الفصل الخامس عشر

مايك جنسن يغيِّر رأيه في الشركة

الحجة القائلة بضرورة أن تحدد الأسواق المالية الأولويات دائمًا — للشركات والمجتمع — تخسر أهم أنصارها.

***

في ٢٠ مارس ٢٠٠٠، نشرت أسبوعية «بارونز» المالية قصة غلاف تبيِّن أن شركات الدوت كوم بدأ ينفد منها المال. وعددت المقالة إحدى وخمسين شركة من شركات الإنترنت سوف تستنزف احتياطياتها النقدية على مدى الاثني عشر شهرًا التالية، وذلك بافتراض استمرار دخول الإيرادات وخروج المصروفات بالمعدل ذاته.1 جُمعت كل هذه المعلومات من تقارير مالية رفعتها الشركات إلى هيئة الأوراق المالية والبورصة ونشرتها على الإنترنت، بمعنى أنها كانت معلومات متاحة علانية بالفعل، ومع ذلك أحدثت مقالة «بارونز» ضجة. قال رئيس شركة الأبحاث التي جمعت المعلومات: «لم يدهشنا كثيرًا الرد؛ فالتقرير لم يُظهر أي شيء جديد، لكني أظن أن كثيرًا من المستثمرين لم يكن تركيزهم منصبًّا على عوامل مخاطر شركات الإنترنت، بل كان منصبًّا فحسب على المكافآت.»2 بدءوا «يقلقون» بشأن المخاطر على مدى الأسابيع التالية، فانخفضت أسهم الإنترنت انخفاضًا حادًّا.

كانت أسعار أسهم الإنترنت قد هبطت من قبل لتتعافى في نهاية المطاف، أما هذه المرة فلم تتعافَ. كانت شركات الدوت كوم الخاسرة تقتات على سخاء مستثمريها. استخدم بعضها الكسب غير المتوقع بحكمة، وراح يتطلع إلى يوم يتوقف فيه عن استهلاك النقدية ويبدأ في توليدها. كانت أمازون دوت كوم على قائمة «بارونز»، على سبيل المثال، ومنذ ذلك الحين مضت لتصبح واحدة من شركات التجزئة الكبرى في العالم. واندثرت أخريات كثيرات في غياب مزيد من الأموال من سوق الأسهم.

لم يكن هذا بالضرورة دليلًا على عدم عقلانية المستثمرين؛ فالمرء يمكنه بعقلانية (لكن بتفاؤل) أن يعتقد أن شركة دكتور كوب دوت كوم — إذا أردنا الاستشهاد بمثال بارز — كان يمكنها الاعتماد على استمرار ضخ النقدية من المستثمرين طوال السنتين أو الثلاث أو حتى عشر السنوات التي ستحتاجها لتحقيق ربح، لكن ذلك كان يعني أن السعر الذي دفعه المستثمرون في دكتور كوب دوت كوم — والذي انخفض من ٤٥ دولارًا للسهم سنة ١٩٩٩ إلى ما دون دولار واحد في أواخر سنة ٢٠٠٠ — لا يمكن أن يقال إنه «يعكس» قيمته الحقيقية. كانت القيمة الحقيقية لهذه الشركات تعكس إلى حد كبير مقدار الأموال الإضافية التي يمكن أن يُتوقع ضخ المستثمرين لها في تلك الشركات.

•••

بعد انهيار سنة ١٩٨٧، بدأ مدير صندوق التحوط جورج سوروس يروج لمفهوم غامض سماه «الانعكاسية»، فقال أمام جمهور من الاقتصاديين سنة ١٩٩٤ إن المشكلة فيما يخص النظرية المالية الأكاديمية هي أنها «تتصور الأسواق المالية باعتبارها تلعب دورًا سلبيًّا في الأساس»؛ حيث تقيِّم الأوراق المالية ثم تفسح المجال. وقال سوروس إن الطريقة التي يفسر بها المشاركون في السوق سلوك سوق معينة يشكِّل ذلك السلوك نفسه في حقيقة الأمر، ويقرر سلوك السوق بدوره الواقع الاقتصادي الذي يُفترض أن تعكسه أسعار السوق.3 كان سوروس بقوله هذا يشير إلى أحداث من قبيل انهيار سنة ١٩٨٧ أو انهيار الجنيه الإسترليني سنة ١٩٩٢، وهو ما شجَّعه بلا هوادة في الوقت الذي حقق فيه لنفسه وصندوقه مليار دولار كما أُعلن. لكن صعود سوق الأسهم الأمريكية في السنوات الأخيرة من الألفية كان حتى مثالًا أشد وضوحًا. لقد خلقت إدراكات المستهلكين واقعًا اقتصاديًّا جديدًا، واقعًا غريبًا.
في حالة شركات الدوت كوم وبنات عمومتها الأشد منها حتى تعطشًا للنقدية — شركات الاتصالات المبتدئة — كان هذا بمنزلة نوبة حماس يُزعم أنها إيجابية لكنها متلافة. فتريليونات الدولارات من أموال المستثمرين ضاعت، لكنها استخدمت جزئيًّا لبناء بنية تحتية جنى منها الاقتصاد العالمي منذ ذلك الحين ثمارًا. قال أحد المستثمرين في قطاع التكنولوجيا، وهو روجر ماكنامي في ذروة الطفرة: «لقد بنى الاقتصاد الأمريكي جل موجات التقدم الكبرى على أكتاف هوس مالي. إنها طريقة عديمة الكفاءة بوضوح لفعل الأشياء، لكنها تقلل الوقت اللازم لتطوير صناعة جديدة.»4
بالنسبة للشركات الرابحة العريقة التي وقعت في حبائل هوس الأسهم أواخر تسعينيات القرن العشرين، لم يكن ممكنًا تأويل مواقفها تأويلًا إيجابيًّا. فعملاق الغاز الطبيعي إنرون وشركة الاتصالات وورلد كوم كلتاهما كافحت لتلبية التوقعات المتأصِّلة في سعري سهميهما، فزيفتا أرباحهما، ودمَّرتا نفسيهما بنفسيهما. وبيعت شركة الترفيه متعددة الأنشطة تايم وارنر لشركة إنترنت مقدَّرة بأعلى من قيمتها على نحو مبالغ فيه، وهي أمريكا أون لاين، وبددت ٥٠ مليار دولار من أموال مساهميها.5 وحتى الشركات التي حافظت إداراتها على رباطة جأشها عانت لسنوات من الآثار البغيضة التي خلفتها فقاعة أسعار الأسهم التي تعود إلى أواخر تسعينيات القرن العشرين.
كتب مايكل جنسن يقول بعد أن انتهى كل شيء نهاية سيئة: «يُطلِق التقدير بأعلى من القيمة قوى تنظيمية تدمر القيمة. فإدارة دفة شركة مغالى في تقييمها يبدو رائعًا في البداية كتعاطي الهيروين. فإذا كنت الرئيس التنفيذي أو المدير المالي، فأنت تظهر على شاشات التليفزيون والمستثمرون يحبونك، وتحلِّق عقود خياراتك في السماء، وتفتح الأسواق الرأسمالية لك أبوابها على مصاريعها. لكن كما يعرف متعاطو الهيروين، فإن آلامًا هائلة تكون في انتظارهم.»6 نعم، كان هذا هو الرجل نفسه الذي سبق أن أعلن أن فرضية كفاءة السوق «تدعمها أدلة تجريبية أقوى» من أية نظرية أخرى في علم الاقتصاد، والذي أثبت بالحجة أنه لو أعار مسئولو الشركات التنفيذيون مزيدًا من الاهتمام لسوق الأسهم فحسب، فستكون شركات أمريكا أقدر على التنافس. وها هو الآن يقول إن ارتفاع أسعار الأسهم أكثر مما ينبغي أضلَّ الرؤساء التنفيذيين.

كان جنسن ما زال يزعم أنه يؤمن بأن السوق كفء، بمعنى أننا — حسب قوله — «لا نعرف ما إذا كانت أسعار الأسهم مرتفعة أكثر مما ينبغي أم منخفضة أكثر مما ينبغي.» وذلك في حد ذاته كان تراجعًا كبيرًا عن قوله إن «أسعار الأسهم «تعكس تمامًا» كل المعلومات المتاحة.» لكن حتى هذا لم يعبر تمامًا عن موقف جنسن؛ حيث باع السواد الأعظم من الأسهم التي كان يملكها سنة ١٩٩٩ اقتناعًا منه بأن السوق أصابها الجنون.

كانت رحلة فكرية عجيبة طويلة، عزا جنسن بعضًا منها إلى اللين الذي يأتي مع التقدم في العمر، على الرغم من أنه وهو في الستينيات من عمره لم يكن الشخص الذي يمكن أن يصفه المراقب المحايد باللين. كان أيضًا قد وسع اهتماماته الفكرية؛ حيث أصبح مسحورًا بآليات العقل البشري.7 خلاصة القول: إن جنسن — بغض النظر عن مدى ارتباطه بنظرياته — كان يعير اهتمامًا للأدلة في المقام الأول.

•••

رحلة جنسن مهمة لأن كثيرين جدًّا ساروا على خطاه الفكرية في تسعينيات القرن العشرين، ولم يقتصر الأمر على أساتذة مالية آخرين فحسب، بل شمل صحفيين وخبراء إدارة ورؤساء تنفيذيين وساسة. في بداية العقد كان المرء ما زال يسمع كثيرًا من الأصوات — ربما أغلبية — تعترض بقولها إن سوق وول ستريت المهووسة بالرؤية قصيرة المدى مارست نفوذًا أكثر مما ينبغي على الحياة الاقتصادية الأمريكية. كانت الحجة غالبًا ما تصاغ من منظور القدرة التنافسية الوطنية؛ ففي حين اضطرَّت الشركات الأمريكية للخضوع للنزوات المتقلِّبة من جانب سوق الأسهم، كانت نظيراتها في ألمانيا واليابان تخضع لسيطرة بنوك تتبنَّى نظرة بعيدة الأمد.8
جاءت المعارضة الأشد صراحة لهذه الحكمة المتعارف عليها من أساتذة المالية أتباع مدرسة شيكاجو. قال ميرتون ميلر سنة ١٩٩٣: «المديرون الأمريكيون أكثر انشغالًا بالتحركات الحالية في أسعار أسهمهم من المديرين اليابانيين، وهم محقون في ذلك. فالتركيز على «الأرباح» الحالية ربما كان قصير النظر، لكنه ليس كذلك بالنسبة لأسعار الأسهم، التي لا تعكس التركيز على أرباح اليوم فحسب، بل الأرباح التي تتوقعها السوق في كل السنوات المستقبلية أيضًا.»9 وبطرحه حجة مماثلة بعد ذلك ببضع سنين، أقر جنسن بأن «المصارف الكبرى» في الكيريتسو اليابانية — تحالفات شركات مرتبطة بالملكية المشتركة لأسهمها — لعبت ذات يوم دورًا توجيهيًّا مفيدًا، لكنه قال إن الشركات اليابانية الكبيرة غارقة الآن في بحر من النقد، حتى إن مديريها صاروا «على نحو متزايد غير مقيدين بقيود ولا يخضعون للمراقبة»، فلم يكونوا مسئولين أمام سوق الأسهم ولا أسواق الائتمان. وقال إن النتيجة الحتمية هي أن «الشركات اليابانية ستنفِّذ استحواذات غير اقتصادية وتحركات بغرض التنويع، وتولد نفايات داخلية، وتنخرط في أنشطة أخرى مدمرة للقيمة.»10

كتب جنسن هذا سنة ١٩٨٩؛ أي قبل بلوغ سوق الأسهم اليابانية ذروتها، وقبل انكماش اقتصاد الفقاعة، وقبل أن يتبيَّن للجميع ولأخيه أن كثيرًا من الشركات والبنوك الكبيرة في اليابان كانت منخرطة في «أنشطة مدمرة للقيمة» منذ سنوات. كما أن كلماته سبقت سقوط الإمبراطورية السوفييتية ومتاعب ألمانيا الاقتصادية فيما بعد إعادة التوحد.

لو أن الحكم على صلاحية نظرية معينة سيكون حسب صحة التنبُّؤات التي تتمخَّض عنها، فإن نظريات جنسن وميلر لم تبدُ بحلول منتصف تسعينيات القرن العشرين جيدة فحسب بل نافذة البصيرة. أصاب الاقتصاد الياباني الكساد، وتعثَّرت معظم بلدان أوروبا الغربية، وانهار الاتحاد السوفييتي، وازدهرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة المهووستان بسوق الأسهم. لم يعد ممكنًا أن يشير المرء إلى أي بدائل دالَّةٍ ناجحةٍ للطريقة الأنجلو أمريكية في الرأسمالية المالية.

وهكذا، وحتى فيما بدأت النقاشات الدائرة في الجامعات حول كفاءة السوق تميل في صالح المشككين، سارت النظرة الشعبية والسياسية للأسواق المالية في الاتجاه المعاكس. كتب الناقد اليساري توماس فرانك في كتابه «سوق واحدة أمام الله» يقول: «كان داو الآخذ في الارتفاع دائمًا الورقة الأيديولوجية الحاسمة التي سمحت للمؤمنين بنبذ المشككين بيقين يكاد يكون تامًّا. ومثلما تقول نظرية الأسواق الكفء إن أسواق الأسهم تعالج البيانات الاقتصادية بسرعة وبلا خلل، صار المعلِّقون الأمريكيون يعتقدون أن أسواق الأسهم تؤدي إلى حد كبير العملية ذاتها بالإرادة العامة؛ حيث تعدِّل وتحوِّر نفسها على نحو لانهائي بما يتماشى مع العقل الشعبي الرحب الذي لولا ذلك لكان مبهمًا.»11
خلافًا لما جرى في العقد السابق، صار هذا الاعتقاد اعتقادًا يلقى تأييد الحزبين في تسعينيات القرن العشرين، كما صار عالميًّا أيضًا. بحلول الألفية، كان المرء يسمع مفكري عالم الأعمال في ألمانيا واليابان بل وفرنسا يرددون حجج جنسن.12 حتى معظم نقاد فرضية كفاءة السوق الأكاديميين ساروا على الدرب نفسه. فقد قضى أندريه شلايفر شطرًا من ذلك العقد يطالب الروسيين بالخصخصة. وحاول بوب شيلر إنشاء أوراق مالية جديدة للسماح للمستثمرين بالرهان على الأحداث الاقتصادية وأسعار المنازل. وصار لاري سامرز — الذي كان قد روج في أواخر ثمانينيات القرن العشرين لفرض ضريبة على المعاملات لإبطاء التعامل في أسواق الأسهم — واحدًا من أكبر المدافعين في العالم عن التدفُّقات المالية الحرة بصفته نائب وزير الخزانة ثم وزير الخزانة. قال دوج هنوود — محرر الرسالة الإخبارية «ليفت بيزنس أوبزيرفر» الإخبارية وناقد وول ستريت ثاقب البصر — في أسًى: «شيلر وسامرز والباقون على علم بشيء ما مثار اهتمام أكبر من الاهتمام الإحصائي، لكنهم لا يستنبطون بعضًا من الاستنتاجات الأكثر إثارة للاهتمام التي يوحي بها عملهم.»13

•••

كان من بين آخر الرافضين لهذا الاحتفاء بالأسواق المالية — فضلًا عمن هم على شاكلة دوج هنوود وتوماس فرانك — الرؤساء التنفيذيون في البلاد. فلو كانت هناك طائفة واحدة من الأمريكيين لا تثق بسوق الأسهم فهي الرجال الذين يديرون الشركات المتداولة أسهمها فيها. لكن حتى هناك، كانت المواقف آخذة في التغير؛ حيث بدأ بعض الرؤساء التنفيذيين يعتنقون مبدأ القيمة المضافة للمساهمين.

كان أبرز اثنين من المعتنقين الأوائل جاك ولتش في جنرال إلكتريك وروبرتو جويزيوتا في كوكاكولا، وكلاهما تولَّى دفة القيادة في شركته سنة ١٩٨١ وجعل من رفع سعر السهم هدفه الأساسي. في الأيام الأولى، باع ولتش كثيرًا جدًّا من أقسام الشركة وسرَّح كثيرًا جدًّا من العاملين بها سعيًا إلى تحقيق هذا الهدف، لدرجة أنه لُقِّب «نيوترون جاك» نسبة إلى القنبلة النووية المقترحة التي تترك المباني قائمة لكن تقتل سكانها. كان جويزيوتا — الباحث الكيميائي السابق — يعتقد أن القياس الجيد لا غنى عنه لنجاح الأعمال، فعيَّن جويل شتيرن — الحاصل على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة شيكاجو، والذي كان بحلول ذلك الوقت قد رحل عن تشيس مانهاتن ليدشن لنفسه شركة استشارية — ليقدم له المشورة. وبعدئذ ركزت الشركة تمامًا على تحقيق تدفق نقدي فاق تكلفتها الرأسمالية. كان جويزيوتا يروق له أن يقول: «الإدارة لا تتقاضى أجرها لتريح المساهمين، بل نتقاضى أجورنا لنحقق الثراء للمساهمين.»14

بحلول أواخر ثمانينيات القرن العشرين كان هذا النهج يؤتي ثماره لكلٍّ من ولتش وجويزويتا. فلم تتمتَّع جنرال إلكتريك بسعر سهم متزايد فحسب، لكنها بدأت توظف العمال وتنمو من جديد، وكان ولتش في طريقه إلى أن يصبح واحدًا من أكابر قادة الشركات خلال هذا القرن. حظيت استراتيجية جويزويتا في كوكاكولا بمساندة وارين بافيت التي لا تقدر بثمن؛ حيث اشترى ٧ في المائة من الشركة وحصل على مقعد في مجلس الإدارة. وفي نوفمبر ١٩٨٨، وضعت مجلة «فورتشن» جويزويتا على غلافها للمرة الأولى وبإحدى يديه علبة كوكاكولا ويطل من جيب سترته الفاخرة منديل حريري مرقَّط. كُتب العنوان الرئيسي على الغلاف بحروف كبيرة: «نعم يمكنك أن تدير برؤية بعيدة الأمد.» مضيفًا: «تقول إن وول ستريت لن تسمح لك بأن تنظر إلى ما هو أبعد من المكان والزمان الحاليين؟ هراء! كل ما هنالك أنك تختلق أعذارًا واهية.»

وداخل المجلة، استعرضت المقالة شكاوى الرؤساء التنفيذيين المعتادة بشأن أساليب السوق المتقلِّبة، ثم أعلنت قائلة:
تتجاهل سوق الأسهم الأرباح التي تتولَّد عن تزييف محاسبي. وهي تقيِّم الاستثمارات بعيدة المدى على نحو أفضل من كثير من الرؤساء التنفيذيين، وفي بعض الأحيان تبدو ذات نظرة مستقبلية أبعد من نظرة أغلبهم. يقول ألفريد رابابورت — أستاذ المحاسبة والمالية في كلية كيلوج بجامعة نورثوسترن وأحد كبار دارسي قيم الأسهم: «لا يمكنك تبرير أسعار أسهم اليوم دون النظر إلى الأرباح في القرن الحادي والعشرين.»15

تطلب الأمر وقتًا من الرؤساء التنفيذيين غير ولتش وجويزويتا كي يستوعبوا هذه الفكرة. كان هناك كثيرون ما زالوا يحتاجون إلى ضغط، وهي المهمة التي قام بها المُغِيْرون على الشركات في ثمانينيات القرن العشرين، لكنهم لو أنهم ظلوا المحركين الأبرز للقيمة المضافة للمساهمين لما كانت ترسخت في الخيال الشعبي مثلما ترسخت. ربما باستثناء التكساسي المتألق تي بون بيكنز، لم يكن عباقرة شراء الشركات بأموال مقترضة وُلدوا ليكونوا أبطالًا شعبيين. بالمصادفة، كان هناك نوع جديد من الناشطين الاستثماريين آخذ في الظهور، وهو أكثر قبولًا لدى وسائل الإعلام والمستثمرين الأفراد والمشرعين من رجال الاستحواذ على الشركات بأية حال.

ظهرت السلالة الجديدة سنة ١٩٨٤، وذلك عندما قام الإخوة باس — المغيرون التكساسيون على الشركات — بمحاولة عدائية للاستحواذ على تكساكو، فتصدت إدارة شركة النفط لهذا الاستحواذ بإعادة شراء العشرة في المائة من أسهمها التي كان الإخوة باس قد استحوذوا عليها بزيادة ١٣٧ مليون دولار عن سعر السوق. كانت صناديق معاشات موظفي ولاية كاليفورنيا، وهي الأكبر من نوعها في البلاد، تملك ١ في المائة من تكساكو، فغضب وزير خزانة الولاية جيسي أونروه — الذي كان يساعد في الإشراف عليها — أشدَّ الغضب. كان أونروه يرى هذا الأمر من زاوية أن دفع هذا المبلغ للإخوة باس «للحيلولة دون الاستحواذ على الشركة» هو سرقة ١٣٧ مليون دولار من بقية مساهمي الشركة.

كانت الوسيلة التقليدية للتعبير عن السخط على إدارة شركة ما في وول ستريت هي أن يبيع المرء أسهمه في هذه الشركة. ولم يكن بيع الأسهم في حقيقة الأمر خيارًا متاحًا بالنسبة لنظام تقاعد موظفي كاليفورنيا العموميين (كالبرز)، الذي كان قد اتبع نصيحة الاستشاري بيل شارب ووضع أكثر من نصف أصوله في صناديق مرتبطة بمؤشر. كان كثير من صناديق التقاعد الأخرى يسير في الاتجاه ذاته في تلك الأيام. طاف أونروه — وهو رئيس سابق للمجلس التشريعي للولاية ممثلًا للحزب الديمقراطي ومحرك أسطوري قدير من وراء الكواليس — بنظرائه في الولايات الأخرى، وفي سنة ١٩٨٥ أسسوا مجلس المستثمرين المؤسَّسِيين ليدافع عن حقوقهم الجماعية.

في ذلك العام نفسه، دشن روبرت إيه جي مونكس شركة تسمى إنستتيوشنال شيرهولدر سيرفيسيز. كان مونكس رجل أعمال من ولاية مين ومرشحًا جمهوريًّا مرتين لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، وقد عُيِّن في منصب في وزارة العمل في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. أدخل أثناء شغله هذا المنصب تعديلًا على لائحة قانون تأمين الدخل التقاعدي للموظفين كي تشترط على مديري الصناديق التقاعدية أن يدلوا بأصواتهم حصريًّا لمصلحة مستفيدي الصندوق (لا مصلحة المستفيدين من الشركة التي تموله على سبيل المثال). أوجدت القواعد الجديدة سوقًا للمشورة المحايدة حول كيفية الإدلاء بتلك الأصوات، وقد أسس مونكس إنستتيوشنال شيرهولدر سيرفيسيز لتقديم هذه المشورة.16
كان مايكل جنسن في البداية مرتابًا في هؤلاء الناشطين؛ حيث قال عندما دُشن مجلس المستثمرين المؤسَّسِيين: «الخطر الحقيقي لهذه الفئة هو أن المستثمرين المؤسَّسِيين الذين اتسموا بالسلبية فيما مضى ربما يبدءون في الرد على الضغط السياسي. فهل سيبيعون استثماراتهم في الشركات التي لا تروق للوبي المعلمين على سبيل المثال؟»17

ما كان عليه أن يقلق؛ فمجلس أونروه كان يضم في عضويته أعضاءً شديدي التنوع (وسرعان ما تفرَّع ليشمل صناديق التقاعد الخاصة بالنقابات والشركات بالإضافة إلى صناديق التقاعد الحكومية)، وكان لدى شركة إنستتيوشنال شيرهولدر سيرفيسيز التي أسسها مونكس رغبة شديدة في استقطاب العملاء الذين يدفعون المال؛ مما منعهما من الترويج لقضايا سياسية. بدلًا من ذلك، ركز الاثنان على المبدأين اللذين يمكن لجميع المهتمين بحقوق المساهمين الاتفاق عليهما، وهما ضرورة المساواة في معاملة المساهمين وأن وظيفة الإدارة هي تحقيق أعلى عوائد ممكنة للمساهمين.

بعد مرور أقل من عقدين من الزمان من إصابة ميلتون فريدمان لقراء صحيفة «نيويورك تايمز» الليبراليين بالصدمة بحجته القائلة إن وظيفة الشركات المساهمة هي تحقيق الربح؛ كانت صناديق التقاعد النقابية والساسة الليبراليين يتكاتفون للضغط على الرؤساء التنفيذيين من أجل … تحقيق مزيد من الأرباح. بعد ذلك بسنوات — وفيما انتبهت صناديق التقاعد لنداءات استشارييها المطالبة بتنويع استثماراتها بدخول فئات أصول جديدة — بدأ كثيرون يستثمرون في صناديق المغيرين على الشركات إبان ثمانينيات القرن العشرين التي اتخذت لنفسها اسمًا جديدًا، وهو شركات «حقوق الملكية الخاصة».

توفي أونروه سنة ١٩٨٧، لكن ديل هانسون — الذي رحل ذلك العام عن صندوق تقاعد ويسكونسن الحكومي ليدير كالبرز — أثبت أنه أكثر من مجرد خليفة مقتدر باعتباره ناشطًا مساهمًا. رأى هانسون أن حلفاءه المحتملين ليسوا مجرد صناديق التقاعد الأخرى التي تنتمي إلى مجلس المستثمرين المؤسَّسِيين، بل شركات الصناديق الاستثمارية المشتركة مثل فيدلتي، وفانجارد. لم يكن لدى الصناديق الاستثمارية المشتركة مصلحة في خوض معارك عامة مع الشركات التي كانت تسعى إلى كسبها كعميل في إطار برنامج التقاعد ٤٠١(ك)، لكن حجمها الآخذ في النمو (والميل إلى الارتباط بمؤشر في حالة فانجارد) صعَّب عليها التخلي عن الشركات متعثرة الأداء. فلو كان هانسون يريد إثارة ضجة، لم يكن لديها مانع من مساندته بهدوء.

تفاقم الوضع خلال الانكماش الاقتصادي الذي شهدته أوائل تسعينيات القرن العشرين، وعانت كثير من الشركات الأمريكية الكبيرة مثلما عانت خلال نوبات الركود الاقتصادي السابقة في سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين. هذه المرة تحديدًا، لم يظهر المساهمون المؤسسيون كثيرًا من الصبر على الرؤساء التنفيذيين الذين لم يستطيعوا إحداث تحول سريع. حاول مونكس — الذي كان قد باع إنستتيوشنال شيرهولدر سيرفيسيز وأسس صندوقًا ناشطًا يسمى لينز — الفوز في انتخابات عضوية مجلس إدارة «سيرز» للتعبير عن خيبة أمله في الاتجاه الذي تسير فيه شركة التجزئة، فأخفق في ذلك، لكن سرعان ما أحدثت سيرز كثيرًا من التغييرات التي سبق أن أوصى بها. وفي كالبرز، بدأ هانسون يمارس الضغط على مجالس الإدارات لإقالة الرؤساء التنفيذيين أصحاب الأداء المتعثِّر. وفي سنتي ١٩٩١ و١٩٩٢، تمت إقالة الرؤساء التنفيذيين الذين استهدفهم كالبرز ومؤسسات أخرى في وستنجهاوس وأمريكان إكسبريس وجنرال موتورز.

بدا أخيرًا أن ما دعا إليه أدولف بيرل في عشرينيات القرن العشرين قد بدأ يحدث؛ حيث كان المستثمرون المؤسَّسِيُّون قد اضطلعوا بدور المراقبين. حتى جنسن غيَّر موقفه، فقال في الخطاب الرئاسي الذي ألقاه أمام جمعية المالية الأمريكية في يناير ١٩٩٣: «المستثمرون النشطون مهمون لأي نظام حوكمة فعال؛ لأن لديهم ما يلزم من مصلحة مالية واستقلالٍ من أجل النظر إلى إدارة الشركة وسياساتها من زاوية غير منحازة.»18 وقد أعلنت مجلة «فورتشن» — وهي مقياس موثوق لتبدُّل الآراء في عالم الشركات الأمريكية — على غلافها في ذلك الشهر نفسه أن «الرئيس التنفيذي الإمبراطوري ولَّى زمانه … وليحيَ المساهمون.»19

•••

في غضون سنوات قليلة، صارت هذه الإعلانات عن انتصار المساهمين تبدو بالغة السذاجة. صحيح أن وظائف الرؤساء التنفيذيين صارت أقل استقرارًا بكثير، ولم يعودوا ملوكًا، لكن لم يكن ذلك يعني أنهم صاروا بلا سلطة. فكثيرون منهم أظهروا ردود أفعال على وضعهم الجديد — وينبغي أن نضيف أن هذا حدث على نحو عقلاني تمامًا — بالتخلي عن مروءة النبلاء والتحول إلى ديكتاتوريين، مدركين أنهم قد يتعرضون للإطاحة بهم في انقلاب في أية لحظة، وكانوا يستولون على أكبر قدر ممكن من الأموال قبل أن يحدث ذلك.

كانت أجور الرؤساء التنفيذيين قد تجمَّدت بداية من انهيار سنة ١٩٢٩ وحتى سبعينيات القرن العشرين، وارتفعت أجور العمال بمعدل أسرع كثيرًا من أجور كبار المسئولين التنفيذيين. كان السبب الأبرز لهذا الجمود هو قانون الضرائب؛ حيث كانت معدلات ضريبة الدخل التصاعدية مرتفعة ارتفاعًا قاسيًا؛ إذْ فاقت نسبتها ٩٠ في المائة في خمسينيات وأوائل ستينيات القرن العشرين. وعند بلوغ مستوى معين لم يكن هناك طائل من الحصول على أجر أكبر. كان كبار المسئولين التنفيذيين يريدون مزايا من قبيل عضويات النوادي الريفية والمعاشات التقاعدية والاستقرار الوظيفي لا زيادات في أجور لن ينالوا منها إلا ١٠ في المائة.

غيَّرت التخفيضات الضريبية لسنة ١٩٨١ في عهد ريجانكل ذلك، فبدأت أجور الرؤساء التنفيذيين ترتفع ارتفاعًا حادًّا، لدرجة أنها بدأت تُثِير النقد في وسائل الإعلام ومن جانب الساسة. كان أهم المدافعين عنها — وللمفاجأة الكبرى — في بعض الكليات المطلة على البحيرات العظمى. فقد اجتمعت طائفة من هؤلاء الأكاديميين في جامعة روتشستر سنة ١٩٨٤ وتوصلت إلى إجماع على أن «رواتب المسئولين التنفيذيين تحددها السوق، وأن التغيرات التي تطرأ على الأجور ترتبط ارتباطًا قويًّا بأداء الشركات.» هكذا وصف مايكل جنسن وكيفين جيه ميرفي — اللذان كانا قد وصلا لتوهما إلى روتشستر بعد تأليف أطروحة حول أجور المسئولين التنفيذيين في جامعة شيكاجو — الأمر في مقالة رأْي كتباها لصحيفة «نيويورك تايمز». فنظرًا لوجود منافسة على المسئولين التنفيذيين أصحاب المواهب، فإن الرواتب التي نشأت عن ذلك لا بد أن تكون قريبة من الصواب.

كان ذلك على الأقل الافتراض المبدئي. كانت لدى جنسن عادة محببة، وهي تمحيص البيانات الفعلية، وعندما حلَّل هو وميرفي فيما بعد خمسَ عشرة سنة من أجور الرؤساء التنفيذيين في ٢٥٠ شركة كبيرة، وجدا أنه تكاد لا توجد علاقة ارتباط بين الأجر والأداء، فكتبا في مجلة «هارفرد بيزنس ريفيو» سنة ١٩٩٠ يقولان: «أنستغرب إذن أن رؤساء تنفيذيين كثيرين جدًّا يتصرَّفون كموظفين بيروقراطيين لا كأصحاب مبادرات الأعمال المعظِّمين للقيمة، الذين تحتاج إليهم الشركات لتعزيز وضعها في الأسواق العالمية؟»20 ربما كانت هذه الكلمات هي الأكثر تأثيرًا من بين كثير من الكلمات المؤثرة التي كتبها جنسن. بالطبع لا ينبغي أن يتقاضى الرؤساء التنفيذيون أجورًا كالبيروقراطيين، وهذا ما كان يتفق عليه الجميع، بداية من الناشطين المساهمين ومرورًا باستشاريي الأجور والصحفيين وأعضاء مجالس إدارات الشركات، وانتهاءً بالرؤساء التنفيذيين أنفسهم. ينبغي أن يتقاضوا أجورهم حسب «الأداء».

ينطوي قياس أداء المسئولين التنفيذيين على تعقيدات بكل تأكيد. فما الفترة الزمنية المعنية: أهي ربع سنة أم سنة أم خمس سنوات أم عشر؟ وما المقياس الحقيقي: أهو الأرباح أم التدفقات النقدية أم التدفقات النقدية الحرة ناقص تكلفة رأس المال؟ تدخل السوق الكفء في صميم ذلك كله. كان ملايين المستثمرين يقيسون الحاضر على المستقبل، وكل استثمار على كل استثمار آخر ممكن، ويُضمِّنون كل هذا في سعر السهم. فما المقياس الأفضل؟

كما هو الحال غالبًا مع هذا التنظير لكفاءة السوق، كان هناك شيء ما في هذه الحجة. لكن في حين أن سوق الأسهم تُصدر أفضل حكم وأشمله على نجاح الرؤساء التنفيذيين، فإنها لا تفعل هذا على نحو يعوَّل عليه إلا بعد الواقعة بسنوات، وهذا أحد أسباب التاريخ الطويل من تضمين تأجيلات في الأجور الممنوحة على هيئة أسهم؛ مما أجبر المسئولين التنفيذيين على الانتظار لسنوات قبل أن يتسنَّى لهم صرفها نقدًا. نُحِّي هذا التاريخ جانبًا خلال تسعينيات القرن العشرين نتيجة الزيادة في الخيار غير المؤهل لاكتتاب الموظفين في الأسهم.

لم يكن منح المسئولين التنفيذيين خيارات لشراء أسهم في شركاتهم بالشيء الجديد؛ حيث شاعت هذه الممارسة في ثلاثينيات القرن العشرين عندما حاولت الشركات التي تواجه صعوبات إغراء المديرين الأكفاء وتحفيزهم بمنحهم خيارات لشراء أسهمها؛ ففي ظل نقص السيولة النقدية وضعف إقبال الجمهور على الأسهم، كان هذا النهج مقتصدًا وعاقلًا. وعندما زاد الكونجرس معدلات ضريبة الدخل في ثلاثينيات القرن العشرين، وفَّرت الخيارات بديلًا جذابًا للأجر النقدي للمسئولين التنفيذيين الواقعين في الشرائح الضريبية المرتفعة؛ لأن الخيارات تعامَل ضريبيًّا كمكاسب رأسمالية؛ ومن ثَمَّ تُفرض عليها ضريبة بمعدل أقل من معدل ضريبة الدخل. وضعت المحكمة العليا نهاية لذلك سنة ١٩٤٥ عندما اعتبرت مكاسب الخيارات دخلًا عاديًّا، وكان الدخل آنذاك تُفرض عليه ضريبة بمعدل أقصى هو ٩٤ في المائة. تدخَّل الكونجرس لإنقاذ الموقف بخيارات الأسهم «المقيدة» التي فرضت عليها ضرائب كمكاسب رأسمالية، شريطة أن يحتفظ المسئولون التنفيذيون بأسهمهم لمدة سنتين على الأقل بعد ممارسة هذه الخيارات. كانت المنح المسموح بها متواضعة الحجم، وفي منتصف سبعينيات القرن العشرين ألغى المشرعون هذا التخفيض الضريبي.

ثم جاءت التخفيضات الضريبية إبان ثمانينيات القرن العشرين. أحيا الكونجرس خيار شراء الأسهم المقيد المميز ضريبيًّا (والذي يسمى الآن «خيار شراء الأسهم التحفيزي») سنة ١٩٨١. كان الأهم من هذا بكثير التخفيض في معدلات الضريبة المفروضة على أعلى مستويات الدخول. لم تعد خيارات شراء الأسهم الأساسية غير المقيدة صفقة سيئة، بل كانت في واقع الأمر صفقة أفضل؛ لأن من كانوا يمارسونها كان بوسعهم بيع السهم الذي اشتروه فورًا. أزال ذلك كل الحدود العملية المفروضة على عدد ما يمكن لمسئول تنفيذي الحصول عليه. وفيما ازدادت منح خيارات الأسهم، دخل على الخط تصرف مراوغ آخر؛ حيث كانت هذه الخيارات مجانية، أو على الأقل كانت تبدو مجانية في تقارير الأرباح الشهرية المقدمة إلى المساهمين.

حتى في ثلاثينيات القرن العشرين، كان المستثمرون الفطنون يعلمون أن هذا الأسلوب المحاسبي مضلل. ففي سنة ١٩٣٦، كتب بنجامين جراهام بيانًا صحفيًّا عبارة عن محاكاة ساخرة، يقال إنها لشركة يو إس ستيل، أعلنت فيه الشركة أنها من ذلك الحين فصاعدًا ستدفع أجور العاملين على هيئة خيارات أسهم فقط لا غير. كتب جراهام يقول: «تتضح المزايا التي تكاد تكون خرافية لهذه الخطة الجديدة مما يلي:
  • (أ)

    سيتم إلغاء كشف أجور الشركة بالكامل؛ مما يعني توفير ٢٥٠ مليون دولار سنويًّا استنادًا إلى عمليات سنة ١٩٣٥.

  • (ب)
    في الوقت نفسه، سيزداد الأجر الفعلي لكل موظفينا سبعة أضعاف؛ ونظرًا للأرباح الكبيرة التي ستُنشر لكل سهم من أسهمنا العادية في ظل الطرق الجديدة، من المؤكد أن الأسهم ستحقق في السوق سعرًا يفوق كثيرًا مستوى الخيار البالغ ٥٠ دولارًا للسهم؛ مما يجعل القيمة القابلة للتحقيق فورًا لضمانات الخيارات هذه تفوق بكثير الأجور النقدية الحالية التي ستحل محلها.»21

بل إنه في ثمانينيات القرن العشرين، كانت الصفقة أفضل من ذلك؛ فنظرًا لأن دائرة ضريبة الدخل كانت تفرض ضريبة على خيارات الموظفين باعتبارها دخلًا، كان بمقدور الشركات التي تمنح الخيارات طرح هذه المكاسب من دخلها الخاضع للضريبة باعتبارها مصاريف أجور. لم تكن الخيارات مجانية فحسب بالنسبة للشركة، بل كانت مصدرًا دائمًا مدرًّا للنقدية.

كان واضحًا للمحاسبين أن هناك خطأً في هذه الصورة. كل ما هنالك أنهم لم يكونوا يعرفون كيفية إصلاحه. كانت الخيارات بكل تأكيد أجرًا، والطريقة التي يتم التعامل بها محاسبيًّا مع الأجور (سواء أكانت نقدًا أم سيارات أم أسهمًا) هي اعتبارها مصروفات. كانت الصعوبة أن خيار المسئولين التنفيذيين الاعتيادي كان ذا سعر محدد سلفًا يساوي سعر السهم يوم منح هذا الخيار. فإذا كان سهم شركة ما سعره ٢٠ دولارًا، فسوف يحصل المرء على خيار — صالح غالبًا لمدة عشر سنوات — لشراء سهم من أسهم الشركة بعشرين دولارًا. في يوم منح الخيار، لا يستطيع المرء تحقيق ربح من وراء ممارسة الخيار؛ لذا كان المحاسبون يعتبرونه عديم القيمة. كان تقييم سعر الخيار عند ممارسته — أي على نحو ما كانت تفعله دائرة ضريبة الدخل — مختلفًا تمامًا عن طريقة التعامل مع كل صور الأجور الأخرى، لدرجة أن المحاسبين لم يأخذوه قط على محمل الجد. لقد ظلت الخيارات مجانية.

قدمت معادلة تقييم سعر الخيارات التي وضعها فيشر بلاك ومايرون سكولز بديلًا. استغرق الأمر وقتًا، لكن في ثمانينيات القرن العشرين نما هذا إلى علم مجلس معايير المحاسبة المالية الذي يقرر ما الذي يُعتبر مبادئ محاسبية مقبولة عمومًا، فبدأ صياغة معيار جديد تضمن معادلة بلاك وسكولز. وفي سنة ١٩٩٣، أضفى المجلس الطابع الرسمي على هذا المقترح، بحيث يجري تقييم سعر خيارات شراء الأسهم للموظفين عند منحها باستخدام نموذج بلاك وسكولز، وكان هذا المبلغ يحسب كنفقة في مقابل الأرباح.

احتجت الشركات الأمريكية، التي كانت آنذاك آخذة في التحول بالجملة إلى الخيارات. ففي سيليكون فالي — حيث تغلغلت منح الخيارات في القوة العاملة على نحو أشد عمقًا — نظَّم عمال قطاع التقنية مسيرة مناوئة لمجلس معايير المحاسبة المالية سنة ١٩٩٤. «أعطوا خيارات الأسهم فرصة! لا توقفوا محرك النمو الاقتصادي الذي يمثل القوة الدافعة لاقتصاد كاليفورنيا!» هكذا صاحت كاثلين براون — وزيرة خزانة كاليفورنيا آنذاك والمرشحة لمنصب الحاكم — في خضمِّ الهتافات التي رددها الحشد. في جلسة استماع علنية في مقر مجلس معايير المحاسبة المالية في ولاية كونيتيكت، جادل رئيس تنفيذي تلو آخر بأن الخيارات لا قيمة لها، وبأن احتسابها من النفقات سيضر بالاقتصاد. وعندما أوضح أحد أعضاء مجلس معايير المحاسبة المالية للسيد بيرني ماركوس — رئيس مجلس إدارة شركة هوم ديبوت — أن الدراسات الأكاديمية أظهرت أن التغييرات في المعايير المحاسبية ليس لها أثر على أسعار الأسهم، رد ماركوس قائلًا: «أنت تحاول إرباكي بالمنطق هنا. لن يفلح هذا. أنا أتعامل مع الجانب الانفعالي من الشارع. أنا أتعامل مع وول ستريت.»22

تعرَّض الناشطون المساهمون الذين كانوا قد أثاروا هذا الخوف في قلوب المسئولين التنفيذيين قبل ذلك بعامين فقط للتهميش في هذا النقاش. ونظرًا لأن سيليكون فالي كان مرتعًا لمنح الخيارات، عارض ساسة ولاية كاليفورنيا كلهم خطة مجلس معايير المحاسبة المالية؛ لذا لم يكن نظام كالبرز في سبيله إلى اتخاذ موقف. كما أن الصناديق الاستثمارية المشتركة لم تكن ترغب في ذلك أيضًا. كانت الشركات التي أغدقت على موظفيها خيارات الأسهم — مايكروسوفت وسيسكو وهوم ديبوت — صاحبة الأسهم الأشد رواجًا. فمن ذا الذي كان سيدقق في هدية يتلقاها؟

كان وارين بافيت وتشارلي مانجر المؤيدين الصريحين الوحيدين تقريبًا لمجلس معايير المحاسبة المالية في محنته. كان نفوذهما السياسي محدودًا، وتحت ضغط من الكونجرس تراجع مجلس معايير المحاسبة المالية.23 فقد سلَّم المجلس بأنه ليس من الضرورة احتساب الخيارات كنفقات، لكن على الشركات أن تدرج تقديرًا، وفق معادلة بلاك-سكولز، لقيمة الخيارات التي منحتها ضمن حاشية سفلية في تقاريرها السنوية. كان طرف الخيارات بإمكانه المضي قدمًا، وكذلك بعض الأطراف الأخرى أيضًا. قال بافيت فيما بعد: «ما إن أظهر الرؤساء التنفيذيون قدرتهم السياسية على إثناء مجلس معايير المحاسبة المالية ولجنة الأوراق المالية والبورصة عن قرارهما، حتى أحسوا بأنهم يملكون القدرة على فعل الكثير من الأشياء الأخرى أيضًا.»24

•••

كان أغلب أساتذة المالية واقفين في صف مجلس معايير المحاسبة المالية؛ فمعادلة تسعير الخيارات في النهاية معادلتهم،25 لكنهم لم يُبدوا حماسًا أكثر مما ينبغي. إذا أُفصح عن بيانات الخيارات في التقارير السنوية، فستَفرز سوق الأسهم هذه البيانات. ويبدو أن الأساتذة كانوا محقِّين في ذلك، فعندما نُقلت تكاليف الخيارات أخيرًا إلى قوائم الأرباح سنة ٢٠٠٦، لم يكن لها أثر ملحوظ على أسعار الأسهم. لكن النظر إلى المحاسبة من منظور أثرها على أسعار الأسهم فقط كان خطأً تقليديًّا من جانب أساتذة المالية. فالمكان الذي كان فيه المعيار المحاسبي للخيارات أهم ما يكون هو داخل الشركة. فالشركات تدير ما تقيسه، وقد أخفق معظم المسئولين التنفيذيين ومجالس الإدارات في إدارة منْح الخيارات بطريقة معقولة.

جادل كثير من أساتذة المالية وخبراء الأجور بقولهم إنه كي نثيب الأداء لا مجرد الحظ المحض، ينبغي أن تشتمل خيارات المسئولين التنفيذيين على أسعار ممارسة مرتبطة بالسوق ككل أو بالأسهم الأخرى في مجال عمل الشركة. وبهذه الطريقة لا يُثاب الرؤساء التنفيذيون على انتعاش في السوق ولا يعاقبون على ركود فيها. فإذا تفوَّقت شركتهم على قريناتها كانت تربح أرباحًا هائلة وفي وقت قصير، وإذا لم تتفوق، لا تحقق ذلك. صاحبت تلك الأنواع من الخيارات تعقيداتٌ محاسبية ترتب عليها ضرورة تقييدها مقابل الأرباح؛ ومن ثَمَّ تجنبتها الشركات. كانت تعطي رؤساءها التنفيذيين بدلًا من ذلك الملايين والملايين من الخيارات العادية التي يتساوى سعر ممارستها والسعر الفعلي. في السوق المتجهة إلى الصعود في تسعينيات القرن العشرين، دفع ذلك بعض كبار نجوم الرؤساء التنفيذيين إلى مصافِّ أصحاب المليارات (كان جوزيويتا مدير كوكاكولا أول موظف يبلغ تلك المكانة)، وجعلت كثيرين من ذوي القدرات المتوسطة أصحاب ثروات تقدر الواحدة منها بمائة مليون.

حاولت هيئة الأوراق المالية والبورصة الحد من هذا الإفراط بالمطالبة بدرجة أدق من الإفصاح عن أجور المسئولين التنفيذيين، لكن هذه الخطوة آتت نتائج عكسية؛ حيث ناضلت مجالس الإدارة لضمان تجاوز أجور رؤسائها التنفيذيين المتوسط، (كان منطقها في ذلك قولها إنك إذا أردت رئيسًا تنفيذيًّا فوق المتوسط فلا بد أن تمنحه أجرًا فوق المتوسط). كانت للكونجرس مساهمته أيضًا بسنِّه سنة ١٩٩٢ قانونًا يُلغي استقطاع ضريبة الشركات من كل الأجور التي تزيد عن مليون دولار سنويًّا ما لم يكن الأجر مستندًا إلى الأداء. كانت الخيارات بمنزلة منتهى الأجر المستند إلى الأداء. وكل ما فعله القانون أن جعل الشركات تمنح المزيد منها.

ما نوع الأداء الذي كانت هذه الخيارات تثيب عليه؟ في معادلة بلاك — سكولز وكل معادلات تسعير الخيارات الأخرى، تزداد قيمة خيار ما مع تقلب السهم المرتبط به.26 وهكذا كان الرؤساء التنفيذيون يُعطَوْن أجرًا نظير جعلهم سهم شركتهم أكثر تقلبًا؛ أي نظير إقدامهم على مزيد من المخاطر. جادل البعض بأن المزيد من التقلب شيء حسن؛ نظرًا لأن المسئولين التنفيذيين بالشركات الكبيرة مالوا تاريخيًّا إلى النفور من المخاطر. لكن ربما ليس هذا ما كان ببال كثير من المساهمين فيما يتعلق بالأجر مقابل الأداء.

كما كان لإتاحة الفرصة للرؤساء التنفيذيين ليصبحوا مليارديرات من وراء الخيارات أيضًا أثر جعل كثيرين منهم مهتمِّين بسعر سهم شركتهم بشدة وهوس. أهذا ما كان يريده المساهمون؟ إنه سؤال مثير للاهتمام؛ لأن الأطر الزمنية تختلف باختلاف المساهمين. فبالنسبة للمستثمرين المحترفين الذين كان حدوث اتصال بينهم وبين المسئولين التنفيذيين أمرًا مرجحًا، كان ذلك الإطار الزمني آخذًا في القِصر يومًا بعد يوم. فحتى منتصف ستينيات القرن العشرين — عندما انتشرت أعمال الصناديق الاستثمارية المشتركة فجأة — كان متوسط زمن الاحتفاظ بالورقة المالية في صندوق مدار بطريقة احترافية هو سبع سنوات، وبحلول أواخر تسعينيات القرن العشرين كانت تلك الفترة أقل من عام. وتجاوز معدل دوران المحفظة السنوي ١٠٠ في المائة.

ركز مديرو الأموال المحترفون تركيزًا أشد على تقارير الأرباح ربع السنوية. كتب ألفريد رابابورت — صاحب مصطلح «القيمة المضافة للمساهمين» — يقول: «افتتان مديري توظيف الأموال بالأرباح ربع السنوية ليس محيرًا بشدة، بل في الحقيقة هو شيء عقلاني تمامًا في سوق يهيمن عليها وكلاء مسئولون عن أموال أناس آخرين، لكنهم يسعون أيضًا لتحقيق مصالحهم الشخصية.»27 كانت هذه حدود المراجحة، فاحتفاظ المرء بوظيفته كمدير أموال غالبًا ما كان يتطلب سلوكًا يختلف اختلافًا كبيرًا عن سلوك المستثمر العقلاني الافتراضي الذي يقول به علم الاقتصاد المالي.
كان ذلك أحد دواعي التركيز على الأرباح ربع السنوية. وكان هناك داعٍ آخر وهو — كما أثبتت سنوات من بحوث أساتذة المالية — أن سعر سهم شركة ما كان يميل إلى الانجراف صعودًا بعد الإعلان عن أرباح ربع سنوية أعلى مما توقعته السوق، والانجراف هبوطًا إذا أصيبت السوق بخيبة أمل. بحلول ثمانينيات القرن العشرين، كان من الممكن أن يقاس ما تتوقعه السوق بشيء من الدقة؛ حيث عمدت شركة المراجحة «لينش، جونز آند ريان» في البداية ثم تلتها «فيرست كول» و«زاكس» إلى تجميع تنبؤات الأرباح الصادرة عن محللي وول ستريت ودمجها في تقديرات «إجماعية». بدأ المستثمرون يتبعون استراتيجيات مفاجأة الأرباح، مؤكدين من ثَمَّ على الأثر الفوري لتقرير أرباح يتفوق على الإجماع أو يتخلف عنه. وبحلول منتصف تسعينيات القرن العشرين، كان التنبؤ الإجماعي، أو «العدد» كما كان يسمى غالبًا، قد صار أهم نقطة مرجعية منفردة لأداء الشركات على المدى القصير.28
كان للعدد مزاياه؛ إذ أتاح مصدرًا واحدًا للمستثمرين المشغولين الذين يحاولون الحكم على أداء شركة ما. لم يكن المرء مضطرًّا للقلق بشأن التغييرات المحاسبية أو المصروفات التي تُصرف مرة واحدة؛ لأنها كانت تظهر بالفعل في هذا العدد. كما عالج العدد شكوى كبيرة كانت لدى أساتذة المالية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بشأن أبحاث وول ستريت؛ فمعظم تقارير المحللين كانت «غير تامة من الناحية المنطقية وعديمة القيمة» كما قال جيمس لوري — الأستاذ بجامعة شيكاجو — وتلميذته ماري هاميلتون سنة ١٩٧٣ شاكيين. لقد أخفقت في «تحديد أو حتى النظر فيما إذا كان سعر السهم يعكس بالفعل جوهر التقييم أم لا.»29 والآن يعرف أي محلل أنه سيبدو غبيًّا إذا لم يُشر بصورة ما إلى موقفه بالنسبة إلى الإجماع.

كان ذلك لأن العدد الإجماعي كان من الجودة التي صار معها خطيرًا. دائمًا ما كان المسئولون التنفيذيون يهتمون كثيرًا بالأرباح. ووفَّر العدد الإجماعي لأول مرة هدفًا واضحًا وواقعيًّا ومتفقًا عليه عمومًا، في حين وفَّر النمو في الأجور القائمة على الأسهم حافزًا كبيرًا لتحقيق ذلك الهدف. فإذا جاءت أرباح شركة ما أقل من المستهدف، كان سعر السهم ينخفض وتنخفض معه ثروة كبار المسئولين التنفيذيين، وإذا تفوَّقت على العدد، ازدادوا ثراءً. فعل المسئولون التنفيذيون العقلانيون كل ما يتطلَّبه الأمر للتفوق على العدد.

اشتمل أشهر نهج في ذلك الصدد على التلاعب في التقدير الجماعي، وكانت هناك طريقتان لفعل ذلك. في بعض الأحيان كانت شركات أو قطاعات بأكملها تقنع المحللين الذين يقومون بتغطيتها باستخدام مقياس غير الأرباح. وكان هذا البديل يُختار عادة نظرًا لأن الأرباح سلبية أو متقلِّبة. فقد دأب قطاع تليفزيون الكابل عالي المديونية — على سبيل المثال — على إعلان الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب وانخفاض القيمة والإهلاك. أما الطريقة الأخرى لتغيير التقدير الجماعي فكانت «التقليل من قيمته»، وذلك بجعل المحللين يصدرون أرباحًا تقديرية يسهل التفوق عليها. وكانت هذه الممارسة تصوَّر في بعض الأحيان كممارسة محمودة. ففي النهاية، أن تعد بالأقل وتحقق الأكثر أفضل من أن تفعل العكس. لكن التفاوض بشأن مستهدفات الأرباح صار استخدامًا غريبًا لوقت المسئولين التنفيذيين والمحللين، ولا سيما عندما أدرك المستثمرون الأمر وبدءوا يفترضون أن أية إدارة تتمتع بنصف مقدرة لا بد أن تكون قادرة على التفوق على مستهدف هي من تفاوضت بشأن وضعه لنفسها في نهاية المطاف. وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين، بدأ المحللون يتبادلون «أرقامًا غير معلنة لإيرادات الأسهم» تكون أعلى من تنبؤاتهم الرسمية مع مديري الأموال المفضَّلين لديهم.

ازداد الإغراء أيضًا للتلاعب في الأرباح الفعلية؛ فقطعت الشركات أشواطًا بعيدة لتحقيق مستهدفاتها الخاصة بالمبيعات قبل نهاية الفصل، فجدولت المعاملات بحيث لا تُحدث خللًا في مسار الأرباح. وعندما كان يخفق كل ما عدا ذلك، كانت تكوم عمليات الشطب و«تكاليف إعادة الهيكلة» في فصل سيئ واحد بحيث تبدو الفصول المستقبلية أحسن حالًا. كان الظهور بمظهر العافية المالية مقدمًا على تحسين الواقع.

•••

نقْل الأرباح من فصل إلى فصل ليس بمشكلة ما دام مسار أرباح الشركة صعوديًّا. وبالنسبة لمعظم الشركات الأمريكية طوال معظم فترة تسعينيات القرن العشرين، «كان» الاتجاه صعوديًّا. وفي سنة ١٩٩٨، جمُدت الأرباح التي كانت الشركات تعلنها لدائرة ضريبة الدخل، أما التي كانت تعلنها للمستثمرين فواصلت صعودها. كان لمعظم هذا التضارب علاقة بمليارات الدولارات من أرباح خيارات الأسهم التي أُعلنت كمصروفات لمحصل الضرائب دون المستثمرين، لكن في إنرون وفي وورلد كوم والشركات الأخرى التي لم ترتكب هذا الخطأ بالضبط، تمخَّض النضال لتلبية مستهدفات الأرباح في مواجهة المبيعات المخيبة للآمال عن الاحتيال أيضًا.

صارت أسعار الأسهم شديدة الارتفاع بالنسبة للأرباح، حتى إن أية بادرة على تباطؤ النمو كان يمكنها أن تدفعها (وبصحبتها ثروات الرؤساء التنفيذيين) نحو الهبوط. قال مايكل جنسن بعد أن انتهى كل ذلك: «السهم المقدَّر بأعلى من قيمته هو بطبيعته سهم لن يتمكن فريق إدارة شركته من تحقيق أداء يبرر أسعاره تلك.» قضى جنسن معظم عقد تسعينيات القرن العشرين يعمل بدوام جزئي لدى مونيتور جروب، وهي شركة استشارية أسَّسها أساتذة كلية هارفرد لإدارة الأعمال سنة ١٩٨٣؛ لذا كان على قدر كبير من الاتصال بفرق الإدارة التي كانت في هذا المأزق. كانت نصيحته لهم هي تخفيض سعر أسهمهم؛ لإغراء المستثمرين بالبيع. وعادة لم يكن ذلك يلقى قبولًا.30

كان لدى المسئولين التنفيذيين وسيلة أخرى أكثر ربحًا لدفع سعر أسهمهم إلى الانخفاض، ألا وهي بيع الأسهم. كان بإمكانهم إما بيع أسهمهم المملوكة لهم — وذلك بالدرجة الأولى بممارسة خياراتهم لشراء الأسهم ثم التخلص من السهم — وإما بيع الأسهم المملوكة للشركة، وذلك بإصدار أسهم جديدة. أدى كلا هذين الفعلين إلى زيادة حادة في المعروض المتاح من الأسهم؛ مما وضع ضغطًا نزوليًّا على سعر السهم. وفي سنة ٢٠٠٢، اقترح تلميذان سابقان لأندريه شلايفر أن الشركات الأمريكية — بإصدارها الأسهم عندما تكون الأسعار مرتفعة وإعادة شرائها عندما تكون الأسعار منخفضة — كانت في حقيقة الأمر تلعب دور المراجحة حاسم الأهمية الذي لم يستطع المستثمرون المحترفون لعبه. ما أبقى السوق على مسافة قريبة من العقلانية على الأقل لم يكن المراجحون المحترفون الأشبه بأسماك القرش بقدر ما كان الرؤساء التنفيذيون الحريصون على مصالحهم الشخصية.

برزت المشكلات الكبرى في الشركات التي أوهم فيها المسئولون التنفيذيون أنفسهم بأن أسهمهم غير مقدَّرة بأعلى من قيمتها. كان أساتذة المالية بالتأكيد يؤيدون هذا الوهم منذ عقود بمجادلتهم بأن السوق تحدد الأسعار بعقلانية. قال جنسن فيما بعد: «لم يكن هناك إصغاء لا في الأوساط الأكاديمية ولا في غرف مجالس الإدارة لهذه القصة.»

في منتصف تسعينيات القرن العشرين، كان جنسن قد دخل في نقاش معبر مع مايكل برينان، أستاذ المالية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. كان برينان تلميذ مايرون سكولز في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في أواخر ستينيات القرن العشرين، وكان رئيس جمعية المالية الأمريكية سنة ١٩٨٩. كان جزءًا من مؤسسة كفاءة السوق، لكنه على الرغم من ذلك أزعجه رأي جنسن حول كيفية عمل الشركات. كتب برينان سنة ١٩٩٤ يقول: «أرفض الموقف، المعنيَّ ضمنًا في نموذج الوكالة البسيط، القائل بأن قرارات مسئولي الشركات التنفيذيين مدفوعة فقط بحوافزهم المالية الشخصية. هناك اعتبارات أخلاقية أخرى — مثل الواجب والمسئولية والشرف والعدالة — لها أهميتها أيضًا.»31

بعد أن بدأت أسعار الأسهم في الهبوط سنة ٢٠٠٠، صار واضحًا أن برينان على صواب. رأت الشركة الأعلى قيمة في العالم — وهي سيسكو سيستمز — أرباحها تنخفض إلى صفر وسعر سهمها ينخفض من ٨٠ دولارًا إلى ١٤ دولارًا، ومع ذلك لم تضلَّ طريقها. كان على رأسها رئيس تنفيذي سبق أن عايش أوقاتًا عصيبة من قبل. كانت لدى الشركة ثقافة قوامها التكيف والمرونة رسخها رئيس مجلس إدارتها الذي شغل منصبه زمنًا طويلًا. وبحلول عام ٢٠٠٨، وفي حين كان سعر سهمها ما زال على مبعدة أميال من ذروته التي بلغها سنة ٢٠٠٠، كانت الشركة قد ضاعفت أرباحها ثلاث مرات لتصبح ٨ مليارات دولار في السنة. كانت للأمور المعنوية أهميتها.

في سنة ٢٠٠١، نشر جيم كولينز — الباحث الإداري والأستاذ السابق بكلية ستانفورد لإدارة الأعمال — كتابًا عن الشركات التي ارتقت من التوسط إلى العظمة. كان معيار النجاح في كتاب «من الجيد إلى العظيم» هو بالضبط ما كان سيختاره أي أستاذ مالية، وهو تحقيق عائد للمساهمين يفوق بشدة السوق ككل. اختار كولينز إحدى عشرة شركة حققت هذه القفزة وحافظت عليها مدة خمسة عشر عامًا على الأقل، ثم نظر إلى ما حدث بالفعل لتمكينها من تحقيق هذه القفزة. كانت هناك بعض القواسم المشتركة المثيرة للاهتمام، لكن هيكل حوافز المسئولين التنفيذيين لم يكن واحدًا منها. كتب كولينز يقول: «استخدمت بعض الشركات الأسهم استخدامًا مكثفًا، وبعضها لم يفعل ذلك. بعضها كان يدفع رواتب مرتفعة، وبعضها لم يكن يفعل. بعضها حقق استفادة كبيرة من حوافز العلاوات، وبعضها لم يفعل.» حتى عندما ابتعد عن الإحدى عشرة شركة التي تحولت من شركات جيدة إلى شركات عظيمة وقارنها بالشركات الأخرى، لم تكن هناك أنماط يمكن تمييزها في أجور المسئولين التنفيذيين. ببساطة، الحوافز الاقتصادية لم تكن العامل الحاسم.32

•••

بطبيعته لم يستسلم جنسن هناك؛ ففي سنة ١٩٩٨، حضرت ابنته دورة تدريبية نظمتها شركة لاندمارك إديوكيشن في سان فرانسيسكو. كانت لاندمارك أحد فروع مؤسسة إرهارد سيمينارز ترينينج، التي تمثل نموذجًا لتحقيق الذات في سبعينيات القرن العشرين وأكثر ما تُعرف به هو ندرة فترات استراحة استعمال دورات المياه. ركزت كلٌّ من لاندمارك وإرهارد سيمينارز ترينينج على تعزيز الأصالة والتواصل الواضح.

اتصلت ابنة جنسن بأبيها، الذي كان يجمعه بها علاقة متوترة، وذلك بعد عودتها من الدورة، وطلبت منه تجربة تلك الدورة، فسافر إلى سان فرانسيسكو وافتُتن بما رأى. بدأ يدرس المؤسسة، وفي النهاية التقى فيرنر إرهارد — مؤسس إرهارد سيمينارز ترينينج — وبدآ معًا بحث ما ينقص نماذج جنسن لسلوك الشركات،33 فانتهيا إلى أن الحلقة المفقودة هي الشرف، ليس الشرف من منظور أخلاقي ملتبس. قال جنسن إن كون الإنسان «شريفًا» يعني أنه «يحترم كلمته»؛ مما يعني — والكلام مقتبس من شريحة الباوربوينت في أحد عروضه التقديمية — أنك إما:
  • تحافظ على التزاماتك ووعودك في الوقت المحدد، وإما

  • عندما تخفق في الحفاظ على التزام أو وعد فإنك:
    • تعترف بذلك الإخفاق عندما تستبينه.

    • وتزيل أية فوضى تسببت فيها لمن كانوا يعتمدون على التزاماتك ووعودك.34

جادل جنسن قائلًا إنه إذا روعيت تلك القواعد في شركة ما أو في بيئة السوق المالي الأوسع نطاقًا، فستُنشأ قيمة اقتصادية أكبر بكثير مما عليه الحال الآن وتستدام.

إنها حجة معقولة. لكن الأهم من التفاصيل هو مَن قدم هذه الحجة. كان جنسن من قبل النصير الأكثر تأثيرًا لفكرة أن الأسواق المالية تعرف أكثر، وأن الحوافز القائمة على السوق المالية تذكرة المرور إلى عالم أكثر كفاءة وازدهارًا. أما الآن فهو يعترف بأن تلك الحوافز ليست كافية؛ فإذا أخفق المشاركون في السوق في اتباع قاعدة لم تقررها السوق — وأعني الشرف — فلن تكون الأسواق فعالة؛ أي إن السوق لا تستطيع أن تحكم نفسها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤