قوة جواز السفر الأمريكي

أُسنِدت إليَّ ذات مرةٍ مهمةُ تعقُّب مفلسٍ هارب، وتسليمه إلى يد العدالة الرحيمة لدى إحدى محاكم الجنايات. لم يكن هناك شيءٌ في القضية، وَفْق ما ظهر في التعليمات التي مُنِحت لي، يُميزها عن القضايا الأخرى. ولم تكن تتميز بالصعوبة حتى تحظى بالمزيد من الاهتمام. ولقد حرَصتُ على الإيقاع بالرجل المطلوب مع القليل من المتاعب، مثلما فعلت، وكما سأوضح. ومع ذلك، فقد اتخذَت القضية منعطفًا غريبًا إلى حدٍّ ما في الجزء الأخير منها، كما سيرى القارئ.

كان المفلسُ تاجرًا في ليفربول. ولم يكن قد مرَّ على بدء ممارسة أعماله هناك أكثرُ من عشرة أشهر، لكنَّ ديونه، خلال تلك الفترة القصيرة، قد وصلَت إلى ٨٤ ألفَ جنيه. لا أعرف ما هي السِّلعة التي كان يُتاجر فيها. أظنه كان يُتاجر في الكثير أو في جميع السلع. وقال إنه مؤمنٌ بالأقوال المأثورة البسيطة والفلسفة التي تُجسِّدها تلك الأقوال. كما ذكر أنه لن يعترض في أي وقت على كسب المال الحلال بأي شكل من الأشكال. ولذلك اشترى كلَّ ما يسمح به رصيدُه الائتماني، من الخِرَق وفُتات القِنَّبِ إلى المجوهرات، ومن الشَّحم إلى الألماس. ولا أعرف في أيِّ الأسواق كان يُتاجر على وجه الخصوص. أعتقدُ أنه كان يبيع في السوق المحلية أكثرَ من الأسواق الخارجية، على الرغم من أنه تحدث كثيرًا عن الشحنات وفواتير الشحن وما إلى ذلك. وإذا كانت لديه مهارة في الحصول على الائتمان، فإن لديه عبقريةً في التصرُّف في البضائع. كما كان أيضًا خبيرًا فيما يُسمَّى بالتعهُّد، وهي عملية، لمَن لا يعرفون، يمكن تفسيرها بأنها مثل الرهن. وكانت الصفة الغريبة لتجارته أنه يشتري دائمًا بالآجِل وعبرَ الائتمان؛ ويبيع دائمًا نقدًا عند التسليم. ومِن ثَمَّ فهو يُتاجر في كثير من الأحيان، إنْ لم يكن دائمًا، بخَسارة. وكان أحيانًا سيئَ الحظ لدرجة أنه لم يكن قادرًا على بيع الأشياء نقدًا إلا مقابل نصف السعر الذي اشتراها به بالآجل من خلال الفواتير.

قد يعتقد القارئُ أنَّ مثل هذه التِّجارة سرعان ما ستنتهي. إذ من الواضح تمامًا أن مثل هذه التجارة لا بد أن تنتهيَ بالإفلاس والخراب لشخصٍ ما أو لأكثرَ من شخص. ومع ذلك، فليس من المؤكَّد أن هذا النمط من ممارسة الأعمال سيُلحِق به الخرابَ بسرعة. لقد استغرق هذا المفلس الأمريكي عشرة أشهر؛ ويرى العديدُ من الأشخاص الخبراء بالمجال أنه كان من الممكن أن يستمرَّ لمدة ثلاث سنوات أو أربع إذا كان قد أجرى حساباته جيدًا وتمسَّك بموقفه بجُرأة. كيف كان يمكن القيام بذلك؟ بسهولة. هناك عملية سمعتُ عنها توصَف عِلميًّا بأنها «توسيع النسبة». كانت ستفي بالغرض.

لنفترض أن رجلًا يعمل في التجارة يخسر ٥٠٠ جنيه من قيمة تجارته التي تبلغ ١٠٠٠ جنيه، وهو ما يُماثل تقريبًا النسبة نفسَها في تجارة هذا الرجل الأمريكي المفلس أو نتائجها. ولنفترض أنه يريد أن ينفق، ومِن ثَمَّ أنفق ٥٠٠ جنيه على نفسه. هل هو ملزَم بالتوقُّف عن السداد في نهاية هذه التجرِبة الجزئية، وأن يتعامل مع المشكلة على أنها قد حُلَّت؟ كلا. يمكنه أن يُضاعف تجارته وخسائرَه، ويظل في الوضع الملائم. إذا كان سيُتاجر إلى حد مبلغ ٢٠٠٠ جنيه، ويخسر ١٠٠٠ جنيه منها، فسيُصبح قادرًا على سداد الائتمانات الأولى من صافي عائدات سلسلة معاملاته الثانية، وجميع الأشخاص الذين يحصلون على أموالهم سيُلاحظون أيضًا نشاطَ شركته وسيُظهرون مدحهم له «كتاجرٍ صاعد»، و«رجل مستقيم»، و«تاجر ملتزم». ومع ذلك، للعيش أثناء سلسلة المعاملات الثانية من دخلها، يجب توسيعُها إلى ٣٠٠٠ جنيه أو ٤٠٠٠ جنيه، بدلًا من ٢٠٠٠ جنيه؛ ولا شيء أسهل من ذلك. وإن استمر في سداد كل فاتورة عند استحقاقها (بغضِّ النظر عن التضحية، عن طريق البيع الإجباري للبضائع، أو عن طريق الخصومات بأي معدَّلِ فائدة)، فلن تُصبح هناك صعوبةٌ في «توسيع نسبة تِجارته»، إلى أن يحِقَّ له أن يكون في مصاف تلك الفئة من الأشخاص البارزين التي أعدَّها السيد ديفيد مورييه إيفانز وجمعها معًا في كتاب بعنوان «الحقائق والاحتيالات والمغالطات». أعلمُ أن الفقاعة ستنفجر يومًا ما، لكن الكُرة قد تستمرُّ في التدحرج لعدة سنواتٍ عبر هذه الخطة.

من الممكن قطعًا أن يؤدِّيَ وجودُ عطل إلى توقف الماكينة. فهناك حوادثُ لا يمكن لتبصُّر الإنسان أن يتفاداها، وإذا أُغلِق الطريق المبهج المشرق الموصل إلى الخراب، فقد تُصادف في الممرات الجانبية شرطيًّا يقتادك إلى قاضٍ أو سجن. وهو ما أعتبره إحدى الحالات الطارئة التي لا مفرَّ منها والتي سيُواجهها أيُّ محتال بشكل عادل؛ قد يتفاداها، إذا استطاع، وإذا لم يستطع، إذن فليُقابِلْها بهدوء واستسلام.

ومع ذلك، لم يفهم ذلك الرجلُ الأمريكي، كما قيل لي، هذه الطريقةَ العملية للخداع التجاري، وكان سيُصاب حتمًا بالحزن إذا كان إنجليزيًّا. قد يضع القارئُ أيضًا هذه الحقيقةَ الصغيرة في الاعتبار. فقد أشار رجلٌ عظيم ذاتَ مرة، إلى أنه على الرغم من أن العديد من الأشخاص مصرُّون على العيش وفقًا لذكائهم، فإن الغالبية العظمى من أولئك الذين خاضوا التجرِبة أصيبوا بشبهِ مجاعة بسبب نُدْرة الموارد التي يتطلَّبها هذا النوعُ من الحياة.

يجب أيضًا مراعاةُ البنود الجزائية لقانون الإفلاس الجديد كأشياء يجب تجنُّبها؛ لأنني أرى من خلال استخبارات محكمة الجنايات المركزية أنها تُطبَّق بصرامةٍ رهيبة. فإذا ضُبِطت واكتُشِفت مخالفةٌ لأيٍّ من المبادئ الأولية للفقه التِّجاري، فإن مقدار العقوبة يصبح مغلَّظًا. يجب على القارئ أيضًا ألَّا ينسى، أنه على الرغم من كونه لا يُعطي القانون الجنائي وضباطه أيَّ سيطرة عليه، فإنه قد يُواجه دائنين عدوانيِّين أو متوحشين، والذين هم غير راضين عن الخسارة التي تكبَّدوها بسببه، ومستعدُّون لإنفاق الكثير من المال، ليس لاسترداد ديونٍ معدومة، ولكن من أجل معاقَبة مَن يتصوَّرون أنه رجلٌ سيئ. قد يلاحقونه إلى أن يُلحِقوا به الخزيَ ويضطروه إلى التسوُّل، ويضَعوه في مواجهة الازدراء والعار — في انتهاكٍ للنظرية المسيحية البحتة التي تقول «عِش ودَعْ غيرك يعيش» — لن يتوقفوا أبدًا إلى أن تنقطع به سُبل العيش ويُضطَر إلى التسول، أو العمل سائسًا للخيل في غرب العاصمة، أو يُصبح بائعًا متجولًا، أو يبيع الصحف الصغيرة، أو يبيع الخضار أو الفاكهة أو أوراق الخطابات بالتجزئة، أو يحيا حياة الخمول في ملجأ للفقراء.

لكن يبدو أنني أنصح، أو أعِظ، أو أخطب، بدلًا من أن أرويَ قصتي.

حسنًا. كان السيد أبراهام درايفر قد أدار تِجارته خلال عشرة أشهر. وأثناء هذه الفترة، استطاع أن يؤسِّس تجارته ويُحقق مكاسبَ ماليةً كبيرة تكدست لديه. وقد حقَّق هذه المكاسبَ عن طريق الرهن وبيع البضائع، والحصول على سلفٍ على فواتير الشحن، وما إلى ذلك. إلى أين ذهبت الأموال، هذا ما كان دائنوه حريصين على معرفته. إذ كانوا يعتقدون أنه يستطيع سدادَ ٢٠ قرشًا مقابل كلِّ جنيه. وفي واقع الأمر، لم يُسدد قرشًا واحدًا مقابل الجنيه.

وقد حُكم على أبراهام درايفر، التاجر، والموزع، والبائع المتجول، كما وُصف في الإجراءات القانونية، بالإفلاس. لكنه لم يستسلم. ربما، إذا كانت لدى دائنيه فكرةٌ كافية عن كرامة المواطَنة الأمريكية، أو قُدسية العلَم الأمريكي ذي النجوم والشرائط، أو فاعلية أعتَى دبلوماسيٍّ أمريكي مشهور، لما أقدَموا على مثلِ هذه الإهانة مثلَما فعَلوا من خلال السيد درايفر تجاه أمَّتِه الفخور.

لم يستسلم التاجر والمواطن الأمريكي، كما قلت، للحُكم الصادر ضده بالامتثال لأمرِ الاستدعاء المطبوع والمكتوب الذي تسلَّمه. لقد تعامَل مع تلك «القُصاصة الكبيرة من الورق» بازدراءٍ لفظي فظ. ومع ذلك، وجد أنه من غير المناسب البقاءُ في ليفربول. كانت تلك المدينة الجميلة حارةً جدًّا بالنسبة إليه. ولذلك نقل مقر إقامته إلى لندن قبل اليوم المحدَّد لمثوله أمام محكمة مقاطعة ليفربول للإفلاس. وعندما استقرَّ في لندن، قرر أن يحصل على بعض الاستمتاع؛ وقد نقلَته هذه الفكرة بعيدًا عن المشهد السابق لمشروعه لما هو أبعدُ من العاصمة البريطانية. فأدار ظهرَه بازدراء للأرض التي يتأرجح عليها صولجانُ الملكة فيكتوريا المجازي. وسافر عبر السكة الحديدية والقارب البخاري إلى قارة أوروبا.

بمجرد أن غادر السيد درايفر شواطئ نهر المِرزي، أُسندَت إليَّ مهمة مراقبته. فوضَعتُ حارسًا خفيًّا لتلك المهمة. وقد راقبَ تحرُّكاته حتى وصل إلى الميناء … وهنا، نظرًا إلى عدم تلقِّي أي تعليمات باعتقاله في القارة، فقد تُرك.

قرَّر دائنو المفلس الأساسيُّون ملاحقتَه. حيث أصبح الآن خارجًا على القانون. وقد انتهى وقتُ استسلامه. ويمكن الحصول على مذكرة توقيف في فرنسا لإلقاء القبضِ عليه وإبعاده إلى هذا البلد. وتمكَّنوا من الحصول على الإجراءات المطلوبة — أو تلك التي اعتقد المحامون الأكْفاءُ أنها كافية — ووُضِعت بين يدَي.

فذهبتُ بنفسي، وكان أحد السادة من ليفربول رفيقي الجيد.

امتثالًا لرغبات موكلي ورفيقي، وافقتُ على الذَّهاب معه إلى مكتب القنصل البريطاني.

كان القنصل البريطاني رجلًا شديدَ الاحترام، وقد أطفأ حماسي بأروعِ أسلوب. ولم يسَعْني إلا الإعجابُ بالأسلوب الذي حجَّمني به خادمُ التاج البريطاني، من ذروة احترامي الشرعي لذاتي، إلى العَدم الذي اعتقدَ هو أنه وضعي الحقيقي.

«إنهم يُديرون الأمور في فرنسا بشكلٍ مختلف عمَّا تفعلونه في إنجلترا يا سيدي، أؤكد لك ذلك. والآن، اترُك الأمرَ لي يا سيدي، حتى يُلقى القبض على الرجل، ويُعادَ مرةً أخرى إلى إنجلترا.»

خرجتُ أنا وصديقي إلى ممرِّ مكتب القنصل (الذي كان غرفةً صغيرة واحدة) للتشاور حول هذا الموضوع. ثم عقَد القنصلُ أيضًا اجتماعًا في مكتبه مع أحد مساعديه، الذي تأكدتُ بعد ذلك من أن اسمه هو بوجي. في هذا الاجتماع، وافقتُ على السَّماح للقنصل بمعالجة القضية بأسلوبه الخاصِّ في فرنسا، وكان عليَّ أن أُساعد فقط عندما يُطلَب مني تقديم المساعدة.

«حسنًا، سيذهب مساعدي بوجي ليرَ ما إذا كان الرجل في هذه اللحظة في الميناء. سوف يتأكَّد بوجي من ذلك قريبًا.»

كان كفُّ بوجي يقبض على عُملة ذهبية، تحمل صورةً لملكة إنجلترا، لتحفيز حماسته في تنفيذ قوانينها.

لم يستغرق الرجلُ الفرَنسي وقتًا طويلًا في تحديد مكان وجود السيد أبراهام درايفر. حيث عاد ليُعلن أنَّ الرجل الذي أردناه كان بلا شك جالسًا يُدخن في فندق أنجلو أمريكان.

والآن لنقبض على المحتال. كنت مستعدًّا، وكان الدائن ضحيةُ المحتال حريصًا بشدةٍ على القبض على الرجل.

قال القنصل: «كلا، كلا، يجب أن نذهب إلى مفوض الشرطة. يجب أن أدفع رسومه. لن يستغرق الأمرُ وقتًا طويلًا لإتمام الإجراءات، لكن القبض على الوغد سيُكلِّف مالًا. لا شيءَ يتمُّ في هذا البلد يا سيدي، دون نقود.»

سأل موكلي: «كم سيكون مبلغُ الرسوم، في اعتقادك؟»

«لا أستطيع أن أُحدد بالضبط. حوالي ١٦ جنيهًا أو ١٧ جنيهًا، من الأفضل أن تُعطيَني ٢٠ جنيهًا، وسأُعيد إليك الباقي.»

ألقى بوجي هنا عينَيه الزائغتين على القنصل، ثم عليَّ، ثم على موكلي. وكان لهذا التأثيرُ المطلوب.

قال الرجل النبيل من ليفربول: «لا تَشغَل بالك بالباقي. لا أعترضُ على دفع ٢٠ جنيهًا (وهو يُعطيه المال) للقبض على المحتال. يُمكنك أن تُعطيَ الباقيَ إلى هذا الرجل الطيب.»

قادَنا بوجي عبر الطريق بعيونٍ لامعة وملامحَ منتصِرة. وتبعتُه مع رفيقي.

تردَّدْنا على العديد من المكاتب الغامضة. وفحصَ أمر الاعتقال الموجود في حوزتنا والأوراق الأخرى بدقَّة مملَّة. وبدا بوجي كما لو كان في منزله، ومرتاحًا مع المسئولين الصغار، ومبجَّلًا لدى الأشخاص المهمين.

بعد مدَّة غادرنا المقرَّ الرئيسي للمفوض، وبدا موكبُنا مهيبًا حقًّا ونحن نسير نحوَ فندق أنجلو أمريكان. كان هناك ستةٌ من رجال الشرطة، يتقدَّمهم رقيبٌ، ويتبعهم بوجي، ثم اثنان من الإنجليز خلفَ هذا المساعد الفرَنسي للقنصل البريطاني.

عندما مرَرْنا عبر رصيف الميناء، لاحَظْنا، على مَقرُبة من فندق أنجلو أمريكان، سفينةً متجِهة إلى ميناءٍ بعيد في المحيط الأطلسي، جاهزة للمغادرة، والبخار يتصاعد منها.

قال الفرَنسي بضحكة خفيضة: «إنه مُغادر على متن تلك السفينة، أليس كذلك؟» ثم واصلَ الرجلُ المفعم بالحيوية الصياح: «انظر، ها هو قادم.»

وكان مُحقًّا تمامًا. فهناك، على بُعدِ بضعةِ أمتار، رأينا السيد أبراهام درايفر، التاجر، والموزِّع، والبائع المتجوِّل، من ليفربول سابقًا، والمفلس الهارب حاليًّا.

حيث كان يسير بهدوءٍ عبر رصيف الميناء، وهو يُدخن سيجاره، وعلى وشك المغادرة في السفينة التي لاحظناها.

وبِناءً على اقتراحٍ من بوجي، ألقى الرقيبُ القبضَ على المفلس الإنجليزي. وتبادَل الدائنُ والمدين كلماتٍ قليلةً للغاية، لم تكن بالطبع تحوي ثناءً أو مديحًا.

قال السيد درايفر بلكنة أمريكية قوية (لم يكن يستخدمها من قبل في ليفربول)، كما لو كان حريصًا على تقديم دليلٍ على جنسيته، وتوفير عناء أن يطلب منك ذلك: «أعتقد أنك ارتكبت خطأً كبيرًا، يا سيدي المحترم.»

حتى هذه اللحظة، لم يكن لدى الدائن أو لديَّ أيُّ فكرة أنه ليس رجلًا إنجليزيًّا يخضع لسلطة الملكة.

سأله رقيبُ الشرطة، بلغةٍ إنجليزية جيدة: «ماذا تقصد يا سيدي؟»

«يا له من موقفٍ مزعج، أظن أنك تعرف أنني مواطن أمريكي؛ وعليك أن تُدرك الآن، أنني أُحذِّرك يا سيدي، كي لا تُزعجني من أجل إبهاج هؤلاء البريطانيِّين الغاضبين.»

ومِن ثَمَّ نظر إلينا الضابط.

فقلتُ: «إنه مواطنٌ بريطاني مفلس يخضع لقوانيننا الإنجليزية، ومجرمٌ كذلك.»

«أحسبُ أنَّ الحديث يطول كثيرًا، بخصوص ذلك الأمر، وعندما تقبض عليَّ مرةً أخرى في بلدك القديم، يُمكننا مواصلته، حسبما أظن؛ لكني أخبرك يا سيدي، أنك إذا احتجزتَني هنا إلى أن ترحل تلك السفينة، فسيتوجب عليك سدادُ تعويضٍ ضخم للغاية، وهذا ما أعتقده.»

قال الرقيب: «يجب أن تأتيَ معنا إلى المأمور.»

«أوه، أظن أنك إذا قلتَ يجب، إذن يجب عليَّ ذلك؛ لكن انظر، ها هو جوازُ سفري. كل شيء حسَب القواعد والقانون، كما ترى. والآن، انتبِه كيف تُعامل مواطنًا أمريكيًّا؛ هذا كل ما أخبرك به الآن.»

وتزايدَت هسهسةُ البخار.

تابعَ قائلًا: «الآن، على ما أظن، ستأخذُني أولًا إلى قُنصلية الولايات المتحدة، أليس كذلك؟»

«كلا، إلى المأمور.»

نظر حوله بحزنٍ وأخرج من جيبه قطعةً نقدية من فئة ١٠ فرنكات.

ثم قال: «هل مِن أحدٍ يذهب إلى قنصل الولايات المتحدة، ويُخبره أن مواطنًا أمريكيًّا يُريد حمايته. ويطلب منه أن يأتيَ إلى المأمور قبل أن ترحل تلك السفينةُ البخارية.»

أمسكَ بوجي القطعة النقدية.

«أنا لا أُمانع في فعل ذلك. رجل إنجليزي في ورطة يودُّ الحصولَ على مشورةِ قنصله. هذا من حقِّه.»

ركضَ بوجي مبتعدًا لجلبِ حارس العلَم ذي النجوم والشرائط، أي السفير الأمريكي، مبتهجًا كما لو كان قد كرَّس نفسَه لاكتشاف السيد درايفر.

وخلال ثلاث دقائق كنا قد وصلنا إلى المأمور. ووصلَ القنصلُ الأمريكي هناك بمجرَّد وصولنا. لكن القنصل البريطاني لم يكن هناك. واستمعَ المأمور إلى أقوال المفلس وقنصلِه، ثم حكمَ بأنه لا يوجد سببٌ يُبرر استمرار اعتقال المفلس، الذي كان محميًّا بجواز سفرِ بلده. ومن المؤكَّد أنه لا يُمكن تسليمه بموجب أمرِ الاعتقال الإنجليزي، ولا ينبغي له أن يحتجزه ما لم يتمكَّن المدَّعون من إبرام تعهُّدات كافية، ينصُّ عليها القانون في فرنسا، لتعويض المتهَم.

لم يكن لدينا أيُّ شخصٍ حاضر لإبرام التعهُّدات المطلوبة؛ وكان حجم المخاطرة غيرَ محدَّد، ومِن ثَم أُطلِق سراح المحتال.

وعندما ابتعدَ عنا، وضعَ إصبعَه على أنفه، وأصدر صفيرًا على نغماتِ مقطوعة من النشيد الوطني الأمريكي غير الرسمي «هيل، كولومبيا». ثم أخرج عودَ ثقابٍ من جيبه، وأشعل سيجاره، وبدرجة من السرعة تتناسب مع جوٍّ من الفخامة الوهمية، سار الوغد عبر رصيف الميناء، ثم على متن السفينة، التي كانت تتأهَّب للمغادرة.

لم نكن سعداءَ للغاية بنتيجة هذه الرحلة. كان من المستحيل مقاومةُ الشعور بالإهانة من رؤية الوغد يفرُّ من بين أيدينا، بعد أن ظننا أننا بالفعل قد أمسكنا به في قبضتنا.

لم نعد إلى قنصلية صاحبة الجلالة البريطانية. لكننا مكثنا نحو ساعةٍ أخرى في فرَنسا لتجديدِ نشاطنا، حيث كانت هناك سفينةٌ في ذلك الوقت على وشك المغادرة إلى إنجلترا، وكنا راغبين في العودة إلى الوطن.

•••

هناك عبرةٌ يمكن استخلاصُها من هذه القصة قد يستمتع بها السياسيُّون للغاية؛ ولذا فأنا على وشك إضافة موادَّ يمكن لعضوٍ في البرلمان أن يصنع منها سُمعة طيبة. لقد أُخفِيَت أسماءُ وأماكن الممثلين في هذه الدراما التِّجارية الدولية الصغيرة. ومع ذلك، قد يكون من المفيد أن نُضيف أن الحقائق صحيحة نصًّا وموضوعًا، مع الاستثناءات المحدَّدة التي ذكَرتها. وإذا أراد أيُّ عضو في البرلمان أو أحد اللوردات النبلاء أن يحصل على الاسم الحقيقي وعُنوان القنصل، فلديَّ مطلق الحرية في منحِه المعلومات، وإذا كان يريد الأسماءَ الحقيقية لأيِّ ممثلين آخَرين في هذه الدراما الصغيرة، فسأمنحه إياها بالحرية نفسِها.

عند عودتنا إلى الوطن، ناقَشْنا تصرُّفَ القنصل — أقصد قنصلَنا — في هذه القضية. وقد دفعَنا إلى الشكِّ فيما إذا كان من اللائق أن يأخذ تلك الأموالَ منا. كما تشكَّكْنا في أنه أرادها، لا ليدفعَها إلى الشرطة الفرنسية مقابلَ أيِّ رسوم، ولكن كي يضعها في جيبه الخاص. ونحن نعتقد، إذا كانت شكوكُنا دقيقة، أنَّ تصرُّف القنصل كان فاضحًا.

وقد أجريتُ بعض التحقيقات. ومن خلال خطاب من مفوض الشرطة، علمتُ أن الضباط الفرنسيِّين غيرُ مسموح لهم بتحصيل رسوم، وأنه لم يُدفَع قرشٌ واحد إلى أيٍّ من رجال الشرطة الفرنسية من مبلغ العشرين جنيهًا الذي أخذَه منَّا. وبتوجيهٍ من السلطات المحليَّة الفرنسية، رُفِعَت دعوى ضدَّ القنصل البريطاني في محكمة محلِّية. لكنه عارضَ اختصاصَ المحاكم الفرنسية. كما استعانَ بصفتِه القنصلية في الدفع ببُطلان الدعوى. وفي هذه النقطة الفنِّية البحتة — حينما يُسحَب موضوع القضية من تحت سيطرة المحكمة — يُرفَع الاستئناف إلى محكمة الاستئناف. واعتُبِر التماس القنصل في الاعتراض على اختصاص السلطة القضائية وجيهًا. ورأى القضاة الفرنسيون أنَّ الشخص المحتال عليه رجلٌ إنجليزي، وأنَّ الجانيَ المزعوم قنصلٌ إنجليزي؛ ولذا فإن الوسيلة القانونية للتعويض هي تقديمُ طلبٍ إلى وزارة الخارجية في لندن. وقد عُرِضَت على وزير خارجية سابقٍ مذكراتٌ تُبين جميع استحقاقات القضية وعدم استحقاقاتها، وتُوضح إخفاقَ العدالة في المحاكم الفرنسية، مصحوبةً بتقارير الصحف عن المرافعات والقرارات القضائية. كان الردُّ على هذه المذكرات والأدلة أنه، بما أن القضية قد رُفِعت أمام المحاكم الفرنسية، وحُسِمت فيها، فإن سيادته لا يجد أيَّ سبب للتدخُّل. وقد قدمتُ توضيحاتٍ أخرى، مع إعادة توجيه فكرة أنَّ موضوع القضية المرفوعة ضد القنصل لم يُنظَر فيه، وأنه اتخذ وسائلَ فعالةً للحيلولة دون فحص المحاكم الفرنسية لهذا الموضوع، وأنَّ القضية قد أُحيلَت بالفعل من القانون الفرنسي إلى الدبلوماسية البريطانية. ومع ذلك، تلقيتُ الرد نفسه، بحذافيره تقريبًا وبالأثرِ الدقيقِ نفسِه. أما التطبيق الثالث، وهو محاولاتٌ أخرى لتعريف وزارة الخارجية بواجباتها، فلم يأتِ إلا بالرد نفسه، بحذافيره تقريبًا، وبالأثرِ الدقيق نفسِه. ولذلك أُقفلت القضية، ولا تزال على حالها منذ بضع سنوات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤