفسه. يدين نفسه بشكل مطلق. لم يلقِّن أحدًا درسًا؛ بالتأكيد لم يلقن الولد. كل ما فعله جعله يزداد غربةً عن لوسي. ظهر أمامها في نوبات الانفعال، ومن الواضح أنها لا تحب ما تراه.

عليه أن يعتذر. لا يستطيع. لا يسيطر، على ما يبدو، على نفسه. يغيظه شيء في بولوكس: عيناه البشعتان المبهمتان، وقاحته، لكن أيضًا فكرة أنه كعشبةٍ ضارَّة تشابكتْ جذورها مع لوسي ووجود لوسي.

إذا أهان بولوكس ابنتَه مرةً أخرى، فسيضربه مرةً أخرى. لا بدَّ أن تغير حياتك:١٥٩ لا بد أن تغير حياتك. إنه أكبر من أن يبالي، أكبر من أن يغير. ربما تستطيع لوسي الانحناء للعاصفة؛ لا يستطيع، ليس في الشرف.

هذا ما يجعله يستمع لتريزا. ربما تريزا آخر واحدة يمكن أن تنقذه. تريزا شرفٌ انقضى. تُعرِّض ثديَيها للشمس؛ تعزف على البنجو أمام الخدم ولا تبالي إذا تكلفوا الابتسامة. لها أشواق خالدة. تغني أشواقها. لن تموت.

يصل إلى العيادة وبيف شو تغادرها. يتعانقان، بتردُّدٍ مثل غريبين. من الصعب تصديق أنهما رقدا يومًا عاريين وكلٌّ منهما في ذراعَي الآخر.

تسأل: «هل هذه مجرد زيارة أم إنك عائدٌ لبعض الوقت؟»

– «عائد لفترة بقدر ما يستدعي الأمر. لكن لن أبقى مع لوسي. أنا وهي غير منسجمين. سأعثر لنفسي على غرفة في البلدة.»

– «آسفة. ما المشكلة؟»

– «بيني وبين لوسي؟ لا شيء، كما أتمنى. لا شيء لا يمكن إصلاحه. المشكلة مع من تعيش بينهم. حين أُضاف، نصبح كثيرًا جدًّا، كثيرًا جدًّا في مكان صغير جدًّا، مثل عناكب في زجاجة.»

تأتيه صورة من الجحيم:١٦٠ المستنقع الهائل لإستاكس،١٦١ حيث تغلي الأرواح مثل عش الغراب. انظر الآن إلى أرواح من هزمهم الغضب؛١٦٢ أرواح يسيطر عليها الغضب، تنهش كلٌّ منها الأخرى. عقاب يناسب الجريمة.

– «هل تتحدث عن ذلك الولد الذي انتقل للعيش مع بطرس؟ يجب أن أقول إني لم أحب مظهره. لكن طالما بقي بطرس هناك، فمن المؤكد أن لوسي بخير. ربما حان الوقت، ديفيد، لتتراجع وتترك لوسي تكتشف حلولًا لنفسها. تستطيع النساء التكيف. تستطيع لوسي التكيف. وهي صغيرة؛ تعيش أقرب إلى الأرض منك، أقرب من أيٍّ منا.»

تستطيع لوسي التكيف؟ تلك ليست خبرته. يقول: «تطلبين مني أن أتراجع. إذا تراجعتُ منذ البداية، فأين كانت لوسي الآن؟»

بيف شو صامتة. هل هناك شيء يخصه تراه بيف شو ولا يراه؟ لأن الحيوانات تثق فيها، عليه أن يثق فيها أيضًا، لتلقِّنَه درسًا؟ تثق الحيوانات فيها فتستخدم هذه الثقة لتُصفِّيَها. ما الدرس في ذلك؟

يتلعثم: «إذا تراجعتُ وحدثت كارثةٌ جديدة في المزرعة، كيف أتواءم مع نفسي؟»

تهزُّ كتفيها. تسأل بهدوء: «هل هذا هو السؤال الأخير، ديفيد؟»

– «لا أعرف. لم أعد أعرف ما السؤال. بين جيل لوسي وجيلي ستارة يبدو أنها سقطت. لم أعرف حتى متى سقطت.»

بينهما صمت طويل.

يواصل: «على أية حال، لا أستطيع البقاء مع لوسي؛ لذا أبحث عن غرفة. إذا تصادف وسمعتِ عن شيء في جرهمزتاون، فعرِّفيني. ما جئتُ أساسًا لأقوله أني متاح للمساعدة في العيادة.»

تقول بيف شو: «سيكون ذلك مفيدًا.»

يشتري شاحنة صغيرة حمولة نصف طن من صديق لبيل شو، ويدفع شيكًا بألف رند وآخر بسبعمائة رند يؤجل إلى نهاية الشهر.

يقول الرجل: «فيمَ تنوي استخدامها؟»

– «الحيوانات. الكلاب.»

– «تحتاج إلى حواجز على ظهرها، حتى لا تقفز. أعرف شخصًا يمكن أن يثبتها لك.»

– «كلابي لا تقفز.»

عمر الشاحنة طبقًا لأوراقها اثنا عشر عامًا، يبدو المحرك ناعمًا جدًّا. يقول لنفسه: على أية حال، لن تبقى إلى الأبد. لا شيء يبقى إلى الأبد.

بعد إعلان في جروكوت ميل يستأجر غرفة في منزل قرب المستشفى. يستأجرها باسم لوريي، ويدفع إيجار شهر مقدَّمًا، ويقول لصاحبة المنزل إنه في جرهمزتاون للعلاج. لا يقول العلاج من أي مرض، لكنه يعرف أنها تعتقد أنه السرطان.

يصرف الفلوس كالماء. لا مشكلة.

من محل معسكر يشتري سخانًا بالغمر،١٦٣ وموقدًا صغيرًا يعمل بالغاز، وقدرًا من الألمونيوم. وهو يحملها إلى غرفته، يقابل مالكة المنزل على السلالم. تقول: «لا نسمح بالطبخ في الغرف، مستر لوريي. في حالة حدوث حريق، تعرف.»

الغرفة مظلمة، مكتومة، مكتظة بالأثاث، الفراش خشن. لكن سيعتاد عليها، كما تعود على أشياء أخرى.

هناك مقيم آخر، مدرس متقاعد. يتبادلان التحية على الفطور، ولا يتحدثان بقية الوقت. يغادر بعد الفطور إلى العيادة ويقضي اليوم هناك، كل يوم، بما في ذلك الأحد.

تصبح العيادة، أكثر من المنزل الذي يقيم فيه، بيته. في المجمع المكشوف خلف البناية يقيم مأوًى بشكل ما، بطاولة وكرسي من آل شو وشمسية شاطئ تقيه حرارة الشمس. يحضر موقد الغاز ليصنع الشاي أو يدفئ الأكل المعلَّب: الإسباكتي والكباب، السنوك١٦٤ والبصل. يطعم الحيوانات مرتين في اليوم؛ ينظف حظائرها ويكلمها أحيانًا؛ وغير ذلك يقرأ أو يغفو أو يعزف على بنجو لوسي، حين يكون مستعدًّا، الموسيقى التي سيعطيها لتريزا جويتشيولي.

حتى يولد الطفل، ستكون هذه حياته.

ينظر ذات صباح ليرى ثلاثة أولاد صغار يحدِّقون فيه على الجدار الخراساني. ينهض من مقعده؛ تنبح الكلاب؛ ينزل الأولاد ويسرعون صائحين بحماس. أية حكاية يعودون بها لبيتهم: عجوز مجنون يجلس بين الكلاب يغني لنفسه!

مجنون حقًّا. كيف يمكن أن يفسر، لهم ولآبائهم ولقرية دي، ما فعلته تريزا وحبيبها ليكونا جديرين بالعودة إلى هذا العالم؟

٢٢

تقف تريزا في ثياب نومها البيضاء على نافذة غرفة النوم. عيناها مغلقتان في أحلك ساعات الليل: تتنفس بعمق، تتنفس مع حفيف الريح ونقيق الضفادع.

تغني، صوتها فوق الهمس بالكاد: «ماذا …» تغني: «ماذا تعني هذه العزلة الهائلة؟ ومن أنا؟»١٦٥
صمت. لا تردُّ العزلة الهائلة.١٦٦ حتى الثلاثي في الركن هادئون مثل زغبات.١٦٧

تهمس: «تعالَ! تعالَ إليَّ، أرجوك، يا بيروني!» تفتح ذراعيها عن آخرهما، تعانق الظلام، تعانق ما سيجلبه.

تريد أن يأتي على الرياح، يلتف حولها، يدفن وجهه في تجويف ثدييها. تريد، بشكل آخر، أن يصل في الفجر، يظهر في الأفق ورب الشمس يسقط وميض دفئه عليها. تريد أن يعود بأية وسيلة.

يجلس إلى طاولته وسط الكلاب، يستمع إلى الحزن، ينتزع منحنى توسل تريزا وهي تواجه الظلام. هذا وقتٌ سيئ من الشهر بالنسبة لتريزا، في بلاء، لم تنم طرفة عين، يُنهكها الشوق. تريد أن تُنقَذ؛ من الألم، من حرارة الصيف، من فيلا جامبا، من قلق أبيها، من كل شيء.

تلتقط المندولين من على الكرسي حيث يستريح. تعود إلى النافذة وهي تُهدهده كطفل. بلِنْك بلَنْك: يعزف المندولين في ذراعيها، بصوت منخفض، حتى لا توقظ أباها. بلِنْك بلَنْك: يصرخ البنجو في الفناء المقفر في أفريقيا.

قال لروزالند: مجرد شيء أنشغل به. كذبة. الأوبرا ليست هواية، لم تعد هواية. تستهلكه ليلًا ونهارًا.

إن بيرون في إيطاليا لا تجد لها مكانًا رغم بعض اللحظات الطيبة أحيانًا. ليس هناك تمثيل، أو تطور، مجرد شوق، كَنتِلينا١٦٨ عرجاء تطلقها تريزا في الهواء الفارغ، تُقاطَع من وقت لآخر بتأوه وتنهد من بيرون البعيد عن الأنظار. نُسي الزوج والخليلة المنافسة، وربما غير موجودين أيضًا. ربما لم تمت النبضة الغنائية فيه، لكن بعض عقود من الجوع يمكن أن تزحف إلى الأمام من كهفها هزيلة ومعوَّقة ومشوَّهة. ليست لديه مصادر موسيقية، مصادر طاقة، لينأى ببيرون في إيطاليا عن المسار الرتيب الذي أخذتْه من البداية. صارت عملًا يمكن أن يكتبه شخص مسرنم.

يتنهد. ربما من الرائع أن يعود منتصرًا إلى المجتمع كمؤلف لأوبرا غرفة صغيرة وغريبة. لكن ذلك لن يكون. لا بد أن تكون أمانيه أكثر اعتدالًا: من مكان ما بين فوضى الصوت تنطلق، مثل طائر، ملحوظة وحيدة أصيلة عن الشوق الخالد. ولمعرفة ذلك، يترك ذلك لأكاديميي المستقبل، إذا ظل هناك أكاديميون في ذلك الوقت؛ لأنه لن يسمع الملحوظة بنفسه، حين تأتي، إذا أتت. يعرف الكثير جدًّا عن الفن وأساليب الفن ليتوقع ذلك. إلا أن من الرائع أن تسمع لوسي برهانًا في حياتها، وتفكر فيه بشكل أفضل قليلًا.

تريزا المسكينة! الفتاة المتألمة المسكينة! أتى بها من القبر، ووعدها بحياة أخرى، والآن يخذلها. يتمنى أن تجد في قلبها ما يجعلها تسامحه.

عن الكلاب في الحظائر، يشعر نحو كلب بولع خاص؛ ذكر صغير ساقه اليسرى الخلفية ضامرة يجرها خلفه. لا يعرف إن كان قد وُلِد بهذه الصورة. لم يهتم أي زائر بتَبنِّيه. توشك فترة إمهاله أن تنتهي؛ عليه أن يخضع للإبرة قريبًا.

يطلقه من الحظيرة أحيانًا، وهو يقرأ أو يكتب، ويتركه يمرح بشكل مضحك حول الفناء، أو يغفو على أقدامه. ليس «كلبه» بأي معنًى؛ حرص ألَّا يسميه، مع أن بيف شو تشير إليه باسم الأعرج؛١٦٩ إلا أنه حساس للعاطفة النبيلة التي تتدفق تجاهه من الكلب. اعتباطيًّا، بلا تحفظ، يتبنَّاه؛ يعرف أن الكلب يمكن أن يموت من أجله.

يفتن صوتُ البنجو الكلبَ. حين يداعب الأوتار، ينتصب الكلب، يهزُّ رأسه، يستمع. حين يُدندن ألحان تريزا، وتبدأ الدندنة تنتفخ بالمشاعر (وكأن حنجرته تزداد سُمكًا: يستطيع أن يشعر بتدفق الدماء في حلقه)، يلعق الكلب شفتيه، ويبدو كأنه على وشك الغناء هو الآخر، أو العواء.

هل يجرؤ على ذلك؟ يأتي بالكلب إلى المسرحية، ويسمح له بإطلاق نواحه للسموات بين مقطوعات نواح تريزا المحرومة من الحبيب؟ لماذا لا؟ بالتأكيد، في عمل لن ينجز أبدًا، كل شيء مباح؟

يذهب في صباح السبت، بالاتفاق، إلى ميدان دونكين ليساعد لوسي في كشك السوق، ويصطحبها بعد ذلك للغداء.

خطوات لوسي بطيئة. نظرتها هادئة ذاهلة، لا يظهر عليها الحمل؛ لكنه إذا التقط العلامات، فكم من الوقت يتبقى قبل أن تلتقطها أيضًا العيون الحادة لفتيات جرهمزتاون؟

يسأل: «كيف أحوال بطرس؟»

– «انتهى المنزل، كله إلا السقف والسباكة. يستعدون للانتقال إليه.»

– «وطفلهما؟ ألم يحن موعد ولادة الطفل؟»

– «الأسبوع القادم، في وقت مناسب تمامًا.»

– «هل صدرَت عن بطرس تلميحات أخرى؟»

– «تلميحات؟»

– «بشأنك، بشأن مكانك في التخطيط.»

– «لا.»

– «ربما يختلف الأمر بمجرد ولادة الطفل» — يلمِّح تلميحًا باهتًا لابنته، لجسدها — «سيكون، رغم كل شيء، ابن هذه الأرض. لن يستطيعوا إنكار ذلك.»

بينهما صمتٌ طويل.

– «هل تحبينه مع ذلك؟»

مع أن الكلمات كلماته، من فمه، إلا أنها تروِّعه.

– «الطفل؟ لا. كيف يمكن؟ لكن سأحبه. سينمو الحب. يستطيع المرء أن يأتمن طبيعة الأم على ذلك. إني عازمة على أن أكون أمًّا جيدة، ديفيد، أمًّا جيدة وشخصية جيدة. حاولْ أن تكون شخصية جيدة أنت الآخر.»

– «أظن الوقت متأخرًا جدًّا بالنسبة لي. لستُ إلا متخلفًا عجوزًا أقضي عقوبتي. لكن واصلي. تسيرين على الطريق بشكل حسن.»

شخصية جيدة. ليس قرارًا سيئًا يتخذه، في أوقات حالكة.

لا يأتي، باتفاقٍ غير مكتوب، إلى مزرعة ابنته حاليًّا، إلا أنه ذات يوم يقود سيارته عبر طريق كنتون، يترك الشاحنة على طريق جانبية، ويسير بقية الطريق، لا يتبع المسار لكنه يخترق الفِلد.١٧٠

تنفتح المزرعة أمامه من قمة التل: المنزل القديم، ثابت كما كان دائمًا، الحظائر، منزل بطرس الجديد، السدُّ القديم الذي يميز عليه بقعًا صغيرة لا بدَّ أنها البط، وبقعًا أكبر لا بد أنها الإوز البري، زوار لوسي من بعيد.

تبدو شتلات الزهور، من هذه المسافة، كتلًا متماسكة من الألوان: قرمزي وعقيقي وأزرق. موسم الإزهار. لا بد أن النحل في سمائه السابعة.

لا دليل على وجود بطرس، أو زوجته أو الولد ابن آوى الذي يعمل معهما. لكن لوسي تعمل بين الزهور؛ وبمجرد أن يشق طريقه إلى سفح التل، يرى البولدوج أيضًا، قطعة من التودد على الطريق بجانبها.

يصل إلى السياج ويتوقف. لم تلاحظه لوسي حتى الآن؛ ظهرها له. ترتدي ثوبًا صيفيًّا باهتًا، وتنتعل بوتًا، وعلى رأسها قبعة عريضة من القش. وهي تنحني، تقلِّم أو تشذِّب أو تربط، يرى الجلد اللبني بعروقه الزرقاء والأوتار السميكة الهشة في خلفية ركبتيها: أقل الأجزاء جمالًا في جسد المرأة، أقلها تعبيرًا، وربما أكثرها توددًا.

تعدل لوسي ظهرها، تنتصب، وتنحني مرةً أخرى. عاملة في حقل؛ أهداف أزلية لفلاحة.

لم تدرك وجوده حتى الآن. ويبدو أن كلبة الحراسة في غفوة.

هكذا: ذات يوم كانت مجرد جنين صغير في جسد أمها، والآن هي هنا صلبة في وجودها، أكثر صلابة مما كان طوالَ حياته. تمكث بالحظ وقتًا طويلًا، طويلًا بعده. وهو ميتٌ تكون، بالحظ، هنا تؤدي أدوارها المعتادة بين شتلات الزهور. وبدون إرادتها حققت وجودًا آخر سيكون بالحظ صلبًا مثلها، ويبقى فترة طويلة مثلها. هكذا يستمرُّ خيط الوجود الذي تتضاءل فيه حصته، مِنحتُه، بشكل عنيد وتتضاءل، حتى إنها قد تُنسى.

جَد. جوزيف. من كان يظن ذلك؟! أية فتاة جميلة يمكن أن يتوقع أن تُقنع بدخول سرير مع جَد؟

برقةٍ ينطق اسمها: «لوسي!»

لا تسمعه.

ما تبعات أن يكون جَدًّا؟ لم يحقق نجاحًا كبيرًا كأب، مع أنه حاول بأقصى ما يستطيع. كجدٍّ ربما يحقق أيضًا نتائج أقل من المتوسط. يفتقر إلى فضائل المسن: الاتزان والعطف والصبر. لكن ربما تمضي هذه الفضائل كما تمضي الفضائل الأخرى: فضيلة العاطفة، مثلًا. عليه إلقاء نظرة أخرى على فيكتور هوجو، شاعر الجدود. ربما هناك ما يتعلمه.

تهدأ الريح، لحظة سكون حقيقي يتمنى أن تستمرَّ للأبد: الشمس المعتدلة، صمت العصاري، انشغال النحل في حقل الزهور؛ وفي منتصف الصورة صبية، الأنثى الخالدة١٧١ حبلى رشيقة، بقبعة من القش. مشهد جاهز للوحة من لوحات سَرْجنت أو بونار١٧٢ يحبه أولاد المدن؛ لكن حتى أولاد المدن يمكن أن يتعرفوا على الجمال حين يرونه، يمكن أن ينبهروا.

الحقيقة أنه لم يشاهد بعينه الحياة الريفية بكثرة برغم قراءة وردزورث. لم يشاهد بعينه شيئًا بكثرة إلا الفتيات الجميلات؛ وإلى أين أدى به ذلك؟ هل الوقت متأخر جدًّا ليعلِّم عينه؟

يسلِّك حنجرته. يقول بصوت أعلى: «لوسي.»

ينطق الحروف ببطء. تنتصب، تلتفت نصف التفاتة، تبتسم. تقول: «أهلًا! لم أسمعك.»

ترفع كاتي رأسها وتحدِّق بلا تبصُّر تجاهه.

يتسلق السياج. تقترب كاتي منه، تشمُّ حذاءه.

تسأل لوسي: «أين الشاحنة؟» متوردة من أعمالها، وربما لوَّحتْها الشمس قليلًا. تبدو، فجأة، نموذجًا للصحة.

– «ركنتُ وتمشيت.»

– «هل تأتي وتتناول بعض الشاي؟»

تقدم العرض كأنه زائر. حسنًا. تزاوُر، زيارة: خطوة جديدة، بداية جديدة.

أتى الأحد مرةً أخرى. ينهمك هو وبيف شو في إحدى جلسات الإخماد.١٧٣ يأتي بالقطط واحدةً واحدةً، ثم الكلاب؛ العجوز والأعمى والأعرج والمعوَّق والمشوَّه، وأيضًا الصغير، السليم؛ كل من حان أجله. تلمسها بيف واحدًا واحدًا، تتحدث إليها، تريحها، وتبعدها، ثم تتراجع وتشاهده وهو يغلق على البقايا أكفانًا سوداء من البلاستيك.

لا يتحدث هو وبيف. تعلَّم منها تركيز انتباهه كله على الحيوان الذي يقتلانه، ويمنحانه ما صار يجد صعوبة في وصفه بالاسم الصحيح: الحب.

يربط الحقيبة الأخيرة ويأخذها إلى الباب. ثلاثة وعشرون. لم يتبقَّ إلا الكلب الصغير، الكلب الذي يحبُّ الموسيقى، الكلب الذي دخل، وقد مُنِح نصف فرصة، بتكاسل خلف رفاقه إلى مبنى العيادة، غرفة الجراحة بطاولتها التي عليها الزنك حيث تفوح روائح كثيرة مختلطة، بما في ذلك رائحة لم يقابلها حتى الآن في حياته: رائحة النهاية، الرائحة الرقيقة القصيرة لخروج الروح.

ما لن يستطيع الكلب اكتشافه (يفكر: ولا في شهر من الأحد!) ما لن تخبره به أنفه، هو كيف يدخل شخص غرفة تبدو عادية ولا يخرج مرةً أخرى أبدًا. يحدث شيءٌ ما في هذه الغرفة، شيء لا يمكن البوح به: هنا تُنتزع الروح من الجسد؛ تحلق برهة في الهواء، تلف وتتلوى؛ ثم تُمتصُّ وتمضي بعيدًا. هذه الغرفة، التي ليست غرفة لكنها حفرة فيها يتسرب المرء من الوجود، أكبر من طاقته.

قالت بيف شو ذات مرة: تزداد صعوبة طوال الوقت. تزداد صعوبة، وتزداد سهولة أيضًا. يعتاد المرء على أن تزداد الأشياء صعوبة؛ يكفُّ المرء عن الدهشة حتى يصبح ما اعتاد عليه صعبًا طالما كان من الممكن أن يصبح الصعب أكثر صعوبة. يمكن أن ينقذ الكلب الصغير، إذا أراد، أسبوعًا آخر. لكن لا بدَّ أن يأتي وقت، لا يمكن التملص منه، يكون عليه أن يأتي به إلى بيف شو في غرفة عملياتها (ربما يحمله في ذراعيه، ربما يفعل ذلك له) ويداعبه ويمشِّط فراء الظهر إلى الخلف لتعثر الإبرة على الوريد، ويهمس له ويسانده حين تنثني أطرافه، بشكل مذهل. وبعد ذلك، حين تخرج الروح يطويه ويضعه في حقيبته، وفي اليوم التالي يلقي بالحقيبة في اللهب ويرى أنها تُحرَق، تفنى. سيفعل هذا كله في وقته. سيكون ذلك قليلًا جدًّا، أقل من القليل: لا شيء.

يعبر غرفة الجراحة. تسأل بيف شو: «هل كان ذلك الأخير؟»

– «واحد آخر.»

يفتح باب القفص. يقول: «تعالَ.» ينحني، يفتح ذراعيه. يهزُّ الكلب ساقه المعوقة، يشمُّ وجهه، يلعق وجنتيه وشفتيه وأذنيه. لا يفعل شيئًا ليوقفه. «تعالَ.»

يحمله في ذراعيه مثلَ حَمَلٍ، يدخل غرفة الجراحة مرةً أخرى. تقول بيف شو: «اعتقدتُ أنك ستُبقيه أسبوعًا آخر. هل تسلِّمه؟»

– «نعم، أسلِّمه.»

١  المنطقة الخضراء: منطقةٌ في أقصى الشمال الغربي لكيب تاون على المحيط الأطلنطي.
٢  الترف واللذة: بالفرنسية في الأصل.
٣  رند: وحدة العملة في جنوب أفريقيا، ويساوي الرند ٤١ سِنتًا أمريكيًّا أو ثمانين قرشًا مصريًّا تقريبًا.
٤  قاعدة القديس بندكت (القرن السادس): كتابٌ من التعاليم كُتِب للرهبان الذين يعيشون في مجتمع تحت سلطة رئيس الدير.
٥  السيدة المتقلبة: بالإيطالية في الأصل، الدوق الساخر في أوبرا ريجوليتو (١٨٥١م) لفردي.
٦  بويتو (١٨٤٢–١٩١٨م): شاعرٌ وروائي وموسيقيٌّ إيطالي، اشتهر بالأوبرا الرومانسية «مفيستوفيليس» (١٨٦٨م).
٧  ريتشارد من سانت فيكتور (١١٢٣–١١٧٣م): وُلد في اسكتلندا، من أهم رجال اللاهوت والتصوف في القرن الثاني عشر.
٨  العيد: بالعربي في الأصل.
٩  الملكيت: معدنٌ كربونيٌّ أخضرُ غامق يُستخدم كمصدر للنحاس، وصناعة الآنية المزخرَفة.
١٠  إمَّا بوفاري: الشخصية الرئيسية في رواية جوستاف فلوبير «مدام بوفاري» (١٨٧٥م).
١١  ستائر البندقية: نسبة إلى مدينة البندقية، تتكوَّن من عدد من الشرائح الرفيعة الأفقية التي تتداخل حين تُغلَق.
١٢  اسمًا استهلاليًّا: بالفرنسية في الأصل.
١٣  أوريان (١٨٥–٢٥٤م تقريبًا): فيلسوفٌ مسيحيٌّ يوناني اشتهر بتفسيراته للعهد القديم، قام بخَصْي نفسه.
١٤  جورج: مدينةٌ في جنوب أفريقيا، في منتصف الطريق بين كيب تاون وبورت إليزابيث.
١٥  ميرلست: من أفخم أنواع النبيذ في جنوب أفريقيا.
١٦  خماسية المزمار لموتسارت: خماسية المزمار الوحيدة لموتسارت (١٧٥٦–١٧٩١م)، وضعها عام ١٧٨٩م.
١٧  وندرهورن (البوق السحري): مجموعة من القصائد الشعبية الألمانية جمَعَها أكيم فون أرنيم وكليمنز برنتانو، ونُشرت منقَّحةً بين عام ١٨٠٥ وعام ١٨٠٨م، بالألمانية في الأصل.
١٨  المقدمة: قصيدة تمثِّل سيرةً ذاتية، كتَبَها وردزورث في بداية حياته، ونقَّحها عدَّة مرات، ولم تُنشر في حياته.
١٩  أدريان ريتش (١٩٢٩م–…): شاعرةٌ أمريكية.
٢٠  توني موريسون (١٩٣١م–…): روائية أمريكية، حصلت على جائزة نوبل عام ١٩٩٣م.
٢١  أليس ووكر (١٩٤٤م–…): كاتبة أمريكية، حصلت على جائزة بولتزر في القصة عام ١٩٨٣م.
٢٢  نورمان ماك ليرن (١٩١٤–١٩٨٧م): مصمِّم رسوم متحرِّكة ومخرجٌ سينمائي، كندي من مواليد اسكتلندا.
٢٣  كاميرا ستروبوسكوب: كاميرا تَستخدم الفلاش لإلقاء الضوء بشكلٍ متقطِّع على جسمٍ متحرك.
٢٤  سكرلاتي (١٦٦٠–١٧٢٥م): موسيقي إيطالي أثَّر في تطوُّر الأوبرا الحديثة.
٢٥  فضيحة: الإشارة هنا إلى العلاقة بين بيرون وأخته غير الشقيقة.
٢٦  ليكورا: مشروبٌ روحيٌّ معطَّر، ومحلًّى عادةً.
٢٧  من أجمل المخلوقات نرغب في المزيد: البيت من السوناتا الأولى لشكسبير.
٢٨  ملاني: السوداء. الكلمةُ باللاتينية تعني الأسود أو الكئيب، ومنها كلمة ملانكوليا التي تُترجَم عادةً بكلمة السوداوية.
٢٩  خليج هوت: اسمُ ضاحيةٍ ساحلية في كيب تاون، تقع في وادٍ على الساحل الأطلنطي لشِبهِ جزيرة كيب، والاسم يُشير إلى البلدة أو الخليج الذي تقع عليه.
٣٠  جورج جروس (١٨٩٣–١٩٥٩م): فنانٌ أمريكي، وُلد في ألمانيا، ارتبط بالحركة الدادية في برلين.
٣١  مونت بلانك: أعلى قمة في جبال الألب، يبلغ ارتفاعها ٤٨١٠ أمتار، في جنوب شرق فرنسا على الحدود الإيطالية.
٣٢  دراكنزبرج: جبل في شرق جنوب أفريقيا.
٣٣  جبل الطاولة: جبل ذو قمةٍ مستوية يمثِّل علامةً بارزة فيه تُطلُّ على مدينة كيب تاون.
٣٤  هيلبرو: مدينةٌ داخليةٌ مجاوِرة لجوهانسبرج، تتميز بالكثافة السكانية العالية وانتشار الفقر والبطالة والجريمة.
٣٥  كابس: لهجةٌ ملاويةٌ للأفارقة في كيب.
٣٦  الإخوة ماركس: عائلة أمريكية من ممثلي الكوميديا، اشتهرت في ثلاثينيات القرن العشرين.
٣٧  جوفر: نوعٌ من السلاحف يعيش في أمريكا.
٣٨  الخُلْد: نوعٌ من الثدييات الصغيرة آكلة الحشرات، يعيش في الجُحور.
٣٩  بروفيسور شيبس: الشخصية الرئيسية في رواية جيمس هيلتون (روائي بريطاني ١٩٠٠–١٩٥٤م) «وداعًا مستر شيبس» (١٩٣٤م).
٤٠  الهجوم المباغت: بالفرنسية في الأصل.
٤١  لارا: من قصائد لورد بيرون (١٨١٤م).
٤٢  أتهم: بالفرنسية في الأصل، من مقال شهير لإميل زولا.
٤٣  شماتة: بالألمانية في الأصل.
٤٤  كيب الشرقية: مقاطعة في جنوب أفريقيا، الموطن الرئيسي لقبيلة الزوسا ومحل ميلاد بعض الشخصيات البارزة، وعلى رأسهم نيلسون مانديلا.
٤٥  أرجوس: صحيفة، وأرجوس عملاق في الميثولوجيا الإغريقية بمائة عين؛ والاسم يُستخدم بمعنى الحارس.
٤٦  مطلق: بالفرنسية في الأصل.
٤٧  في مواجهة: بالفرنسية في الأصل.
٤٨  بصوت واهٍ: بالإيطالية في الأصل.
٤٩  السلبوت: نبات له عصارة لاذعة وأزهار طويلة شائكة، صفراء أو برتقالية أو حمراء. والجيرانيوم: نبات يُزرع على نطاق واسع جنوب أفريقيا لأوراقه المستديرة الملونة، وأزهاره الحمراء أو القرنفلية أو البيضاء.
٥٠  دجة: الاسم المستخدَم في جنوب أفريقيا للقنب الهندي.
٥١  زوجة فلاح: باللهجة المحلية في الأصل.
٥٢  الأوكالبتوس: شجر يُستعمل ورقه وزهره في صناعة العطور.
٥٣  دوبرمان: سلالة من الكلاب الألمانية، متوسطة الحجم، تتميز بالشعر الناعم القصير. الشيفرد الألمانية: سلالة من الكلاب الألمانية، يتم تدريبها عادة لمساعدة البوليس والمكفوفين. ريجباك: سلالة من الكلاب الأفريقية الضخمة، شعرها قصير مصفر. بول تيرير: سلالة من الكلاب المهجنة في إنجلترا من سلالة البولدوج وسلالة التيرير. تتميز بالشعر الأبيض القصير والأنف المسحوب. روتفيلير: سلالة ألمانية من الكلاب تتميز بالجسم القوي الممتلئ، والشعر الأسود القصير، والوجه الأصفر، تنسب إلى روتفيل، مدينة في جنوب ألمانيا.
٥٤  بولدوج: كلب قوي قصير الشعر جريء ضخم الرأس قصير الشعر.
٥٥  البسُّون أو الزَّمْخر: مزمار بأنبوبة خشبية مزدوجة وفم معدني ملتوٍ.
٥٦  أدليد: مدينة في كيب الشرقية.
٥٧  هل صارت هذا الوجه المؤدب، هذا الشعر الأشقر، والحواجب المعقودة: بالفرنسية في الأصل، عن سوناتا لفرنسوا فيلون بعنوان «العهد العظيم».
٥٨  الفلفل الحلو: شجرة أمريكية دائمة الخضرة، تُستخدم ثمارها المجفَّفة توابل وخاصةً في الخبز.
٥٩  قتلُ رضيع في مهده أقرب من كبت رغبات مربية: بيت وليم بليك من «زواج الجنة والجحيم» (١٧٩٠–١٧٩٣م).
٦٠  دوم (سيكاد أو سيكاس): دوم النخيل المصري، فصيلة من النبات شبيهة بالنخل، ربما كان موطنها الأصلي مصر.
٦١  الهلوجين: عنصر من العناصر اللافلزية التي تشمل الفلور والكلور والبرومين واليود والإستاتين.
٦٢  ماسا: عجينة من الماء والدقيق لعمل نوع من الكعك، بالإسبانية في الأصل.
٦٣  البوكو: أعشاب تنمو في جنوب أفريقيا، تُستخدم أوراقها كمُدرٍّ للبول، ويُستخرج منها زيت يُستخدم كنكهة.
٦٤  البوشل: مكيال يساوي ٨ جالونات؛ أي حوالي ٣٢ لترًا ونصف.
٦٥  سائل جايس: سائل مطهر يُستخدم في التنظيف.
٦٦  ديكر: ظبي أفريقي صغير، له قرنان صغيران.
٦٧  السوتو والزوسا: من لغات البانتو في جنوب أفريقيا.
٦٨  معمعة: بالفرنسية في الأصل.
٦٩  سر إدوين درود: آخر روايات تشارلز ديكنز، لم تكتمل.
٧٠  مجنون، وسيئ، ومعرفتك خطيرة: عبارة شهيرة لليدي كارولين لامب تصف بها لورد بيرون.
٧١  جاكال: سلالة من الثدييات الشبيهة بالكلاب، تعيش في أفريقيا وجنوب آسيا.
٧٢  بطل: الكلمة المستخدَمة كلمةٌ عامية في جنوب أفريقيا للإشارة إلى فارس أو شخص مهتم بالفروسية.
٧٣  نسيج: بالإيطالية في الأصل، نوع من النسيج.
٧٤  حمامة البوتر: سلالة من الحمام تستطيع ملء الحوصلة حتى ينتفخ الصدر.
٧٥  نهر النسيان: أحد الأنهار الخمسة، في الجحيم، في الميثولوجيا الإغريقية.
٧٦  القديس هوبرت (٦٥٦–٧٢٧م تقريبًا): قديس مسيحي بُجِّل على نطاق واسع في العصور الوسطى.
٧٧  نسر السمك (طائر الشماط): من الطيور التي تعيش على الأسماك.
٧٨  سافوي: نسبة إلى الشاعرة اليونانية الكبيرة سافو، وكانت سحاقية.
٧٩  عائلة جويتشيولي: عائلة الكونتيسة تريزا جويتشيولي (١٨٠٠–١٨٧٣م) عشيقة لورد بيرون في إيطاليا، كتبت سيرة بعنوان «حياة لورد بيرون في إيطاليا».
٨٠  رَفينَّا: مدينة شمال شرق إيطاليا.
٨١  الفرعونية: من ألعاب الكوتشينة، حيث يضع اللاعبون الرهان على الكارت العلوي على ورق من يفرق.
٨٢  بورت إليزابيث: مدينة في جنوب شرق جنوب أفريقيا على مدخل المحيط الهندي.
٨٣  كفى: باللهجة المحلية في الأصل.
٨٤  كنيلورث: مقاطعة في وسط إنجلترا جنوب شرق برمنجهام.
٨٥  بافلوفي: نسبة إلى العالم الروسي الشهير بافلوف (١٨٤٩–١٩٣٦م)، الذي اكتشف الاستجابة الشرطية، وحصل على جائزة نوبل عام ١٩٠٤م.
٨٦  القتل الرحيم: إنهاء حياة من يعاني من مرض لا شفاء منه بحقنه بمادة قاتلة أو إيقاف العلاج.
٨٧  ابتعد: الكلمة بلهجة محلية.
٨٨  خالة سالي: لعبة رمي تقليدية. ويُستخدم المصطلح مجازيًّا للتعبير عن شيء يكون هدفًا سهلًا للنقد.
٨٩  طلقة الرحمة: بالفرنسية في الأصل.
٩٠  مجرًى مائي جاف: الكلمة باللهجة المحلية في الأصل.
٩١  بريتَّا: نوع من الأسلحة النارية الإيطالية التي تُستخدم في كثير من البلدان.
٩٢  همهمة أو همس: بالفرنسية في الأصل.
٩٣  المرحاض مغلق على سيدتين عجوزين/كانتا هناك من الاثنين إلى السبت/لا أحد يعرف أنهما كانتا هناك: عن أغنية، لكن الأغنية تتحدث عن ثلاث سيدات.
٩٤  يا عزيزتي، ماذا يمكن أن تكون المسألة: السطر الأول من الأغنية نفسها، وتليه السطور الثلاثة السابقة مباشرة.
٩٥  الطريقة الريفية: بالألمانية في الأصل.
٩٦  الكريسوت: سائل زيتي يحضر بتقطير القطران.
٩٧  الأسبستوس: معدن من سيليكات الماغنسيوم غير النقية، غير قابل للاحتراق، ولا يتأثر بالمواد الكيميائية.
٩٨  الريس والعامل: باللغة المحلية في الأصل.
٩٩  فلاح: بالفرنسية في الأصل.
١٠٠  عميق الجذور: بالألمانية في الأصل.
١٠١  أنتاناناريفو: عاصمة مدغشقر، تقع في الجزء الشرقي الأوسط من البلاد.
١٠٢  بينين: مملكة سابقة في غرب أفريقيا، الآن جزء من نيجيريا.
١٠٣  تحوت: إله القمر والحكمة والمعرفة عند قدماء المصريين.
١٠٤  السوبرانو: أعلى أصوات الغناء لامرأة أو صبي.
١٠٥  الصادح: أعلى أصوات الذكور البالغين في الغناء.
١٠٦  باريتون: صوت ذكوري أعلى من الهامس وأدنى من الصادح.
١٠٧  كفراريا: منطقة في مقاطعة كيب.
١٠٨  ترتشيكوف: رسَّام شهير أعاد طبع صور النساء الأفريقيات والآسيويات على نطاق واسع.
١٠٩  بربريلا: فيلم مروِّع من الخيال العلمي، بطولة جين فوندا (١٩٦٨م).
١١٠  دكتور كومالو: لاعب خط الوسط الشهير في جنوب أفريقيا في تسعينيات القرن العشرين.
١١١  أشنتي: قبيلة تعيش في غانا.
١١٢  كوفنتري: مدينة في وسط إنجلترا، جنوب شرق برمنجهام.
١١٣  فيكتوريا (١٨١٩–١٩٠١م): ملكة بريطانيا العظمى (١٨٣٧–١٩٠١م).
١١٤  ملكة وإمبراطورة: بالإيطالية في الأصل.
١١٥  نجبور: مدينة وسط الهند، شمال شرق بومباي.
١١٦  فيجي: جزيرة جنوب غرب المحيط الهادي.
١١٧  ساحل الذهب: قطاع من الساحل الغربي لأفريقيا على خليج غينيا على الساحل الجنوبي لغانا.
١١٨  بي في سي: اختصار بولي فينيل كلورايد، مادة تلين بالحرارة، تُستخدم في صناعة الكثير من المنتجات.
١١٩  كافر: كلمة تُستخدم في جنوب أفريقيا للتحقير من شأن الشخص الأسود.
١٢٠  مرجريتا كوني: زوجة فرَّان، إحدى عشيقات بيرون في إيطاليا.
١٢١  إخماد: بالألمانية في الأصل.
١٢٢  تخمد: بالألمانية في الأصل.
١٢٣  الأدوية: باللهجة المحلية.
١٢٤  لأننا كثير جدًّا: عن رواية لتوماس هاردي.
١٢٥  هريجان: عضو من طبقة في الهند، مكرَّسة لعبادة الفيشنو (أحد آلهة الهندوس).
١٢٦  بريتون الجديدة: منطقة في كيب الشرقية.
١٢٧  اغتصاب السابينات: لوحة رسمها نيكولاس بوسين (١٦٣٥م) تشير إلى اغتصاب السابينات في فترة تأسيس روما. وكلمة اغتصاب في هذا السياق تعني الخطف طمعًا في فدية. والسابون شعب عاش قديمًا في وسط إيطاليا.
١٢٨  الأشياء تدمع والمحن الإنسانية تمسُّ القلب: باللاتينية في الأصل، عن فرجيل «الإنيادة» الكتاب الأول، سطر ٤٦٢.
١٢٩  اسم ملانيي مشتق من السواد، واسم دزايري مشتق من الرغبة (دزاير).
١٣٠  الليت هارفيست: يطلق الاسم على النبيذ المصنوع من عنب ترك على الشجر لفترة أطول من المعتاد. وهو عادةً نبيذ حلو.
١٣١  يانتشك (١٨٥٤–١٩٢٨م): موسيقي يوغسلافي.
١٣٢  نبات رعي الحمام: نبات يُزرع لأشواكه الرائعة وزهوره متعددة الألوان.
١٣٣  النرجس الأسلي: من نباتات الزينة، موطنه الأصلي جنوب أوروبا، أوراقه طويلة ورفيعة، زهوره صفراء.
١٣٤  لويس لين: شخصية قصصية في سلسلة الكتب المصورة «سوبرمان»، ولويس هي الشخصية الرومانسية الرئيسية في حياة السوبرمان.
١٣٥  على أية حال: باللاتينية في الأصل.
١٣٦  مزارعة: بالإيطالية في الأصل.
١٣٧  رومانا: منطقة تاريخية شمال وسط إيطاليا، كانت مركز التأثير البيزنطي في إيطاليا. وتشكل المنطقة الآن جزءًا من إيمليا رومانا.
١٣٨  يا بيروني: بالإيطالية في الأصل، وقد وردت على لسان تريزا في رسالةٍ بعث بها بيرون إلى صديقه هوبهاوس.
١٣٩  أركوا: بلدة في شمال شرق إيطاليا.
١٤٠  جلوك (١٨٨٤–١٩٣٨م): سوبرانو أمريكي وُلد في رومانيا. أو كريستوف جلوك (١٧١٤–١٧٨٧م): موسيقي ألماني.
١٤١  بنجو: آلة موسيقية وترية، تتكون من أربعة أوتار أو خمسة، تجمع في شكلها بين الجيتار والدف.
١٤٢  كواماشو: منطقة سكنية تقع خارج دربان، مخصصة للأفارقة.
١٤٣  كروماتي: ذو علاقة بالأنغام التي تتأسس على إيقاعات غير هارمونية.
١٤٤  أليجرا: ابنة بيرون، ماتت في مدرسة الرهبان في الخامسة من عمرها.
١٤٥  كلرمونت: ضاحية جنوب كيب تاون، من الأحياء التِّجارية المهمة.
١٤٦  كرونوس: جبار في الميثولوجيا الإغريقية، حكم العالم حتى خلعه عن العرش ابنه زيوس. هارموني: ربة الانسجام والتناغم، في الميثولوجيا الإغريقية.
١٤٧  ضد الطبيعة: باللاتينية في الأصل.
١٤٨  قفطان: هكذا في الأصل.
١٤٩  ما لا يقتلني يجعلني أقوى: عن نيتشه.
١٥٠  الجريئة: بالفرنسية في الأصل.
١٥١  أنت فتاة غبية: باللهجة المحلية في الأصل.
١٥٢  تتمنى كل قومية، مهما تكن، أن تكتمل بنفسها: عبارة باللاتينية في الأصل، ملتبسة، وهذا هو المعنى التقريبي لها.
١٥٣  زومبي: رب الثعابين عند طائفة الفودو في غرب أفريقيا وهايتي.
١٥٤  أفرال: من أقراص الحمل.
١٥٥  مولو: كلمة ترحيب باللهجة المحلية (الزوسا).
١٥٦  الساحل البري: من أجمل المتاحف الساحلية في جنوب أفريقيا.
١٥٧  مزارعة: باللهجة المحلية في الأصل.
١٥٨  أتباع: بالهولندية في الأصل.
١٥٩  لا بد أن تغير حياتك: بالألمانية في الأصل، البيت الأخير من قصيدة ريلكه «الأثر القديم لأبولو».
١٦٠  الجحيم: الإشارة إلى الجزء الأول من الكوميديا الإلهية لدانتي، بالإيطالية في الأصل.
١٦١  إستاكس: أحد أنهار الجحيم في الميثولوجيا الإغريقية.
١٦٢  انظر الآن إلى أرواح من هزمهم الغضب: بالإيطالية في الأصل.
١٦٣  سخان بالغمر: السخان الصغير الذي يغمر في الماء لتسخينه لإعداد الشاي.
١٦٤  السنوك: أسماك بحرية تنتشر في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
١٦٥  ماذا تعني هذه العزلة؟ ومن أنا؟ بالإيطالية في الأصل، من قصيدة للشاعر الإيطالي جياكومود ليوباردي (١٧٩٨–١٨٣٧م).
١٦٦  عزلة هائلة: باللاتينية في الأصل.
١٦٧  زغبات: الزغبة حيوان من القوارض شبيه بالسنجاب.
١٦٨  كَنتِلينا: إيقاع موسيقي ينساب في سلاسة ونعومة.
١٦٩  الأعرج: (حرفيًّا بثلاث أقدام): بالأفريكانية في الأصل.
١٧٠  الفِلد: مناطق الرعي المعشبة في جنوب أفريقيا.
١٧١  الأنثى الخالدة: بالألمانية في الأصل، عن الجزء الثاني من فاوست جوته.
١٧٢  سَرْجنت (١٨٥٦–١٩٢٥م): رسام أمريكي اشتهر برسم اللوحات الطبيعية بالألوان المائية. بونار (١٨٦٧–١٩٤٧م): رسام فرنسي.
١٧٣  الإخماد: بالألمانية في الأصل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤