الفصل الثاني عشر

الكتاب المولدون

العصر الرابع

(١) ميزة النثر

بقيت ميزة النثر على حالها، لم يتغيَّر فيها شيء فيجعل لها صبغة خاصة تنفرد فيها، غير أن الكتَّاب أسرفوا في تنميق العبارة، وطلب المحسِّنات البديعية، والتزام السجع، وعلى الأخص بعد ظهور الطريقة الفاضلية في مصر، فإن صاحبها القاضي الفاضل عني بأنواع البديع عناية عظيمة، وألحَّ على التورية والجناس، فأطال جمله وباعد بين فواصلها المسجعة، حتى تتم له القرائن والمرشحات لبيان التورية والجناس، فوقع في الغموض، وتعقَّد إنشاؤه، وقلَّ ماؤه، وكثر غثاؤه. ووافق ظهور طريقته جمودًا في الأفكار، وعجزًا عن الاستنباط لتوالي الحروب والمصائب، فأقبل الكتَّاب يضربون على غرارها يلوك بعضهم أقوال بعض، فأصبح الإنشاء — ولا سيما آخر العصر — عبارات مرصوفة، ومرادفات مصفوفة، وضعفت لغته، وانبثَّت فيه الكلمات العامية، فتلقفه زمن الانحطاط بهشاشة وارتياح.

وظهر الحريري في أوائل العصر، فتحدَّى بديع الزمان في مقاماته، فوسَّع نطاق هذا الفن، وأتم صناعته اللفظية.

(٢) الحريري ١٠٥٤–١١٢٢م/٤٤٦–٥١٦ﻫ (؟)

(٢-١) حياته

هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، عربي صريح ينتمي إلى ربيعة بن نزار، وكنتيه أبو محمد، ولقبه الحريري نسبةً إلى الحرير وعمله، أو بيعه. ولد في المَشان١ وكان من ذوي اليسار، قيل كان له فيها ثمانية عشر ألف نخلة. ورغب في العلم مع وافر ثروته، فجاء البصرة، وطلبه على علمائها، وسكن فيها بمحلة بني حَرام، وهي قبيلة قحطانية، فقيل له الحرامي. وما زال يجالس العلماء، ويشهد حلقات الأدب، حتى برع في الشعر والترسل، واستبحر في اللغة وآدابها، وحذق الفقه، وتضلَّع من الفرائض، فأكبَّ على التصنيف حتى وافاه أجله، وقد وطئ السبعين. وكانت وفاته بالبصرة، وخلَّف ولدين هما نجم الدين عبد الله، وضياء الإسلام عبيد الله قاضي قضاة البصرة.

صفاته وأخلاقه

ذكر صاحب معاهد التنصيص أن الحريري كان قذرًا في نفسه، وشكله ولبسه، قصيرًا، دميمًا، بخيلًا، مولعًا بنتف لحيته؛ فنهاه أمير البصرة، وتوعده على ذلك، وكان كثير المجالسة له، فبقي كالمقيد لا يتجاسر أن يعبث بلحيته. فتكلم في بعض الأيام بكلام أعجب الأمير، فقال له: «سلني شيئًا حتى أعطيك.» فقال: «تُقطعني لحيتي.» قال: «قد فعلت.» وقال ابن خلكان: «إنه كان دميمًا قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئًا، فلما رآه استزرى شكله، ففهم الحريري ذلك منه، فلما التمس منه أن يملي عليه، قال له اكتب:

ما أنت أول سارٍ غَرَّه قمرٌ
ورائدٍ أعجبَتْه خُضرَة الدِّمَنِ٢
فاختر لنفسك غيري إنني رجلٌ
مثل المُعَيْدِيِّ، فاسمع بي ولا تَرَنِي٣

فخجل الرجل منه، وانصرف.

آثاره

للحريري تآليف حسان منها درة الغوَّاص في أوهام الخواص، بيَّن فيه مغالط الكتَّاب في ما يستعملون من اللفظ بغير معناه. ومنها مُلْحة الإعراب، وهي أرجوزة في النحو. ومنها ديوان شعر ورسائل. ومنها المقامات، وهي أشهر آثاره، فإنها ترجمت إلى عدة لغات أجنبية، وشرحها غير واحد من العلماء أمثال الشريشي، والعكبري، والزَّبيدي وغيرهم، وطبعت مرات في بيروت ومصر وأوروبا.

سبب وضعه المقامات

ذكر عبد الله بن الحريري السبب الذي من أجله وضع والده المقامات قال: «كان أبي جالسًا بمسجد بني حَرام، فدخل شيخ ذو طِمْرَين، عليه أهبة السفر، رث الحال، فصيح اللسان، حسن العبارة. فسأله الحاضرون: «من أين الشيخ؟» فقال: «من سروج.»٤ فاستخبروه عن كنيته، فقال: «أبو زيد.» فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد السروجي المذكور. واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنو شروان بن خالد بن محمد القاشاني، وزير الإمام المسترشد بالله،٥ فلما وقف عليها أعجبته، وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة.» ا.ﻫ.
وذكر ابن خلكان أنه وجد نسخة مقامات بخط مصنفها، وقد كتب بخطه على ظهرها أنه صنفها للوزير جمال الدين عميد الدولة الحسن بن صدقة وزير المسترشد أيضًا، فعلى هذه الرواية يكون عبد الله بن الحريري قد غلط في اسم الوزير. ويشير الحريري إلى الوزير في خطبة مقاماته بقوله: «فأشار من إشارته حُكْمٌ، وطاعته غُنْم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع.»٦ وجعل راوية مقاماته الحارث بن همَّام، وهو رجل خيالي أخذه من حديث: «كلكم حارث وكلكم همَّام.»٧

ولم يسلم من اتهام الناس له، وإنكارهم عليه مقاماته، فقد ذكر ابن خلكان أنه رأى في بعض المجاميع أن الحريري عمل أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد، وادعاها فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد. وقالوا إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة. مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه، فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: «أنا رجل منشئ.» فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيَّنها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة، ومكث زمانًا كثيرًا، فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام خجلان، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر، وسيَّرَهنَّ، واعتذر من عيِّه وحصره في الديوان بما لحقه من المهابة. وكان في جملة من أنكر دعواه علي بن أفلح الشاعر، وقد قال فيه:

شيخ لنا من رَبِيعةِ الفَرَسِ
يَنْتِف عُثْنُونَه من الهَوَسِ٨
أنطقه الله بالمَشَان كما
بلاه وسط الديوان بالخَرَسِ

على أن المقامات الخمسين ثابتة للحريري، ولا وجه للشك في نسبها إليه.

(٢-٢) ميزته

لا يذكر الحريري إلا كانت مقاماته أسبق آثاره إلى الأذهان؛ لأن بها قامت ميزته ومنزلته، فإليها نستند في كلامنا عليه، وإظهار خصائصه في هذا الفن من الإنشاء.

تحليل مقاماته

يبدأ الحريري مقاماته بإسناد الكلام إلى راويتها الحارث بن همَّام، ولكنه لا يقتصر كالبديع على قوله: «حدثنا.» بل يميل إلى التغيير في بدء كل مقامة فينتقل بين حدَّث وروى وحكى وأخبر وقال.

والحارث بن همام رجل كثير الأسفار، فإما يطلب السفر من أجل دين يبغي قضاءها، أو سعيًا لرزق يكتسبه. وربما بدا موسرًا يتلهى بالترحال والأسمار والأخبار. وقد يجتمع الحارث وأبو زيد منذ أوَّل المقامة، فيتعاونان على إنشائها كما في المقامة الواسطية٩ إذ سعى أبو زيد في تزويج الحارث. حتى إذا كان العرس، دس للناس بنجًا في الطعام، فتخدَّروا، فسلب ما في البيوت من الأكياس والتخوت، ونجا لا يلوي على العرس وأهله.

والحارث أكرم أخلاقًا، وأشرف نفسًا من أبي زيد، فإنه لم يشركه في لصوصيته، ولطالما أنَّبه على دناءته، وصارمه من أجلها، ولكنه لا يلبث أن يعود إلى مصاحبته لشغفه بأدبه. وهو على اجتماعه به في كل مقامة لا يعرفه إلا إذا اتبعه وسأله عن حاله، أو إذا تبيَّن الاحتيال في أقواله وأعماله، فيضطرُّ إلى كتم أمره، فما يخبر خبره إلا بعد أن ينأى عن البلد، ويأمن اللحاق.

وأما أبو زيد فشاعر خطيب مترسل، عالم باللغة والنحو، والفقه والفرائض، متصرف في ضروب الكلام ونوادر البيان، يحترف الكدية بالاحتيال، ويسلك إليها مختلف الطرق، لا عدة له غير لسان فصيح، وجنان قوي، فهو لص خبيث، سِكِّير خِمِّير، مخادع منافق، مستهتر فاسق. يظهر في كل المقامات، وغالبًا يعاونه على احتياله ولده أو زوجه، وهما لا يقلَّان عنه خداعًا وخبثًا، وفصاحة وعلمًا، ولهما من جمالهما شافع يستعينان به على الاقتناص، ولكنهما يصونانه عن التبذل.

ومقاماته فيها أدب كثير، وفيها احتيال كثير، وفيها دناءة وخساسة، وفيها حِكَم ومواعظ. وتنقسم من حيث الأغراض إلى مقامات أدبية، تُظهر براعة أبي زيد في تصريف الكلام، وتقليب نوادر البيان، كالمقامة القطيعية،١٠ وفيها أحاجٍ نحوية ألقاها أبو زيد على جماعة، فعجزوا عن حلها، فأبى أن يفسرها لهم إلا بعد أن نال منهم الحباء. وإلى فكاهية كالمقامة الواسطية، وقد مرَّ ذكرها. وإلى مجونية كالمقامة الرَّحْبيَّة،١١ وفيها يسوق أبو زيد ولده إلى الوالي متهمًا إياه بأنه فتك بابنه، فينتصر الوالي للغلام، ويدفع لأبي زيد بعض دية المقتول، على أن يجمع له الباقي في الغد، فما دجا الليل إلا شمر أبو زيد وفرخه للهرب، تاركين الوالي على أحرِّ من ذات اللهب. وإلى دينية يقف فيها أبو زيد واعظًا مزهدًا في الدنيا كالمقامة الصَّنعانية.١٢ وإلى خلقية اجتماعية كالمقامة الرازيَّة،١٣ وفيها يعط أبو زيد الوالي الذي يغترُّ بمنصبه، ولا يعتد بحقوق الناس.

وهذه الأغراض على اختلافها يقصد بها إلى الكدية، ووسائلها عند أبي زيد كثيرة، فمرة يطلبها بالتقوى والتنسك، فيخدع الناس، وينال سبيهم، حتى إذا خلا في مثواه عكف على الخمر والمجون. فكأن الحريري يمثل به جماعة من شيوخ الدين، يتخذون النفاق لهم شعارًا، وينصحون الناس، ولا ينتصحون. ومرة يتلاحى وزوجته عند القاضي أو الوالي ويتجادلان، وكلاهما فصيح لَسِنٌ، فيعجب بهما الحَكَم ويصلح بينهما ويدفع لهما شيئًا من المال. وحينًا يكون الخصام بينه وبين ولده. وأكثر ما يمثل الولاة والقضاة أغبياء تجوز عليهم الحِيَل، أو فُسَّاقًا يجورون عن الحق خضوعًا للجمال. وأخباره مع القضاة والولاة كثيرة متشابهة يكاد لا يختلف بعضها عن بعض.

وأعظم وسيلة عنده للتكدي فصاحة لسانه، وسعة علمه، وربما عمد إلى طرق في غاية الدناءة والخسة، كأن يشحذ ثمن كفن لميت يدعيه، أو يقطع الطرق ويسل الخيل. أو يتعامى فتقوده امرأته إلى المسجد ليصطاد الناس بأحابيله، فالكدية عند أبي زيد ملازمة له في جميع مقاماته، لا تفارقه ولا يفارقها.

ولكن لأبي زيد نهاية حسنة ليس لأبي الفتح مثلها؛ فإنه تاب توبة نصوحًا في المقامة الأخيرة، وأقلع عن الاحتيال والفسق، وتنسَّك وفارق راويته فراقًا لا لقاء بعده.

والحريري في مقاماته أكثر تعلقًا بالحواضر من بديع الزمان، فما يكاد يخرج إلى البادية إلا في واحدة منها أو اثنتين. ومقاماته في الغالب أطول من مقامات أستاذه بيد أن طولها لا يعود على اتساع الفن القصصي فيها، وإنما على اجتماع خبرين في مقامة واحدة، أو على فيض الألفاظ، وكثرة المترادفات، ومعاقبة الجمل على المعاني، أو على الإكثار من الشعر، وفيه القصائد التي يشرح بها أبو زيد أحواله، ويقص أخباره.

إنشاؤه

للحريري لغة متينة، قصيرة الجمل يقطعها تقطيعًا موسيقيًّا، فما تتعدى جملته الكلمتين أو الثلاث. وقلما زادت فبلغت الخمس أو الست. وهو في إنشائه بادي الصنعة، طاهر التكلف، يتعمَّد الغريب، ويسرف في استعماله. ويفرط في اصطناع المجاز والتزيين، حتى تجفو عبارته ويقل ماؤها، ويعسر مساغها، فقد أُولع بالسجع فلم يقتصر على التزامه فيه فواصل الجمل، وإنما تعمَّله في أجزائها، وجاء به متوازيًا أو مرصعًا كقوله: «وهو يطبعُ الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع َبزواجر وعظه.» وقد يعدد الأسجاع على قافية واحدة، ويتورط معها في تكلف الاستعارة. وتقليب الألفاظ على المعنى الواحد لتتم له القوافي.

ويفتنُّ في الجناس على أنواعه من تام وناقص: «وترغب عن هاد تستهديه، إلى زاد تستهديه. وفي اللحد مَقِيلُك، فما قيلُك؟ … لما اقتعدتُ غارب الاغتراب، وأَنْأَتْنِي الْمَتْرَبَةُ عن الأتراب.»١٤
وكثيرًا ما يأتي بالجناس المتكافئ: «أو يعطِف عليك معشرك، يوم يضمك مَحْشَرك.» وربما حلَّى سجعاته بمثلثات متجانسة: «فلمَّا استأذنته في المَراح،١٥ إلى المُراح،١٦ على كاهل المِراح.»١٧

ولطالما تزحلق في تحذلقه إذ يطلب السجع أو الجناس، فيَزْوَرُّ عنه، وما يتأتى له إلا بشقِّ النفس، وتظهر عليه البرودة والغثاثة كقوله: «واستعنتُ بقاطبة الكتَّاب، فكل منهم قطَّب وتاب.» فقد جرَّ قاطبةً من أجل الجناس والسجع، وهي لا تُستعمل إلا منصوبة على الحال، ووضع فعل تاب في غير موضعه، فبدا نافرًا متقلقلًا.

ومن قبائحه في المسجوع أن يفصل بين العامل والمعمول كقوله: «أو لخالِك دان، عبد المدان.»١٨

وشغفُ الحريري بهذه المحسنات وغيرها من أنواع البديع اللفظي والمعنوي، حمله على أن يجعلها من أغراض مقاماته، فأنشأ مقامات لا غاية منها إلا إظهار براعته في هذه الأشياء، وحلَّاها بأشعار ورسائل فيها العواطل والحوالي، والرُّقط والأخياف، وفيها التوريات والأحاجي والألغاز، فتعقَّد بها إنشاؤه، وكثر غموضه، فعني بشرحها وتفسيرها، وتحليل معجماتها ومعمياتها، فمن العواطل قوله من قصيدة:

أَعْدِدْ لحُسَّادك حَدَّ السِّلاحْ
وأَوْرِدِ الآمِلَ وِرْدَ السَّمَاحْ

ومن الحوالي:

فَتَنَنْتي فَجَنَّنَتْني تَجَنِّي
بِتَجَنٍّ يَفْتَنُّ غِبَّ تَجَنِّ١٩
ومن رُقطه قوله من رسالة: «أخلاق سيدنا تُحَبُّ، وبِعَقْوَتِهِ يُلَبُّ،٢٠ وقُرْبُه تُحَف، ونَأْيُه تَلَف.»

ومن أخيافه: «الكرم، ثَبَّتَ الله جيش سُعُودك، يَزِين. واللُّؤْمُ، غَضَّ الدهرُ جَفْنَ حَسُودِك، يَشِين.»

ومن تورياته وألغازه قوله من قصيدة كلها على هذا النمط:

وكاتِبِين وما حَطَّت أنامِلُهمْ
حرفًا، ولا قرءوا ما خُطَّ في الكتبِ٢١

ومن أحاجيه ومعجماته:

يا من بدا بيانُه
عن فَضْلِه مُبَيِّنا
ماذا مثال قولهم:
حُمار وَحْشٍ زُيِّنا؟٢٢
وقوله يحاجي في مسائل فقهية: «أيستباح ماء الضرير؟ قال: نعم، ويجتنب ماء البصير.»٢٣

وله غير ذلك أعاجيب كثيرة، منها الألفاظ التي تُكتب بالصاد والسين، كالصراط والصقر، ومنها الشعر الذي لا يستحيل بالانعكاس:

أُسْ أرملًا إذا عَرَا
وارْعَ إذا المرءُ أَسَا٢٤

ومنها أشياء أخر يطول بنا الأمر لو عمدنا إلى ذكرها. وإن في ما أوردناه كافيًا للدلالة على صنعة الحريري، وإمعانه في طلب المحسنات البديعية حتى جعل لها المقام الأعلى في إنشائه، فنبا به عن الطبع، ولم يسلم مطالعه من السأم والضجر.

ويُكثر الحريري في مقاماته من الأمثال، فقد أورد منها طائفة جليلة، ومن الأشعار وكلها من نظمه إلا أربعة أبيات ذكرها على سبيل الاستشهاد.

وإنشاؤه على الإجمال لا تنحطُّ بلاغته، إذا جردته من الرموز والأحاجي والألغاز.

(٢-٣) منزلته

قال فيه ابن خلكان: «كان أحد أئمة عصره، رُزق الحظوة التامة في عمل المقامات. واشتملت على شيء كثير من كلام العرب، في لغاتها وأمثالها. ورموز أسرار كلامها، ومن عرفها حق معرفتها، استدلَّ بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطِّلاعه، وغزارة مادته.» ا.ﻫ. وقال الزمخشري:

أقسم بالله وآياتِهِ
ومَشْعَر الحج وميقاتِهِ٢٥
إن الحريريَّ حريٌّ بأنْ
تَكتُبَ بالتِّبْر مقاماتِهِ٢٦
مُعْجِزة تُعجز كلَّ الوَرى
ولو سَرَوا في ضَوْء مِشْكاتِهِ٢٧

ومنزلة الحريري لم تقم على جمال القصص في مقاماته، والتفنُّن في أغراضها، وإنما قامت على إنشائها المنمَّق، وما فيها من رموز لغوية، وأحاجٍ بيانية، فالحريري لم يحفل بالفن القصصي فيعمد إلى ترقيته، بل قصر همته على التصرف في الألفاظ، وضروب المحسنات والألغاز. فجاءت أقاصيصه متشابهة المواضيع، محدودة الخيال، ولكنها حافلة بكل عجيب من أنواع البيان والبديع، وكل غريب من كلام العرب ومذاهبهم.

وكان التصنع في الإنشاء هو الطراز الأعلى يومذاك، ففتن بإنشائه أهل زمانه، ومن جاء بعدهم، فاتخذوا مقاماته عنوانًا للكمال، لا يلتفتون إلى غير الصناعة اللغوية فيها. وإليها أشار ابن خلكان في كلامه، والزمخشري في شعره.

وكثر بعد الحريري وُضَّاع المقامات، وأشهر من اصطنعها في المتقدمين الزمخشري والسيوطي، وفي المتأخرين الشيخ ناصيف اليازجي، وكلهم اتخذ الحريري أستاذًا له يجري على مثاله.

(٣) العلوم

ظل الاشتغال باللغة على نموٍّ وازدياد، وتكاثرت الكتب المصنفة، ولا سيما كتب النحو والبيان. واشتهر من أصحاب اللغة طائفة كبيرة، منهم أبو زكريا التبريزي، وله ملخص إعراب القرآن، وشرح المعلقات، والوافي في العروض. ومنهم الحريري وقد تقدم ذكر تآليفه. ومنهم الجرجاني، وله أسرار البلاغة في المعاني والبيان، ودلائل الأعجاز في علم المعاني، والعوامل المائة. ومنهم الزمخشري وله أساس البلاغة في اللغة والمفصل في النحو. ومنهم السكَّاكي وله مفتاح العلوم في الصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والبيان والعروض. ومنهم الصغاني وله مجمع البحرين في اللغة. ومنهم ابن الحاجب وله الكافية والشافية في الصرف والنحو. ومنهم ضياء الدين ابن الأثير، وله المثل السائر في علم البيان والصناعة اللفظية والمعنوية، وسنعود إليه في كلامنا على الأدب والأدباء.

وكذلك التاريخ كان له حظ حسن، فقد وُضعت فيه عدة كتب لتعدد الممالك. وأشهر المؤرخين عماد الدين الأصفهاني، وله كتب في فتوح صلاح الدين وأخبار السلاجقة. وشهاب الدين أبو شامة وله كتاب الروضتين في أخبار صلاح الدين ونور الدين وحروب الصليبيين. والسمعاني وله كتاب الأنساب. والقِفطي وله معجم تاريخي للفلاسفة والأطباء والطبيعيين والرياضيين، وله أنباء النحاة، وأخبار مصر. وابن عساكر الدمشقي وله تاريخ دمشق. وعز الدين ابن الأثير وله كتاب الكامل في التاريخ العام، ويعرف بتاريخ ابن الأثير.

وأما الجغرافيا فقد كان تقدمها في الأندلس، ولم يخلُ الشرق من رجال اشتغلوا بها وبالتاريخ معًا أمثال ياقوت الحموي وله معجم البلدان، وهو كتاب جغرافي كبير بأسماء البلاد. وأمثال أبي الفرج الجوزي وله كتب كثيرة في التاريخ والجغرافيا.

وأما الفلسفة فقد ذوت في الشرق بعد أن نبغ الغزالي وأصلاها وأصحابها حربًا حامية في كتابه تهافت الفلاسفة. ولو لم تتداركها الأندلس لاندثرت معالمها عند العرب.

(٤) الأدب والأدباء

لم تتبدل طرق النقد وأساليبه، وإنما توسَّع الأدباء في علم البيان، وحددوا أصوله وفروعه، وعنوا بتحسين نُظم الإنشاء وضبطها، كما فعلوا في الشعر من قبل. وكان الفضل في ذلك للجرجاني، فإن كتابه أسرار البلاغة حقيق بأن يدعى مفتاح علم البيان، وركن صناعة الإنشاء. ثم جاء بعده جماعة من الأدباء، فنهضوا بهذا الفن، ورفعوا مناره، فاتسع نطاق النقد، وشمل النثر والكتَّاب، فأصابهم منه قسط وافر بعد أن كاد يكون مقصورًا على الشعر والشعراء. وضياء الدين ابن الأثير في مقدمة من لهم اليد البيضاء على صناعة النقد وعلم البيان.

(٥) ابن الأثير ١١٦٢–١٢٣٩م/٥٥٨–٦٣٧ﻫ

(٥-١) حياته

هو نصر الله بن محمد الشيباني، كنيته أبو الفتح، ولقبه ضياء الدين، ويُعرف بابن الأثير الجزري منسوبًا إلى جزيرة ابن عمر٢٨ وفيها ولد ونشأ. وانتقل به والده إلى الموصل، فحصل فيها العلوم، حتى إذا اكتملت آلته، قصد صلاح الدين الأيوبي في دمشق سنة ٥٨٧ﻫ/١١٩١م، فجعله في خدمته، فلبث بضعة أشهر. ثم صار إلى خدمة ولده الملك الأفضل نور الدين، فاستوزره هذا. ولما توفي والده استقلَّ بمملكة دمشق واستقل ضياء الدين بالوزارة، وردت إليه أمور الناس.
ثم إن الملك الأفضل جرت له وقائع مع أخيه العزيز صاحب مصر، فاتفق العزيز وعمه الملك العادل على غزو دمشق واستنقاذها من يد نور الدين. وتأتَّى لهما الأمر سنة ٥٩٢ﻫ/١١٩٥م فاستوليا عليها وأعطيا الملك الأفضل صَرخد٢٩ بدلًا منها، فصار إليها، وأقام بها. وكان ابن الأثير قد أساء السياسة في أهل دمشق، فسخطوا عليه، فلما زال ملكه هموا به، فوضعه الحاجب محاسن بن عجم في صندوق، وأخرجه من دمشق خفية، فمضى إلى سيده في صرخد.

ثم توفي العزيز صاحب مصر سنة ٥٩٥ﻫ/١١٩٨م، وخلفه ابنه الناصر محمد وهو في العاشرة، فاستدعى رجال الدولة عمه نور الدين من صرخد ليكون له وصيًّا، وعنه نائبًا، فحضر وتبعه ابن الأثير. وفي المثل السائر أن ضياء الدين جاء مصر سنة ٥٩٦ﻫ/١١٩٩م.

ونشبت الحرب بين نور الدين وعمه الملك العادل صاحب دمشق، فقصد الملك العادل مصر سنة ٥٩٦ﻫ، وأخرج الملك الأفضل منها. ولم يجرؤ ابن الأثير أن يخرج من مصر إلا مستخفيًا؛ لأن جماعة كانوا يقصدون قتله لما لقوا من عنته واستبداده.

وذهب الملك الأفضل إلى سُمَيساط٣٠ ولم يسمح له عمه بغيرها، وعاد ضياء الدين إلى خدمته. ثم فارقه سنة ٦٠٧ﻫ/١٢١٠م، واتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر صاحب حلب. فلم يطل مقامه عنده، ولا انتظم أمره، وخرج مغاضبًا. وعاد إلى الموصل، فلم يستقم حاله، فورد إرْبِل،٣١ ثم تركها إلى سنجار،٣٢ ثم رجع إلى الموصل، واتخذها دار إقامة، وكتب فيها لصاحبها ناصر الدين محمود بن الملك القاهر، من ملوك الدولة الزنكية،٣٣ وبقي في خدمته حتى مات. وكانت وفاته في بغداد، وذلك أن ناصر الدين بعثه إليها في مهمة، فقضى بها نحبه، ودفن فيها بمقابر قريش. وخلَّف ولدًا اسمه محمد، ذكره ابن خلكان، ونعته بالنباهة، وأثنى على أدبه في المنظوم والمنثور. وضياء الدين هو أحد الإخوة الثلاثة عز الدين المؤرخ المشهور صاحب الكامل، ومجد الدين صاحب النهاية في غريب الحديث والأثر.

صفاته وأخلاقه

عرف ابن الأثير بكبريائه واستبداده، فكرهه الناس، ونذروا دمه غير مرة. وكان كثير الإعجاب بنفسه حتى الغرور، لا يرى خيرًا إلا فيما يقول ويفعل، وقلما يرى خيرًا فيما يقول غيره ويفعل، فكثرت أذيَّته في العلماء والأدباء الذين تقدموه أو عاصروه، وأوقع بهم وازدراهم، وحقَّر آراءهم ورماهم بأقبح الأوصاف، فانقبض عنه رجال العلم، ومقتوه، وطعنوا عليه، وعنَّفوه.

أستاذوه وعلومه

درس ابن الأثير في الموصل، فحفظ القرآن، وكثيرًا من الأحاديث النبوية، وطرفًا صالحًا من النحو واللغة والبيان، وشيئًا غير يسير من الأشعار. ولم نعرف أحدًا من أستاذيه، إلا أنه يخبرنا في المثل السائر أنه وقف من الشعر على كل ديوان مجموع، وأنفد شطرا من العمر في المحفوظ والمسموع، فألفاه بحرًا لا يوقف على ساحله، فاقتصر منه على ما تكثر فوائده، واكتفى بشعر أبي تمام والبحتري والمتنبي، فهؤلاء الثلاثة هم عنده لات الشعر وعُزَّاه ومَنَاته، فروى لهم أكثر مما روى لغيرهم، واستفاد من فصاحة أقوالهم، وبلاغة معانيهم.

آثاره

لضياء الدين مصنَّفات حسنة أشهرها المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، وسنتولى تحليله ونقده. ثم كتاب الوشي المرقوم في حل المنظوم، جعله في مقدمة وثلاثة فصول:
  • الأول: في حل الشعر.
  • والثاني: في حل آيات القرآن.
  • والثالث: في حل الأحاديث النبوية.
وله كتاب المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء. ومجموعة رسائل أورد منها شيئًا في المثل السائر.

(٥-٢) ميزته

قامت شهرة ابن الأثير على كتاب المثل السائر، وهو خير مصنفاته، وأجمعها لميزاته، فتكتفي به لإظهار خصائصه الأدبية، وما له من طرق فيها وأساليب.

المثل السائر: أغراضه

هذا الكتاب يتضمن البحث عن علم البلاغة، والنقد لصناعة الكاتب والشاعر، وقد بناه صاحبه على مقدمة ومقالتين؛ فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان، والمقالتان تشتملان على فروعه. والمقدمة تتضمن عشرة فصول يتكلم فيها على موضوع علم البيان، وما ينبغي له من الأدوات. ثم بحث الحكم على المعاني ومعرفة أساليبها في التفسير والتأويل، والترجيح بينها. ثم جوامع الكلم، والحقيقة والمجاز والفصاحة والبلاغة، وأركان الكتابة، وطريق تعلمها.
  • والمقالة الأولى: تبحث عن الصناعة اللفظية، وهي على قسمين: الأول في اللفظة المفردة. والثاني في الألفاظ المركبة، وجعل صناعة تأليفها على ثمانية أنواع كالسجع والتجنيس والترصيع والمعاظلة وسواها.
  • والمقالة الثانية: تبحث عن الصناعة المعنوية، وهي أيضًا على قسمين: الأول في الكلام على المعاني مجملًا، والثاني في الكلام عليها مفصلًا.

    والقسم الأول على ضربين، أحدهما في ما يبتدعه المؤلف من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه. والثاني في ما يجري فيه على مثال سابق ومنهج مطروق. والقسم الثاني بناه على ثلاثين نوعًا كالتشبيه والاستعارة والتجريد، والتقديم والتأخير، والإيجاز، والإطناب، والكناية، والسرقات الشعرية وغيرها.

ويتخلل هذه المباحث شعر ورسائل، وآيات وأحاديث، يبني عليها كلامه، أو يستشهد بها على صحة أقواله. وربما عمد إلى الموازنة بين شاعرين كما وازن بين البحتري والمتنبي في وصفهما الأسد. وكثيرًا ما يورد من رسائله، ويجعلها مثالًا للبلاغة في النوع الذي يتكلم عليه، ويُعنى بتحليل معانيها، وتنبيه القارئ على النظر إليها.

وكأين عرض لأقوال غيره من الكتَّاب فطعن عليها، وازدراها كما فعل بالحريري وابن نُباتة الخطيب، فإنه عاب سجعهما من أجل تكرير المعنى بالفاصلتين المزدوجتين. وعاب مثل ذلك على أيمة المترسلين كابن العميد والصابي والصاحب بن عبَّاد.

وعرض للشعراء، فأدرك عليهم ما عاب من أقوالهم، واستهزأ بمن يتعصب لبعضهم حتى لا يرى له عيبًا، فعله بالمتنبي وأبي العلاء، فإنه أورد هذا البيت لأبي الطيب:

فلا يُبرَمُ الأمر الذي هو حاللٌ
ولا يحلل الأمر الذي هو يُبْرَمُ

وقال: «فلفظة حالل نافرة عن موضعها، وكانت له مندوحة لو استعمل عوضًا عنها كلمة ناقض. وجعل لا ينقض موضع لا يحلل.» ا.ﻫ. ثم قال: «وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعري أنه كان يتعصب لأبي الطيب حتى إنه كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه. وكان يقول: «ليس في شعره لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها، فيجيء حسنًا مثلها.» فيا ليت شعري أما وقف على هذا البيت المشار إليه؟ لكن الهوى — كما يقال — أعمى، وكان أبو العلاء أعمى العين خلقة، وأعماها عصبية، فاجتمع له العمى من جهتين.» ا.ﻫ.

وفي كلامه على علم البلاغة لا ينفك يذكر أقوال من تقدمه من علماء البيان، ويظهر خطأها، وضعف مدلولها، وقصر نظرهم فيها. ثم يذكر أقواله، ويُدِلُّ بها، ويباهي أنه استنبطها، وفتحت له كنوزها، ولم يُسبق إليها. وإذا سبقه أحد إلى رأي يريد أن يتبناه، لا يُكذب أن يجد فيه عوجًا، ليكون له الفضل في تقويمه. ومثل هذه الأشياء كثيرة في المثل السائر، وهي تصور أدق تصوير عجرفة صاحبه، وشدة غروره.

على أنه لا بد لنا أن ننصف ابن الأثير فنقول: إن أقواله في البيان، واستنباطاته لأحكامه، تدل على علم صحيح، وذكاء عجيب، وقوة استنتاج. ولكن حب المعارضة كان يدفعه إلى الإفراط في المخالفة، فما يأمن الزلل بعض الأحيان، مثال ذلك:

«فإن قيل: «إنك قلت إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين؛ أي المفهوم. ونرى من آيات القرآن ما لا يُفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط وتفسير. وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته.» قلت: لأن الآيات التي تُستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة، وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب لا من جهة ألفاظه المفردة؛ لأن معنى المفردة يتداخل في التركيب، ويصير له هيئة تخصه. وهذا ليس قدحًا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتُبرت لفظة لفظة، وُجدت كلها فصيحة؛ أي واضحة ظاهرة.» ا.ﻫ.

فهذا القول بيِّن الضعف؛ لأن الغريب في القرآن موجود، وقد صُنِّفت فيه الكتب منذ القرون الإسلامية الأولى، يوم كان الناس يتخاطبون باللغة الفصحى ولا يضيقون ذرعًا بالألفاظ الغريبة. فأنَّى لابن الأثير أن ينكره، وهو في عصر ضعفت لغة أبنائه، وفشت بينهم اللهجات العامية. وهبه كان له من العلم بكلام العرب ما يجعل ألفاظ القرآن كلها بينة مفهومة عنده، أفينبغي له أن ينفي الفصاحة عن الغريب، وهو إضافي بين عصر وعصر، وشخص وآخر؟ وماذا يضير فصاحته إذا لطف لفظه، وحس وقعه، وسهل مساغه كغريب القرآن؟

إنشاؤه

يختلف إنشاء ضياء الدين في المثل السائر عنه في رسائله، فبينا هو في الرسائل يلتزم السجع والمحسنات البديعية، إذا به في المثل السائر يبتعد عنها كل البعد، فما تمر بسجع أو وشي إلا عرضًا، فإنشاؤه فيه، ظاهر الطبعية، سهل العبارة، واضح الأسلوب، بريء من التعقيد والإغراب، غالب عليه الإسهاب، فكأن صاحبه أستاذ يُعنى بشرح درسه، وإيضاحه، وتعليله، ليجعله مفهومًا، قريبًا من الأذهان.

ويمتاز إنشاؤه في صبغة رياضية بينة، يكثر فيها التقسيم الفيثاغوري المتشعِّب. وكثيرًا ما يعمد إلى الأدلة المنطقية لتأييد آرائه، وغلب عليه الجدل، فإما يورد أقوال غيره ثم يقول: «فأقول في الجواب.» ويرد عليها. وإما يلقي السؤال على نفسه ويجيب عنه.

وشخصية ابن الأثير ظاهرة كل الظهور في إنشائه، تلتقيها كيف سرت، فتراه أبدًا يحدثك عن نفسه، وينبه خاطرك إلى آرائه، ويُدل عليك بصحة علمه وقوة استنباطه، ويملأ رأسك بكثرة دعاويه، وينفِّرك بلؤم طبعه وكبريائه، حتى لتحسبه وهو يتكلم على ابتداعاته، نبيًّا يوحى إليه: «وهداني الله لابتداع أشياء، لم تكن قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة، وإنما هي متَّبَعة. ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها إذ لم يظفر غيري بأحجارها.» ا.ﻫ.

وإنشاؤه على سهولته ووضوحه وحسن انسجامه لا يُعَدُّ في الطراز العالي، ولا يجري به مع كبار الكتَّاب المتقدمين، وربما وقعت له على أشياء لا تخلو من الضعف كقوله: «وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر.» ووجه الكلام أن يكون التوكيد بعد المؤكد. على أن هذه الهنات قليلة عنده لا تكاد تُذكر.

(٥-٣) منزلته

قال ابن خلكان: «ولضياء الدين من التصانيف الدالَّة على غزارة فضله، وتحقيق نبله، كتابه الذي سماه المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر، جمع فيه فأوعى، ولم يترك شيئًا يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره.» ا.ﻫ.

ولا جرم أن المثل السائر من عيون الكتب التي صُنفت في علم البلاغة، وقد نبل فيه صاحبه باتساق أفكاره، وقوة استنباطه، وحسن منطقه وتعليله، على جراءة في النقد والجدل، ولو لم يشنها الصلف لكانت محببة. وقد يُستحسن من العلماء الاعتداد بالنفس، ولكن أن يخرج بهم إلى الغرور والكبر، فغير محمود، بل هو ممقوت. وهذا ما أصاب ضياء الدين، فإن الناس كرهوه، والعلماء حملوا عليه، وانتقدوه. وكان في جملة ناقديه ومسفهي أقواله ابن أبي الحديد المدائني.

ولكن من العدل أن نعترف بفضل ابن الأثير، فإنه في مقدمة من أوضح معالم البلاغة وأحكم الكلام على فنون الإنشاء، ورتب فصوله وأنواعه، وبيَّن أصوله وفروعه، ودقَّق في جمال اللفظ المفرد والمركب، وحلى النقد الأدبي بجراءة لا تعرف هوادة ولا مداراة، ورفع بنيانه على قوة المنطق وبراعة التعليل.

•••

إلى هنا انتهت بنا الأعصر العباسية بما فيها من أدب زاخر، وعلوم زاهرة. وإن في مباحث هذا الكتاب على اجتزائه بأشخاص معدودين، لصورًا جلية لأطوار الشعر والنثر وما بلغا إليه من نهضة وارتفاع ثم التواء. وقد حقَّ للأعصر العباسية أن تحمل وحدها مشعل حضارة الإسلام.

هوامش

(١) المشان: بليدة فوق البصرة، كثيرة النخل، موصوفة بشدة الوخم؛ أي لا ينجح كَلَؤُها.
(٢) سار: سائر ليلًا. الرائد: الرجل يرسله القوم ليطلب لهم المرعى. الدمن: جمع دمنة وهي آثار الدار، وما تلبد من أبعار الماشية فيها. وخضرة الدمن: ما نبت من العشب عليها فيعجب منظره، على سوء مخبره. وهو مَثَل يضرب في حسن الظاهر، وخبث الباطن. وقوله: غره قمر؛ أي غاب عنه بعد أن خدعه بظهوره.
(٣) المعيدي: نسبة إلى معد بن عدنان بعد تصغيره وتخفيف داله. وقد جاء في المثل: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.» قال المفضل الضبي: «أول من تكلم به المنذر بن ماء السماء قاله لشقة بن ضمرة التميمي الدارمي. وكان قد سمع بذكره، فلما رآه، اقتحمته عينه، فقال له هذا المثل، وسار عنه. فقال له شقة: «أبيت اللعن! إن الرجال ليسوا بجزر يراد منها الأجسام، إنما المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه.» فأعجب المنذر ما رأى من عقله وبيانه. وهذا المثل يُضرب لمن له صيت وذكر، ولا منظر له.»
(٤) سروج: بلدة بجزيرة الفرات.
(٥) المسترشد بالله: من الخلفاء العباسيين خلافته من سنة (٥١٢–٥٢٩ﻫ/١١١٨–١١٣٤م).
(٦) الظالع: الذي يغمز في مشيته. الضليع: السمين، القوي الأضلاع.
(٧) الحارث: الكاسب. الهمام: الكثير الاهتمام بالأمور.
(٨) ربيعة الفرس: أي ربيعة بن نزار، سُمِّيَ بذلك لأنه أخذ الخيل إرثًا عن والده. العثنون: اللحية أو ما نبت من الشعر على الذقن وتحته سفلا. الهوس: الحيرة والاضطراب.
(٩) الواسطية: نسبة إلى واسط، مدينة بالعراق سميت باسم قصر بناه الحجاج بين الكوفة والبصرة.
(١٠) القطيعية: نسبة إلى قطيعة الربيع، وهي محلة ببغداد.
(١١) الرحبية: نسبة إلى رحبة مالك بن طوق، وهو بلد على الفرات.
(١٢) الصنعانية: نسبة إلى صنعاء اليمن على غير قياس.
(١٣) الرازية: نسبة إلى الري، بلد بعراق العجم.
(١٤) الغارب: مقدم ظهر الدابة، استعاره للاغتراب. المتربة: الفقر.
(١٥) المَراح: الرواح.
(١٦) المُراح: المأوى.
(١٧) المِراح: شدة الفرح والنشاط.
(١٨) عبد المدان: رجل في الجاهلية يُضرب به المثل في العز والشرف.
(١٩) تجني: اسم امرأة. بتجنٍّ: بتِيه ودلال. يفتنُّ: يتنوع.
(٢٠) بعقوته: بفنائه. يلب: من ألب بالمكان أقام.
(٢١) الكاتبين: أي الخرازين. يقال: كتب السقاء والمزاد، إذا خرزهما.
(٢٢) حمار وحش زينا: يماثله فرازين، فإن الفرا حمار الوحش، وزين مجهول زان، والفرازين إذا أخذت لفظة واحدة كانت جمع فرزان، وهي الملكة من حجارة الشطرنج.
(٢٣) الضرير: الأعمى، والمتبادر إلى الذهن أن الشرع يجيز أن يغتصب ماء يملكه الأعمى، ولا يجيز ذلك في ماء البصير. أما الضرير هنا فمعناه: حرف الوادي. والبصير: الكلب، وماؤه: بوله.
(٢٤) أس: أعط، من آس يئوس أوسًا. أرملًا: فقيرًا نافد الزاد. عرا: أتى طالبًا. وارع: واحفظ. أسا: أي أساء.
(٢٥) المشعر: موضع مناسك الحج وعلاماته.
(٢٦) التبر: الذهب.
(٢٧) المشكاة: كل كوة غير نافذة، يشير إلى الآية القرآنية: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ وقوله: ولو سروا في ضوء مشكاته؛ أي لو اهتدوا بهديه، واقتفوا معالمه.
(٢٨) جزيرة ابن عمر: بلدة فوق الموصل تحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال. قال ياقوت: «إن أول من عمرها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي.» وقال ابن خلكان: «قيل إنها منسوبة إلى يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين، ثم ظفرت بالصواب في ذلك، وهو أن رجلًا من أهل برقعيد من أعمال الموصل بناها، واسمه عبد العزيز بن عمر فأضيفت إليه.»
(٢٩) صرخد: بلدة في جبل الدروز فيها قلعة قديمة.
(٣٠) سميساط: قلعة في بر الشام على الفرات.
(٣١) إربل: مدينة كبيرة قرب الموصل من جهتها الشرقية.
(٣٢) سنجار: مدينة في العراق العجمي.
(٣٣) الدولة الزنكية: فرع من الدولة السلجوقية، مؤسسها عماد الدين زنكي، وكان من موالي ملك شاه السلجوقي، امتد سلطانها على الجزيرة والشام، وحكمت من سنة ٥٢١–٦٥٧ﻫ/١١٢٧–١٢٥٨م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤